الرئيسية اتصل بنا
 
 


العودة   منتديات الآفاق السلفية > أقسام المنتديات الرئيسية > منبر الآفاق السلفية العلمي الــعـام

إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 29th June 2011, 12:57 PM
علي النهدي علي النهدي غير متواجد حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: Oct 2010
المشاركات: 135
افتراضي مناقشة الحديث الثالث في مستدرك التعليل على إرواء الغليل.

بسم الله الرحمن الرحيم

الحديث الثالث
حديث : " إِنَّ الْمَاءَ لاَ يُجْنِبُ " .

عن سماك بن حرب عَنْ عِكْرِمَةَ مولى ابن عباس عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ : اغْتَسَلَ بَعْضُ أَزْوَاجِ النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم فِى جَفْنَةٍ فَأَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ يَتَوَضَّأَ مِنْهُ فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّى كُنْتُ جُنُبًا . فَقَالَ : " إِنَّ الْمَاءَ لاَ يُجْنِبُ " .
قال المستدرك :
خلاصة رأي الشيخ الألباني رحمه الله : الحديث صحيح , وله شاهد من حديث أم هانئ .
الاستدراك :
الحديث ضعيف , ضعَّفه الإمام أحمد , وله علة ذكرها بعض الأئمة .اهـ من مستدرك التعليل

مناقشة المستدرك والجواب عن علله :
· اضطراب رواية سماك عن عكرمة وأن الأصل فيها الاضطراب :
قرر المستدرك سدده الله أن أهل العلم يختلفون في سماك من حيث التوثيق والتجريح, على ثلاثة أقوال : التضعيف مطلقًا, أو التوثيق مطلقًا, أو التفصيل.
ثم رجّح أنه ثقة في غير عكرمة, وأما في عكرمة فالأصل أن روايته مضطربة مطلقًا, ولو كان الراوي عنه : شعبة بن الحجاج وسفيان الثوري !
وفي هذا العرض نظر, فإن سماكًا الأصل فيه أنه ثقة, ولم يُختلف فيه من هذه الجهة.
قال العجلي : جائز الحديث, لم يترك حديثه أحد, ولم يرغب عنه أحد . انتهى
وأحتج به الإمام مسلم في الصحيح, وقال أبو حاتم الرازي : صدوق ثقة .
ولذلك قال يعقوب بن شيبة في قول ابن المبارك عن سماك (ضعيف الحديث) : والذي قاله ابن المبارك إنما يُرى أنه فيمن سمع منه بآخرة. انتهى
وقد نقل المستدرك سدده الله تنصيص يعقوب بن شيبة على تصحيح رواية عكرمة إذا جاءت عن شعبة وسفيان مطلقًا, وزاد الدارقطني رواية أبي الأحوص أيضًا كما جاء في سؤالات السلمي للدراقطني (166) : سماك بن حرب إذا حدث عنه شعبة والثوري وأبو الأحوص، فأحاديثهم عنه سليمة، وما كان عن شريك بن عبد الله وحفص بن جميع ونظرائهم، ففي بعضها نكارة. انتهى
ومع ذلك رد الدكتور الخليل عفا الله عنه في استدركه كلام الحفاظ ! وبلا حجة, وقرر أن الأصل في رواية سماك عن عكرمة الضعف مطلقًا, وأن الحمل في ذلك على سماك مطلقًا, وفيه نظر, فحتى الإمام أحمد وهو قد نص على اضطراب سماك في حديث الباب إلا أنه قد نُقل عنه في رواية قوله : (( عمرو بن أبي عمرو كل شئ يرويه عن عكرمة مضطرب وكذا كل من يروي عن عكرمة سماك وغيره )) . قيل له : (( فترى هذا من عكرمة أو منهم ؟ قال : (( ما أحسبه إلا من قبل عكرمة )) . ذكرها ابن رجب في شرح العلل.
فالواجب جريًا على الانصاف, فرض الاحتمالات كلها, والنظر فيمن يكون سبب الاضطراب, ولا تهمل باقي طبقات الاسناد, فيُنظر في الاختلاف بين أصحاب سماك, وأصحاب أصحابه, دون ضرب روايات الحفاظ بعضها في بعض, فنتهم البريء ونبرئ المتهم.
يقول الحافظ ابن حبان : "وعائذ بالله من هذين الخصلتين : أن نجرح العدل من غير علم، أو نعدل المجروح من غير يقين ".اهـ[1]

