المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : دواء الشاكين وقامع المشككين للعلامة محمد تقي الدين الهلالي


أبو عبد الله يوسف
19th March 2009, 05:08 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
هذه مجموعة من المقالات نشرها الشيخ العلامة محمد تقي الدين الهلالي رحمه الله في مجلة دعوة الحق المغربية قبل سنوات طويلة ، يسر الله إخراجها مؤخرا و وضعها في موقع المجلة ، و قد قمت باستخراجها هناك و تنسيقها ، و تصحيح بعض الأخطاء المطبعية ، و سأضعها تباعا سائلا المولى عز وجل أن ينفع بها و يجزي الشيخ عنا خير الجزاء ، إن ربي سميع الدعاء

و عدد المقالات المعنون لها بـ " دواء الشاكين وقامع المشككين " أربع و عشرون مقالة .
و قد جمعت مقالات أخرى كثيرة سأضعها هنا بحول الله تعالى .

دواء الشاكين وقامع المشككين
- 1 -



دعاني رئيس تحرير مجلة دعوة الحق إلى كتابة مقالات تنشر فيها مما يناسب الغرض الذي أنشئت لأجله وهو الثقافة العامة. وقد رأيت وسمعت أن بعض الشبان وبعض المتصابين من الكهول يشتكون من داء الشك في العقائد الإسلامية والتشريع المحمدي الأغر.
وبالطبع ينتهج هذه الفرصة أبالسة التشكيك والتضليل من المستعمرين الروحيين في خارج البلاد ووكلائهم فيداخلها. فرأيت أن الكلام في هذا الموضوع من المهم المتعين، وإن كان أئتمنا أهل الحديث – نضر الله وجوههم في الدنيا والآخرة- قد نهوا عن الخوض في علم الكلام والجدل دون أن تدعو إلى ذلك ضرورة مقاومة المفسدين أو تثبيت عقيدة المؤمنين فعند ذلك تتعين المقاومة ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة. قال تعالى في سورة البقرة في الحزب الثالث باصطلاح المغاربة : «إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا فأولئك أتوب عليهم وأنا التواب الرحيم» وروى أحمد بن حنبل رحمه الله عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «من سئل عن علم فكتمه ألجمه الله بلجام من نار». وسأسوق بإذن الله من البراهين القاطعة التي تضطر كل عاقل يطلب الحق إلى الاعتقاد الراسخ لوجود الله سبحانه وأنه الخالق البارئ لكل شيء في العوالم العلوية والسفلية والمهيمن عليه والمدبر لجميع شؤونه وحده بلا شريك ولا ظهير ولا معين.

التعريف بكتاب علمي قيم

ألف العالم الفلكي الأمريكي الطائر الصيت كويسكي مورسن كتابا نفيسا باللغة الانكليزية. وقد ترجم هذا الكتاب باللغة العربية مصدرا بمقدمة لشيخ الأزهر السابق وسماه المترجم (العلم يدعو للإيمان) إلا أن الترجمة في بعض المواضع غامضة لا يتبين معناها وليست موجودة عندي الآن، وإنما أعتمد في ما انتزعه من البراهين العلمية على النص الانكليزي وبالله التوفيق.
بدأ هذا المؤلف الحكيم كتابه بمثل ضربه فقال : «افترض أنك أخذت عشرة أفلس وكتبت على كل واحد رقما مبتدئا من واحد إلى عشرة، ثم وضعت الأفلس العشرة في كيس ثم هززت الكيس هزا عنيفا حتى اختلط الأفلس على أن تصادف يدك عند إدخالها الكيس في المرة الأولى الفلس المرقوم بواحد وفي المرة الثانية الفلس المرقوم برقم اثنين وفي الثالثة الفلس المرقوم برقم ثلاثة وهكذا إلى آخرها على الترتيب. فكم يكون حظك من النجاح في المرة الأولى أن تصادف الفلس المرقم برقم واحد وفي المرة الثانية الفلس المرقم برقم اثنين على التوالي يكون واحد في المائة، فإن أردت أن تدخل يدك في الكيس ثلاث مرات متوالية وتصادف في المرة الأولى الفلس المرقوم برقم واحد وفي المرة الثانية الفلس المرقوم برقم اثنين، وفي المرة الثالثة الفلس المرقوم برقم ثلاثة فإن حظك من الناجح يكون واحد في الألف، وإن أردت أن تصادف الأول والثاني والثالث والرابع على التوالي فإن حظك من الناجح يكون من عشرة آلف، وقس على ذلك إلى العاشر فإن حظك من النجاح أن تصادف يدك الفلس المرقوم برقم واحد إلى الفلس المرقوم برقم عشرة على التوالي يبلغ رقما لا يتصوره العقل وهو واحد من عشرة ملايين».
والغرض من ضرب هذا المثل السهل إدراكه أن نبين مقدار استحالة قول من يزعم أن هذا العالم تم خلقه وتدبيره بالمصادفة، فإن هناك شروطا لازمة لوجود الحياة على أرضنا هذه، وهذه الشروط لا يمكن أبدا من الوجهة الحسابية أن توجد كلها بالنسب المطلوبة بالمصادفة المجردة على أي أرض في أي زمن، لذلك يتحتم أن يكون وراء الطبيعة كائن عالم مدير، إذا علمت ذلك وهو حق تعلم يقينا أن خلق هذا العالم مقصود ومقدر قبل وجوده تقديرا دقيقا، إذن فالغرض من تأليف هذا الكتاب الإشارة إلى شيء من نظام هذا الكون العجيب.
دعنا الآن نختبر الحقائق المدهشة، زعم علماء الفلك أن نجما عظيما مر بقرب شمسنا ودنا منها دنوا كبيرا بحيث وقع فيها ارتجاج واضطراب عظيم فانشقت وانفصلت عنها قطع كبيرة وكل قطعة اتخذت لها فلكا ندور فيه وكان ذلك منذ ما يقرب من بليونين من السنين، ثم أن إحدى تلك الكتل التي انفصلت عنها قطع كبيرة وكل قطعة اتخذت لها فلكا ندور فيه وكان ذلك منذ ما يقرب من مليونين من السنين، ثم أن إحدى تلك الكتل التي انفصلت عن الشمس هي هذه الأرض التي نعيش فيها.
قال كاتب هذا المقال قد يستأنس بعض الناس لإثبات هذه النظرية بقوله تعالى «أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ (30) » الآية.
ونحن لا نريد أن نتعرض لهذا الاستئناس بنفي ولا إثبات لأن ذلك يتطلب بحثا دقيقا وأناة وصبرا ومقالا منفردا، ولكن نريد أن نبين للمغرورين من الشاكين والمغررين من المشككين أن مثل هذه النظريات التي يحاول علماء الفلك أن يحلوا بها المشكلات الكونية هي أضعف من أن يعتمد في نفي وجود الباري جل وعلا وإبداعه للكائنات وتدبيره لشؤونها بغاية الأحكام والإتقان، كما قال تعالى في سورة السجدة «ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (6) الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ» . وقال تعالى في سورة النمل «وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب صنع الله الذي أتقن كل شيء أنه خبير بما تفعلون». وقد انتقدت طائفة من علماء الفلك هذه النظرية ولم يقبلوها.
وهناك نظريات أخرى في تكوين الأرض ليست أقوى ولا أبعث على الطمأنينة من النظرية السالفة وذلك يدل على قلة ما وصل إليه علم الإنسان من أسرار خلق السماوات والأرض، قال تعالى «وما أوتيتم من العلم إلا قليلا» وقال تعالى في سورة آل عمران «إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب».
ثم نعود إلى الكلام على هذه الأرض التي خلقنا الله فيها وأمرنا بالنظر والتفكر فيها، فقال سبحانه «أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت وإلى السماء كيف رفعت وإلى الأرض كيف سطحت» قال العلماء أن هذه الأرض صغيرة الحجم بالنسبة إلى غيرها فهي من هذه الوجهة ليست من الأجرام الفلكية المهمة. ومع ذلك قام الدليل على أنها أهم كوكب نعرفه.
ولنفرض أن الأرض مؤلفة من العناصر الموجودة في الشمس لا غير، فهذه العناصر موزعة في الأرض كل واحد منها له نسبة مئوية وهذه الأجزاء التي خبرناها على وجه الأرض توزيعها في غاية الدقة والإتقان، يدل العالم به أن وراءه مدبرا عالما قديرا منزها عن الوهم والنقص، ثم أن حجمها نفسه قد روعي فيه مقدار معلوم لا يمكن أن يزيد ذرة ولا أن ينقصها. فسرعة دورانها في فلكها حول الشمس مقدرة تقديرا في غاية الدقة، ودورانها على محورها مقدر كذلك ومحدد بحيث لو وقع فيه اختلاف بثانية واحدة فقط في مدة مائة سنة لانقلب الحساب الفلكي كله وتغيرت حدوده.
ويرافقها كوكب يعرف بالقمر، وحركاته مقدرة بدقة وله دورة محدودة تبتدئ وتنتهي في ثماني عشرة سنة وثلاثة أرباع السنة. ولو كان حجم الأرض أكبر مما هو عليه أو أصغر أو كانت سرعتها على غير ما هي عليه لكانت المسافة التي بينها وبين الشمس أبعد أو أقرب، وهذه الحالة تؤثر تأثيرا بليغا في جميع أنواع الحياة التي على وجه الأرض ومنها حياة الإنسان.
قلنا إن اختلاف سرعتها في دورانها يؤثر في بعد المسافة أو قربها وفي كلتا الحالتين من القرب والبعد لا يمكن أبدا وجود الحياة على وجه الأرض على الوجه الذي نعرفه، والأرض من بين جميع الكواكب السيارة، وحسب ما نعلمه حتى الآن هي الكوكب الوحيد الذي بسبب علاقته بالشمس صار في الإمكان وجود هذه الحياة التي نحياها فيه.
قال كاتب المقال : «قال العلماء : إن العناصر التي تتألف منها الأرض موزعة بمقادير دقيقة لا تزيد ذرة ولا تنقصها»، فمن الذي قدرها قبل خلقها وأنشأها على وفق علمه وحفظ تلك المقادير محدودة بالحد الذي حده والنظام الذي أبدعه أليس هو الله رب العالمين القائل في سورة الذاريات «والأرض فرشناها فنعم الماهدون» وقال تعالى في سورة النازعات «والأرض بعد ذلك دحاها أخرج منها ماءها ومرعاها والجبال أرساها متاعا لكم ولأنعامكم».
ومن الذي جعل حجم الأرض على ما هو عليه وعلم أنه لو زاد على هذا القدر لما أمكن وجود الحياة على ظهر الأرض ولبطل خلقها وإنشاؤها) أليس هو الله ربا للعالمين ؟.
ومن الذي جعل الأرض تدور حول الشمس في مدة سنة وتدور على محورها في أربع وعشرين ساعة، ولو زادت ثانية واحدة وهي جزء من ستين جزءا من الدقيقة في مدة مائة سنة لاختل نظامها : أيمكن أن يوجد هذا كله على سبيل المصادفة بلا علم ولا تدبير ولا هيمنة ؟ كل من أدنى مكة من العقل والإنصاف يعلم يقينا أن وراء ذلك الصنع العجيب مدبرا عليما حكيما فتبارك الله أحسن الخالقين.
ومن الذي جعل هذا القمر يرافق الأرض دائرا حولها بحساب دقيق معلوم في منازله وفي المقادير التي تظهر منه هلالا فقمرا منيرا فبدرا تاما ثم يتناقص حتى يختفي ثم يعود هلالا مرة أخرى، أليس هو القائل في سورة يس «والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون» أليس هو القائل «هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه بل الظالمون في ظلال مبين».


