المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : تنبيه حول وهم في حديث وقع لشيخ الإسلام في (العقيدة الواسطية)


أمة الله الأثرية
21st May 2008, 09:33 PM
تنبيه حول وهم في حديث وقع لشيخ الإسلام في "العقيدة الواسطية"

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، وصلى الله وسلم على محمد نبيه ومصطفاه


قال الشيخ عبد الحميد الجهني - حفظه الله – في خاتمة الدرس التاسع والعشرين* من دروس شرح "الواسطية"/ تاريخ 9 جمادى الأولى 1429 هـ / بداية الدقيقة 25 تقريبًا:

هنا تنبيه حول قول الشيخ رحمه الله (1)، أختم به الدرس؛ قال رحمه الله:
"وَأَمَّا الْمُرْتَابُ فَيَقُولُ : هاه هاه لَا أَدْرِي"
ثم قال:
"فَيُضْرَبُ بِمِرْزَبَةِ مِنْ حَدِيدٍ"
هنا (مِرْزبة) بالتخفيف، ويقال لها: إرْزَبَّة أيضًا بالهمزة والتشديد، معروفة، آلةٌ تُصنع مِن الحديد، معروفة.
قال: "فَيَصِيحُ صَيْحَةً يَسْمَعُهَا كُلُّ شَيْءٍ إلَّا الْإِنْسَانُ، وَلَوْ سَمِعَهَا الْإِنْسَانُ لَصَعِقَ"
هكذا قال الشيخ، يعني جَعَل صيحةَ هذا المنافق والكافر في قبره كل شيء إلا الإنسان، ولو سمعها الإنسان لصعق، قلت:
هنا وقع وهْمٌ مِن المؤلف رحمه الله، ولم أرَ أحدًا نَبَّه عليه مِن الشرّاح، على كثرتهم، قلت:
هذا فيما أظن وهْمٌ مِن المؤلف، " وَلَوْ سَمِعَهَا الْإِنْسَانُ لَصَعِقَ "، ابن تيمية رحمه الله حافظٌ كبير بحر مِن بحور العلم، ما جاء بعده مِثلُه، فكان رحمه الله أحيانًا يكتب مِن حِفظه، شيخ الإسلام رحمه الله يكتب مِن حِفظه لا ينقل مِن الكتب، فربما تقع له أوهام يسيرة في الأحاديث، فهنا وقع في وهْم، طيب؛ هذا الوهم كيف هو؟
قلتُ: هذا التعميم - يعني قوله: "يَسْمَعُهَا كُلُّ شَيْءٍ إلَّا الْإِنْسَانُ" - جاء في حديثِ أبي سعيد عند البخاري (2) مرفوعًا بلفظ:
«إِذَا وُضِعَتْ الْجِنَازَةُ فَاحْتَمَلَهَا الرِّجَالُ عَلَى أَعْنَاقِهِمْ؛ فَإِنْ كَانَتْ صَالِحَةً؛ قَالَتْ: قَدِّمُونِي، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ صَالِحَةٍ؛ قَالَتْ لِأَهْلِهَا: يَا وَيْلَهَا أَيْنَ يَذْهَبُونَ بِهَا؟! يَسْمَعُ صَوْتَهَا كُلُّ شَيْءٍ إِلَّا الْإِنْسَانَ، وَلَوْ سَمِعَ الْإِنْسَانُ لَصَعِقَ».
إذًا؛ يَسمع صوتَها كلُّ شيء إلا الإنسان، ولو سمعها الإنسان؛ لصعق، هذا في صوت الجنازة، هذا في كلام الجنازة وليس في صيحة المنافق في قبره.