· دعوى علة الإرسال :
لحديث الباب سبعة طرق - فيما وقفت عليه – يروى بها الحديث عن سماك, خمس منها بالوصل وإثنان بالإرسال, ومنهج الدكتور في شرح هذه العلة خلاف طريقة أئمة العلل, وذلك بأن أفرد الكلام حول طريق واحد من الطرق السبعة عند محاولة ترجيحه بين الوصل والإرسال, متجاهلًا النظر في باقي الطرق, وقد استهل سدده الله شرح هذه العلة بذكر أن من روواه عن شعبة مرسلاً أكثر كذا, بل ووصفهم بأجلاء, أصحابه, والصحيح أن غندرًا فقط من رواه مرسلاً !
ولعل منشأ الخطأ هو من قراءته لعبارة الحافظ ابن عبد البر التي نقلها الدكتور ونصها ((أجلّ أصحاب شعبة يروونه عنه)) فظن أنهم جماعة, والذي يظهر لي أن العبارة كأنها ((أجلّ أصحاب شعبة يرويه عنه)) والله أعلم.
والحاصل أن شعبة بن الحجاج اُختلف عليه, فرواه محمد بن جعفر ( غُندر ) مرسلاً, ورواه محمد بن بكر البرساني مسنداً .
وقد اتكأ الدكتور الخليل سدده الله على القول المشهور لابن المبارك : (إن الناس إذا اختلفوا في حديث شعبة, فالحكم بينهم كتاب غندر).
وهذه العبارة يغلط من يظنها على إطلاقها, وأن رواية غندر مقدمة على غيره في شعبة مطلقًا, والصواب : أن لا , لأن غندرًا ليس بحافظ, وإنما قُدّم في شعبة, للملازمة الطويلة فهو ربيبه, وقد لازمه لعشرين سنة, وقد كان لا يكتفي بالسماع بل يعرض عليه بعد السماع, ويكرر ذلك, حتى قال الإمام أحمد : ولا أظن هذا كان منه إلا من بلادته. انتهى

يقول الفسوي : وسمعت بعض أصحاب الحديث يقول لسليمان بن حرب: قال عبد الرحمن بن مهدي في حديث لشعبة اختلفوا فيه: كيف قال غندر ؟ قال سليمان: يا مغفل كان عبد الرحمن أنكد من أن يقول هذا إنما قال كيف في كتاب غندر. قال سليمان: إن غندراً كان يقول: سمعت حديث شعبة وقرأ عليه. قال سليمان: كان حديث كتابه صحيحاً فأما هو فكان كأنه أومأ به كان لا يعقل هذا الأمر.

وقال الذهبي في غندر: وأما في غير شعبة، فيكتب حديثه، ولا يحتج به.

فنستفيد من ذلك أن المقدم هي رواية غندر من كتابه عند اختلاف أصحاب شعبة فيما بينهم على شعبة, وأما إذا لم يُعرف أن الرواية من الكتاب, أو أن من الثقات من خالف شعبة في نفس الخبر, فلا يصح جعل غندرا حكمًا في هذه الحالة, وهذا صنيع الحفاظ فهم يردون رواية غندر عن شعبة ويرجحون غيرها, ولا يجعلون غندرًا مقدمًا دائمًا, خصوصًا إذا روي الخبر عن غير شعبة من الحفاظ الأثبات كسفيان الثوري وأمثاله .