يتبع...

أبو عائشة الأثري
26th March 2009, 01:09 PM
أحسن الله اليك
و رحم الله الشيخ

أبو عبد الله يوسف
26th March 2009, 06:59 PM
و إليك أخي الفاضل



دواء الشاكين وقامع المشككين

- 2 -


قال الله تعالى : «الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (22)».
العبادة غاية الحب في غاية التذلل، ولا يستحقها إلا الله عز وجل لأنه الخالق الرازق الذي تفضل علينا بنعمة الإيجاد والإمداد، ولها أعمال وأقوال تدل عليها، فأعظمها الدعاء وهو طلب جلب النفع أو دفع الضر، ومنها الاستغاثة والاستعانة والتوكل في ما لا يقدر عليه إلا الله كإنزال المطر وشفاء المريض وكشف سائر الأضرار إذ هو الذي مهد لنا الأرض وجعلها فراشا صالحة لأن نسكن فيها ونسير في مناكبها في برها وبحرها وجوها وجعل السماء سقفا محيطا بنا حافظا لنا وأنزل المطر من السماء فأخرج به لنا من أنواع الثمرات ما لا يأتي عليه الحصر ولا يحده وصف.
والآن ننظر ماذا في السموات والأرض من الأسرار والعجائب والحكم لنزداد علما ومعرفة وعظيما للواحد الأحد.
قال علماء الفلك أنه إلى حد الآن لم يتحقق عندهم أن الحياة بأي نوع من أنواعها موجودة في أي جرم من الأجرام السابحة في الفضاء ما عدا هذه الأرض التي نعيش فيها، قالوا أن عطارد لا يمكن وجود الحياة فيه لأنه لا يواجه الشمس منه إلا جانب واحد من جانبيه، وهذا الجانب لابد أن يكون صحراء حامية كالأتون، وهو الفرن الذي يصنع فيه الخزف، والجهة الأخرى جامدة شديدة الزمهرير ولا يوجد فيه هواء، وإن وجد شيء منه فإنه غير مستقر بل هو في عصف مستمر يندفع من جانب إلى جانب.
وأما الزهرة فإنه يحيط بها ضباب وبخار وجوها ثخين لا يصلح للحياة بأي شكل من أشكالها.
أما المريخ فهو الكوكب الوحيد الذي يمكن أن تكون فيه حياة كأرضنا، إما في بدايتها أو في أول ظهورها وتميزها، لكن الحياة في المريخ إن كانت موجودة فلابد أن تعتمد على غاز آخر غير الأكسجين والهيدروجين، لأن هذين يظهر أنهما لا يوجدان فيه، وجوه غير صالح للنبات على الوجه الذي نعرفه.
أما القمر فلا يمكن أن يمسك الهواء وهو الآن غير صالح لأن يكون مسكونا، لأن ليله شديد البرد إلى حد يستحيل أن يعيش فيه حيوان أو نبات، وأما نهاره الطويل فهو في غاية الحر.
وأما الأجرام السماوية الأخرى فهي بعيدة من الشمس فلا يمكن أن توجد فيها الحياة بأي شكل من أشكالها فتبين حسبما نعلم أن الحياة لا توجد إلا في أرضنا، ولم تكن في أول خلقها صالحة لوجود الحياة فيها فقد مضت عليها أطوار استغرقت بليونين أو ثلاثة من السنين قبل أن تكون صالحة وملائمة لوجود الحياة حياة النبات والحيوان ثم توجت بإيجاد الإنسان الذي هو السيد المتصرف فيها بإذن الله، والأرض تدور على محورها مرة في كل أربع وعشرين ساعة أو بمقدار ألف ميل في كل ساعة، فلنفرض أنها تدور على محورها بسرعة مائة ميل في الساعة، فحينئذ تكون أيامنا وليالينا أطول مما هي عليه عشرات المرات، فشمس الصيف الحامية تحرق جميع النبات وفي ليال الشتاء الطويلة يجمد كل شيء وتكون الحياة مستحيلة.
أقول للشاكين وأساتذتهم المشككين ماذا تقولون في هذه الدقة في دوران الأرض على محورها بالقدر الذي يصلح لحياة الحيوان والنبات لا أكثر ولا أقل. ألا ترون وراء هذا النظام الدقيق علما وقدرة وتدبيرا مقصودا محكما ؟ أتظنون أن هذا كله وقع على سبيل المصادفة فأين تذهبون ؟.
والشمس التي هي مصدر جميع الحياة، تبلغ الحرارة على وجهها إثنى عشر ألفا (فارنهايت)، وأرضنا بعيدة من الشمس التي هي نار حامية بعدا كافيا بالقدر الذي تعطينا فيه الحرارة الكافية لحياتنا لا أكثر ولا أقل. إنه لنظام عجيب. ومع مضي الملايين من السنين لم تختلف حرارتها إلا قليلا ولذلك بقيت الحياة مستمرة، لو تغير مقياس الحرارة على وجه الأرض حتى بلغ معدله خمسين درجة لمدة سنة لمات كل نبات على وجه الأرض ولاحترق الإنسان أو جمد، وتدور الأرض حول الشمس بسرعة ثمانية عشر ميلا في كل ثانية، ولو أن سرعة دورانها كانت سنة أميال أو أربعين ميلا في كل ثانية لبعدنا كثيرا جدا من الشمس أو لقربنا منها كثيرا وحينئذ لا يمكن أن تكون حياتنا على الشكل الذي هي عليه الآن.
فمن الذي جعل دوران الأرض حول الشمس ثمانية عشر ميلا في الثانية، وقدر ذلك عالما به وجعله على القدر الذي تصلح عليه حياة الحيوان والنبات لا يزيد ثانية ولا ينقصها، أليس هو العليم القدير.
«وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (38)».
والنجوم تختلف في الحجم كما نعلم، فمنها الكبير إلى حد أنه لو كان في موضع شمسنا لكانت أرضنا داخلة في جوفه بعيدة، من سطحه ملايين الملايين من الأميال، والنجوم وهي شموس تختلف في إشعاعها فبعضها ترسل أشعة قاتلة لا تصيب شيئا حيا من حيوان أو نبات إلا أهلكته، بل لا يكمن وجود الحياة معها، وبعضها تعطي أشعة ضعيفة أقل من أشعة شمسنا بكثير جدا فلا يمكن الحياة معها.
ولو أن شمسنا ترسل نصف الأشعة التي ترسلها فقد لجمدنا من شدة البرد، ولو أنها ترسل أشعتها خمسين في المائة زيادة على ما ترسله الآن لصرنا رمادا منذ زمان بعيد هذا إذا أمكن وجودنا بالمرة على شكل ذرة الحياة الأولى التي تسمى عند علماء الحياة بروتوبلاسما، فالأشعة التي ترسلها شمسنا موافقة بالضبط لما تحتاج إليه حياتنا لا تزيد ذرة ولا تنقصها، وهي واحدة من بين ملايين الشموس التي لا تصلح لحياتنا.
أقول فمن الذي جعل أشعة هذه الشمس مطابقة لما تستلزمه حياتنا لا زيادة ولا نقص، أليس هو العليم الخبير ؟ (وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ (33)
وَآَتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (34)).
وقد بعجت الأرض في إحدى زواياها عند الدرجة الثالثة والعشرين، وهذا هو الذي نشأت منه فصول السنة الأربعة، ولولا ذلك لكان القطبان في غلس دائم، والغلس هو اختلاط النور بالظلام كما يكون الأمر بعد طلوع الفجر، وحينئذ لا تصل أشعة الشمس إلى القطبين أصلا، وفي هذه الحال تنشأ جبال هائلة من الثلوج والمياه الجامدة وتؤثر في البحور المحيطات فتضطرب وينشأ عن ذلك ضرر عظيم لسكان الأرض.
أقول وفي ذلك برهان ساطع على أن الله قدر الأرض قبل خلقها، ثم خلقها طبقا لتقديره وجعلها على نظام دقيق صالح لحياة العباد على أحسن حال فتبارك الله أحسن الخالقين.