وأما حديث عذاب القبر فلفظُه:
«ثُمَّ يُقَيَّضُ لَهُ أَعْمَى أَصَمُّ أَبْكَمُ فِي يَدِهِ مِرْزَبَةٌ»
يُقيض له أعمى أصم أبكم؛ هذا مِن زيادة التنكيل والتعذيب، يعني تخيَّلْ لو يُقَيَّض شخصٌ لا يَسمع ولا يتكلّم لِتعذيبِ شخص؛ كيف يكون؟! يعني لا يَلتفت إلى صُراخه وصوته واستغاثته، وكذلك لا ينظر - هو أعمى - حتى لا ينظر إلى حاله وضعفه ورقته، أبدًا، سبحان الله!
« ثُمَّ يُقَيَّضُ لَهُ أَعْمَى أَصَمُّ أَبْكَمُ فِي يَدِهِ مِرْزَبَةٌ لَوْ ضُرِبَ بِهَا جَبَلٌ كَانَ تُرَابًا، فَيَضْرِبُهُ ضَرْبَةً حَتَّى يَصِيرَ تُرَابًا، ثُمَّ يُعِيدُهُ اللَّهُ كَمَا كَانَ، فَيَضْرِبُهُ ضَرْبَةً أُخْرَى، فَيَصِيحُ صَيْحَةً يَسْمَعُها كُلُّ شَيْءٍ إِلَّا الثَّقَلَيْنِ» (3).
إذًا؛ في صيحة الكافر والمنافق في قبره يسمعها كلُّ شيء إلا الثقلين، هذا اللفظ الذي جاء في عذاب القبر
أما ذاك الأول؛ فجاء في كلام الجنازة: «يَا وَيْلَهَا أَيْنَ يَذْهَبُونَ بِهَا ؟!»، يعني: والناس يحملون الميت على نَعشِه إلى قبره؛ هذه الجنازة تتكلم، والناسُ يَحملونها ولا يشعرون، وهي تقول إذا كان على ظهرها كافر أو منافق، تقول: «يَا وَيْلَهَا أَيْنَ يَذْهَبُونَ بِهَا؟!»، إلى جهنم، لو سمع الناسُ كلامَ الجنازة؛ لَماتوا، لَصُعِقوا.

قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري":
"وَالْجَامِع بَيْنهمَا [يعني] الْمَيِّت وَالصَّعْق، وَالْأَوَّلُ اسْتثْنى فِيهِ الْإِنْس فَقَطْ [كلام الجنازة، يسمعه كلُّ أحد إلا الإنسان]، وَالثَّانِي اسْتثْنى فِيهِ الْجِنَّ وَالْإِنْس [أنا لماذا أوردتُ كلامَ ابن حجر؟ لأنه يؤيد ما قلتُه؛ أنّ شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله هنا حصل له هذا الوهْم، حيث أدخل حديثًا في حديث، الحافظ رحمه الله يقول:
استثنى في الأول - في الجنازة -: الإنسان.
واستثنى في الثاني - يعني في عذاب القبر -: الجن والإنس.
طيب لماذا؟ يقول الحافظ:]
"وَالْجَوَاب أَنَّ كَلَام الْمَيِّت بِمَا ذُكِرَ لَا يَقْتَضِي وُجُودَ الصَّعْق - وَهُوَ الْفَزَع - إِلَّا مِنْ الْآدَمِيّ؛ لِكَوْنِهِ لَمْ يَأْلَفْ سَمَاعَ كَلَامِ الْمَيِّتِ، بِخِلَافِ الْجِنّ فِي ذَلِكَ.
وَأَمَّا الصَّيْحَةُ الَّتِي يَصِيحُهَا الْمَضْرُوبُ؛ فَإِنَّهَا غَيْرُ مَأْلُوفَةٍ لِلْإِنْسِ وَالْجِنّ جَمِيعًا؛ لِكَوْنِ سَبَبهَا عَذَاب اللَّه وَلَا شَيْء أَشَدّ مِنْهُ عَلَى كُلّ مُكَلَّف، فَاشْتَرَكَ فِيهِ الْجِنّ وَالْإِنْس. وَاَللَّه أَعْلَم".

إذًا؛ هذا توفيق الحافظ، يعني بعبارة أخرى سهلة:
الحافظ يقول: صَعْقُ الميت في قبره، صرخةُ الميت في قبره هذه ما يَألفها أحد، لا الجن ولا الإنس، يعني هل الجن يستطيعون أن يحتملوها؟ ما يستطيعون، لأنها بسبب تعذيبِ الله سبحانه وتعالى الذي هو أشدُّ شيء، والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول:
«ما رأيتُ منظرًا إلا والقبر أَفظع منه» (4)، يعني مهما تر في هذه الدنيا من المناظر الفظيعة؛ القبر أفظع، ولو اطلع شخصٌ إلى ما في القبور؛ لا يعيش، يموت، يُصعَق، والعياذ بالله، لِضَعف الإنسان، والله المستعان.
فالمقصود أن هذه الصرخة التي يَصرخها الكافر في قبره؛ لا يألفها أحد لا الجن ولا الإنس، ولذلك استُثنوا.
أما كلام الجنازة؛ فاستثنى الإنسان فقط، لأن الجني قد يسمع شيئًا مِن ذلك.
هكذا قال الحافظ ابن حجر، لكن نحن الآن لسنا في مسألة التوفيق، مسألة التنبيه على هذا الوهم الذي حَصل في هذا الموضع من "العقيدة الواسطية".