- جاء في العلل للدارقطني برقم (435) - وسُئِل عن حديث عاصم عن علي أنه كان يقول في دبر الصلاة ثم نورك ربنا فهديت فلك الحمد الحديث في دعاء طويل.
فقال : يرويه الثوري وشعبة وإسرائيل عن أبي إسحاق.
واختُلِفَ عن شعبة فرواه غندر عن شعبة عن أبي إسحاق عن عاصم بن ضمرة قوله ولم يذكر عليًا .
وخالفه أبو الوليد عن شعبة فذكر فيه عليًا, كما قال الثوري وإسرائيل، وهُو الصَّحيح . انتهى

فانظر كيف رجّح الناقد الحافظ الدارقطني, بين أصحاب شعبة, بموافقة الثقات الثوري وإسرائيل, ولم يقل: [غندر أوثق الناس في شعبة فلم يبق في ظني مجال للشك وقد أخطأ من خالفه] !! , متجاهلًا باقي روايات الحفاظ الأثبات الذين لم يختلف عليهم أصحابهم !!

ونزيد البصير بصيرة بأمثلة تؤكد على ما تقدم بيانه :
- جاء في معرفة العلل للإمام أحمد برقم (1868) : وقال وكيع : عن شعبة بإسناده وقال: شعب [أي بدل (شعث) بحسب رواية غندر] خالف غندرًا وهو الصواب يعني شعب. انتهى
- وبرقم (1918) قال عبد الله : قال أبي في حديث شعبة، عن ابن أبي نجيح، عن محمد بن إسماعيل، كذا قال غندر .... قال أبي: وهذا خطأ إنما هو إسماعيل بن محمد . انتهى
- وبرقم (4795) : أخطأ فيه غندر، قال: عن عبد الله وخالفوه ليس هو عن عبد الله، يعني مرسلاً .انتهى
- وبرقم (4806) قال عبد الله : سمعتُ أَبي يقول: أخطأ غندر في حديث سعيد، عن قتادة، عن سليمان بن يسار، كذا قال غندر ..... وخالفه ابن علية، قال: سليمان اليشكري، وهو الصواب، وليس هو سليمان بن يسار. انتهى
- وبرقم (5163) قال عبد الله : قال أبي: غندر لم يسند من شعبة حديث عمرو بن مرة، عن الحسن بن مسلم، أن جارية تمرط شعرها، نقص من إسناده، يعني عائشة . انتهى
يعني : أرسله غندر ولم يوصله .

الخلاصة أن الترجيح بين طرق روايات شعبة لا يستقيم أن يكون بمعزل عن باقي الطرق المروي بها هذا الحديث عن باقي الثقات الأثبات, فليس هذا من صنيع الأئمة النقاد, فهم يسبرون الطرق كلها عن صاحب المخرج ثم يرجحون ما اتفق عليه الحفاظ, فإذا اختلفوا قدموا الأوثق فالأوثق, فإن كانوا أكفاء, فيذهبون إلى رواية الأكثر, فإن تساوى الطرفان, قُدِّم الناقص على الزائد, فلله درهم وعلى الله أجرهم.
لذلك لا ينبغي إفراد النظر للترجيح بين صاحبي شعبة (غندر, ومحمد بن بكر) دون معرفة الطرق المتفقة في رواية هذا الحديث, كما فعل الدكتور الخليل سدده الله مخالفًا لطريقة الحفاظ النقاد .

لذلك أقول : قد روي حديث الباب عن عدد من أصحاب سماك بن حرب موصولًا بدون اختلاف من أصحابهم وهم :
1. سفيان الثوري موصولًا ولم يُختلف عليه[2], فرواه عنه جماعة من الثقات وهم : عبدالرزاق الصنعاني, وعبد الله بن المبارك, وكيع بن الجراح, وعبيد الله بن موسى, وأبو أحمد الزبيري , وعبد الله بن الوليد .
2. أبو الأحوص سلام بن سليم موصولًا ولم يُختلف عليه, فرواه عنه جماعة من الثقات هم : قتيبة بن سعيد, ومسدد بن مسرهد, وأبو بكر بن أبي شيبة, وعثمان بن أبي شيبة .
3. شريك بن عبد الله النخعي القاضي موصولًا, ولكنه جعله من مسند ميمونة رضي الله عنها[3], ولم يُختلف عليه, فرواه عنه جماعة ثقات وهم : أبو غسان مالك بن إسماعيل, ومحمد بن سعيد الأصبهاني, وإسحاق بن منصور السلولي, وحجاج بن محمد المصيصي, وأبو داود الطيالسي, وهاشم بن القاسم, ويحيى بن أبي بكير, وعلي بن الجعد, وعصمة بن سليمان الخزاز .
4. أسباط بن نصر الهمداني موصولًا .
5. يزيد بن عطاء اليشكري موصولًا .