وفي كل شيء له آيةتدل على أنه الواحد



فماذا يقول الشاك وماذا يقول المشكك في هذه الأدلة القاطعة ؟ أيتجرأ أن يدعي أن ذلك كله وقع على سبيل المصادفة رمية من غير رام ؟ إن تجرأ على هذه الدعوى يكون قد خرج عن دائرة العقل والإنصاف واتصف بالوقاحة والمكابرة لئلا يقيم العقلاء له وزنا.
والقمر يبعد عن الأرض بمائتين وأربعين ميلا، ومع ذلك فإن المد الذي يقع في البحار مرتين في كل يوم يذكرنا بتأثيره في الأرض، ويبلغ ارتفاع الماء في المحيطات بسبب المد ستين قدما في بعض الأماكن.
وللمريخ قمر صغير لا يبعد عنه إلا ستة آلاف ميل، ولو أن قمرنا كان قريبا من أرضنا بأن كانت المسافة بينهما خمسين ميلا فقط بدلا من المسافة الحاضرة لكان المد شديدا هائلا بحيث يغرق جميع الأراضي المنخفضة في القارات كلها، بل تبلغ قوته إلى أن يزيل الجبال ويكسحها من أماكنها، وحينئذ يتوقع أن يغمر الماء الأرض كلها فلا يظهر شيء من القارات، ويحدث المد في الهواء عواصف هائلة كل يوم، وفي هذه الحال لا يمكن وجود الحياة إلا في قعر البحار المحيطة.
أقول فمن الذي جعل القمر بعيدا من الأرض بالقدر الذي ينفع ولا يضر، فإن المد الذي يحدثه القمر في البحار ينفع الناس، فلولاه ما أمكن دخول البواخر الكبيرة من خليج البصرة إلى شط العرب وهو النهر المتألف من دجلة والفرات فلا تصل البواخر إلى عبادان ولا المحمرة ولا البصرة، وبيان ذلك إن ماء النهر لا يكفي لدخول البواخر الكبيرة وسيرها فإذا جاء المد دفع ماء النهر إلى الوراء فامتلأ النهر وأمكن سير البواخر فيه، فإذا جاءت البواخر في وقت الجزر تنتظر وقت المد لتدخل إلى المراسي المذكورة، وكذلك تفعل إذا أرادت الخروج منها، وليست فائدة المد منحصرة في ما ذكر فإن سقي المزارع في ناحية البصرة يتوقف على المد، فكل مزرعة أو جنة يريد صاحبها سقيها فما عليه إلا أن يفتح مدخل الماء من النهر أو من احد فروعه قبل وقت المد فإذا جاء المد دخل الماء فسقيت المزرعة أو الجنة بالقدر الذي يريده صاحبها فإذا أراد صرف الماء وقطعه عنها فما عليه إلا أن يسد الشعب الذي يدخل منه الماء، وهناك فوائد أخرى في المد حرفنا النظر عن ذكرها فسبحان الخلاق العليم.
ولو أن القارات زالت لغمر ماء البحار الأرض كلها وصار عمقه نحو ميل ونصف وانعدمت الحياة إلا في قعر البحار المحيطة كما تقدم، وبناء على القوانين الفلكية المعترف بها يرى علماء الفلك أن المد الذي يحدثه القمر في لبحار يدفع القمر نفسه ليبعده عن الأرض، وفي الوقت نفسه يؤثر بطئا في دوران الأرض من أقل من ست ساعات إلى أربع وعشرين ساعة في اليوم، فالقمر الذي هو الآن سمير للعشاق سيبقى مستمرا على نظامه البديع بإذن الله لمدة بليون من السنين، وأولئك الفلكيون أنفسهم يعتقدون أيضا طبقا للقوانين الفلكية نفسها انه سيرجع في يوم من الأيام إلى الأرض وأهلها (كل شيء هالك إلا وجهه له الحكم وإليه ترجعون).
أقول فمن الذي أحدث ذلك التفاعل المفيد بين الأرض وابنها الوحيد القمر لمصلحة العباد وسيحفظه كذلك إلى يوم الميعاد، ويومئذ تنفطر السماء وينشق القمر وتكور الشمس وتنكدر النجوم وتسير الجبال، (
كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (26) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (27)
).
يقول علماء الفلك إن مادة الأرض قد اقتطعت من الشمس على شكل خليط من العناصر الغازية تبلغ حرارته اثنى عشر ألف درجة وألقيت في الفضاء الذي لا نهاية له، من ذلك تطورت الأرض حتى صار لها نظام شمسي دقيق، وكل طور من تلك الأطوار جاء مترتبا على ما قبله بتقدير وتطبيق في غاية الأحكام ومنتهى الكمال لا يقع فيه اختلاف ولو في بليون سنة.
أقول هذا كلام علماء الفلك وهو واضح في الدلالة على الخالق العليم القدير الذي أحسن كل شيء خلقه فتبارك الله رب العالمين.
يتبع...

