المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الرد علي من طعن في السلفية وسماها بالجامية


ابومصعب المنشاوى
27th February 2009, 06:21 PM
الرد علي من طعن في السلفية وسماها بالجامية






الرد على الوزير المتقاعد ،،،،،
ونقول : أيها الوزير المتقاعد .... مت .... مت .... مت .....قاعداً !!!!! .
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله أمّا بعد : فإن من المتقرر عندي أن الإنترنت مقام الفارغين إلاّ من صدق منهم وبرّ وسخره لنصر دين الله عز وجلّ ، وما ذلك إلاّ لأنه يتيح للمتردية والنطيحة أن تحاكي شجاعة الأسود !! ، وقد ركب الناس في زماننا هذا الصعب والذلول ، وتكلمت فيه الرويبضة !! ، ولهذا سهل عليهم الثرثرة بما شاءوا لأن الاسم مستور ، يتحدثون فيه بين ربّات الخدور ، ولو ظهر أحدهم أمام جماعة من النسوة والصبيان ما استطاع أن يتكلم بكلمة واحدة ، فكيف به أمام طلاب العلم فضلاً عن العلماء !!!! .
ومن أولئك من سمى نفسه بـ ( الوزير المتقاعد ) المشارك في إحدى الساحات التي تجمع الحشف وسوء الكيلة !! ، فقد كتب مقالاً عنوانه : ( بروتوكولات الجامية !! ) ، بتاريخ : 25/6/1422هـ ، وقد وجدته ملئ بالكذب والجهل والتلبيس والتدليس !! ، ولولا أن بعض المحبين حتّم علي بأن أردّ عليه ، وعلى ضلالاته ، وعللّ ذلك بأن بعض الحمقى في مدينة الطائف أخذ يروجها ،وكأنه قد وقع على كنزٍ من كنوز قارون و كسرى ، ووقف في هذه الورقة على الحق الأبلج الذي يكشف عن وجه الضلالة للناس سترا .
وما علم بأنه كلام جاهلٍ مجهول !! ، كابر في المنقول وسفسط في المعقول !! ، عري من نصوص الوحيين ، وكلام الأئمة المهديين ، لأنهم أهل رأي أعيتهم النصوص أن يحفظوها فعمدوا إلى أراءهم حتى تسبح بهم في كل وحلٍ ومستنقع ، فلا حاجز يحجزهم ولا مانع لهم يمنع !! ، زيادة على خلّوه من المصداقية في إثبات الجرح على من خالفهم ، إذ فشروط الجرح عند أئمة الجرح والتعديل هي : ثبوت اتصاف المجروح به ، وتحقق كون هذا الذي جرح به المجروح جرحاً !! ، فكم من مجروحٍ بجرح بما هو منه بريء ، وكم من قائل بمقالة حقٍ اتخذها أدعياء العلم ، وأرباب الجهالة ، من شنيع أقواله ، وسيئ أعماله !! .
وقد وجدت في هذا المقال مغالطات لا يحسن السكوت عليها ، وآمل ممن اطلع عليها ألاّ يتسرع برفض ما سنذكره بمشيئة الله ، فإن من حق المظلوم أن ينتصر ويظهر حجته ، وإلاّ يكون العدل والإنصاف عنه في معزل ، إذ يقبل ويبقي رأي من يريد ، ويرفض ويترك رأي من لا يريد ؟! .
فأقول : كان في كلام هذا الوزير المتقاعد عدة مغالطات ، ولي معه عدّة مواقف :
