الرئيسية اتصل بنا
 
 


العودة   منتديات الآفاق السلفية > أقسام المنتديات الرئيسية > منبر الآفاق السلفية العلمي الــعـام

إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 24th October 2012, 07:26 PM
أبو مصعب معاذ المغربي أبو مصعب معاذ المغربي غير متواجد حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: Sep 2010
المشاركات: 236
افتراضي الحجج و البراهين على عدم إعذار المشرك في أصل الدين

بسم الله الرحمن الرحيم

الأدلة على عدم اعتبار الجهل عذرا لمن كفر بالله تعالى أو أشرك به


الحمد لله على إحسانه و أشكره على فضله و امتنانه ،و أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيما لشأنه ،و أشهد أن محمدا عبده و رسوله الداعي إلى رضوانه ،أما بعد :

فإن مما هو متقرر عند أهل السنة أن أصول العقيدة الصحيحة مستمدة من الكتاب و السنة الثابتة عن النبي صلى الله عليه و سلم،بل المرجع في أصول الدين العلمية أو الفروع العملية هو الكتاب و السنة و الإجماع المنضبط، فليس لأحد أن يجعل أقوال أهل العلم حجة على الوحي أو تقديمها على الدليل الشرعي الصحيح و أدلة هذا معلومة مشهورة ،قال الشيخ العلامة عبد الله أبابطين :

((..ومحال أن يأمر الله الناس بالرد إلى ما لا يفصل النزاع, لاسيما في أصول الدين: التي لا يجوز فيها التقليد عند عامة العلماء وقال الله تعالى:{فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا})) اهـ

و قال الشيخ إسحاق بن عبد الرحمن آل الشيخ (حكم تكفير المعين ط الطرفين) :

((..ومما هو معلوم بالاضطرار من دين الإسلام، أن المرجع في مسائل أصول الدين إلى الكتاب والسنة وإجماع الأمة المعتبر وهو ما كان عليه الصحابة، وليس المرجع إلى عالم بعينه في ذلك، فمن تقرر عنده هذا الأصل تقريرا لا يدفعه شبهة وأخذ بشراشير قلبه، هان عليه ما قد يراه من الكلام المشتبه في بعض مصنفات أئمته، إذ لا معصوم إلا النبي صلى الله عليه وسلم .)) اهـ


و الأدلة في قضية الجهل وعدم الإعذار به في الشرك الأكبر،و أن الجهل و الضلالة لم يمنعا من وصف الواقعين في الشرك بالكفر،كثيرة بل أنواع كل قسم منها يندرج تحته أفراد كثيرة من الآيات و يمكن تقسيم هذه النصوص القاضية بعدم اعتبار الجهل بالتوحيد مانعا من الحكم على الواقع فيه وفق مايلي :

1- أدلة حكمت على المشركين بالكفر و الشرك قبل ورود الشرع أو بلوغه فالجاهلية أطلقت على المشركين لأنهم جاهلون بشرع الله تعالى وإفراده بالعبادة.

2- أدلة حكمت بوصف الكفار عموما و المشركين خصوصا،بغاية الجهل و الضلالة بل صرحت بأنهم لا يسمعون و لا يبصرون:صم بكم عمي فهم لا يعقلون!!


3- أدلة قضت بعدم إعذار المقلدين في الشرك أو الكفر ،و المقلد في الغالب تابع جاهل .

4- أدلة نصت على أن نوعا من الكفار يظنون أنهم يحسنون صنعا و يعتقدون صواب مذهبهم !

و تحت كل قسم من هذه الأنواع أفراد كثيرة من الآيات و الأدلة ظاهرة جدا،لمن تدبر القرآن حق تدبره ،و أمعن فيه النظر بقلبه و بصره و الله المستعان .

اعتراض :

قد يعترض البعض على هذه الاستدلالات لكونها نزلت في نوع خاص: و هو الكافر الأصلي،فكيف تنزلون هذه الآيات على الذي يتلفظ بالشهادتين ،و يلتزم أحكام الإسلام الظاهرة و و ..؟؟

و الجواب-و بالله التوفيق- :

هذا الاعتراض غير وارد البتة ،بل هو ظاهر البطلان من وجوه :

أولا :إن هذه النصوص عامة مطلقة ، فتنطبق على كل من كان هذا وصفه، وحاله ،في كل زمان و مكان ،و من المقرر عند أهل التفسير أن العبرة بعموم اللفظ لا خصوص السبب .