أبو عبد الله يوسف
26th March 2009, 07:02 PM
دواء الشاكين وقامع المشككين

- 3 -





أنواع الغازالذي نتنفس به:
من المعلوم أن الإنسان لا يستطيع أن يعيش لحظةبلا تنفس الهواء اللازم لحياته، ولذلك نرى العملة اللذين يشتغلون في باطن الأرضكعمال المناجم يتزودون بالمقدار الكافي من الهواء النقي لتنفسهم وحياتهم، ونرىالمتسلقين لقمم الجبال الشواهق كجبال هملايا في الهند أيضا يأخذون معهم المقدارالكافي من الهواء للتنفس، لأن الهواء الصالح للتنفس يقل بالتدرج كلما ارتفع الإنسانفي الجو حتى ينعدم بالمرة، وهذا هو الذي يعسر على الإنسان والحيوان الانفصال عنالأرض زيادة على ما يسمى بالجاذبية وهو انجذاب كل ثقيل في جو الأرض أو فوقها،الانجذاب هو طلبه للقرار وهو مركز الأرض أي وسطها، فلو ألقيت حجرا من أعلى الجولانطلق بسرعة طالبا لمركز الأرض، فإن لم يجد مانعا استمر هابطا حتى يبلغ مركز الأرضويقف فلا يزيد ذرة ولو لم يجد مانعا، فلو ألقينا حجرا من جهة الشرق وحجرا آخر منجهة الغرب ولم يجدا مانعا لنزلا حتى يجتمعا في مركز الأرض، ولو جعلنا بدل الحجرينإنسانين لاجتمعت أقدامهما في المركز إذا لم يمنعهما مانع، هذا ما قاله الإمام ابنتيمية في كتاب الرسالة العرشية، وجميع العلماء من المسلمين وغيرهم متفقون على هذا.
وكم سمعنا بعملة يحفرون بئرا في الأراضي التي يقل الماء فيها حتى إذا وصلوا إلىمسافة بعيدة في أسفل الأرض أصابهم إغماء ثم موت على الفور، وحفار الآبار يعرفون ذلكبالتجربة فإذا اضطروا إلى إنزال العملة إلى مسافة بعيدة من الأرض يربطون في أوساطهمحبالا حتى إذا أحس أحدهم بالإغماء يصيح فيجذبه رفقاؤه ويرفعونه إلى وجه الأرضفيستنشق الهواء النقي ويرجع إليه وعيه، والعمال لا يعرفون سبب ذلك فيظنون أنه منالبئر ويقولون فلان نفخت عليه البئر فمات، والحقيقة أن البئر لم تنفخ عليه، إنماوصل على موضع لا يوجد فيه الهواء اللازم لتنفسه وحياته، وكم سمعنا بفرد أو جماعةناموا في بيت فيه فحم في مجمر لم يتم احتراقه وسدوا عليهم باب البيت فأصبحوا أموتا،فما هو سبب موتهم ؟ الجواب سهل فإن الكاربون الذي ينبعث من الفحم يأكل الهواء الذيفي البيت حتى ينقضي بالتدريج فلا يجد النائمون هواء يتنفسونه فيموتون، وهذا كلهيدلنا على أن الهواء ضروري لحياة الإنسان والحيوان البري كضرورة الماء للحيوانالبحري، والآن دعنا نتخذ الهواء الذي تتوقف عليه حياتنا برهانا جديدا على النظاموالتدبير البديع الذي يقوم عليه هذا العالم العجيب، اعلم أن الهواء المحيط بالأرضيتألف من عناصر، وهي : الأكسجين والنتروجن والأركون والنيون والسنون والاكربتون،ويحتوي على بخار الماء ونحو ثلاثة أجزاء من عشرة آلاف من أكسيد الكاربون، ثم إنالأنواع القليلة المقدار من الغاز توصل إلى العين اللون الأحمر والأزرق والأخضر،والأركون الذي يوجد منه في الهواء تسعة من عشرة أجزاء من واحد في المائة يعطيناالضوء الكهربائي اللامع الذي لم يزل في تقدم مطرد يزيد في ازدهار المدنية ويستعملفي كل مكان.
والنتروجين الذي يوجد منه تقريبا ثمانية وسبعون في المائة فيالهواء، والأكسجين الذي هو على العموم أحد وعشرون في المائة، فالهواء بمجموعه يضغطعلى الأرض تقريبا بقدر خمسة عشر رطلا على كل أنش(1[1] (http://www.akssa.org/vb/showthread.php?t=4676#_ftn1)) مربع على مستوى سطح البحر،والأكسجين الذي يوجد في الجو هو أحد أجزاء هذه المواد يحدث ضغطا بقدر ثلاثة أرطاللكل أنش مربع، وكل ما بقي من الأكسجين هو محصور في قشرة الأرض وبشكل ثمانية من عشرةجميع المياه التي في الأرض.
ثم إن الأكسجين تتوقف عليه حيلة كل حي على وجه الأرضمن إنسان وحيوان، ولا يمكن الحصول عليه إلا في الجو، والآن تعرض لنا مسألة مهمة جداوهي كيف وجد من هذا العنصر المهم المقدار الكافي بالضبط لحياة الإنسان والحيوان لاأكثر ولا أقل.؟ فلو كان مقدار الأكسجين مثلا خمسين في المائة أو أكثر بدل أحدوعشرين لصارت كل مادة في الأرض قابلة للإشعال على غاية الاستعداد للالتهاب لأدنىومضة من البرق فإذا أصابت شرارة شجرة التهمت النار جميع أشجار الغابة وما حولها،ولو نقص مقدار الأكسجين إلى حد عشرة في المائة أو أقل لضعفت الحياة على وجه الأرضوسارت نحو الفناء : فمن الذي ركب الهواء من تلك العناصر وجعل من كل عنصر أجزاءمحدودة في غاية الدقة لو زاد شيء منها أو نقص مثقال ذرة لفسد الكون واختل نظامـه ؟وهل في وسع عاقل يطلع على ذلك أن يدعي أن هذا الكون وليد المصادفة والاتفاق رمية منغيـر رام ؟.
وقد قيل أن الإنسان إذا تنفس يشبه الأتون المتقد، وهذا القول لهنصيب من الحقيقة، فإن الإنسان في كل نفس يقذف مقدار من الكاربون ويأخذ مقدارا منالأكسجين، وكل شيء حي من إنسان وحيوان كذلك.
والأكسجين زيادة على ذلك شرط جوهريللحياة لتأثيره على العناصر الأخرى في الدم وفي غيره من أجزاء الجسم التي بدونها لاتوجد الحياة.
ومن جهة أخرى قد علم يقينا أن حياة جميع النبات تتوقف على مقدار منذرات أكسيد الكاربون الموجودة في الهواء التي نتنفسها، فالأوراق للأشجار بمنزلةالرئتين للإنسان فالنبات بعكس الحيوان يأخذ الكاربون ويعطي الأكسجين الذي نتنفسه،فالنبات يغذي نفسه بإذن الله وينتج زيادة على ذلك ما يكفي لغذاء كل حي على وجعهالأرض، وفي الوقت نفسه يخرج الأكسجين الذي نتنفسه والذي بدونه تنقضي الحياة في خمسدقائق، فيجب ن نعرف مقدار هذه النعمة التي تتوقف حياتنا عليها. فجميع النبات من شجرونجم وأعشاب وغير ذلك من أنواع الزرع تتوقف حياته على الكاربون والماء، فالحيوانيعطي حامض أكسيد الكاربون، والنبات يعطي الأكسجين، ولولا هذا التبادل الواقع بينهمالاستهلك الحيوان الناطق والأعجم جميع ما في الأرض من الأكسجين، وحينئذ تكونالقاضية، أو يستهلك النبات جميع ما في الأرض من الكاربون فيهلك، وأيهما هلك أولاتبعه الآخر.
وقد اكتشف أخيرا أن حامض أكسيد الكاربون بمقدار قليل أيضا لابد منهلحياة أكثر الحيوان، وكذلك النبات يحتاج إلى قليل من الأكسجين.
وينبغي لنا أننذكر الهيدروجين ونضيفه إلى ضروريات حياتنا، فمع أننا لا نتنفس هذا العنصر، لانستطيع العيش بدونه لأن الماء الذي تتوقف عليه حياتنا لا يوجد بدون هيدروجين،فالأكسجين والهيدروجين وحامض أكسيد الكاربون كل على انفراد ومجتمعات بنسب مختلفةتشكل عنصرا حيويا لوجود أنواع الحياة الثلاثة : حياة الإنسان، وحياة الحيوان، وحياةالنبات. وهذه العناصر هب الأساس الذي ترتكز عليه الحياة ولا يمكن أبدا ولو بقدرواحد من ملايين أن توجد هذه العناصر كلها بمقاديرها المحدودة حدا وهو أرضنا التينعيش فيها بالقدر الذي تحتاجه الحياة، إن العلم لا يضع تعليقات على الحقائق وإنمايقتصر على كشفها، وإذا زعمنا أن وجود تلك العناصر بالتفصيل السابق، وتوقف الحياةعليها، كل ذلك وقع على سبيل المصادفة، نكون قد أنكرنا الضروريات الحسابية، كما لوقلنا أن الواحد ليس نصف الاثنين. فماذا يقول الشاكون وأساتذتهم المشككون في هذهالبراهين القاطعة، والأنوار الساطعة، التي أتت بنيانهم من القواعد فخر عليهم السقفمن فوقهم، كما قال الله تعالى في سورة النحل : « قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (26) » ماذايقول المعلمون المجهلون الذين يفسدون فطرة الصبيان الصافية، وينجسون عقولهمالطاهرة، بزعمهم أن السبب في اعتقاد الإنسان وجود الله تعالى هو الخوف والجهلبنواميس الطبيعة، فقد زعموا أن الإنسان الأول كان يخاف من كل شيء يحدث في العالمكالبرق والصواعق والحرائق التي تحدث في الغابات والخسوف والكسوف وجلجلة الرعدوالفيضان الذي يحدث تلك الأمور إذا غضب، فأخذ الإنسان يتملق له بتقريب القرابين، منذبائح وغيرها خوفا من أن يصيبه بتلك الحوادث المهلكة، وقد زعم هؤلاء أن هذا العصرعصر العلم قد كشف أسباب تلك الحوادث، ورفع سلطان الخوف عن الإنسان، وحرر عقله منالأوهام، فلم تبق به حاجة إلى اعتقاد وجود الله والخضوع لعظمته والتلذذ بمعرفته،وتكميل النفس بطاعته. ماذا يقولون إذا رأوا أن العلم هو الذي كشف الغطاء عن تلبيسهموحيرتهم، وأقام البرهان القاطع وأوجد العلم الضروري بأن لهذا العالم خالقا مبدعا،مدبرا عالما حكيما، متصفا بجميع صفات الكمال التي لا يدرك كنهها : قال تعالى فيسورة آل عمران : « إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (191) » صدق الله العظيم. إن اللهلم يخلق هذا الكون البديع الذي هو في غاية الإحكام عبثا وباطلا بلا حكمة ولا غاية،تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا يسبح له السموات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلايسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم إنه كان حليما غفورا.


نتروجــــن:
يقال إن نتروجن عنصر غير قويوهو غاز بطيء التأثير، وهذا الغاز مهم جدا، لأنه يعمل على تلطيف الأكسجين حتى يكونملائما أحسن الملائمة للإنسان والحيوان، كما قلنا من قبل الأكسجين نقول الآن إنالمقدار الموجود من نتروجن والتأثير الذي يحدثه هو القدر المطلوب لا أقل ولا أكثر. يمكن أن نقول : إن الإنسان قد واءم وهيأ نفسه لقبول أحد وعشرين في المائة منالأكسجين في الهواء وذلك صحيح.
ولكن هنالك حقيقة وهي أن ذلك القدر هو الذييحتاجه الإنسان بالضبط وهو أفضل شيء لحياته يزيدنا يقينا وإيمانا بدقة النظامالكوني وإتقان تقديره وتدبيره، ومن العجيب أن نجد أن التوزيع الذي وقع في الأكسجينيعود إلى عاملين اثنين : الأول أن الأرض لم تستوعبه تشربا، ولو استوعبته لصار جزءامن قشرة الأرض أو من المحيطات، والثاني أن المقدار الباقي منه طليقا هو بالضبطالقدر الذي يستطيع مجموع النتروجن تلطيفه، ولو كان النتروجن أكثر أو أقل مما هوعليه ما استطاع الإنسان أن يتطور في خلقته، ويصل إلى الحال التي هو عليها، وهذا أمريسترعي النظر، وبالجملة فهو جزء من الهواء ضروري لحياة الحيوان والنبات.
أضف إلىذلك أن النتروجن هو أحد الأجزاء التي يتألف منها الغذاء الذي نتقوت به وبدونه يموتالإنسان جوعا، فإن كل شيء من النبات الذي يخرج الغذاء الذي يعيش به الإنسانوالحيوان، وتخصب به الأرض وبدونه لا يوجد ثمر ولا بقل ولا حبوب، والطريق الذي يدخلفيه النتروجن في النبات يكون على شكل بكتريا وهي مخلوقات حية في غاية الصغر لا ترىإلا بالمجهر تكون قواما للنبات حتى إذا مات ذلك النبات تبقى تلك المخلوقات في الأرضلتكون قواما لنباتات أخرى تخلفها، وهناك طريق آخر يصل به النتروجن إلى الأرض وهو أنالرعد حين يحدث في الجو ويلمع البرق يكون فيه مقدار صغير من الأكسجين مع النتروجنفيحمل المطر إلى الأرض ذلك المركب الذي تتم به حياتها ويكمل النفع بخيراتها، وماأحسن قوله تعالى في سورة ق «وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (7) تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (8) وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ (9) وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ (10) رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ (11) » وتسهيلا لفهم هذه الآيات نشير إلى معناها فنقول : والأرض مددناها أيبسطناها وهيأناها حتى صارت صالحة لسكنى الإنسان والحيوان، وأنبتنا فيها من كل صنفجميل يسر الناظر، ويستمتع به الإنسان والحيوان ويكون مدادا لهما وقوة، فعلنا ذلكتعليما وتذكيرا لكل إنسان مؤمن مستمسك بحبل الله مسلم أمره إليه، لأنه هو الذيينتفع بما يراه من عجائب صنع الله، ونزلنا من السماء أي من أعالي الجو ماء مباركاطهورا فيه حياة ونفع للإنسان والحيوان، فأنبتنا به جنات أي بساتين وهي التي يسمىالمغاربة إحداها جنانا والحقيقة أن هذا جمع جنة وتسمى الجنة أيضا حديقة قال تعالىفي سورة النمل « أَمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ (60) ». وحب الحصيد هو الحب الذي يؤخذ مما يحصد كالبروالشعير وغيرهما من أنواع الحب، والنخل باسقات لها طلع نضيد أي طويلات مرتفعاتوالطلع ثمرها أول ما يبدو والنضيد المنضد المرتب أحسن ترتيب، فعل الله ذلك رزقاللعباد رزقهم إياه وأنعم به عليهم ليشكروه ويوحدوه ولا يشركوا به شيئا قال تعالى : وأحيينا به بلدة ميتا أي أرضا ميتة كما قال تعالى في سورة يس : «وَآَيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (33) وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ (34) لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلَا يَشْكُرُونَ (35) ؟» وقولهتعالى : كذلك الخروج : شبه الله الأرض في حال يبسها وعدم نزول المطر عليها بالجسدالميت الذي لا روح فيه ولا حركة له، وشبهها بعد نزول المطر عليها بالجسد الحيالمتصرف في شؤونه المزاول للأعمال النافعة. ثم شبه أحياء الأرض بإحياء الأمواتوبعثهم وحشرهم يوم القيامة لينالوا جزاءهم على أعمالهم في الحياة الدنيا، وقد تكررهذا المعنى في القرآن العظيم، وكل ما شرحه علماء الفلك من أحوال العناصر التي يتألفمنها الكون ومنها النتروجن الذي كان آخر ما أشرنا إليه في هذا المقال وبينا أنوجوده بالقدر الذي هو عليه ضروري لغذاء الإنسان والحيوان كل ذلك موجود في القرآنالكريم يجده من تدبره. "وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ (43)".