الأولى وأهمها : أن الواجب على الناقد أن يتقي الله عز وجلّ في كل ما يقول ويكتب ، والله تعالى يقول : { ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا } .
فعلى من سمع كلام هذا : ( المتقاعد ) أن يطالبه بالدليل على كلّ تهمة ذكرها ، ولا يقبل في مثل ذلك المراسيل والمعضلات
والمروي بصيغة التمريض ، فالجامي محمد أمان – رحمه الله - له كتب وأشرطة ، ودرس في الجامعة الإسلامية منذ ما يقارب أربعين سنة ، فهلاّ أسند من شنيع مقاله ولو مرّة واحدة !!! .
واذكروا عباد الله ، أن الله تعالى يقول لكم في مثل هذا : { والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتاناً وإثماً مبينا } .
وقال : { ومن يكسب خطيئة أو إثماً ثم يرم به بريئاً فقد احتمل بهتاناً وإثماً مبينا } .
وغداً ، غداً يوم القيامة في محكمة العدل ، والله لتقف أنت وهو بين يدي الحكم العدل وينشر بينكم كتاب لا يغادر صغيرة قبل الكبيرة إلاّ أحصاها ، والميزان منصوب بينكم ، والجنة والنار تلوح أمام نواظركم ، فجهّز يا أيها المتقاعد لذلك المقام مقالاً و : { وقد خاب من افترى } ، و { قد خاب من حمل ظلما } .
وكان الحري بهذا ( المتقاعد ) أن يتثبت من صدور أمثال هذه المقالات ممن يذم ، وأن يوثق كلامه حجة أمام الناس ، والله تعالى يقول : { يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوماً بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين } .
******
الوقفة الثانية :
أما قوله : بأن : ( . ( الجماعة ) المنشقة : والتي تسمى ( السلفية !!) والسلف منهم برآء ) .
أقول : السلف برآء من كلّ مدّعٍ ، والسلفية مجرد اسم وسمة ، وقد كذب من قال بأنه لا شرف في الانتساب إليها ، ولكن الأفعال تصدق ذلك أو تكذبه ! .
وإلاّ كم من منتسب للإسلام وهو ليس بمسلم ، فهل نذم الإسلام ؟! .
وكم من منتسب لأهل السنة والجماعة وهو أشعري ، فهل قرّبهم عندنا هذا الانتساب ؟! .
وتقول الرافضة عن أنفسهم – كما يقول أبو نصير الطوسي الرافضي - : ( بأن الإمامية هم الفرقة الناجية !! ) ، فهل أنقذهم هذا الانتساب ، أو ضرّ مسمّى الفرقة الناجية هذا الزعم !! .
وأتباع عبدالوهاب رستم الملحد يسمون بـ ( الوهابية في المغرب ) فهل ننسبهم للشيخ محمد بن عبدالوهاب رحمه الله تعالى ، أو
نتبرأ من هذا الوصف ونذمه لأنه صار مسمّىً تشتهر به تلك الطائفة المنحرفة ؟!! ، وكلتا الطائفتين تسمى بالوهابية ، فهل بمجرد الاسم نستطيع تمييز الحق من الباطل ؟! .
ينزل بها الرحمن من سلطانِ
ــتلعت دياركم من الأركانِ
منكم ربوع العلم والإيمان
من غير تفصيلٍ ولا فرقانِ
حق وأمر واضح البطلانِ
والإستواء تحيّزاً بمكانِ
جهة وسقتم نفي ذا بوزانِ
ــسيما وهذا غاية البهتانِ
أعراض والأكوان والألوان
ــذا كلّه جسر إلى النكرانِ



