المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : باب : القول بأن الإيمان تصديق بالقلب ، وإقرار باللسان ، وعمل بالجوارح ، لا يكون مؤمناً إلا أن تجتمع فيه هذه الخصال الثلاث


موقع الشيخ عبد الله الغامدي
11th January 2011, 08:08 AM
الحمد لله وصلى الله على محمد وعلى آله وسلم وبعد : فهذا باب ذكره الآجري –رحمه الله – في كتابه الشريعة يبين فيه منزلة العمل من الإيمان وهو أن : "العمل جزء من مسمى الإيمان " وقد ذكر –رحمه الله - الإجماع على ذلك فلا يعتد بما خالفه من الأقوال المحدثة .
قال الآجري –رحمه الله - :
باب : القول بأن الإيمان تصديق بالقلب ، وإقرار باللسان ، وعمل بالجوارح ، لا يكون مؤمناً إلا أن تجتمع فيه هذه الخصال الثلاث
-قال محمد بن الحسين : اعلموا - رحمنا الله تعالى وإياكم - : أن الذي عليه علماء المسلمين : أن الإيمان واجب على جميع الخلق ، وهو تصديق بالقلب ، وإقرار باللسان ، وعمل بالجوارح .
ثم اعلموا : أنه لا تجزىء المعرفة بالقلب ، والتصديق ، إلا أن يكون معه الإيمان باللسان نطقاً ، ولا تجزىء معرفة بالقلب ، ونطق باللسان ، حتى يكون عمل بالجوارح ، فإذا كملت فيه هذه الخصال الثلاث : كان مؤمناً .
-وأما فرض الإيمان باللسان : فقول الله عز وجل : قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون * فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما هم في شقاق .
وقال جل وعلا : قل آمنا بالله وما أنزل علينا وما أنزل على إبراهيم الآية .
وقال النبي صلى الله عليه وسلم : أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا : لا إله إلا الله وأني رسول الله وذكر الحديث .
فهذا الإيمان باللسان نطقاً فرض واجب .
وأما الإيمان بما فرض على الجوارح تصديقاً بما آمن به القلب ، ونطق به اللسان :
فقول الله عز وجل : يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون .
وقال جل وعلا : وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة في غير موضع من القرآن ، ومثله فرض الصيام على جميع البدن ، ومثله فرض الجهاد بالبدن ، وبجميع الجوارح .
فالأعمال - رحمكم الله تعالى - بالجوارح : تصديق للإيمان بالقلب واللسان ، فمن لم يصدق الإيمان بعمل جوارحه : مثل الطهارة ، والصلاة ، والزكاة ، والصيام ، والحج ، والجهاد ، وأشباه لهذه ، ورضي من نفسه بالمعرفة والقول ، لم يكن مؤمناً ، ولم تنفعه المعرفة والقول ، وكان تركه العمل تكذيباً منه لإيمانه ، وكان العمل بما ذكرنا تصديقاً منه لإيمانه ، وبالله تعالى التوفيق .
وقد قال الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم : لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون .
فقد بين صلى الله عليه وسلم لأمته شرائع الإيمان : أنها على هذا النعت في أحاديث كثيرة ، وقد قال عز وجل في كتابه ، وبين في غير موضع : أن الإيمان لا يكون إلا بعمل ، وبينه رسوله صلى الله عليه وسلم خلاف ما قالت المرجئة الذين لعب بهم الشيطان .