ثانيا: إن من الأدلة العقلية :إلحاق الفرع بالأصل للوصف الجامع في الحكم ،و الحكم دائر مع علته وجودا و عدما، فمتى وجدت وجد و إن كنا في غنية عن هذا القياس لثبوت الدليل و ظهوره بغير التباس ...و يزاد على ما سبق قياس الأولى فمشركو زماننا أولى بالدخول في هذه الأدلة لأن شركهم أفحش و أغلظ :

1- إذ هم جمعوا بين الشرك في الربوبية و الألوهية

2- مشركو زماننا شركهم دائم في الرخاء و الشدة عياذا بالله

3- بل شركهم يزداد يزداد في الشدة ..بل ينسون الله جل و علا في الضيق

4- أسلافهم يشركون بالله الأموات أو الغائبين من الصالحين و الملائكة و من يظن فيه الصلاح و مشركو هذه الأزمنة يشركون بالله الطواغيت ممن لا يحضر لله مسجدا و قد لا يرى لله راكعا و لا ساجدا ،بل يتجاسر على الفواحش و الكبائر على رؤوس الأشهاد و لا حول و قوة إلا بالله العظيم !!

ثالثا : يلزم من هذا القدح و الطعن في جملة من الأئمة الذين استدلوا بهذه الآيات ،و قد كان هذا من جملة الاعتراضات على علماء نجد الأعلام من مناوئيهم و خصومهم ، بل قد صرح المخالفون في السابق و اللاحق بأن استدلالهم على طريقة الخوارج ،و لا حول و لا قوة إلا بالله .

رابعا : من اللوازم الباطلة لهذا القول قصر القرآن على أناس و أحوال مضت !! و هذا من الشناعة و الفظاعة بمكان ،و من أكبر الأسباب التي تحول بين القلب و فهم القرآن كما قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى .

قال الشيخ عبد الله أبا بطين ( الدرر السنية في الأجوبة النجدية ج 10) :

(( وأما قول من يقول: إن الآيات التي نزلت بحكم المشركين الأولين، فلا تتناول من فعل فعلهم، فهذا كفر عظيم، مع أن هذا قول، ما يقوله إلا "ثور" مرتكس في الجهل، فهل يقول: إن الحدود المذكورة في القرآن والسنة، لأناس كانوا وانقرضوا؟ فلا يحد الزاني اليوم، ولا تقطع يد السارق، ونحو ذلك، مع أن هذا قول يستحيى من ذكره ،أفيقول هذا: إن المخاطبين بالصلاة والزكاة، وسائر شرائع الإسلام، انقرضوا، وبطل حكم القرآن؟! )) اهـ.


و قال العلامة عبد اللطيف(مصباح الظلام ص 185 ط العاصمة ،و انظر (دعاوى المناوئين ) ط دار الوطن)) رادا هذه الشبهة الواهية :

((..من منع تنزيل القرآن، وما دل عليه من الأحكام على الأشخاص والحوادث التي تدخل العموم اللفظي، فهو من أضل الخلق وأجهلهم بما عليه أهل الإسلام وعلماؤهم قرناً بعد قرن، وجيلاً بعد جيل، ومن أعظم الناس تعطيلاً للقرآن، وهجراً له وعزلاً عن الاستدلال به في موارد النزاع.. )) اهـ

قلت :و قد كان هذا الهراء من اعتراضات خصوم الدعوة ،و قد سمعناه الآن ممن يدعي السلفية-من المرجئة- و ينتسب إليها !!، نعوذ بالله من رين الذنوب و انتكاس القلوب .

خامسا : من اللوازم الباطلة كذلك افتراض جنس آخر من الناس :مسلم مشرك في نفس الوقت:مسلم ادعاء ،مشرك حالا و مقالا و اعتقادا !! و لا يقول بهذا إلا جاهل جهلا شنيعا فظيعا..بل الناس إما موحد أو مشرك ،كافر أو مؤمن كما قال تعالى:(( هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ ))،و إذا بطل اللازم بطل الملزوم .

قال العلامة الشيخ عبد اللطيف آل الشيخ (منهاج التأسيس ص 11 ط الهداية) :

(( فصل
اعلم أن من تصور حقيقة أي شيء على ما هو عليه في الخارج وعرف ماهيته بأوصافها الخاصة عرف ضرورة ما يناقضه ويضاده. وإنما يقع الخفاء بلبس إحدى الحقيقتين، أو بجهل كلا الماهيتين. ومع انتفاء ذلك وحصول التصور التام لهما لا يخفى ولا يلتبس أحدهما بالآخر. وكم هلك بسبب قصور العلم وعدم معرفة الحدود والحقائق من أمة، وكم وقع بذلك من غلط وريب وغمة. مثال ذلك: أن الإسلام والشرك نقيضان لا يجتمعان ولا يرتفعان. والجهل بالحقيقتين أو إحداهما أوقع كثيراً من الناس في الشرك وعبادة الصالحين، لعدم معرفة الحقائق وتصورها، وأن لساعد الجهل وقصور العلم عوائد مألوفة استحكمت بها البلية وتمكنت الرزية.))


ثبوت الوصف بالشرك و الكفر قبل بلوغ الحجة الرسالية :

قال جل و علا :

﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ﴾ التوبة:6 .