وأما الاختلاف فوقع في روايتي كل من :
1. شعبة بن الحجاج موصولًا من طريق محمد بن بكر البرساني, ومرسلًا من طريق محمد بن جعفر المشهور بغندر. .
2. حماد بن سلمة موصولًا من طريق يحيى بن إسحاق السليحيني, ومرسلًا من طريق أبي دواد الطيالسي ومحمد بن كثير وحجاج بن المنهال.

فلا أدري لماذا تجاهل الدكتور الخمسة الطرق الموصولة بلا خلاف, عند ترجيحه الإرسال على الوصل, وبأي منهج علمي تم له ذلك ؟
فكان ينبغي عليه سلوك الجادة في الترجيح, كما تقدم بيانه, بأن يسبر الطرق كلها عن صاحب المخرج, ثم يرجح ما اتفق عليه الحفاظ, فإذا اختلفوا قدم الأوثق فالأوثق, فإن كانوا أكفاء, فالترجيح برواية الأكثر, فإن تساوى الطرفان, عندئذ قد يُرجّح الناقص على الزائد .
والحق أن الاختلاف في روايتي شعبة وحماد بن سلمة, لا يقدح في ترجيح الوصل على الإرسال, نظرًا لما تقدم بيانه عن غندر, ولأن خلاف حماد بن سلمة لمن هو أوثق منه, مطروح عند الحفاظ[4].
فكيف إذا روي الوصل عنهما أيضًا من طرق صحيحة, فلا يختلف الحفاظ في هذه الحالة على ترجيح رواية الأكثر والله أعلم.

جاء في العلل لابن أبي حاتم برقم (1288) - وسألتُ أبِي عَن حدِيثٍ؛ رواهُ غُندرٌ مُحمّدُ بنُ جعفرٍ، عن شُعبة، عن علقمة بنِ مرثدٍ، عن سُليمان بنِ رزِينٍ، عن سالِمِ بنِ عَبدِ اللهِ بنِ عُمر، عن سعِيدِ بنِ المُسيِّبِ، عنِ ابنِ عُمر، عنِ النّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي الّذِي تكُونُ لهُ المرأةُ، فيُطلِّقُها، ثُمّ يتزوّجُها رجُلٌ، فطلّقها قبل أن يدخُل بِها، فترجِعُ إِلى زوجِها الأوّلِ، قال : لا، حتّى تذُوق العُسيلة.
قال أبِي : قد زاد عِندِي فِي هذا الإِسنادِ رِجالا لم يذكُرهُمُ الثّورِيُّ، وليست هذِهِ الزِّيادةُ بِمحفُوظةٍ .
قال أبُو مُحمّدٍ : حدّثنا أحمدُ بنُ سِنانٍ قال : حدّثنا عبدُ الرّحمنِ بنُ مهدِيٍّ، عن سُفيان، عن علقمة، عن رزِينٍ الأحمرِيِّ، عنِ ابنِ عُمر، عنِ النّبِيِّ صلى الله عليه وسلم.
وسمِعتُ أبا زُرعة، وسُئِل : عن هذينِ الحدِيثينِ.
فقال : الثّورِيُّ أحفظُ. انتهى

وهذا المثال يؤيد ما تقدم بيانه, وأن العبرة بالترجيح بين روايات الثقات الأثبات, كشعبة وسفيان وأبي الأحوص, لا كما فعله الدكتور سدده الله, فحصر الترجيح بين صاحبي شعبة, وأهمل روايات الثقات الأثبات المتواطئة على الوصل, والمؤيدة بغيرها من المختلف عنهم أو غيرهم ممن هو حسن الحديث أو جائز الاعتبار بحديثه كيزيد بن عطاء اليشكري وأسباط بن نصر وشريك القاضي

