المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : وضعية السنة النبوية قبل الإمام البخاري


عبد الله أبو عبد الله
21st February 2008, 03:24 PM
بسم الله الرحمان الرحيم
وضعية السنة النبوية قبل الإمام البخاري رحمه ]
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا أما بعد : إنه لا سبيل إلى رضى الله سبحانه وتعالى وإلى الفوز بسعادة الدارين إلا بكلام الله تعالى المنزل ، وبيانه من سنة النبي صلى الله عليه وسلم: القولية والفعلية والتقريرية . لذلك فقد حرص الصحابة رضي الله عنهم على الاقتباس من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم و ملازمتهم وإصغائهم له، فأيقنوا أن كلامه وحي من الله[وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4)( فأدركوا ثقل هذا الحمل فحفظوها في صدوهم ثم رغبوا أيضاً بالأجر العظيم الذي سينالونه، فعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ:]نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مِنَّا حَدِيثًا فَحَفِظَهُ حَتَّى يُبَلِّغَهُ فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ لَيْسَ بِفَقِيهٍ[ أبو داود باب نشر العلم. لكنه صلى الله عليه وسلم حذرهم كل الحذر على الكذب عليه فعن رِبْعِيَّ بْنَ حِرَاشٍ يقول سمعت عليا يقول: قال النبي صلى الله عليه وسلم:]لَا تَكْذِبُوا عَلَيَّ فَإِنَّهُ مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ فَلْيَلِجْ النَّارَ [ صحيح البخاري باب إثم من كذب على النبي صلى الله عليه وسلم ،لكن هؤلاء الصحابة كانوا يعتمدون في الغالب على الحفظ، فكانوا يحفظون حديث النبي صلى الله عليه وسلم كما يحفظون السورة من القرآن ، وكانوا أمة أمية لا تعرف الكتابة ولا الحساب، وإنما كان التركيز عندهم على الحفظ .ووجد نفر من الصحابة كانوا يكتبون لأنفسهم كما صنع عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، ولكن هؤلاء النفر ما كان عندهم من حديث النبي صلى الله عليه وسلم الشيء الكثير بحيث يشكل مصنفات كما هو واقع فيما بعد ذلك حينما دونت السنة ، ولكن كان الواحد منهم ربما دون بعض الأحاديث في صحيفة من الصحف أو نحو ذلك .
لعل السبب في ذلك هو أن النبي صلى الله عليه وسلم منعهم من الكتابة، فعن أبي سعيد الخدري مرفوعا:]َ لَا تَكْتُبُوا عَنِّي وَمَنْ كَتَبَ عَنِّي غَيْرَ الْقُرْآنِ فَلْيَمْحُهُ وَحَدِّثُوا عَنِّي وَلَا حَرَجَ وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ- قَالَ هَمَّامٌ أَحْسِبُهُ- قَالَ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ[رواه مسلم باب التثبت في الحديث وحكم كتابة العلم. إلا أن هذا الحديث قيل أنه يتعارض مع أحاديث تبيح الكتابة مثل: حديث عبد الله بن عمرو : " كنت أكتب كل شيء سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنهتني قريش " الحديث . وفيه:]اكتب، فوالدي نفسي بيده ما يخرج منه إلا الحق [ قال الحافظ ابن حجر:"والجمع بينهما أن النهي خاص بوقت نزول القرآن خشية التباسه بغيره، والإذن في غير ذلك، أو أن النهي خاص بكتابة غير القرآن مع القرآن في شيء واحد والإذن في تفريقهما، أو النهي متقدم والإذن ناسخ له عند الأمن من الالتباس وهو أقربها مع أنه لا ينافيها.وقيل النهي خاص بمن خشي منه الاتكال على الكتابة دون الحفظ، والإذن لمن أمن منه ذلك، ومنهم من أعل حديث أبي سعيد وقال: الصواب وقفه على أبي سعيد، قاله البخاري وغيره."[1]
إذا فالتدوين بدأ من عهد النبي صلى الله عليه وسلم لكنه بشكل متفرق وغير رسمي لذلك وجدت صحائف لبعض الصحابة مثل صحيفة لجابر بن عبد الله بن عمرو ، وصحيفة لعلي بن أبي طالب وغيرهما كذلك ما كتبه النبي صلى الله عليه وسلم إلى الحكام يدعوهم إلى الإسلام أو إلى عماله ككتاب كان عند عمرو بن حزم كتبه النبي صلى الله عليه وسلم إلى أهل اليمن، فيه أحكام كثيرة، وهناك ما كتب في المعاهدات وغيرها.
وبعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم اشتغل الخليفة أبو بكر الصديق بجمع القرآن وحروب الردة، وبعده الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه واتساع الرقعة الإسلامية فقد فكر في تدوين السنة وكأنه خشي رضي الله عنه على الناس الداخلين في الإسلام حديثاً أن ينصرفوا إلى السنة ويهملوا القرآن، وربما دخل عليهم شيء من السنة في القرآن وبخاصة أن القرآن لم يجمع الجمع النهائي وإنما كان ذلك في عهد عثمان بن عفان رضي الله تعالي عنه .ثم بعدهم علي بن أبي طالب ووقوع الحروب بينه وبين معاوية رضي الله عنه.
فجاءت مرحلة تدوين السنة النبوية الرسمية، فكان أول من دون الحديث ابن شهاب الزهري، على رأس المائة الثانية، وذلك في خلافة عمر بن عبد العزيز ( رحمه الله ) وبأمره، وكانت خلافته سنة (99هـ ) إلى سنة (101هـ) حين وفاته ( رحمه الله).وهذا الأمر الخارج من دار الخلافة إلى عمال الأمصار وعلماء الأمة بتدوين السنة، من أكبر الأدلة على أن السنة بدأت طوراً جديداً،كان منها هذا التدوين الرسمي...
لكن التدوين في هذه المرحلة لم يتخذ طابع التصنيف وإنما هو سرد، فإن السنة النبوية قبل تصنيفها كانت تعيش مرحلة مخاض، فقضية الإسناد لم تنضج بعد، ولم تنم، ولذلك جاءت مرحلة جمع الأسانيد(جمع الأحاديث الصحيحة مع الضعيفة) ورحلوا من أجلها إلى البلدان فحصروا تلك الروايات التي تم النقل بها ثم تفتيش رواتها وتمييز الصحيح من السقيم، وقد تجد كذلك حديثاً في الطهارة يتلوه حديث في النكاح يتلوه حديث في التفسير، وهلم جرا. وكانت أيضاً تلك الأحاديث مشوبة ومخلوطة بما جاء عن الصحابة من أقوال أو أفعال حتى جاء عصر طبقة أخري بعد ذلك .
لما جاء هذا العصر اتخذ التدوين والتصنيف طابعاً آخر فرتبت هذه الأحاديث على الموضوعات، وبدأ التصنيف يتخذ شكلاً آخر . وهو من باب التفنن في التأليف، فنجد الإمام مالك سلك هذا المسلك في الموطأ، لكن هذا النوع من التصانيف تمزج الآثار الواردة عن الصحابة بالأحاديث المرفوعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم. ، إلى أن جاءت سنة مائتين للهجرة ابتدأ العلماء يركزون على فرز الأحاديث عن الآثار الواردة عن الصحابة فبعضهم رأى أن هناك ما يسهل حفظ تلك الأحاديث ، وذلك بجمع أحاديث الصحابي في موضع واحد غير مرتبة ، وهو الذي يسمي ( المسانيد )، لكن فيه شيء من الصعوبة على طلبة العلم ، وأيضاً كان المقصود منه حفظ السنة مجردة عن التفقه ، فرأى بعض الأئمة أن يسلك مسلكاً آخر في التصنيف مع التركيز على الأحاديث المرفوعة، فرأوا إفراد أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم وفرزها عن آثار الصحابة والآثار الواردة عن التابعين، ثم ترتيب هذه الأحاديث على الموضوعات الفقهية.
وممن سلك هذا المسلك الإمام البخاري رحمه الله تعالى الذي استوعب الحاجة التي كانت تعرفها السنة النبوية فلبا هذه الحاجة بكتابه الجامع الصحيح وصادف تلك الحاجة سؤال أستاذه أمير المؤمنين في الحديث والفقه إسحاق بن إبراهيم الحنظلي المعروف بابن راهويه بجمع كتاب مختصر لصحيح سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد قال البخاري رحمه الله:" كنا عند إسحاق بن راهويه فقال لو جمعتم كتابا مختصرا لصحيح سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فوقع ذلك في قلبي فأخذت في جمع الجامع الصحيح"3.
فكتب البخاري كتابه الجامع الصحيح المسند المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه.













-ينظر فتح الباري، باب كتابة العلم تحت الحديث رقم:110[1]


2
- (كأبي بكر بن حزم عامله على المدينة وخالته هي عمرة بنت عبد الرحمان بن سعد بن زرارة الأنصارية المدنية من أشهر ناقلة عن عائشة رضي الله عنها قال ابن حبان:كانت من أعلم الناس بحديث عائشة/ تهذيب التهذيب12/439)


- مقدمة الفتح لابن حجر 3

حمزة بن مصطفى العربي
2nd March 2008, 11:06 PM
بارك الله فيك على جهودك المبذوله
وجعلها الله في موازين حسناتك

عبد الله أبو عبد الله
9th March 2008, 01:26 PM
وفيك بارك الله أخي العزيز