و قال سبحانه و تعالى :

﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ وَالمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ البينة: 1 .

فهم مشركون و كفار قبل سماعهم كلام الله تعالى ،و قبل أن تأتيهم البينة .

قال شيخ الاسلام ابن تيمية (مجموع الفتاوى لشيخ الاسلام بن تيمية (20/38).) -رحمه الله-:

((واسم المشرِك ثبت قبل الرسالة، فإنه يشرك بربِّه ويعدل به، ويجعل معه آلهةً أخرى، ويجعل له أندادًا قبل الرسول، ويثبت أنَّ هذه الأسماءَ مقدم عليها، وكذلك اسم الجهل والجاهلية، يقال: جاهلية وجاهلاً قبل مجيء الرسول، وأمَّا التعذيب فلا)). اهـ

و قال النووي (شرح مسلم للنووي (3/87 )) رحمه الله :

(( وأمَّا الجاهلية فما كان قبل النبوة سمُّوا بذلك لكثرة جهالاتهم )) اهـ..


الدليل الثاني :


قال تعالى : { إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ } (الآية 30 من الأعراف )

قال أبو جعفر:

(( يقول تعالى ذكره: إن الفريق الذي حق عليهم الضلالة، إنما ضلوا عن سبيل الله وجارُوا عن قصد المحجة، باتخاذهم الشياطين نُصراء من دون الله، وظُهراء، جهلا منهم بخطأ ما هم عليه من ذلك، بل فعلوا ذلك وهم يظنون أنهم على هدى وحق، وأن الصواب ما أتوه وركبوا .
وهذا من أبين الدلالة على خطأ قول من زعمَ أن الله لا يعذِّب أحدًا على معصية ركبها أو ضلالة اعتقدها، إلا أن يأتيها بعد علم منه بصواب وجهها، فيركبها عنادًا منه لربه فيها. لأن ذلك لو كان كذلك، لم يكن بين فريق الضلالة الذي ضلّ وهو يحسَبُ أنه هادٍ. وفريق الهدى، فَرْقٌ. وقد فرَّق الله بين أسمائهما وأحكامهما في هذه الآية .)) اهـ

و قال الشيخ السعدي رحمه الله تعالى :

فـ { إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ } { وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيّاً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَاناً مُبِيناً } فحين انسلخوا من ولاية الرحمن، واستحبوا ولاية الشيطان، حصل لهم النصيب الوافر من الخذلان، ووكلوا إلى أنفسهم فخسروا أشد الخسران. { وَ } هم { يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ } لأنهم انقلبت عليهم الحقائق، فظنوا الباطل حقا والحق باطلا وفي هذه الآيات دليل على أن الأوامر والنواهي تابعة للحكمة والمصلحة، حيث ذكر تعالى أنه لا يتصور أن يأمر بما تستفحشه وتنكره العقول، وأنه لا يأمر إلا بالعدل والإخلاص، وفيه دليل على أن الهداية بفضل اللّه ومَنِّه، وأن الضلالة بخذلانه للعبد، إذا تولى - بجهله وظلمه - الشيطانَ، وتسبب لنفسه بالضلال، وأن من حسب أنه مهتدٍ وهو ضالٌّ، أنه لا عذر له، لأنه متمكن من الهدى، وإنما أتاه حسبانه من ظلمه بترك الطريق الموصل إلى الهدى. اهـ[/font]

الدليل الثالث :
و قال ابن جرير رحمه الله، في آية الأعراف (الآية 173 ) :

{ أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ }

(( القول في تأويل قوله : { أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ (173) }

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: شهدنا عليكم أيها المقرُّون بأن الله ربكم، كيلا تقولوا يوم القيامة: "إنا كنا عن هذا غافلين" ، إنا كنا لا نعلم ذلك، وكنا في غفلة منه ، أو تقولوا:(إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم)، اتبعنا منهاجهم (أفتهلكنا)، بإشراك من أشرك من أبائنا، واتباعنا منهاجَهم على جهل منا بالحق؟ ويعني بقوله:(بما فعل المبطلون)، بما فعل الذين أبطلوا في دَعواهم إلهًا غير الله.اهـ

و قال رحمه الله في الآية الأخرى :

{ وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالإنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا }
(( قال أبو جعفر: القول في تأويل قوله : { وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالإنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا }

قال أبو جعفر:

يقول تعالى ذكره: ولقد خلقنا لجهنّم كثيرًا من الجن والإنس. قال أبو جعفر: وقال جل ثناؤه:(ولقد ذرأنا لجهنم كثيرًا من الجن والإنس )، لنفاذ علمه فيهم بأنهم يصيرون إليها بكفرهم بربِّهم.