أسماء بل في مقصدٍ ومعانِ



يا قوم أصل بلائكم أسماء لم
هي عكّستكم غاية التعكيس واقـــ
فتهدمت تلك القصور وأوحشت
والذنب ذنبكمُ قبلتم لفظها
وهي التي اشتملت على أمرين من
سميتم عرش المهيمن حيّزاً
وجعلتم فوق السموات العلى
وجعلتم الإثبات تشبيهاً وتجـ
وجعلتم الموصوف جسما قابل الـ
وجعلتم أوصافه عرضا وهـــ
إلى أن قال :
سموه ما شئتم فليس الشأن في الـــ




قال ابن القيم – رحمه الله تعالى :












فأدعياء السلفية والسنة والجماعة والأخوّة والتبليغ والجهاد !!! ، كثير جداً في هذا الزمان ، ولكن المحق هو من وافق السلف قلباً وقالباً ، وأحبهم وشرف بالانتساب لهم ، وهم أهل الحديث ، والطائفة المنصورة ، والفرقة الناجية ، وأهل الأثر ، لا ينتسبون إلى أي حزب من تلك الأحزاب التي أسسها مؤسس غير النبي صلى الله عليه وسلم .
ولما قيل لابن عباس : أنت على ملّة علي أم على ملة عثمان – رضي الله عنهم أجمعين - قال : ( لا على ملة علي ، ولا على ملّة عثمان ، أنا على ملة محمد صلى الله عليه وسلم ) .
قال الإمام مالك : ( أهل السنة ليس لهم لقب به يعرفون لا جهمي ولا قدري ولا رافضي ) ، يعني غير أهل السنة وهم السلف الصالح وأتباعهم .
قال ابن القيم في " مدارج السالكين " معلقاً على هذا الكلام : ( يعني أن أهل السنة ليس لهم اسماً ينسبون إليه سواها ) .
وقال شيخ الإسلام بن تيمية ( 4 / 149 ) : ( ليس مذهب السلف مما يتستر به إلاّ في بلاد أهل البدع ، مثل بلاد الرافضة والخوارج ، فإن المؤمن المستضعف هناك قد يكتم إيمانه واستنانه – إلى أن قال رحمه الله : - لا عيب على من أظهر مذهب السلف وانتسب إليه ، واعتزى إليه ، بل يجب قبول ذلك منه بالاتفاق ، فإن مذهب السلف لا يكون إلاّ حقا ، فإن كان موافقاً له باطنا وظاهراً ، فهو بمنزلة المؤمن ، الذي هو على الحق باطناً وظاهراً ، وإن كان موافقاً له في الظاهر فقط دون الباطن فهو بمنزلة المنافق ، فتقبل علانيته وتوكل سريرته إلى الله فإنا لم نؤمر أن ننقب عن قلوب الناس ولا نشق بطونهم ) .
أقول : فكيف بمن لم يوافق السلف ظاهراً في فعله وقوله !!!!!! .
فعلى هذا يجب على كلّ منصف أن لا ينجرّ خلف الأسماء ولينظر في حقائق الرجال بأعمالها وأقوالها ، فما أسر عبد سريرة إلاّ أخرجها الله تعالى على تقاسيم وجهه وفلتات لسانه .
ولا يجوز أن يوصف من هبّ ودبّ بأنه صاحب سنةّ حتى يظهر منه ما يثبت ذلك - والأصل في الناس السلامة – ولكن لما ظهرت الفرق والجماعات وجب أن يمتحن الناس في دين الله وينظر في دينهم ، يقول ابن سيرين : ( إن هذا العلم دين فانظروا عمّن تأخذون دينكم ) رواه مسلم في مقدمة " صحيحه " .
قال البربهاري في " السنة " : ( والمحنة في الإسلام بدعة ، وأمّا اليوم فيمتحن بالسنة ).
ونقل الحافظ ابن حجر في " التهذيب " : عن زائدة بن قدامة الثقفي أنه كان لا يحدّث أحداً حتى يمتحنه ، وذكر أن زهير بن معاوية كلمه في رجلٍ كي يحدثه ، فقال زائدة : من أهل السنة هو ؟ ، قال : ما أعرفه ببدعة فقال : من أهل السنة هو ؟ فقال زهير : متى كان الناس هكذا ؟ فقال زائدة : متى كان الناس يشتمون أبا بكر وعمر رضي الله عنهما ؟! .
وفي " طبقات الحنابلة " : أن البربهاري لم يكن يجلس مجلساً إلاّ ويذكر فيه أن الله عزّ وجلّ يقعد محمداً صلى الله عليه وسلم معه على العرش .
فعلى هذا ينبغي أن ينظر في دين الرجل ولا ينطلي علينا الألقاب المزيفة ، ومما يعرف به الرجل : 1 – لسانه ، 2- و أخدانه .
إن القرين بالمقارن يقتدي







عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه







قال الشاعر :

وقال الأوزاعي : ( من خفيت علينا نحلته لم تخف عنّا إلفته ) ، رواه ابن بطة في " الإبانة " .

الوقفة الثالثة :
قوله : ( والحق أن نسميها بـ ( الخلوف ) ... ) .
أقول جرت عادة أهل البدع تسمية أهل السنة بنقيض ما يعتقدون !!! ، وهذا الذي ( مات قاعداً !! ) جرى على خطاهم ، فخذ في ذلك :
قول أبي حاتم وأبي زرعة في معتقد أهل السنة والجماعة فيما رواه عنهم اللالكائي في " السنة " : ( علامة أهل البدع الوقيعة في أهل الأثر ، وعلامة الزنادقة تسميتهم أهل الأثر حشوية ، يريدون إبطال الآثار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .وعلامة الجهمية تسميتهم أهل السنة : مشبهة ونابتة ، وعلامة القدرية تسميتهم أهل السنة : مجبرة ، وعلامة المرجئة تسميتهم أهل السنة : مخالفة ونقصانية ، وعلامة الرافضة تسميتهم أهل السنة : ناصبة ) .
قال الإمام إسماعيل الصابوني في كتاب " السنة " له : ( وعلامات أهل البدع على أهلها بادية ظاهرة ، وأظهر آياتهم وعلاماتهم شدة معاداتهم لحملة أخبار النبي صلى الله عليه وسلم ، واحتقارهم لهم وتسميتهم إيّاهم حشوية وجهلة وظاهرية ومشبهة ..) .
وهذه عادة أهل البدع وأهل الكفر والنفاق مع كل مسلم صاحب سنة !! .
ـمختار حشواً فاشهدوا ببيانِ
فالبهت لا يخفى على الرحمن