[1] (http://www.akssa.org/vb/showthread.php?t=4676#_ftnref1)الإنش هو مقياس انجليزي : في القدم 12 أنشا والقدم ثلث الباردة التي تساوي 90 سنتيما.


يتبع...

أبو عبد الله يوسف
26th March 2009, 07:04 PM
دواء الشاكين وقامع المشككين

- 4 -


تحت هذه الترجمة كتب العالم الفلكي كريسي مورسن([1] (http://www.akssa.org/vb/showthread.php?t=4676#_ftn1)) رائعا أجاب به عن هذا السؤال الخطير الذي شغل أذهان الحكماء وأطال فكرة العلماء.
وسألخص كلامه بعد أن أذكر شيئا من الآيات البينات التي جاءت منوهة بشأن الحياة، قال الله تعالى وهو أصدق القائلين« كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (28)» أي كنتم في العدم فأخرجكم إلى الوجود، ثم يميتكم بعد انقضاء أجلكم ثم إليه ترجعون ليجزيكم بأعمالكم، فواهب هذه الحياة يجب أن يشكر ولا يجوز أن يكفر به. ومن كفر به فقد سفه نفسه ولم ينتفع بعقله قال تعالى في سورة الحج« وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ (66) » صدق الله العظيم إن الإنسان لكفور يجحد نعمة الله ويتبع هواه إلا من رحم ربك وقال تعالى في سورة الملك« الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (2) » وهب الله عباده الحياة ليختبرهم وهو أعلم بهم ليتبن فضل المحسن فيجازي على إحسانه بأحسن منه، وتظهر إساءة المسيء فيعاقب على إساءته بمثلها.
والآن ندرس مع المؤلف حقائق الحياة الباهرة ونطلع على أسرارها المحيرة، قال المؤلف أن الحياة أمر عجيب لقد غزت أعماق البحار المحيطة وقمم الجبال الشاهقة ورمال الصحاري القاحلة وكتل الجليد الضخمة التي هي كالجبال وقاومت الزلازل الهائلة التي غيرت وجه الأرض مرارا، واستمرت في ذلك كله قوية نامية لا يقف في طريقها شيء تقاوم الأخطار والعوائق لا تعرف الإحجام فضلا عن الانهزام، لم تزل في تقدم منذ نشأت تذلل جميع العقبات من جليد وطوفان وأعاصير في ملايين السنين، لقد أتى الطوفان على القارات فاكتسحها وألقاها في البحر فكان تراب الأراضي القديمة كأنه كفن يغطي قعر البحر المحيط ومع ذلك بقيت الحياة مستمرة.
إن الحياة تستعمل ذرات الأرض وتتبع القوانين الكونية وتظهر في شكل عجائب جديدة لكنها تترك خلفها كلما تقدمت في أطوارها آثارا تدل عليها، فالفحم والزيت الأرضي والغاز كلها أدلة تشهد بنشاط العالم القديم وبالقوة التي أخذتها الحياة من الشمس واستخرجها الإنسان في شكل النار، فهذه القوة تفوق وتفضل غيرها من الفوائد لأنها هي التي رفعت شأن الإنسان وفضلته على الحيوان، فبسبب النار استطاع الإنسان أن يتخذ لنفسه مستقرا وأن يحصل على جميع مقومات الحضارة كل ذلك وقع لأن الحياة استطاعت أن تحافظ على القوة المأخوذة من الشمس.
لقد استولت الحياة وسيطرت على أحوال البحار والأرض والجو، ثم تقدمت إلى الأمام فظهرت في شكل نبات وحيوان من الأميبا(وهو حيوان صغير لا يرى إلا بالمجهر متكون من خلية واحدة) من الاميبا إلى الحوت والحشرات ودوات اللبن والطير السابحات في الهواء، لقد سيطرت الحياة على العناصر فحللت مركباتها ثم أعادت تركيبها بنسب جديدة، ثم انحدرت إلى المكاريب والخلايا(وهي الأجزاء التي لا تتجزأ من الأحياء)سواء في ذلك الحيوان والنبات، إن الحياة تنتج مخلوقات على أطوار مختلفة لكل طور شكل معلوم ولا تزال تلك المخلوقات يتعاقب عليها الموت والحياة لمدة أجيال لا يأتي عليها الحصر، إن الحياة تسير على خطة مرسومة في تطورها ونتائجها محافظة على قوامها بإيجاد ما تحتاج إليه مما يضمن بقاءها تغذي نفسها بنفسها، ومع ذلك تحافظ على جميع أنواعها ببقاء كل نوع مرغوب في بقائه بميزان مقدر مضبوط، ولتضرب لذلك مثلا الجراد لو لم يدخل تحت ذلك الميزان المضبوط لأكل في سنين قليلة كل شيء أخضر على وجه الأرض من النبات وحينئذ يموت كل حيوان في البر ولا تبقى إلا حيوان البحر، إن الحياة قالب عام يحتوي على أشكال كل شيء حي فيه شكل، كل ورقة في كل شجرة ولون كل زهرة في كل نبات وكذلك ألوان الثمار، وألوان ريش الأطيار، عن الحياة استناد موسيقي علم كل طائر كيف يغني ألحان حبه وعلم كل حشرة كيف تخاطب غيرها من الحشرات بنغمات وأصوات لا يأتي عليها الحصر، تسمع هذه الأصوات في وقت الربيع، ومن هذه الأصوات الموسيقية نقيق الضفادع وصوت الدجاجة الأمي الذي تخاطب به فراريجها وزئير الأسد وأصوات الناس واختلافها، أقول وهنا يجدر بنا أن نذكر قوله تعالى« وَمِنْ آَيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ (22) » ففي اختلاف ألوان الناس واختلاف لغاتهم آيات تدل على عظمة الخالق سبحانه وما يعقلها إلا العالمون، وكذلك اختلاف أصواتهم فقد زود الباري سبحانه كل شخص من ذكر وأنثى وصغير وكبير بصوت خاص كم ميز وجهه بشكل خاص يعرف به ويميزه عن غيره.
ثم نعود إلى كلام المؤلف قال: إن الحياة قد أعطت الإنسان وحده القدرة على تركيب الأصوات بالنفخ في القصب أو القرن أو تحريك أوتار العود فتحدث بذلك أنغام وأصوات لا يأتي عليها الحصر تتألف منها الأدوار الموسيقية التي تخلب الألباب، وكل ذلك من ثمرات الحياة ونظمها العجيبة- إن الحياة مهندس ماهر لأنها وضعت تصميم ساقي الجدجد(وهو حيوان يكون في الزرع يشبهه الجرادة في خلقته) له أربع قوائم صغار وله قائمتان طويلتنا نصفها مخروطي صاعد والنصف الآخر كالمنشار نازل يلتقيان بمفصل يستعين بهما على الوثب، ووضعت تصميم العضلات والمفاصيل والقلب الذي لا يزال يوالي ضرباته المنتظمة ونظام الأعصاب الكهربائي لكل حيوان، والنظام الكامل للدورة الدموية لكل شيء حي، ووضعت تصميم شجرة دندليون ذات الأوراق التي هي كالأسنان والأزهار الصفر الرائقة وجعلت لها بزرا مختلف الألوان وساقا وعروقا حمراء تحتوي على عصير لبني اللون مر الطعم، عن الحياة تصنع أوراق الأزهار وتجبر الحشرات أن تحمل اللقاح من العضو المذكر إلى العضو المؤنث من الأزهار، عن الحياة أستاذ كيميائي تعطي الفواكه والثمار طعومها المختلفة وتعطي التوابل ما فيها من الحرافات المختلفة وتعطي الورد وسائر الأزهار روائحها العطرية، عن الحياة تهب الحباحب(وهو دويبة تطير بالليل كأنها شرارة) ضوءا باردا يظهر به في الليل لتزدوج ذكوره بإناثه، عن كمياء الحياة عالية رفيعة لأنها لا تقتصر على جعل أشعة الشمس تعمل على تبديل الماء وحامض الكاربون عودا فسكرا، بل في عملها ذلك تستخلص الأكسجين ليكون حياة للحيوان بتنفسه إياه.
إن الحياة لمؤرخ عظيم لأنها كتبت تاريخها صفحة فصفحة في أثناء العصور تاركة سجلها في الصخور، ذلك السجل المنقوش الذي ينتظر فقد ترجمانا ماهرا ليترجمه ترجمة صحيحة، عن الحياة تعطي المخلوقات الفرح والغبطة لحياتها، فترى الخروف ينقر ويثب دون أن يعرف لماذا يفعل ذلك، عن الحياة تصبغ خد الصبي بحمرة لامعة وتجعل في عينيه بريقا وتجعل على شفتيه ابتساما وضحكا، نعم إن الحياة هي التي تبتسم، أما الطبيعة فلا تعرف الابتسام أبدا.
إن الحياة تحافظ على المخلوقات فتزودهم بالغذاء الوافر فتغذي الطائر وهو في البيضة غذاء كافيا وتعد كثيرا من الصغار أن يكتسبوا معيشتهم فور ولادتهم وتغدي صغارا آخرين بواسطة عطف الأمهات وحنانهن الطبيعي بقصد أو بدون قصد. إن الحياة تنتج الحياة فتعطي اللبن غذاء للمولود على قدر حاجته وكأنها ترى هذه الحاجة قبل حدوثها فتهيئ لها ما تتطلبه، عن الحياة أوجدت حب الأم لأولادها وحب الرجل لبيته الذي يؤويه، ولوطنه الذي يحيا لأجله ويقاتل إلى أن يموت لأجله، عن الحياة تحافظ على نفسها بيقظة وحذر، فتعطي بعض المخلوقات ألوانا لتعينها على الاختفاء عن عيون أعدائها، وتعطي بعض المخلوقات سوقا صالحة للجري السريع محافظة على حياتها وتسلح بعض المخلوقات بالقرون الحادة وبعضها بالمخالب لتدافع عن نفسها وتعطي بعض المخلوقات سمعا يفوق سمع أعدائها أو بصرا يفوق بصر أعدائها أو شما قويا تعرف به الخطر قبل وقوعه فتنجو بنفسها ، وتعطي بعض المخلوقات أجنحة تحلق بها في أعالي الجو كلما رأت خطرا يهددها.
فأنت ترى هذه الوسائل بعضها صالح للهجوم والدفاع وبعضها صالح للدفاع فقط، وفي كل ذلك حكم بالغة وأسرار عظيمة. إن الحياة تزود بعض الحشرات الضعيفة بوسائل اختفاء تؤمنها من كل خوف، أما المادة فإنها لم تعمل قط أكثر من الإذعان لأحكام قوانينها فالذرات على اختلاف أنواعها مطيعة لما تمليه النسب الكيمائية، وقوة الجاذبية وتأثير درجات الحرارة والنبضات الكهربائية بدون الحياة يكون وجه الأرض صحراء قاحلة ليس فيها بقعة خضراء لا يختلف بعض أجزائها عن بعض وإن وجد فيها ما وجوده وعدمه سواء لا فائدة من وجوده، بدون الحياة تكون المادة عديمة الحركة ميتة.
أما من أين جاءت الحياة وإلى أين تذهب فإن العلم لا يجيب عن هذا السؤال.
هناك سؤال آخر وهو ما هي الحياة ؟ إلى الآن لم يستطع أحد أن يجيب عن هذا السؤال لأن الحياة لا يمكن أن توزن ولا أن تقاس فلا حجم لها ولا مساحة.
إن الحياة لها قوة تستطيع بها أن تجعل عروق النبات تشق الصخرة الصماء، عن الحياة تصنع شجرة عظيمة وتمسكها غير متأثرة بالجاذبية الأرضية لمدة ألف سنة أو أكثر، إنها ترفع أطنانا من الماء من الأرض كل يوم وتصنع أوراق الأشجار والثمار، عن أقدم شيء من الأشياء المتصفة بالحياة هو شجرة، هذه الشجرة عاشت خمسة آلاف سنة، وهذه المدة إنما هي لحظة من الأبد، عن الحياة تحسب حسابا لكل حركة تصدر من كل شيء حي، وكل هذه القوة غالبا تأتي بواسطة أشعة الشمس.
إن الحياة لا تستطيع أن تبقى في المادة المحصورة في حدود ضيقة، فالحر الشديد والبرد الشديد كل منهما يبيد أحوال المادة التي تتوقف عليها الحياة، عن الحياة تعلن وجودها فوق هذه الأرض حين تكون الأحوال ملائمة لها فقط.
وسيقضي نشاطها حين يقع أي تغير ملحوظ في أحوال المادة، غير أن الأحوال الحاضرة اليوم قد وجدت منذ ثلاثمائة مليون سنة على الأقل، إن الحياة هي وحدها مصدر الشعور وهي وحدها تمكن الإنسان من معرفة أفعال الله التي لا نزال أنصاف عميان عنها ولكننا نعرف أنها كلها خير، عن الحياة آلة تخدم أغراض العناية الربانية.