وأما قوله:(لهم قلوبٌ لا يفقهون بها)، فإن معناه: لهؤلاء الذين ذرأهم الله لجهنم من خلقه قلوب لا يتفكرون بها في آيات الله، ولا يتدبرون بها أدلته على وحدانيته، ولا يعتبرون بها حُجَجه لرسله، فيعلموا توحيد ربِّهم، ويعرفوا حقيقة نبوّة أنبيائهم. فوصفهم ربُّنا جل ثناؤه بأنهم: "لا يفقهون بها"، لإعراضهم عن الحق وتركهم تدبُّر صحة [نبوّة] الرسل، وبُطُول الكفر. وكذلك قوله:(ولهم أعين لا يبصرون بها)، معناه: ولهم أعين لا ينظرون بها إلى آيات الله وأدلته، فيتأملوها ويتفكروا فيها، فيعلموا بها صحة ما تدعوهم إليه رسلهم، وفسادِ ما هم عليه مقيمون، من الشرك بالله، وتكذيب رسله; فوصفهم الله بتركهم إعمالها في الحقّ، بأنهم لا يبصرون بها.

وكذلك قوله: (ولهم آذان لا يسمعون بها)، آيات كتاب الله، فيعتبروها ويتفكروا فيها، ولكنهم يعرضون عنها، ويقولون:( لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ )، [سورة فصلت: 26]. وذلك نظير وصف الله إياهم في موضع آخر بقوله:( صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ )، [سورة البقرة: 171] .والعرب تقول ذلك للتارك استعمالَ بعض جوارحه فيما يصلح له، ومنه قول مسكين الدارمي:
أَعْمَى إِذَا مَا جَارَتِي خَرَجَتْ... حَتَّى يُوَارِيَ جَارَتِي السِّتْرُ
وَأَصَمُّ عَمَّا كَانَ بَيْنَهُمَا ... سَمْعِي وَمَا بِالسَّمْعِ مِنْ وَقْر
فوصف نفسه لتركه النظر والاستماع بالعمى والصمم. ومنه قول الآخر: وَعَوْرَاءُ اللِّئَامِ صَمَمْتُ عَنْهَا... وَإِنِّي لَوْ أَشَاءُ بِهَا سَمِيعُ وَبَادِرَةٍ وَزَعْتُ النَّفْسَ عَنْهَا ... وَقَدْ تَثِقَتْ مِنَ الْغَضَبِ الضُّلُوعُ وذلك كثير في كلام العرب وأشعارها. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل )). اهـ

و قال ابن كثير في تفسير هذه الآية بعدما ساق جملة من الأحاديث في تأويلها :

(( فهذه الأحاديث دالة على أن الله، عز وجل، استخرج ذرية آدم من صلبه، وميز بين أهل الجنة وأهل النار، وأما الإشهاد عليهم هناك بأنه ربهم، فما هو إلا في حديث كلثوم بن جبر عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس [رضي الله عنهما] وفي حديث عبد الله بن عمرو [رضي الله عنهما] وقد بينا أنهما موقوفان لا مرفوعان، كما تقدم. ومن ثم قال قائلون من السلف والخلف: إن المراد بهذا الإشهاد إنما هو فَطْرهم على التوحيد، كما تقدم في حديث أبي هريرة وعياض بن حمَار المُجَاشعي، ومن رواية الحسن البصري عن الأسود بن سَرِيع. وقد فسر الحسن البصري الآية بذلك، قالوا: ولهذا قال: { وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ } ولم يقل: "من آدم" ، { مِنْ ظُهُورِهِمْ } ولم يقل: "من ظهره" { ذُرِّيَّاتِهِمْ } أي: جعل نسلهم جيلا بعد جيل، وقرنًا بعد قرن، كما قال تعالى: { وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الأرْضِ } [الأنعام:165] وقال: { وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأرْضِ } [النمل:62] وقال: { كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ } [الأنعام:133].

ثم قال: { وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى } أي: أوجدهم شاهدين بذلك، قائلين له حالا وقالا. والشهادة تارة تكون بالقول، كما قال [تعالى] { قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا } [الأنعام:130] الآية، وتارة تكون حالا كما قال تعالى: { مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ } [التوبة:17] أي: حالهم شاهد عليهم بذلك لا أنهم قائلون ذلك، وكذلك قوله تعالى: { وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ } [العاديات:7] كما أن السؤال تارة يكون بالقال، وتارة يكون بالحال، كما في قوله: { وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ } [إبراهيم:34] قالوا: ومما يدل على أن المراد بهذا هذا، أن جعل هذا الإشهاد حجة عليهم في الإشراك، فلو كان قد وقع هذا كما قاله من قال لكان كل أحد يذكره، ليكون حجة عليه. فإن قيل: إخبار الرسول به كاف في وجوده، فالجواب: أن المكذبين من المشركين يكذبون بجميع ما جاءتهم به الرسل من هذا وغيره. وهذا جعل حجة مستقلة عليهم، فدل على أنه الفطرة التي فُطِروا عليها من الإقرار بالتوحيد؛ ولهذا قال: { أَنْ يَقُولُوا } (7) أي: لئلا يقولوا يوم القيامة: { إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا } أي: [عن] التوحيد { غَافِلِينَ أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا } )). اهـ