يا قوم إن كان الكتاب وسنة الـ
إنا بحمد الهنا حشوية







يقول ابن القيم - رحمه الله تعالى - :


******
الوقفة الرابعة :
قال مبرراً قصده في إطلاق [ ألخلوف ] على أهل السنة : ( فوجه هذه التسمية هو معاملة باغي الفساد بنقيض قصده كما هو مقرر في أصول الشريعة ، وهل هناك فساد أعظم من أمر الناس بالسكوت عن المنكرات .. ) .
أقول : قال تعالى : { أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان أم من أسس بنيانه على شفا جرف هارٍ فانهار به في نار جهنم والله لا يهدي القوم الظالمين } .
قد قدم بمقدمة وبنى عليها حكماً ، وإذا بطلت هذه المقدمة ، فالحكم بلا شك باطل ، لأنه لا ينتج عن الباطل إلاّ باطل !!! .
وهو هنا قد افترى – كذباً – بأن ( الفرقة الجامية !! ) على حدّ زعمه : ( يأمرون الناس بالسكوت عن المنكرات !!!! ) .
فأقول : اتق الله عز وجل يا هذا ، وانظر ماذا يخرج من رأسك ، لقد قلت كلمة سوف توردك غداً أخطر الموارد ، أناشدك بالذي خلقك وشق سمعك وبصرك ، من الذي قال منهم باللفظ أو بالمعنى : ( لا تنكروا المنكرات !!! ) ، أو قال : ( اسكتوا عن المنكرات !!! ) .
ابحث في السماء هل تجد لكلامك مصداقا ، واخرق الأرض وأنشئ لكذبك أنفاقا، ونازع الجبال طولا ، وقلب لهم الكتب والأوراق الآخرة منها والأولى ، واستمع إلى جميع ما سجلّوه بأصواتهم ، ولك من الإمهال ما تشاء وتختار !! ، فوالله ليكوننّ عاقبة أمرك الرجوع بخفي الأحمق حنين !! .
أقول : إن مما عرف عن الشيخ – محمد أمان الجامي رحمه الله – من خلال تدريسه في المسجد النبوي ، والجامعة الإسلامية ، هو موقفه الصلب ضد أكبر المنكرات من الشركيات والبدع المضلّة وسائر المنكرات من تحكيم غير شرع الله ، والدعوة إلى تحرير المرأة ، وله من نقد الأديان المنحرفة و الفرق الضالة ، اليد الطولى ومن قرأ ما سجّله الشيخ – رحمه الله تعالى – في مجموع رسائله من بحوث ، يجد فيها موقفه الثابت من هذه المسائل .
وإليك من كلام من تزعم أنه ( المؤسس ) لهذه الفرقة ( الجامية !! ) ، ما يوضح وقوفه ضد سائر المنكرات فإن كان له أتباع فهم على معتقده : فيقول في ردّه على الشطي الكويتي : ( إن السلفيين حريصون على تصحيح مفاهيم كثيرة للعوام ، وأشباه العوام ، في باب العقيدة والعبادة وغيرهما ، و يدخرون وسعاً في ذلك ، نصحاً منهم لعباد الله ، والنصح واجب لأن من عرف الله حق المعرفة وسلمت عقيدته من التعلّق بغير الله ، وآمن بأسمائه الحسنى وصفاته العليا دون إلحاد أو تحريف فحقق العبودية لله تعالى ، سهل عليه القيام بالواجبات والفرائض الأخرى في الإسلام ، لأنه وضع حجر الأساس لسيره إلى الله ومن لا فلا (1) (http://www.al-afak.com/vb/#_ftn1)) .
إن أتباع النبي صلى الله عليه وسلم صدقاً ، وهم الذين يأخذون بهديه ويقتدون بسنته ، يأخذون الدين بجميع جوانبه ، استجابة لقول الله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين } .
وقوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه وأنه إليه تحشرون } .
وقوله : { وما كان لؤمنٍ ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالاً مبينا } .
فمن المستبعد من الداعية إلى الله أن يعتني بأصول الدين تقريرا ، وبأكبر الذنوب تحذيراً ، ويهمل ما دون ذلك من شرائع الدين المأمور بها ، ومن المنهيات الشرعية المنهي عنها !! .