تعليقات على كلام المؤلف
الأولى : إذا كانت الزلازل والأعاصير والطوفان قد غيرت وجه الأرض وجعلت عاليها سافلها وبرها بحرها وبالعكس، وبقيت الحياة مع ذلك سائرة في طريقها الذي رسمه لها الخالق الباري سبحانه نعلم من ذلك أن أفعال الله لا تتقيد بالعادات بل تخرقها لان الله هو الذي أجرى تلك العادات بعد أن لم تكن جاريه فأجهل الجاهلين هو الذي يقيد قدرة الله بما جرت به العادة.
الثانية :ذكر المصنف أن النار بقيت في إجراء الأرض بعد تفاصلها عن الشمس، وخص الإنسان باقتباسها وإظهار أسرارها وبذلك صار سيدا وانقادت له المخلوقات وصارت طوع أمره يتصرف فيها كيف يشاء بإذن الله، وقد أمتن الله على عباده بأن هداهم لإيراد النار واستخراجها قال تعالى في سورة الواقعة« أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ (71) أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ (72) نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ (73) » وقال تعالى في سورة يس استدلالا على قدرته على إحياء العظام وهي رميم« الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (80) ».
وقالت العرب في أمثالها في كل شجرة نار واستمجد المرخ والعار وهما نوعان من الشجر تستخرج النار من حطبهما بسهولة وقوله تعالى: «) نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ » فيه آية عظيمة للمستبصرين فإن المقوين هو المسافرون وهم في حاجة إلى النار يستضيئون بها ويعرفون ما حولهم من عدو وسبع ضار ودواب سامة وحشرات مؤدية فيتقون شرها، ومن استمتاع المسافرين بالنار أنهم يهيئون بها طعامهم و يتدفأون بها في وقت البرد، أما في هذا الزمان فقد اتسع مجال الاستمتاع فصارت النار للمسافرين وسيلة هي أهم وسائل السفر، فالمركب الذي يحمله ويحمل أمتعته زيادة على البضائع والرسائل لا يسير إلا بالنار سواء أكان سفره في البر أو في البحر أو في الجو لا يسير على بالنار، والاتصال بين المسافرين والمقيمين بالهاتف والرسائل البرقية والراديو لا يكون إلا بالنار، ودفاع المسافر عن نفسه كيفما كانت الوسيلة التي يسافر بها لا يكون إلا بالنار، وعلى ذلك يقول: عن النار قد صارت كل شيء بالنسبة إلى المسافر في هذا الزمان، وذلك يدلنا دلالة واضحة على أن القرآن لم ينزل لعصر محدود ولا لجيل أو أجيال محدودة ، وإنما نزل ليكون منهاجا دينيا ودنيويا مدنيا وعسكريا ضامنا لسعادة الشعوب كلها وأمنها وسلامته ورخائها وازدهارها في كل زمان ومكان حتى يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين.
التعليقة الثالثة: قال المصنف أن الحياة تسير على خطة مرسومة أقول: من رسم هذه الخطة وقدرها ودبرها وسيرها على حسب تقديره بدون اختلال ولا اختلاف ؟ أليس هو الله رب العالمين ؟ فأين تذهبون يا خفافيش المادة الميتة ؟ ألم يان لكم أن تؤمنوا بالخالق الباري المصور وأنتم تشاهدون آياته في كل ذرة من ذرات هذا العالم العجيب.
وفي كل شيء آية تدل على أنه الواحد
من ذا الذي وضع القانون العظيم لذلك المخلوق الضعيف منفردا، القوي مجتمعا، قوة تحتاج إلى تعاون دول عديدة بطائراتها وأدويتها السامة وجهود أطباءها وعلمائها ورجالها العسكريين.
ومع ذلك كله تعجز هده الدول مجتمعة أن تقضي على جميع أرجال الجراد وتتقي ضرره، وإنما تستطيع أن تكف بعض شره، لولا ذلك القانون الرباني لما استطاعت جميع دول العالم مجتمعة أن تقاوم هذا الجند العظيم وتتغلب عليه« وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ (31) ».


[1] (http://www.akssa.org/vb/showthread.php?t=4676#_ftnref1) - لعل هنا كلمة ساقطة ، نحو : (كتابا) . و الله أعلم .( الزاكوري)