و قال الشيخ السعدي في تفسيره :

(( يقول تعالى: { وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ } أي: أخرج من أصلابهم ذريتهم، وجعلهم يتناسلون ويتوالدون قرنا بعد قرن.
وحين أخرجهم من بطون أمهاتهم وأصلاب آبائهم { أَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ } أي: قررهم بإثبات ربوبيته، بما أودعه في فطرهم من الإقرار، بأنه ربهم وخالقهم ومليكهم.
قالوا: بلى قد أقررنا بذلك، فإن اللّه تعالى فطر عباده على الدين الحنيف القيم.
فكل أحد فهو مفطور على ذلك، ولكن الفطرة قد تغير وتبدل بما يطرأ عليها من العقائد الفاسدة، ولهذا { قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ } أي: إنما امتحناكم حتى أقررتم بما تقرر عندكم، من أن اللّه تعالى ربكم، خشية أن تنكروا يوم القيامة، فلا تقروا بشيء من ذلك، وتزعمون أن حجة اللّه ما قامت عليكم، ولا عندكم بها علم، بل أنتم غافلون عنها لاهون .
فاليوم قد انقطعت حجتكم، وثبتت الحجة البالغة للّه عليكم.

أو تحتجون أيضا بحجة أخرى، فتقولون: { إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ } فحذونا حذوهم، وتبعناهم في باطلهم.
{ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ } فقد أودع اللّه في فطركم، ما يدلكم على أن ما مع آبائكم باطل، وأن الحق ما جاءت به الرسل، وهذا يقاوم ما وجدتم عليه آباءكم، ويعلو عليه.

نعم قد يعرض للعبد من أقوال آبائه الضالين، ومذاهبهم الفاسدة ما يظنه هو الحق، وما ذاك إلا لإعراضه، عن حجج اللّه وبيناته، وآياته الأفقية والنفسية، فإعراضه عن ذلك، وإقباله على ما قاله المبطلون، ربما صيره بحالة يفضل بها الباطل على الحق، هذا هو الصواب في تفسير هذه الآيات .

وقد قيل: إن هذا يوم أخذ اللّه الميثاق على ذرية آدم، حين استخرجهم من ظهره وأشهدهم على أنفسهم، فشهدوا بذلك، فاحتج عليهم بما أقروا به في ذلك الوقت على ظلمهم في كفرهم، وعنادهم في الدنيا والآخرة، ولكن ليس في الآية ما يدل على هذا، ولا له مناسبة، ولا تقتضيه حكمة اللّه تعالى، والواقع شاهد بذلك.

فإن هذا العهد والميثاق، الذي ذكروا، أنه حين أخرج اللّه ذرية آدم من ظهره، حين كانوا في عالم كالذر، لا يذكره أحد، ولا يخطر ببال آدمي، فكيف يحتج اللّه عليهم بأمر ليس عندهم به خبر، ولا له عين ولا أثر؟" ولهذا لما كان هذا أمرا واضحا جليا، قال تعالى:

{ وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ } أي: نبينها ونوضحها، { وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } إلى ما أودع اللّه في فطرهم، وإلى ما عاهدوا اللّه عليه، فيرتدعون عن القبائح )) . اهـ

قال ابن جرير رحمه الله تعالى (الآية 179 من سورة الأعراف ) :

(( القول في تأويل قوله : { أُولَئِكَ كَالأنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ }
قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله:(أولئك كالأنعام)، هؤلاء الذين ذرأهم لجهنم، هم كالأنعام، وهي البهائم التي لا تفقه ما يقال لها، ولا تفهم ما أبصرته لما يصلح وما لا يَصْلُح، ولا تعقل بقلوبها الخيرَ من الشر، فتميز بينهما. فشبههم الله بها، إذ كانوا لا يتذكَّرون ما يرون بأبصارهم من حُججه، ولا يتفكرون فيما يسمعون من آي كتابه. ثم قال:(بل هم أضل)، يقول: هؤلاء الكفرة الذين ذَرَأهم لجهنم، أشدُّ ذهابًا عن الحق، وألزم لطريق الباطل من البهائم، لأن البهائم لا اختيار لها ولا تمييز، فتختار وتميز، وإنما هي مسَخَّرة، ومع ذلك تهرب من المضارِّ، وتطلب لأنفسها من الغذاء الأصلح. والذين وصفَ الله صفتهم في هذه الآية، مع ما أعطوا من الأفهام والعقول المميِّزة بين المصالح والمضارّ، تترك ما فيه صلاحُ دنياها وآخرتها، وتطلب ما فيه مضارّها، فالبهائم منها أسدُّ، وهي منها أضل، كما وصفها به ربُّنا جل ثناؤه.

