المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : صياغة مقامة الإسكندرانية للحريري بأسلوب نثري


عبد الله أبو عبد الله
22nd February 2008, 02:57 PM
المقامات من العلوم الغزيرة، والآداب الفريدة، المحلاة بالفوائد، المزينة بالقلائد، كالماء الزلال لكل صادر ووارد، جمعت محاسن الكلام وجواهره وملحه ونوادره، فيها أنواع من الجد الذي يستفاد منه، ومن الهزل ما يسر استماعه ويستراح إليه، تتشرف بذكره النوادي وإلى كل ذكر ينادي، وقد سبق إلى ذلك الحريري في مقاماته اللمعاء بكل الألوان كالحرباء، يأتي بالحكمة في ارتجال ويغلب بحجته الرجال له صولة وزئير ومنطق كالحرير ولسان كالسيف الطرير فهو السباق إلى غاياته وصاحب آياته وأن المتصدي بعده لإنشاء مقامة لا يغترف إلا من مقالته، ليس صاحب إملال وإخلال وإنما يذبح السحر الحلال.وبما أن للشعر مختارات وفي القصائد أمهات مثل المعلقات فلا تنس المقامات مثل مقامة الإسكندرانية فهي في عيشة رضية، كتبها لكل ملهوف بالأساليب العربية والاشتقاقات اللغوية والمقامات الأدبية تدور رحاها حول كساد الأدب يا ضيعة الشباب والمشيب. وأقول وعلى الله المعول كما قال الأول ولا أقول بعدت علينا الشقة، فأطلقت للقلم زمامه وسرحت خطامه وأزحت لئامه ليكتب ما شاده الخطيب القدير والمتكلم النحرير والراوي الشهير الحارث بن همام فقد جاب وعورا لم تطأها الخطى، ولا اهتدت إليها القطا، قصده في ذلك جلب المعاني الرفيعة والتسلق إلى مراقي الصعود ومطالع السعود ومراتب الخلود ومن أراد المعالي هان عليه كل هم.
فاستمال قاضيها ذا الوقار للانتصار عند الاضطرار فكان عنده منذ مدة مضت وسنة خلت وبينا هو أمام كعبه العالي يفرق الصدقات لما حباه الله من البركات. إذ بشيخ كأنه فقد رياشه وضاق معاشه، تعتله امرأة تقتل بالنظرات وتخطب بالعبرات ألفاظها عسل سيال وكلامها سحر حلال، أخذت في تعريف شخصها العظيم فهي بيت الحسب والنسب وجامعة المثل والأدب، تقول وقد مال الركب:"وكان أبي إذا خطبني كل رجل بالزواج مهموم قد أنهتكه الغموم يريد أن يصاهر أصحاب التجارة، أو من عرف بالجدارة، امتنع بعدما ارتجع، فجاء القدر ونفوسنا بمواقعه رضيـة برجل كأنه من أهل الصحراء يبدو عليه المكر والدهاء والجفاء، فغره تزينه لكلامه وأنكحنيه قبل تمحيص حاله، فلما تم ما تم رأيته طريح الفراش ليس به مساس، يرتضع من الدهر ثديا عقيما، ويركب من الفقر ظهرا بهيما، فدعته أنامل الهوى الحاكم لبيع أثاثي المتراكم، فضيع الفلوس ورأسه منكوس، فقلت له يا هذا انهض لتحصيل المجد وإلى الصناعة والعمارة، فادعى أن صناعته قد رميت بالنكبات بسبب البلايا الموجعات، وها أنا أحضرته إليك لترى في دعواه بلا عناء وفضحه من جديد وباحتواء لجميع أسراره النكراء ويصير بها عبرة الأحياء".
فأقبل القاضي بعد ما بلغ المراقي، إلى الشيخ وقد أطلق لسانه وأرضى شيطانه وأجرى حصانه، فقال شعرا كأنه مسك وعنبر، ولؤلؤ وجوهر، فقال ما معناه نثرا، "اسمع أيها القاضي أدام الله بك التراضي ترى عجبا، إني من أهل الهمم الذين هم صفوة الأمم، وأهل المجد والكرم، قد رضعت الآداب ، وجالست الأعراب، وحفظت الشعر من عصر الشباب، فالشعر عندي سمير، وهو لنفسي روضة وغدير. إذا تكلمت أؤسر القلوب أسرا، وأرسي بالأرواح فسبحان ما أسرى، ولي:
منطق كضيـاء الشمـس تحسبـه / يدب في الجسم مثل البرء لو نظمت


من حسنه سحر هاروت وماروتِ / ألفاظـه قلت هـذا عقد ياقـوتِ


وكنت من قبل أنظم الشعر في أطراح الرفد فإني من الأدباء الذين يغلب عليهم الذكاء والأدب، لصفاء سمائهم، وطيب هوائهم ، وعذوبة مائهم، ولم أرض كل من يهب، لأني علمت أن الله هو الذي يهب،حتى جاء زمن عجيب، وعصر غريب، تعطّل الأدب في سوق الباطل وكسد، لما ظهر في الأرض من أصحاب الحسد الذين ظل سعيهم وفسد، فترى الأبناء في عراصهم جيف يبعد من نتنها ويجتنب لما أمضهم السغب، فصاح بطنهم من الجوع وقرقر، ألا يشبع الفقير المقتر، والشيخ المعسر؟ فقادني هذا الدهر اللئيم، لضيق العيش المليم، إلى ما يستشينه الأولياء، ويعذله الأتقياء، فأمضني الدّين كأنه سيف على كاهلي، فبعت أثاثي، وضيعت ميراثي، ولم أكن من أهل المكر والدهاء لأحتال على شقائق الرجال، وأمهات الأجيال، بل فكرتي القراءة والمطالعة، إذا خلوت بالكتاب اجتمع عندي أفضل الأصحاب، وأحب الأحباب، فهذا هو عملي المشار إليه بالبنان، وما يقصد بالكلام، فإذا ضاق الأمر اتسع، وإذا اشتد الحبل انقطع، سنة ماضية وحكمة قاضية فلتكن نفس القاضي راضية".
ثم رأى القاضي أن حال الشيخ تريه النهار أسود، والعيش أنكد، ومساعدة المحتاج بالصدقات، من شيم القضاة، فناولهم من النفقات ليتزودوا بها عند الكربات.
فخرج الشيخ الكبير كأن عصفور صدّاح، فضحك القاضي بعدما فصل ووصل إلى ما وصل: لو حظر لما أصابه الضرر لأن القاضي واسع النظر، ولأضفت حصة إلى حصتهما الأولى.
ومن هذا علمت أن الأمور إذا تعذرت من أعاليها، طلبناها من أسافلها. قال البحتري:
إذا ما أعالي الأمر لم تعطك المنى فلا بأس باستنجاحها بالأسافل
فندم راوي المقامة الشهيرة، صاحب المنازل الرفيعة، ندامة الفرزدق حين أبان النوار، والكسعي لما استبان النهار.

الامين
10th March 2008, 07:42 PM
جزاك الله خيرا على الموضوع الجميل