وهذا لا يضر، الحمد لله، هذا لا يضر، قال الحافظ الذهبي في ترجمة هشام بن عروة، هشام بن عروة إمام كبير وحافظ، قال الذهبي في ترجمته في "السير":
"فأرني إمامًا مِن الكبار سلِم مِن الخطأ والوهم! [صحيح، أحضرِوا لنا! هل تَعرفون أحدًا؟! هل تَعرفون؟!] فهذا شعبةُ وهو في الذِّرْوة؛ له أوهامٌ، وكذلك: مَعْمَر والأوزاعي ومالك رحمة الله عليهم". ا.هـ كلامُه، يعني إن كان هؤلاء يَهِمون، لهم أغلاط، شعبة؛ يقول: "في الذروة" صحيح، شعبة في الإتقان في القمة، يقول: "له أوهام"، الثوري، مالِك، مَعْمَر، الأوزاعي، سفيان بن عيينة، ما أحد يَسلم مِن الخطأ والوهم.
وطالبُ العلم لابد أن يوطّن نفسَه على ذلك، ما أحد يَسلَم، لا يأتي متعصّبة الآن إذا خُطّئ أحد مِن العلماء المعاصرين بالذات، لأن المعاصِر يكون له أتباع ومقلِّدة يتعصَّبون له، فإذا ما خُطّئ في مسألة؛ قام المتعصِّبون في وجه هذا الذي نَبَّه على الخطأ! أليس كذلك؟! ما يصلح هذا..
هذا ابن تيمية رحمه الله: نحن نحبُّه – واللهِ – ونجلُّه، ونرى أنه ما أحد مِثله في المتأخرين، في رسوخه وعِلمِه وفضْله وعبادته وجهاده ونُصحه للإسلام... إلخ الصفات المعروفة والمشهورة عنه، ولكن هذا لا يمنعنا أبدًا.. ولا يجعلنا نقلّده ونتعصّب له، إذا رأينا خطأً أو وهمًا أو غلطًا؛ نبّهْنا عليه، وهذا هو المنهج، أَرِني إمامًا مِن الكبار سلِم مِن الخطأ والوهم! كما قال الذهبي رحمه الله.
نكتفي بهذا القدر.
والله أعلم
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.

* رابط الدرس: من هنا (http://abumalik.net/voice/details.php?linkid=1150)

___________________
الحواشي:
(1) هي في باب (ما يدخل في الإيمان باليوم الآخر) ص40 من متن "العقيدة الواسطية" [ط 1 ، مؤسسة الرسالة – بيروت، 1421 هـ].
(2) (كتاب الجنائز/ بَاب قَوْلِ الْمَيِّتِ وَهُوَ عَلَى الْجِنَازَةِ قَدِّمُونِي).
(3) رواه الإمام أحمد وغيرُه، وهو في "صحيح الترغيب والترهيب" (3558).
(4) رواه الترمذي وغيره، وحسّنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (3550).

عبد الحميد بن خليوي الجهني
23rd May 2008, 01:17 PM
نقل لي الأخ شاكر أن بعض إخواننا _ جزاهم الله خيرا _ قد تعقبني في هذا الموضوع حيث ذكر أن الشيخ العلامة محمد ابن عثيمين كان قد نبه على هذا في شرحه على الواسطية ,
وأقول : هذا التنبيه من الشيخ ليس موجودا في شرحه المسجل , وليس موجودا في الطبعة التى عندى من شرحه وهي الطبعة التى عني بها أشرف عبدالمقصود ( التى منع الشيخ من تداولها فيما بعد ) , وإنما هو مستدرك من الشيخ في الطبعة الأخيرة التى لم أطلع عليها , وبناء عليه قلت ما قلت , على أن الشيخ لم يجزم بوهم شيخ الإسلام , وعلى كل حال جزى الله الجميع خيرا , والحمد لله رب العالمين .