وقوله:(أولئك هم الغافلون)، يقول تعالى ذكره: هؤلاء الذين وصفتُ صفتهم، القومُ الذين غفلوا يعني: سهوًا عن آياتي وحُججي، وتركوا تدبُّرها والاعتبارَ بها والاستدلالَ على ما دلّت عليه من توحيد ربّها، لا البهائم التي قد عرّفها ربُّها ما سخَّرها له)). اهـ


يتبع ...[/color]

من مواضيعي
0 كيف نفرق بين المرجئة و ربيع ؟
0 الحجج و البراهين على عدم إعذار المشرك في أصل الدين
0 القطبية هم الجهمية حوار مع الحدوشي
0 فائدة من مقدمة الشيخ صالح آل الشيخ لمصباح الظلام
0 الأسئلة و الأجوبة في العقيدة مع الشيخ الجربوع 1


التعديل الأخير تم بواسطة أبو عبد الله يوسف ; 24th October 2012 الساعة 08:35 PM
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 24th October 2012, 10:06 PM
أبو مصعب معاذ المغربي أبو مصعب معاذ المغربي غير متواجد حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: Sep 2010
المشاركات: 236
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أبو عبد الله يوسف مشاهدة المشاركة
أحسنت أخي و حبيبي أبا مصعب ؛ لا شلت يمينك و لا كسر قلمك .
أحسن الله إليكم أخي يوسف و جمعنا تحت ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله .

من مواضيعي
0 طوائف الأمة في مسألة التكفير
0 إنكار التكبير الجماعي و غيره
0 التحقيق في مسألة العذر بالجهل
0 مسألة في التعقيب و تأخير التراويح
0 وقفة مع الأخ علي الرملي

رد مع اقتباس
  #4  
قديم 25th October 2012, 11:11 PM
أبو مصعب معاذ المغربي أبو مصعب معاذ المغربي غير متواجد حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: Sep 2010
المشاركات: 236
افتراضي الحجج و البراهين على عدم إعذار المشرك في أصل الدين


قوله تعالى في سورة الأنفال :
{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ (20) وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ (21) إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ (22) وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لأسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (23) }
قال ابن كثير رحمه الله :

((يأمر تعالى عباده المؤمنين بطاعته وطاعة رسوله، ويزجرهم عن مخالفته والتشبه بالكافرين به المعاندين له؛ ولهذا قال:
{ وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ } أي: تتركوا طاعته وامتثال أوامره وترك زواجره، { وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ } أي: بعد ما علمتم ما دعاكم إليه.
{ وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ } قيل: المراد المشركون. واختاره ابن جرير. وقال ابن إسحاق: هم المنافقون؛ فإنهم يظهرون أنهم قد سمعوا واستجابوا، وليسوا كذلك .
ثم أخبر تعالى أن هذا الضرب من بني آدم شر الخلق والخليقة، فقال: { إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ }
أي: عن سماع الحق { البكم } عن فهمه؛ ولهذا قال: { الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ } فهؤلاء شر البرية؛ لأن كل دابة مما سواهم مطيعة لله [عز وجل] فيما خلقها له، وهؤلاء خلقوا للعبادة فكفروا؛ ولهذا شبههم بالأنعام في قوله: { وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لا يَسْمَعُ إِلا دُعَاءً وَنِدَاءً [صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ] } [البقرة: 171] . وقال في الآية الأخرى: { أُولَئِكَ كَالأنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ } [الأعراف: 179] .
وقيل: المراد بهؤلاء المذكورين نَفَرٌ من بني عبد الدار من قريش. روي عن ابن عباس ومجاهد، واختاره ابن جرير، وقال محمد بن إسحاق: هم المنافقون.
قلت : ولا منافاة بين المشركين والمنافقين في هذا؛ لأن كلا منهم مسلوب الفهم الصحيح، والقصد إلى العمل الصالح.
ثم أخبر تعالى بأنهم لا فهم لهم صحيح، ولا قصد لهم صحيح، لو فرض أن لهم فهما، فقال: { وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لأسْمَعَهُمْ } أي: لأفهمهم، وتقدير الكلام: ولكن لا خير فيهم فلم يفهمهم؛ لأنه يعلم أنه { وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ } أي: أفهمهم { لَتَوَلَّوْا } عن ذلك قصدا وعنادا بعد فهمهم ذلك، { وَهُمْ مُعْرِضُونَ } عنه)). اهـ
الدليل الرابع :

قال جل و عز عن قوم شعيب :{ قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ قَالَ يَا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ }

قال ابن كثير رحمه الله تعالى :

يقولون: { يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ } أي: ما نفهم ولا نعقل كثيرًا من قولك، وفي آذاننا وقر، ومن بيننا وبينك حجاب)).