ولهذا عرف من أنصار الدعوة السلفية الموقف الصلب ضد كل المنكرات كبيرها وصغيرها ، ولعل من أكبر من يشاد بذكرهم في في هذه العصور المتأخرة ، أئمة الدعوة السلفية في نجد وغيرها ، فلينظر في جميع كتبهم ومراسلاتهم ، وليراجع كتاب : " الدرر السنية في الأجوبة النجدية " ، وكتاب : " المسائل والرسائل النجدية " ، و " مجموعة مؤلفات الشيخ محمد بن عبدالوهاب " ، و " مجموع فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم " ، والشيخ ابن باز ، والشيخ ابن عثيمين – رحمهم الله - ، كما لا تنكر مواقف هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية ، منذ تأسيسها ، إلى هذا الزمان ، ومجموع فتاوى الهيئة توضح موقفهم هذا أتم إيضاح ، ومجابهتهم كل ما يسخط الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم ، ويخالف دين الإسلام ، من كبير الأمور وصغيرها .
وتتنوع جهودهم ، ومواقفهم المشرفة بحسب الموقف ، فتارة يقفون ضد الملاحدة ، وتارة ضلال أهل الموالاة لليهود والنصارى ، ودعاة التقريب إليهم ، وتارة ضد الفرق الضالة المنتسبة للإسلام ، وتارة إلى المنكرات الظاهرة والخفية من أكل الربا وفشو الزنى وانتشار آلات اللهو ونحو ذلك .
فكلّ هذه المنكرات سجلت عنهم مواقف طيبة تجاهها ، بالطريقة الشرعية المتقررة عند أهل العلم ، لا بالحماس المفرط ، والعاطفة المندفعة !! ، فأين هم عن مثل ذلك ؟! .
وهذه الشمولية في الدين هي الفارق بين أهل السنة وأهل البدع ، فأصل ضلال الطوائف هو تركهم للشمولية في العمل بشرائع الإسلام ، وأخذ ما ينصر حزبهم ، ويؤيده في الظاهر .
ولهذا جمد الخوارج من بين أحكام دين الله تعالى ومسائل الشرع على مسألة الحكم بما أنزل الله ، مستندين بآيتين من كتاب الله عز
وجلّ ، يفتنون بها الجهال أتباع كل ناعق ، وهما قول الله تعالى : { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون } .
وقوله تعالى : { إن الحكم إلاّ لله أمر ألاّ تعبدوا إلاّ إيّاه ذلك الدين القيم ولكنّ أكثر الناس لا يعلمون } .
فوقفوا من دين الإسلام على هذا الجانب ، يتورعون من أكل عنبة !! ، وذبح خنزير مجوسي !! ، ولم يتورّعوا من قتل الصحابة وأبناء الصحابة .
وكذلك الجهمية والنفاة المعطلة بنوا دينهم على دعوى التنزيه من التمثيل ، فوقعوا في التعطيل أو التأويل !! .
فأخذوا من نصوص الشريعة ما فيها التنزيه عن المثيل ، وأغفلوا الآيات التي فيها إثبات الصفات ، وإن كان التنزيه والإثبات قد وردا في مقام واحد ، ولكنهم أهل أهواء يأخذون ما يشتهون ، كما في قوله تعالى : { ليس كمثله شئ وهو السميع البصير } .
وقوله تعالى : { رب السموات والأرض وما بينهما فاعبده واصطبر لعبادته هل تعلم له سميا } .
وقوله تعالى في سورة الإخلاص : { قل هو الله أحد * الله الصمد * لم يلد ولم يولد * ولم يكن له كفواً أحد } .
ففي تلك المواطن ، وغيرها كثير ، اجتمع إثبات الصفات مع نفي المثيل والسمي والكفؤ ، فأخذوا من تلك النصوص الشرعية مطلق النفي ، وأعرضوا عن إثبات الصفات ، التي أثبتها لنفسه سبحانه !! .
وكذلك القدرية بنوا دينهم على محبة العدل وتنزيه الله تعالى من الظلم فوقعوا في نفي القدر ، وقالوا بأن العبد يخلق فعله !! .