· دعوى مخالفة الأحاديث الصحيحة :
من عجيب صنيع الدكتور الخليل وفقه الله, زعمه أن حديث الباب مخالف للأحاديث الصحيحة, وبنفس التعليل علل حديث الحكم بن عمرو الذي فيه النهي عن فضل وضوء المرأة وقال عند تضعّيفه : بأنه مخالف للأحاديث الصحيحة !!
وأما صنيع أهل العلم ممن ذهبوا للترجيح, فإنهم يرجحون أحد الحديثين بحسب ما يظهر لهم, والترجيح فرع عن التصحيح.
ومنهم من ذهب لنسخ[5] حديث الحكم الناهي عن فضل طهور المرأة, ودليل نسخه حديث الباب وقول ميمونة رضي الله عنها : ( يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّى كُنْتُ جُنُبًا ), وأما من جمع بينهما فصحح الحديثين, وأما الدكتور سدده الله فقد ضعّف الحديثين إثباتًا لما يظنه مذهب أئمة النقد, فوقع في التناقض, ومن المعلوم أن الإمام أحمد في مسألة (( حكم فضل طهور المرأة )) ذهب إلى الجمع بين أحاديث النهي وأحاديث الإباحة في المشهور عنه بما معناه : أن النهي يتعين إذا ما خلت المرأة بالماء, وأما الإباحة فحال اغتسال الزوجين سويًا, فوجّه الدكتور وفقه الله ذلك بأن حجة الإمام أحمد في النهي ما روي موقوفًا عن بعض الصحابة رضي الله عنهم, كما هو معروف من أصول مذهبه ؟!

وهذا التوجيه باطل لأمور منها :
- الأول : قد يحتج الإمام رحمه الله بالموقوف استقلالاً, ولكنه رحمه الله لا يمكن أن يُعارض عنده المرفوع بالموقوف, فلو لم يثبت عنده حديث النهي لذهب للإباحة مطلقاً, ولكنه فصّل في الحكم فجمع بين حديث الإباحة وحديث النهي, وفسر حديث النهي بما ورد موقوفاً عن الصحابة ولا يقال أنه استفاد النهي من الموقوف فتنبه للفرق .

- الثاني : فهم أصحاب الإمام مقدم على توجيه الدكتور سدده الله.
قال المجد ابن تيمية حاكياً صنيع الإمام أحمد ومن ذهب مذهبه : "وحملوا حديث ميمونة على أنها لم تخل به جمعاً بينه وبين حديث الحكم ".انتهى
وقال ابن التركماني : ذكر الحافظ أبو بكر الاثرم صاحب ابن حنبل الاحاديث من الطرفين ثم قال ما ملخصه : الذى يعمل به أنه لا بأس ان يتوضيا أو يغتسلا جميعاً من إناء واحد يتنازعانه على حديث عائشة وميمونة وغيرهما, ولا يتوضأ الرجل بفضل طهور المرأة على حديث الحكم بن عمرو .انتهى
قال ابن مفلح صاحب المبدع : واحتج به أحمد في رواية الأثرم وخصصناه بالخلوة لقول - الصحابي - عبد الله بن سرجس .. انتهى المقصود
وأما جزم الدكتور سدده الله بأن الإمام أحمد ضعّف حديث الباب مستدلاً بما ورد عن الإمام حول حديث سماك ومن ذلك قوله " لم يجيء لحديث سماك غيره , والمعروف أنهما اغتسلا جميعاً " ومن ذلك قوله " هذا فيه اختلاف شديد " .
أقول : لا يفيد ما تقدم الصراحة في التضعيف, وقد أثبت الاصحاب رواية عن الإمام أحمد تفيد احتجاجه بحديث الباب, وهي الرواية الموافقة لقول الجمهور[6], ووجه اختيارها ذهابه لنسخ حديث النهي, وممن ذكرها من الحنابلة :
1- عبد الرحمن بن قدامة في الشرح الكبير (1/22) فقال : وفيه رواية أخرى أنه يجوز للرجل أن يتطهر به لما روت ميمونة قالت: أجنبت فاغتسلت من جفنة ..الحديث. اهـ المقصود
2- ذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية فقال : أن في مذهب أحمد ثلاثة أقوال, أحدها الإباحة مطلقاً .
3- ذكرها ابن مفلح في الفروع (كتاب الطهارة – القسم الثاني من المياة) وقال : وعنه يرفع "و" بلا كراهة كاستعمالهما معاً .اهـ