و قال العلامة عبد الرحمن السعدي في قوله تعالى :

(( { وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لا يَعْلَمُونَ } الآية 30 من سورة البقرة .
((أي: إذا قيل للمنافقين آمنوا كما آمن الناس، أي: كإيمان الصحابة رضي الله عنهم، وهو الإيمان بالقلب واللسان، قالوا بزعمهم الباطل: أنؤمن كما آمن السفهاء؟ يعنون - قبحهم الله - الصحابة رضي الله عنهم، بزعمهم أن سفههم أوجب لهم الإيمان، وترك الأوطان، ومعاداة الكفار، والعقل عندهم يقتضي ضد ذلك، فنسبوهم إلى السفه; وفي ضمنه أنهم هم العقلاء أرباب الحجى والنهى.
فرد الله ذلك عليهم، وأخبر أنهم هم السفهاء على الحقيقة، لأن حقيقة السفه جهل الإنسان بمصالح نفسه، وسعيه فيما يضرها، وهذه الصفة منطبقة عليهم وصادقة عليهم، كما أن العقل والحجا، معرفة الإنسان بمصالح نفسه، والسعي فيما ينفعه، و[في] دفع ما يضره، وهذه الصفة منطبقة على [الصحابة و]المؤمنين وصادقة عليهم، فالعبرة بالأوصاف والبرهان، لا بالدعاوى المجردة، والأقوال الفارغة.)) اهـ

قوله تعالى : ((بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ))

قال ابن كثير رحمه الله :

((وقوله: { بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ } يقول: بل كذب هؤلاء بالقرآن، ولم يفهموه ولا عرفوه، { وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ } أي: ولم يُحصّلوا ما فيه من الهدى ودين الحق إلى حين تكذيبهم به جهلا وسفهًا { كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ } أي: من الأمم السالفة { فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ } أي: فانظر كيف أهلكناهم بتكذيبهم رسلنا ظلمًا وعلوا، وكفرا وعنادًا وجهلا فاحذروا أيها المكذبون أن يصيبكم ما أصابهم.)) اهـ



قال العلامة أبا بطين مفتي الديار النجدية ( الانتصار لحزب الله الموحدين ص 40 ت الفريان ط الأماجد فما بعد.) :

(( واحتج بعض من يجادل عن المشركين: بقصة الذي أوصى أهله أن يحرقوه بعد موته على أن من ارتكب الكفر جاهلا لا يكفر, ولا يكفر إلا المعاند .
والجواب عن ذلك كله: أن الله سبحانه أرسل رسله مبشرين ومنذرين؛ ((لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل)) . وأعظم ما أرسلوا به , ودعوا إليه: عبادة الله وحده لا شريك له والنهي عن الشرك الذي هو عبادة غيره
فإن كان مرتكب الشرك الأكبر معذورا لجهله، فمن هو الذي لا يعذر ؟

ولازم هذه الدعوى: أنه ليس لله حجة على أحد إلا المعاند. مع أن صاحب هذه الدعوى لا يمكنه طرد أصله, بل لابد أن يتناقض؛ فإنه لا يمكنه أن يتوقف في تكفير من شك في رسالة محمد صلى الله عليه وسلم, أو شك في البعث, أو غير ذلك من أصول الدين. والشاك جاهل .! والفقهاء رحمهم الله: يذكرون في كتب الفقه حكم المرتد: وأنه المسلم الذي يكفر بعد إسلامه :
نطقا, أو فعلا, أو شكا, أو اعتقادا وسبب الشك: الجهل ولازم هذا: أنا لا نكفر جهلة اليهود والنصارى, ولا الذين يسجدون الشمس والقمر والأصنام لجهلهم, ولا الذين حرقهم علي ابن أبي طالب رضي الله عنه بالنار ؛ لأننا نقطع أنهم جهال !!
وقد أجمع العلماء على كفر من لم يكفر اليهود والنصارى أو يشك في كفرهم، ونحن نتيقن أن أكثرهم جهال
.

وقال الشيخ تقي الدين: من سب الصحابة و واحدا منهم، واقترن بسبه دعوى أن عليا إله أو نبي, أو أن جبرائيل غلط. فلا شك في كفر هذا, بل لا يُشكُّ في كفر من توقف في تكفيره ..

قال: ومن زعم أن الصحابة ارتدوا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا نفرا قليلا لا يبلغون بضعة عشر, أو أنهم فسقوا. فلا ريب في كفر قائل ذلك, بل من شك في كفره فهو كافر قال: ومن ظن أن قوله سبحانه وتعالى:{ وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ}. بمعنى: قدر , وأن الله ما قدر شيئا إلا وقع, وجعل عباد الأصنام ما عبدوا إلا الله: فإن هذا من أعظم الناس كفرا بالكتب كلها. انتهى .

ولا ريب أن أصحاب هذه المقالة: أهل علم وزهد وعبادة, وأن سبب دعواهم هذه:الجهل .