والله تعالى قد أخبر بأنه خالق أعمال العباد ، وما يجري منهم من خير وشرّ ، وأنه ليس للمخلوق مشيئة نافذة خارجة عن مشيئة الله عز وجلّ ، وهم قد أخذوا النصوص التي فيها وصف الله تعالى نفسه بالعدل ، والتي فيها نسبة جريرة الذنوب إلى أصحابها لا إلى تقدير الله !! ، فغرروا بها الجهال ، فاستخفوا بعقول أقوام فاتبعوهم !! .
ومن تلك الأدلة التي تمسكوا بها وأعرضوا عن غيرها ، قوله تعالى : { ذلك بما قدمت أيديكم وأن الله ليس بظلامٍ للعبيد } ، وقوله : { وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم } ، ونحوها .
وأغفلوا أن الله تعالى يقول : { والله خلقكم وما تعملون } .
ويقول : { وما تشاءون إلاّ أن يشاء الله رب العالمين } .
وأن نسبة الأعمال لأصحابها هي نسبة كسبٍ بمشيئة الله ، لا نسبة خلق وإيجاد .
وقس على تلك الطوائف المتقدمة ، الفرق المنحرفة المعاصرة ، فمن الفرق من جعل الدين هو السياسة و الحاكمية ، وأغفلوا بقية أصول الدين وفروعه ! ، حتى فسروا كلمة التوحيد ( لا إله إلاّ الله ) بـ ( لا حاكم إلاّ الله !! ) .
ومن الطوائف الضالة من جعلوا الدين هو جمع الناس على فضائل الأعمال ، وانتشالهم من المنكرات المفسّقة ، وإن كانت عقيدتهم فاسدة !! ، وسعوا إلى تهذيب الروح ، وتطهير القلوب بزعمهم ، وتعطيل الأعمال ، حتى فسرّوا لا إله إلاّ الله بـ ( إخراج اليقين
الفاسد من القلب وإدخال اليقين الصالح على ذات الله !! ) وهذا محض معتقد أهل الحلول والاتحاد !!.
ومن الطوائف من جعلت الدين كلّه الجهاد ، والدعوة إليه ، وكأنه هو أساس الدين وقاعدته ، وأهملوا بقية شرائع الله والحقوق الواجبة على الفرد .
ولهذا ما من طائفة خرجت في الإسلام إلاّ ولها مسألة تجعلها ديناً توالي عليه وتعادي عليه ، إلاّ أهل السنة فكل شريعة محمد صلى الله عليه وسلم دينها الذي توالي عليه وتعادي عليه بحسب المقام ، ولهذا فإن أهل البدع كلهم مفترقون فيما بينهم متفقون على نصب العداء لأهل السنة .
وكل من تلك الطوائف لهم أدلة و نقولات يستندون إليها ، ولكن كما تقدم هي جزء من أدلة المسألة ، وتصورها ، والحكم على الشي فرع عن تصوره ، ولا يجوز الأخذ بحكمٍ شرعي في مسألة ما حتى يجمع كلّ ما في المعنى .
والله تعالى يقول : { أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فم جزاء من يفعل ذلك منكم إلاّ خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافلٍ عمّا تعملون } .
ثم أتريد أن أخبرك من الذي يأمر بالسكوت عن المنكرات !! .
هم من هم على شاكلة حسن البنا ، وأتباعه من أهل التحزب من القطبيين والسروريين ، الذي بنى قاعدته على القاعدة المنحرفة : ( نجتمع فيما اتفقنا عليه ويعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا فيه ) .
وأي شناعة عن الأمر بالسكوت عن إنكار الشرك الأكبر ، وعظائم البدع من التجهم والرفض والتصوف !!! .
وأي منكر يسعى قادات الإخوان لإنكاره ومؤسس حزبهم يقول : ( فأقرر أن خصومتنا لليهود ليست دينية لأن القران حض على مصافاتهم ومصادقتهم ، والإسلام شريعة إنسانية قبل أن يكون شريعة قومية ) ، من كتاب " الإخوان المسلمون : أحداث صنعت التاريخ " ( 1/ 409 ) .