· دعوى الخطأ المنهجي في الاعتبار بالشواهد :
رد الدكتور الشاهد الذي أورده الشيخ الألباني رحمه الله, وزعم بأنه لا يصلح لتقوية حديث الباب, معللًا بقوله ((وهذا من الأخطاء التي تعتبر بها الشواهد , فتأمل)) وزاد بأن الشاهد المذكور من شواهد ضعف الحديث لا صحته ؟!!
وأنا استغرب هذا الصنيع من الدكتور عفا الله عنه, فهو للأسف لا يعلم أن جمهور أهل العلم على أن اغتسال الزوجين سوياً, هو هو اغتسال أحدهما بفضل الأخر .

يقول الإمام الشَّافِعِيُّ رحمه الله (الأم 1/21) : وَبِهَذَا نَأْخُذُ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَغْتَسِلَ بِفَضْلِ الْجُنُبِ وَالْحَائِضِ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم اغْتَسَلَ وَعَائِشَةَ من إنَاءٍ وَاحِدٍ من الْجَنَابَةِ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَغْتَسِلُ بِفَضْلِ صَاحِبِهِ . اهـ المقصود

وكذلك فعل ابن القيم رحمه الله عند تعليقه على حديث عائشة رضي الله عنها في الاغتسال سوياً فقال : فيه دليل على أن فضل وضوء المرأة طاهر .اهـ المقصود

بل واعلم أن للشيخ الألباني رحمه الله فيما فهمه من هذه الأحاديث وأنها تشهد لبعضها سلف, وهو الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله فتجده خرّج في جامعه الصحيح في كتاب الحيض برقم (759) فقال : حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ قَالَ قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍو عَنْ أَبِى الشَّعْثَاءِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أَخْبَرَتْنِى مَيْمُونَةُ :أَنَّهَا كَانَتْ تَغْتَسِلُ هِىَ وَالنَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - فِى إِنَاءٍ وَاحِدٍ .
ثم أعقبه بإيراد الحديث نفسه ولكن من طريق أخر وبلفظ أخر برقم (760) فقال : وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَمُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ قَالَ إِسْحَاقُ أَخْبَرَنَا وَقَالَ ابْنُ حَاتِمٍ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِى عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ قَالَ أَكْبَرُ عِلْمِى وَالَّذِى يَخْطُرُ عَلَى بَالِى أَنَّ أَبَا الشَّعْثَاءِ أَخْبَرَنِى أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - كَانَ يَغْتَسِلُ بِفَضْلِ مَيْمُونَةَ .

قال ابن سيد الناس رحمه الله [7]: "إن مسلماً لم يخرّج حديث ابن جريج حتى تقدمت عنده طريق سفيان عن عمرو التي لا شك فيها, وإن اختلفت ألفاظ الخبرين فهما واحد على طريقته لا يضره ذلك, فهذا الحديث عند مسلم كالمتابعة, والشاهد له, وصح الحديث عند مسلم بمجموع السندين ... فمسلم رحمه الله ومن جرى مجراه من الحفاظ, يعدهما كليهما حديث ميمونة في غسله عليه السلام وإياها من الجنابة حديثاً واحداً, اختلفت ألفاظه ورواته, يشهد بعضها لبعض ويقوي بعضها بعضاً" .انتهى