وقال عن الكفار:{ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ اللّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُون }

وقال تعالى:{ قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا {103} الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا }

و وصفهم بغاية الجهل، كما في قوله تعالى: { لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ }

وقد ذم الله المقلدين بقوله عنهم: { إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ} الآيتين, ومع ذلك كفرهم سبحانه وتعالى.اهـ

وسئل الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين، رحمه الله: عمن ارتكب شيئا من المكفرات جهلا، يكفر إذا كان جاهلا بكون ما ارتكبه كفر، أم لا؟
((الدرر ج 10 حكم المرتد))

(( فأجاب: قال تعالى: {إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُوراً وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلاً لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً }

فلا عذر لأح بعد بعثة محمد صلى الله عليه وسلم في عدم الإيمان به وبما جاء به، بكونه لم يفهم حجج الله وبيناته لأن الله سبحانه أخبر عن الكفار بعدم الفهم، فقال تعالى: {وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْراً} ، وقال: {إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ} وقال: {صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُون }

والآيات في وصفهم بغاية الجهل، كثيرة معلومة، فلم يعذرهم تعالى بكونهم لم يفهموا، بل صرح بتكفير هذا الجنس، وأنهم من أهل النار، كما في قوله تعالى:

{قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً} ، وقوله: {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُون } )). اهـ

و قال رحمه الله تعالى (الانتصار لحزب الله الموحدين ص 33-34 ت الفريان):

(( فالدين كله داخل في العبادة. فإذا علم الإنسان وتحقق معنى الإله, وأنه المعبود, وعرف حقيقة العبادة. تبين له أن من جعل شيئا من العبادة لغير الله فقد عبده واتخذه إلها, وإن فر من تسميته معبودا أو إلها, وسمى ذلك توسلا وتشفعا أو التجاء ونحو ذلك.
فالمشرك: مشرك شاء أم أبى؛ كما أن المرابي مراب شاء أم أبى, وإن لم يسم ما فعله ربا, وشارب الخمر شارب للخمر وإن سماها بغير اسمها, وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم:" يأتي ناس من أمتي يشربون الخمر يسمونها بغير اسمها ".


فتغيير الاسم لا يغير حقيقة المسمى ولا يزيل حكمه, كتسمية البوادي سوالفهم الباطلة حقا, وتسمية الظلمة ما يأخذونه من الناس بغير اسمه!!!
ولما سمع عدي بن حاتم – وهو نصراني – قول الله تعالى: { اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ} قال للنبي صلى الله عليه وسلم: إنا لسنا نعبدهم!! قال: " أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه,ويحلون ما حرم الله فتحلونه؟!" قال. قلت: بلى! قال: "فذلك عبادتهم", فعدي رضي الله عنه: ما كان يحسب أن موافقتهم فيما ذكر عبادة منهم لهم. فأخبره صلى الله عليه وسلم أن ذلك عبادة منهم لهم, مع أنهم لا يعتقدونه عبادة لهم.
وكذلك ما يفعله عباد القبور: من دعاء أصحابها, وسؤالهم قضاء الحاجات وتفريج الكربات, والتقرب إليهم بالذبائح والنذور. عبادة منهم للمقبورين، وإن كانوا لا يسمونه ولا يعتقدونه عبادة
.)) اهـ


و أختم بما ذكر الشيخ العلامة إسحاق في رسالته القيمة (حكم تكفير المعين ):

((وأما العراقي وإخوانه المبطلون فشبهوا بأن الشيخ لا يكفر الجاهل وأنه يقول هو معذور وأجملوا القول ولم يفصلوا وجعلوا هذه الشبهة ترساً يدفعون به الآيات القرآنية والأحاديث النبوية وصاحوا به على عباد الله الموحدين كما جرى لأسلافهم من عباد القبور والمشركين وإلى الله المصير وهو الحاكم بعلمه وعدله بين عباده فيما كانوا فيه يختلفون إلى آخر ما ذكر الشيخ فتأمل إن كنت ممن يطلب الحق بدليله وإن كنت ممن صمم على الباطل وأراد أن يستدل عليه بما أجمل من كلام العلماء فلا عجب .)) اهـ

و صلى الله و سلم على نبينا محمد و آله و صحبه أجمعين .

من مواضيعي
0 شرح العلامة الراجحي لكتاب زيارة القبور ...
0 أجوبة الشيخ زيد بن محمد المدخلي في العذر بالجهل
0 سؤال للشيخ الجهني
0 إبطال إفك عماد فراج ( ابن تيمية لا يكفر الروافض)
0 هل الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله يرى تكفير الحكام على الإطلاق ؟

رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 04:11 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.0, Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir

جميع الحقوق محفوظة لمنتديات الآفاق السلفية

a.d - i.s.s.w