-قال محمد بن الحسين : اعلموا- رحمنا الله تعالى وإياكم يا أهل القرآن ، ويا أهل العلم ، ويا أهل السنن والآثار ، ويا معشر من فقههم الله عز وجل في الدين ، بعلم الحلال والحرام - أنكم إن تدبرتم القرآن ، كما أمركم الله عز وجل علمتم أن الله عز وجل أوجب على المؤمنين بعد إيمانهم به وبرسوله : العمل ، وأنه عز وجل لم يثن على المؤمنين بأنه قد رضي عنهم ، وأنهم قد رضوا عنه ، وأثابهم على ذلك الدخول إلى الجنة ، والنجاة من النار ، إلا بالإيمان والعمل الصالح ، وقرن مع الإيمان العمل الصالح ، لم يدخلهم الجنة بالإيمان وحده ، حتى ضم إليه العمل الصالح ، الذي قد وفقهم له ، فصار الإيمان لا يتم لأحد حتى يكون مصدقاً بقلبه ، وناطقاً بلسانه ، وعاملاً بجوارحه لا يخفى ، من تدبر القرآن وتصفحه ، وجده كما ذكرت .
واعلموا - رحمنا الله تعالى وإياكم - أني قد تصفحت القرآن فوجدت فيه ما ذكرته في ستة وخمسين موضعاً من كتاب الله عز وجل : أن الله تبارك وتعالى لم يدخل المؤمنين الجنة بالإيمان وحده ، بل أدخلهم الجنة برحمته إياهم ، وبما وفقهم له من الإيمان به ، والعمل الصالح ، وهذا رد على من قال : الإيمان : المعرفة ورد على من قال : المعرفة والقول ، وإن لم يعمل نعوذ بالله من قائل هذا .

-وبعد ذكره أدلة كثيرة من القرآن قال : "قال محمد بن الحسين رحمه الله : ميزوا رحمكم الله قول مولاكم الكريم : هل ذكر الإيمان في موضع واحد من القرآن ، إلا وقد قرن إليه العمل الصالح ؟ "

حدثنا أبو بكر بن أبي داود قال : حدثنا يزيد بن عبد الصمد قال : حدثنا آدم - يعني ابن أبي إياس - قال : حدثنا أبو جعفر الرازي ، عن الربيع ، عن أبي العالية في قول الله تعالى عز وجل : أولئك الذين صدقوا ، يقول : تكلموا بكلام الإيمان ، وحققوه بالعمل .
قال الربيع بن أنس : وكان الحسن يقول : الإيمان كلام ، وحقيقته : العمل ، إن لم يحقق القول العمل ، لم ينفعه القول .

-قال محمد بن الحسين رحمه الله : وكذلك ذكر الله عز وجل المتقين في كتابه في غير موضع منه ، ودخولهم الجنة ، فقال : ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون .
وهذا في القرآن كثير، يطول به الكتاب لو جمعته ، مثل قوله : الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين إلى قوله : وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون ....

-قال محمد بن الحسين رحمه الله : كل هذا يدل العاقل على أن الإيمان ليس بالتحلي ولا بالتمني ، ولكن ما وقر في القلوب ، وصدقته الأعمال . كذا قال الحسن وغيره .
وأما بعد هذا أذكر ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وعن جماعة من أصحابه ، وعن كثير من التابعين : أن الإيمان تصديق بالقلب ، وقول باللسان ، وعمل بالجوارح ، ومن لم يقل عندهم بهذا فقد كفر .


وأخبرنا خلف بن عمرو العكبري قال : حدثنا الحميدي قال : حدثنا يحيى بن سليم قال : حدثنا أبو حيان قال : سمعت الحسن يقول الإيمان قول ، ولا قول إلا بالعمل ، ولا قول ولا عمل إلا بنيه ، ولا قول وعمل ونية إلا بسنة .


وأخبرنا أيضاً خلف بن عمرو قال : حدثنا الحميدي قال : حدثنا يحيى بن سليم قال : سألت سفيان الثوري عن الإيمان ؟ فقال : قول وعمل وسألت ابن جريج فقال : قول وعمل وسألت محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان فقال : قول وعمل وسألت نافع بن عمر الجمحي فقال : قول وعمل وسألت مالك بن أنس فقال : قول وعمل وسألت فضيل بن عياض فقال : قول وعمل وسألت سفيان بن عيينة فقال : قول وعمل .


قال الحميدي : وسمعت وكيعاً يقول : أهل السنة يقولون : الإيمان : قول وعمل ، والمرجئة يقولون : الإيمان قول ، والجهمية يقولون : الإيمان : المعرفة .