أبو عبد الله يوسف
9th April 2009, 12:14 AM
دواء الشاكين وقامع المشككين
-5-





نـــورد في هذا الموضوع آراء علماء هذا الشأن ثم نعلق عليها بما يفتح الله به من الاستنتاج: إن سر ابتداء الحياة مشكلة وقف عندها العلماء متحيرين لفقدهم البرهان القاطع، لكن هناك حجج كثيرة لكنها ناقصة وغامضة، وعلى ذلك يجدر بنا أن نعرض لها بالبحث من الوجهة العلمية، إن أصل ابتداء الحياة عجيب لذلك جاءت نتائج بحوث العلماء فيه مختلفة متباينة بعيدة عن الإدراك حتى إن أكابرهم وقفوا أمام هذه المعضلة مدهوشين، وذلك أن العالم من حيث هو عالم لا يستطيع أن يصدق خوارق العادة، ولكن من حيث هو إنسان عاقل يرى بنتيجة بحثه وبحوث غيره من العلماء الباحثين من غلس الحياة أي الوقت الذي كانت فيه الحياة بين الوجود والعدم، لم ينكشف وجودها بعد انكشافا تاما، (أشبهت الحياة بالغلس وهو ابتداء ظهور نور الفجر حين تكون المرئيات محتجبة بالظلام، لا يظهر منها إلا أشباحها ظهورا ممزوجا بالشك) كانت الحياة حينئد أدق من أن تدرك بالمجهر، يعلم أولئك الباحثون كلهم أن جميع الأشياء المتصفة بالحياة الآن قد تطورت من خلية مكرسكوبية واحدة، ومعنى مكرسكوبية أنها لا ترى بالعين المجردة و إنما ترى بالمجهر وهو المكرسكوب ويظهر أن هذه الخلية قد أعطيت قوة لا يكاد العقل تصورها، فإنها تنمو نموا مطابقا لشكل الحي الذي يراد تكوينه منها، إن الحياة في كل مكان على وجه الأرض، والعلم يعترف بأن الواقع لا يمكن أن يكون غير ذلك، وقد اختلفوا في تعليل ذلك، فبعضهم يعتقد أن الحياة حادث كيميائي نشأ عن الماء والزمان، وآخرون يرون النظام في كل مجموعة واسعة من مجموعات الأشياء المتصفة بالحياة وهي تشق طريقها إلى الأمام آتية من ذلك المصدر نفسه إلى النهاية المقدرة لها، سواء أكانت حلزونا (وهو ببوش باللغة المغربية) أو صائرة إنسانا، لا تعود إلى عبور الهوة التي عبرتها من قبل أبدا، أقول أريد أن أقف هنا لاستنباط الحجج مما تقدم فأقول إذا تقرر بإجماع علماء الحياة أن حياة كل حي أصلها خلية واحدة سواء أكان ذلك صحيحا في الواقع أو لا، ثم وقع تطور كل مجموعة من أنواع الحيوان التي لا تعد ولا تحصى، من تلك الخلية الواحدة التي لا ترى إلا بالمجهر إلى نهايتها سواء قدر لها أن تصير بعد نهاية نموها حلزونا أو إنسانا أو غير ذلك، فمن الذي وضع لكل مجموعة منهاجا خاصا يسير عليه لا يتعداه مثقال ذرة؟ أليس هو الله رب العالمين؟ أليست هذه حجة قاهرة لكل عاقل مفكر يسمع نداء عقله ويترك التقليد جانبا ولا يخدع نفسه؟ هذه الحجة القاهرة هي البرهان القاطع على فساد الفرض أن خلق أنواع الحيوان من الاميبا إلى الفيل والقريش، وهو حوت عظيم جدا، على اختلاف أشكالها وصفاتها واتحاد مصدرها كلها وليدة مصادفة بلا علم سابق، ولا تدبير مرافق، ولا عناية مهيمنة؟ إن رضيت عقولكم بمثل هذا فنشهدكم أن عقولنا لن ترضى به، بل لا تفهمه أبدا فاعتقدوه وحدكم، ولكن حذار أن تكذبوا على العلم وتقولوا أنه قادكم إلى ذلك فقد رأيتم أن العلم من ذلك بريء براءة العقل المفكر منه.
ثم نعود إلى كلام المؤلف، قال: دعونا نتقدم الآن إلى البحث في الموضوع بشعور ملؤه الاحترام دون أن نتقيد بالحدود الدينية الضيقة ولا بحدود الباحثين العلمية الجامدة، لنعرف ما هو سبب الحياة ومصدرها ونتصور الحقيقة التي يجب الاعتراف بها، وعند ذلك نحكم على القضية الموضوعة أمامنا حكما تاما، وحينئذ يمكننا أن نعلم هل أنا وأنت كل منا ليس إلا مجموعة من ذوات المادة اجتمعت على سبيل المصادفة والاتفاق وتولدت من المركبات الكيميائية الماء والزمان أم الحقيقة غير ذلك.
انظر في النتيجة إلى هذا الشيء الوحيد الذي هو أهم من الأرض نفسها، بل من العالم بأسره، بل من كل شيء غيره إلا إذا كان هناك بارئ عالم خلقه وأخرجه إلى الوجود، هذا الشيء هو قطرة من (البروتوبلازما) ذرة هي أصل الحيوان والنبات،تشتمل على الأكسجين والهدروجين و الكاربون والنتروجين شفافة لزجة، قادرة على الحركة، تجذب القوة من الشمس، إنها منذ الآن قادرة على استعمال ضوء الشمس تكسر حامض الكاربون في الهواء وتفرق بين الذرات فتأخذ الهيدروجين من الماء وتنتج الكاربون ذرات، وبذلك تصنع غذاءها بنفسها، وهذا العمل من أشد التراكيب الكيميائية استعصاء وعنادا.
أقول: أين المتبجحون بحرية الفكر والعصرية الرامين غيرهم إذا كان مثقفا بالجمود والرجعية وإن كان غير مثقف بالجهل مطلقا أو بالجهل والعلوم العصرية؟ هل عندهم حل لهذه المعضلة غير ما رآه المؤلف ويراه معه جميع المؤمنين بما وراء المادة على أي دين كانوا؟ أما اللباس الأوربي والجلوس في الحانات ودور اللهو والميسر وهجر المساجد والرطانة باللغات الأعجمية لغة الاستعمار والاستعباد التي تذكر بالذل والتبعية والخنوع وهجر لغة القرآن والعز والسيادة وما أشبه ذلك من أنواع السفاهة فإنه سهل لا يحتاج إلى عناء وهو من صفات القردة التي يتنزه عنها الإنسان الحقيقي.
نعود إلى كلام المؤلف قال في صفة الذرة التي نشأ منها الإنسان والحيوان والنبات: هذه القطيرة الشفافة التي هي في الدقة كالهباء أو كإحدى ذرات البخار المتصاعد من الماء الذي يغلي تشتمل على جرثومة الحياة كلها وعندها القوة والقدرة على توزيع الحياة على كل شيء حي، كبيرا كان أم صغيرا، وتجعل ذلك المخلوق متناسبا مع بيئته في كل مكان يمكن أن توجد فيه الحياة من قعر المحيط إلى أعالي الجو، فالزمان والبيئة هيئا كل شيء حي لملائمة الأحوال المختلفة التي لا نهاية لها ولما تطورت هذه الأشياء الحية إلى أفرادها تنازلت عن بعض قابليتها للامتداد لتصير إلى ما خصص لها من شكل وتثبت فيه، فاقدة القوة التي ترجع بها إلى الوراء، ولكنها ربحت عوضا عن تلك القوة أحسن منها، وهو النظام المطابق لأحوال تكوين المخلوق الذي يراد تكوينه منها.
نعم إن قوة هذه القطيرة من البروتوبلازما وما احتوت عليه كانت ولا تزال أعظم من جميع النبات الذي يكسو وجه الأرض وأعظم من جميع الحيوان الذي يتنفس نفس الحياة، لأن الحياة كلها جاءت منها، وبدونها لم يوجد شيء حي وكل ما ذكرناه أعلاه يسير مع العلم خطوة بخطوة، وكن العلم متردد في أن يخطو الخطوة الأخيرة ويضيف ما يلي: إن الإنسان جاء من هذا الطريق إلى الأرض مولودا أنجبه العالم الذي هو ينبوع الحياة، سيدا على جميع الحيوان الأعجم، مصنوعا من المادة، مركبا من أجزاء عديدة، له دماغ مهيأ بالقصد ومقدر له أن يتلقى قبسة من العقل الأعلى، وتلك القبسة هي التي نسميها النفس.
وبعد ذكر ما تقدم قال المصنف: يجب أن نبدأ من الأرض لما كانت كلها صحراء ليس فيها إلا ما بقي بعد برودتها من الجلاميد، ما حسر الماء عن الأرض وانكشفت ووقعت الفيوض الجافة من أنواع الطوفان التي لا يأتي عليها الوصف، سبب ذلك انفلاق الصخور الضخام التي كانت تغطي وجه الأرض، فنشأت عنها صخور ثانوية ورمال وأنواع من الأحجار. وهنا أطال المؤلف القول في وصف أجزاء الأرض في أول ظهورها مما لا يهمنا تفصيله، ثم قال يمكن أن تكون البحوث التي أجريت في الأرض قد أفضت إلى انكشاف سر وجود الحياة على الأرض ويمكن أن يكون سرها لا يزال لغزا غير محلول، زعم بعضهم أن أصل الحياة جرثومة جاءت على شكل ذرة من كوكب آخر ووصلت سالمة إلى الأرض لم تصب بتلف بعدما بقيت سابحة في الفضاء أمدا طويلا لا يدرك له حد، وذلك غير صحيح لأن مثل هذه الجرثومة لا يمكن أن تعيش مع شدة البرد في الفضاء الذي هو في درجة الصفر، ولو عاشت لقتلتها الأشعة الكونية الشديدة الإحراق فان عاشت مع ذلك كله فلعلها وجدت قعر البحر المحيط هو المكان اللائق بها حيث الأحوال كانت ملائمة لنشأتها، وبصرف النظر عن ذلك كله نرجع إلى الوراء إلى حيث بدأنا، فنقول: كيف كان بدء الحياة في ذلك الكوكب الذي جاءت منه الحياة؟ ثم نقف موقف المنع فنقول: لا البيئة بالغة ما بلغت في الملاءمة للحياة ولا التراكيب الكيميائية أو الطبيعية الواقعة على سبيل المصادفة، تستطيع أن تخرج الحياة إلى الوجود.
قال كاتب هذا المقال وقد وصلنا إلى الحد المناسب لينشر في هذا الجزء من دعوة الحق فموعدنا الجزء التالي إن شاء الله.