إذن فالإمام مسلم رحمه الله أخرج الحديثين بلفظين مختلفين, والدلالة عنده واحدة, ومما يؤكد استقامة هذا الفهم وأن الحديثين بمعنى واحد أنك تجد أبا نعيم في مستخرجه على صحيح الإمام مسلم (726) زاد عند روايته لحديث ابن جريج, قول عمرو بن دينار : ((وذلك أني سألته - المسئول أبو الشعثاء - عن الجنبين يغتسلان جميعاً ؟)) , فحدثه أبو الشعثاء بالحديث بلفظ : " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يغتسل بفضل وضوء ميمونة " .
فيُعلم من هذا أن أبا الشعثاء يرى اتحاد المعنى, فكان مرة يرويه بهذا اللفظ ومرة باللفظ الأخر, ولا يرى بينهما اختلافًا, والقاعدة تقول : أن الراوي أدرى بمرويه , والله الموفق .

فإن علمت هذا, وفهمت ما تقدم, تتعجب من المجازفة وعدم الانصاف, والتعدي على الأئمة المتمثل في قول الدكتور عفا الله عنه : ((وهذا من الأخطاء التي تعتبر بها الشواهد)) فدخل في قوله هذا, الإمام مسلم ومن جرى مجراه من الحفاظ والله المستعان .

الخلاصة : أن الراجح صحة الحديث وقد صححه من الحفاظ الترمذي وابن خزيمة وابن حجر ووافقهم الشيخ ناصر الدين الألباني, والله أعلم بالصواب.
وصل اللهم وسلم على نبينا محمد والحمد لله رب العالمين.

وكتبه / أبو طارق علي بن عمر النهدي
وانتهى منه في الرابع من شهر ربيع الثاني من العام الثلاثين وأربعمائة والف من الهجرة النبوية, وحرره وزاد فيه ونقص في الثالث عشر من شهر رجب من العام الثاني والثلاثين وأربعمائة والف للهجرة .




---------------------------------------
[1] المجروحين ترجمة عبد الله بن المؤمل المخزومي برقم (559) .
[2] قرر الدكتور في مستدركه أن الرواة عن سفيان الثوري لم يتفقوا على الرواية المسندة, بحجة أن الإمام أحمد قال : ((حدثنا به وكيع في المصنف عن سفيان عن سماك عن عكرمة ثم جعله بَعدُ عن ابن عباس)), وليس بشيء للمتأمل فإن الواجب اعتماده عن وكيع الرواية المسندة الموافقة لروايات الثقات كـابن المبارك, عبد الرزاق, وعبيد الله بن موسى, وأبي أحمد الزبيري, من أصحاب الثوري, فالواضح أن وكيعًا رواه مسنداً لعلم استجد عنده أو للخروج عن الشذوذ, وعلى كلتا الحالتين لا يجوز التعلق بروايته المرسلة في نقض إجماع أصحاب الثوري على الوصل.
[3] ولا أثر لهذا الاختلاف كما قرره أهل العلم, فابن عباس رضي الله عنهما لا يطّلع على ذلك إلا بإخبار خالته ميمونة رضي الله عنها له .
[4] قال البيهقي : ساء حفظه في آخر عمره, فالحفاظ لا يحتجون بما يخالف فيه . انتهى
[5] قال البغوي في شرح السنة (2/28) : حديث الحكم بن عمرو , إن ثبت فمنسوخ . انتهى
[6] قال النووي في المجموع : بهذا قال مالك وأبو حنيفة وجمهور العلماء .... وروي عن احمد كمذهبنا . انتهى المقصود
[7] النفح الشذي (2/61-63) .

من مواضيعي
0 التداخل بين مسألتي الحجاب والعورات وأثره على الخلاف في كشف وجه المرأة
0 يا أهل السعودية من أين جاءكم هذا الخير ؟
0 قصة الموت وحقيقته
0 لا تظالموا !
0 باب : في ذم التزين للخلق

رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 01:31 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.0, Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir

جميع الحقوق محفوظة لمنتديات الآفاق السلفية

a.d - i.s.s.w