حدثنا أبو بكر بن أبي داود قال : حدثنا علي بن خشرم قال : حدثنا يحيى بن سليم الطائفي ، عن هشام ، عن الحسن قال : الإيمان قول وعمل ، قال يحيى بن سليم : فقلت لهشام : فما تقول أنت ؟ فقال : الإيمان : قول وعمل وكان محمد الطائفي يقول : الإيمان قول وعمل . قال يحيى بن سليم : وكان مالك بن أنس يقول : الإيمان قول وعمل قال يحيى : وكان سفيان بن عيينة يقول : كذلك ، قال : وكان فضيل بن عياض يقول : الإيمان قول وعمل .


وحدثنا ابن أبي داود قال : حدثنا سلمة بن شبيب قال : حدثنا عبد الرزاق قال : سمعت معمراً و سفيان الثوري و مالك بن أنس و ابن جريج و سفيان بن عيينة يقولون : الإيمان قول وعمل ، يزيد وينقص .


حدثنا ابن مخلد قال : حدثنا أبو داود السجستاني قال : سمعت أحمد بن حنبل يقول : الإيمان قول وعمل ، يزيد وينقص . قال أحمد : وبلغني أن مالك بن أنس و ابن جريج و فضيل بن عياض قالوا : الإيمان قول وعمل .


وحدثنا ابن مخلد قال : حدثنا أبو داود قال : حدثنا أحمد ، قال : حدثنا إبراهيم بن شماس قال : سمعت جرير بن عبد الحميد يقول : الإيمان قول وعمل ، يزيد وينقص .


قال إبراهيم بن شماس : وسألت بقية بن الوليد و أبا بكر بن عياش فقالا: الإيمان قول وعمل . قال ابراهيم : وسألت أبا إسحاق الفزاري فقلت : الإيمان قول وعمل ؟ فقال : نعم . قال : وسمعت ابن المبارك يقول : الإيمان، قول وعمل .
حدثنا أبو بكر عبد الله بن محمد بن عبد الحميد الواسطي قال : حدثنا أبو الحسن أحمد بن محمد بن أبي بزة قال : سمعت المؤمل بن إسماعيل يقول : الإيمان قول وعمل ، يزيد وينقص .


قال محمد بن الحسين رحمه الله : فيما ذكرته مقنع لمن أراد الله عز وجل به الخير، فعلم أنه لا يتم له الإيمان إلا بالعمل . هذا هو الدين الذي قال الله عز وجل فيه : وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة .

باب
في المرجئة، وسوء مذاهبهم عند العلماء

قال : حدثنا جعفر بن محمد الصندلي قال : حدثنا الفضل بن زياد قال : سمعت أبا عبد الله - وسئل عن المرجئة - فقال : من قال : إن الإيمان قول .
حدثنا جعفر قال : حدثنا الفضل قال : حدثنا أبو عبد الله قال : حدثنا وكيع قال : حدثنا سلمة بن نبيط ، عن الضحاك بن مزاحم قال : ذكروا عنده من قال : لا إله إلا الله دخل الجنة ، فقال : هذا قبل أن تحد الحدود ، وتنزل الفرائض .
أخبرنا خلف بن عمرو العكبري قال : حدثنا الحميدي قال : سمعت وكيعاً يقول : أهل السنة يقولون : الإيمان قول وعمل ، والمرجئة يقولون : الإبمان قول ، والجهمية يقولون : الإيمان معرفة .
قال محمد بن الحسين : من قال : الإيمان قول دون العمل ، يقال له : رددت القرآن والسنة ، وما عليه جميع العلماء ، وخرجت من قول المسلمين ، وكفرت بالله العظيم .
فإن قال : بماذا ؟
قيل له : إن الله عز وجل ، أمر المؤمنين بعدأن صدقوا في إيمانهم : أمرهم بالصلاة والزكاة والصيام والحج والجهاد ، وفرائض كثيرة يطول ذكرها ، مع شدة خوفهم على التفريط فيها النار والعقوبة الشديدة .
فمن زعم أن الله تعالى فرض على المؤمنين ما ذكرنا ، ولم يرد منهم العمل ، ورضي منهم بالقول فقد خالف الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم ، فإن الله عز وجل لما تكامل أمر الإسلام بالأعمال قال : اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً
وقال النبي صلى الله عليه وسلم : بني الإسلام على خمس وقال صلى الله عليه وسلم : من ترك الصلاة فقد كفر .
قال محمد بن الحسين رحمه الله تعالى : ومن قال : الإيمان : المعرفة ، دون القول والعمل ، فقد أتى بأعظم من مقالة من قال : الإيمان : قول ، ولزمه أن يكون إبليس على قوله مؤمناً لأن إبليس قد عرف ربه . قال تعالى : قال رب بما أغويتني وقال تعالى: رب فأنظرني ويلزم أن تكون اليهود - لمعرفتهم بالله وبرسوله - أن يكونوا مؤمنين ، قال الله عز وجل : يعرفونه كما يعرفون أبناءهم فقد أخبر عز وجل : أنهم يعرفون الله تعالى ورسوله .
ويقال لهم : أليس الفرق بين الإسلام وبين الكفر . العمل ؟ وقد علمنا أن أهل الكفر والشرك قد عرفوا بعقولهم أن الله خلق السموات والأرض وما بينهما ، ولا ينجيهم في ظلمات البر والبحر إلا الله عز وجل ، وإذا أصابتهم الشدائد لا يدعون إلا الله فعلى قولهم أن الإيمان المعرفة. كل هؤلاء مثل من قال : الإيمان : المعرفة . على قائل هذه المقالة الوحشية لعنة الله .
بل نقول - والحمد لله - قولاً يوافق الكتاب والسنة ، وعلماء المسلمين الذين لا يستوحش من ذكرهم ، وقد تقدم ذكرنا لهم : أن الإيمان معرفة بالقلب تصديقاً يقيناً ، وقول باللسان ، وعمل بالجوارح ، ولا يكون مؤمناً إلا بهذه الثلاثة ، لا يجزىء بعضها عن بعض ، والحمد لله على ذلك .
قال : حدثنا أبو محمد يحيى بن محمد بن صاعد قال : حدثنا يوسف القطان قال : حدثنا جرير ، عن عطاء بن السائب ، عن الزهري قال : قال : لي عبد الملك بن مروان : الحديث الذي جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم : من مات لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة ، وإن زنا وإن سرق . قال : فقلت له : أين يذهب بك يا أمير المؤمنين ؟ هذا قبل الأمر والنهي ، وقبل الفرائض .
قال محمد بن الحسين رحمه الله تعالى : احذروا رحمكم الله قول من يقول : إن إيمانه كإيمان جبريل وميكائيل ، ومن يقول : أنا مؤمن عند الله ، وأنا مؤمن مستكمل الإيمان . هذا كله مذهب أهل الإرجاء.
حدثنا حسان بن أبي سنان الأنماطي قال : حدثنا هشام بن عمار الدمشقي قال : حدثنا عبد الملك بن محمد قال : حدثنا الأوزاعي قال : ثلاث هن بدعة : أنا مؤمن مستكمل الإيمان ، وأنا مؤمن حقا، وأنا مؤمن عند الله تعالى .

قال محمد بن الحسين رحمه الله تعالى : من قال هذا ، فقد أعظم الفرية على الله عز وجل ، وأتى بضد الحق ، وبما ينكره جميع العلماء ، لأن قائل هذه المقالة يزعم : أن من قال لا إله إلا الله : لم تضره الكبائر أن يعملها ، ولا الفواحش أن يرتكبها ، وأن عنده : أن البار التقي الذي لا يباشر من ذلك شيئاً والفاجر ، يكونان سواء ، هذا منكر . قال الله عز وجل : أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون وقال عز وجل : أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار .
فقل لقائل هذه المقالة المنكرة : ياضال يامضل ، إن الله عز وجل لم يسو بين الطائفتين من المؤمنين في أعمال الصالحات ، حتى فضل بعضهم على بعض درجات . قال الله عز وجل : لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى والله بما تعملون خبير فوعدهم الله عز وجل كلهم الحسنى ، بعد أن فضل بعضهم على بعض ، وقال عز وجل : لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة ثم قال : وكلاً وعد الله الحسنى وكيف يجوز لهذا الملحد في الدين أن يسوي بين إيمانه وإيمان جبريل ، وميكائيل ، ويزعم أنه مؤمن حقا ؟
أكتفي بهذا النقل من الشريعة للآجري –رحمه الله – والله الموفق