أبو عبد الله يوسف
9th April 2009, 12:15 AM
دواء الشاكين وقامع المشككين -6-

ثم قال المصنف: وبقطع النظر عن هذه المسألة، وهي ما هو أصل الحيوان، وهي في الحقيقة مشكلة علمية قد اقترح بعضهم أن هباءة، ذرة عظيمة القدر، لكنها صغيرة الحجم حتى أنه لا يستطيع أحد أن يلمحها ولو لمحا غير واضح بأي مجهر، وهو المكرسكوب، هذه الذرة الصغيرة هي التي فرقت ما كان مجتمعا متحدا، وجمعت ما كان متفرقا متباينا، فظهرت الحياة بمظهرها المدهش.
وتقريبا للفهم نقول: انظر إلى الأميبا، وهي حيوان صغير لا يرى إلا بالمجهر، وقد تطورت تطورا تاما وهي متركبة مما لا يحصى من ملايين الذرات، كاملة الصنع على أحسن نظام، والأميبات مخلوقات ذات خلية واحدة، ولعل مساحة حجم الواحدة منها لا تزيد على جزء من مائة من البوصة، والأميبا توجد في جميع مياه الدنيا، وهي تطلب غذاءها بعزم واجتهاد، كم يجب أن يكون الحيوان كبيرا في الحجم قبل أن نعترف بأن له رغبة وعزما؟ الحجم لا اعتبار له، فإن الذرة في الإتقان والكمال تساوي المجموعة الشمسية بأسرها، وإذا ضربنا مثلا الأميبا فلسنا تقصد أن هذا المخلوق الحي هو الخلية المنفردة الأولى التي هي ينبوع الحياة، تقدم شرح معنى كلمة (بروتوبلازم)، ونريد هنا زيادة بيان أحوالها فنقول: إنها قطيرة بين السوائل والجوامد، وعبرت عنها المعاجم الأعجمية بنصف سائلة، وهي في غاية الدقة، حتى أنها لا ترى بالعين المجردة، لزجة شفافة، منها تكون المخلوق الحي الأول، ومنها نشأ بانقسامه في داخله إلى قسمين، وكل من القسمين انقسم إلى قسمين، فكان أربعة أقسام واستمر الانقسام والنمو إلى أن بلغ كل فرد المقدر له، وهذا عين ما تفعله الخلايا اليوم في كل مخلوق حي، وكل خلية بعد الانقسام الأول تشتمل داخلها على قوة ينتج منها مخلوق كامل من الأفراد، والخلايا باقية لا تتغير ولا تنتهي إلا في حال وقوع حادثة تصادفها، أو عند بلوغها نهاية الأحوال المقدرة لها، وهذه الخلايا هي التي تشكل جميع أجسام الحيوان والنبات اليوم، وعلى هذا يكون عمل هذه الخلايا نسخة طبق الأصل من عمل أسلافهن الأوليات، فنحن من حيث كوننا أناسي (جمع إنسان) جمهوريات منظمة أحسن تنظيم مؤلفه من بلايين على بلايين من أمثال تلك الخلايا، وكل خلية بمنزلة مواطن من تلك الجمهورية يؤدي واجبه من الخدمة العامة بإخلاص تام وإتقان، وبعكس ذلك تكون الذرة من الجماد.
أقول: فما أرى المشككين في اتحاد هذه المجموعات من الذرات التي تعد بملايين على ملايين في اتحادها الذي لا يتطرق إليه التفكك، وتضامنها الذي لا يعتريه تخاذل، وتعاونها الذي لا يشوبه ملل، أيمكن أن يكون ذلك كله على سبيل المصادفة، بغير علم سابق ولا تدبير مرافق؟
ثم قال المصنف: ولكننا نستطيع أن نشير إلى مثال وقع من قبل ذلك بزمان بعيد في ابتداء الحياة على وجه الأرض، وهو مهم وعجيب جدا: خلية تعطي قوة مدهشة تستعمل بها ضوء الشمس فتكسر به مركبا كيميائيا وتصنع غذاءها بنفسها وغذاء لأخواتها من الخلايا. والذرة الأصلية تحضر غذاء تعيش به بناتها من الذرات، ثم تكون الذرات البنات حيوانا، على حين تصير الذرة الأم نباتا، وأولاد ذلك النبات المولدات منه تكون بعد غذاء لكل شيء حي في وقتنا هذا، فهل يستطيع أحد أن يفسر هذه الحقيقة، وهي أن بعض الخلايا تصير حيوانا وبعضها نباتا - أن كل ذلك وقع بالمصادفة؟ وهنا في هذا التقسيم تعرف سر التوازن العجيب الواقع بين النبات والحيوان، بل بين حياة النبات والحيوان، قد أسس من قبل على أساس مقدر معلوم. وإذا رجعنا إلى الوراء، إلى قصة حامض أكسيد الكاربون، نجد أن هذا التقسيم كان بلا ريب أحد الأصول الجوهرية التي أسست عليها الحياة نفسها، فلو كانت الحياة كلها حيوانا لكان الآن قد استهلك جميع الأكسجين، ولو كانت الحياة كلها نباتا، لكان الآن قد استهلك جميع أكسيد الكاربون، وفي كلتا الحالتين كلاهما يموت. ما أعجب أمر الحيوان والنبات كليهما في تطورهما من الكائنات البروتوبلازمية ذكورا وإناثا، أن كل نوع لم يزل يتكرر تركيبه، وبذلك بقي مستمرا مع المحافظة على خصائصه العامة، ونحن نرقب بمجهرنا الحاضر تفاصيل القوة المجبرة في الطبيعة والكيمياء والنتائج المترتبة عليها التي تزيد الأمر وضوحا، وغرضنا هو تسهيل فهم ما وصل إليه العلم على أولئك الذين لم يتمرنوا على المسائل العلمية تمرنا خاصا، ويمكن أن نبين ذلك على الوجه التالي: من الواضح أن الجماعات من الخلايا تنمو باتصال بعضها ببعض بالانقسام مثنى ثم رباع ثم مآت ثم آلافا ثم ملايين، وكل خلية منها تدعى لتنجز نصيبها من العمل، ومتى تم توزيع الأعمال المختلفة يبدأ الشروع في العمل عند الجميع، فطائفة من الخلايا تكون مشتغلة بإحضار الغذاء وطائفة أخرى تشتغل بهضمه، وكل جزء من الجسم المراد تكوينه يتألف من كثير من الخلايا، فبعضها يؤلف غلافا غليظا واقيا يكون قشرة لشجرة، وطائفة أخرى تشتغل بنقل الغذاء من مكان إلى مكان في المخلوق الحي المراد إنشاؤه، وأخيرا نجد تلك الخلايا جادة في تشكيل خشب الجدع إن كان المخلوق شجرة أو العظام إن كان المخلوق دابة أو المحار إن كان المخلوق بحريا من ذوات المحار أو الغلاف الصلب إن كان الحيوان رخوا لينا كالحلزون مثلا (وهو المسمى باللغة المغربية ببوش)، إلى أن يتم تكوين الأجزاء الصلبة في المخلوق الحي خارجه محيطة به، وتارة تكون داخله عظاما يقوم عليها جسمه، وكل الأشياء المتصفة بالحياة تتخلق من خلية بسيطة واحدة، وهذه الخلية تجبر نسلها على أداء الواجبات طبقا للخطة المرسومة لخلق ذلك الحيوان بلا خلاف، كما فعلت الخلية الأولى الأصلية، سواء أكان ذلك الحيوان سيصير سلحفاة أو أرنبا.
وهنا يعرض لنا سؤال، وهو هل الخلايا ذات إدراك أم لا؟ وسواء منحت الخلايا قوة تمييز، كيفما كان، أو قوة تفكير، فلا مناص لنا من الاعتراف بأن الخلايا قد فطرت على أن تغير طبيعتها وتقف مع ما يتطلبه خلق الكائن الذي يراد بها أن تكون جزءا منه، وكل خلية نتجت في أي مخلوق حي يجب أن تهيئ نفسها لتكون جزءا من لحمه، أو أن تضحي بنفسها لتكون جزءا من الإهاب الذي سيزول سريعا، أو تهيئ نفسها لتكون جزءا من قشرة السن الزجاجية أو تكون جزءا من المادة الشفافة السائلة في العين أو جزءا من الأنف أو الأذن، وكل خلية يجب أن تهيئ نفسها من حيث الشكل أو أي صورة خاصة أخرى تلزم لأداء عملها المخصوص لها، مثلا إحدى الخلايا يجب أن تكون جزءا من الأذن اليمنى، وأخرى يجب أن تكون جزءا من الأذن اليسرى، وبعض الخلايا الزجاجية التي لا تختلف عن غيرها من الوجهة الكيميائية تعكس أشعة الضوء إلى اليسار. ويظهر أنه يوجد مثل هذا الميل في الخلايا، فهي تتجه إلى المكان المعين لها بالضبط أن تكون جزءا منا في الأذن اليمنى أو اليسرى، واعلم أن أذنيك متقابلتان على التضاد إحداهما مع الأخرى وتجويفهما متقابل، فمتى تم خلقهما تكونان من التشابه بحيث لا تستطيع أن تميز بينهما، ولأن مآت الألوف من الخلايا مسوقة لتعمل العمل المضبوط في الوقت المضبوط في المكان المضبوط، ولعمري أنها مطيعة لما تؤمر به.
إن الحياة مندفعة إلى الأمام، بانية مرممة، منشئة الجديد والأحسن بقوة لا تقاوم ولا توجد في الجماد، فهل نشأ ذلك عن قوة عاقلة أو إلهام أو حدث بدون شيء؟
يمكنك أن تجيب عن هذا السؤال بنفسك، ولكن يمكنك الآن أن تقول إنك لم تبين لنا في هذا الفصل كيف بدأت الحياة، يعني كيف جاءت إلى هذه الأرض؟ فأقول: إني لا أدري، والذي أعتقده أنها جاءت بأمر من الله تعالى وأنها ليست مادية.
انتهى كلام العالم الفلكي كريسي مورسن في هذا الفصل المهم، وهو غني عن التعليق، فعسى أن يكون نافعا للشاكين المتحيرين الذين يستهدون الله تعالى، وقد جاء في الحديث القدسي الذي رواه مسلم في صحيحه من حديث أبي ذر عن النبي (صلى الله عليه و سلم ): (يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم)، وأما المشككون الذين لا يريدون أن يستعملوا عقولهم ولا أن يهتدوا فتكون هذه الحجج صواعق مرسلة عليهم تأتي بنياهم من القواعد فيخر عليهم سقف البيت الذي بنوه من الأباطيل والأوهام؛ قال تعالى: (وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُورًا) [الفرقان: 23]، وقبل أن أختم هذا المقال الخاص بهذا الجزء من المجلة أذكر ما خطر ببالي من كتاب الله مما يدل على ما ذكره ذلك العالم الفلكي فأقول: قال تعالى في سورة آل عمران [5-6]: (إِنَّ اللّهَ لاَ يَخْفَىَ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء؛ هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ. لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ. الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ.)، وقال تعالى في سورة المؤمن[62-65]: (ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لَّا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ.‏ كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كَانُوا بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ.‏ اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاء بِنَاء وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ، ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ.‏ هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)‏