ويقول أيضاً : ( إن الإسلام الحنيف لا يخاصم ديناً ولا يهضم عقيدة ، ولا يظلم غير المؤمنين به مثقال ذرة ) ، من كتاب " حسن البنا مواقف في الدعوة والتربية " (صحيفة : 163 ) .
لماذا هذا الكيل بمكيالين جائرين !! .
ترى القذاة في عين خصمك !! ، وتغفل عن الأعواد والأقذار في إناءك الوضر !!.
أين قادات الإخوان المسلمين والقطبيين وأشباههم عن إنكار المنكرات في حزبهم من :
مخالطة للمردان ، وسماع الأناشيد الصوفية الساقطة ، وتماثيل بدعية كاذبة ، وتصوير ، ومنهم الحليق ، ومنهم المتشبه بالإفرنج ، ويدخلون البرلمانات ، وغلاة في تكفير الحكام ومن لا يريدون ، ومرجئة مع أخطاء دعاتهم وأنصار حزبهم مهما يفعلون !! .
أمّا أهل السنة ، وأتباع السلف ، هم خير من يقوم بدين الله اليوم ، وأقرب مثال على هذه الدولة السعودية ، وإن حصل فيها تقصير ، إلاّ أنها تتقبل الطيب ، وتنفي الخبث ، وتنصر السنة وتقمع البدعة ، وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر ، كل ذلك بالطريقة الشرعية المعروفة .
قال تعالى : { الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور } .
وهاهم أدعياء البحث عن قيام دولة الإسلام ، لم ترفع لهم راية منصورة في بلدانهم ، وإن تطاولت بهم السنون !! ، فماذا بعد ذلك منهم يكون ؟!! .
******
الوقفة الخامسة :
يقول : ( فهم أرادوا أن ينشروا أفكارهم المشؤومة في أوساط الشباب وقد علموا مسبقاً الطريقة التي توصلهم إلى مرادهم وذلك بإلباس هذه الأفكار لباس سلفنا الصالح لتروج بذلك أفكارهم وتتقبل آراءهم وينخدع بها الجاهل بحالهم وأساس نشأتهم ) .
وأقول : تقدم أن مجرد الانتساب إلى السلف والاستدلال بآثارهم لا يكفي في تحقق سلفية المرء وسلامة معتقده حتى يطبق منهج السلف ومعتقدهم وسلوكهم واقعاً يعيشه .
والشيخ محمد أمان الجامي – رحمه الله - ، وأهل السنة قبله ، وبعده ، عندما ينتسبون إلى السلف ، يتعصب أرباب الحزبية ، ويظنون أن هذا على شاكلة أحزابهم ، وحزب يقابل أحزابهم من تأصيل وتقعيد المؤسسين لهذا الحزب ، وما علموا أن أهل السنة وأتباع السلف الصالح ليس لهم إمام يقتدون به إلاّ محمد صلى الله عليه وسلم ، وليست لهم أصول يمشون عليها إلاّ أصول أهل السنة التي استنبطوها من الأدلة الشرعية لمقاصد شرعية ، لا كأصول الفرق الضالة الأخرى التي لا تنبني على أدلة شرعية ، وإن استندوا لأدلة شرعية فمقاصدهم غير شرعية !! .
ولهم الشرف بأن إمامتهم ترجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، عندما شرف غيرهم باتباع أصول البنا ( العشرين ) ، وأصول الكاندهلوي ( الستة ) ، ونحوها !!! .
ودعوى أن هذا لتغرير العامة !! ، وأن هذه طريقة أهل البدع والأهواء !! ، هم أولى بها لا أهل السنة السلفيين ، فهم الذين يتعلّقون ببعض مقالات الأئمة التي فيها نصرة لبعض مقالاتهم ، ويعرضون عن سائر مقالاتهم الأخرى التي تنقض أصولهم ، وتبطل مقاصدهم الدسيسة ، كما قال الله تعالى عن أرباب الضلالة من اليهود والنصارى والمشركين : { وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين } .
فأخذهم ما يروق لمذهبهم من متشابه كلام أهل العلم وطرحهم ما لا يروق لمذهبهم من كلام أئمة الدين ، من محض الهوى الذي سبق إليه الكفار من قبلهم .
ولهذا تجد أنهم يتعلّقون بكلام بعض الأئمة لجلالاتهم عند الناس كشيخ الإسلام بن تيمية ، ومحمد بن عبدالوهاب ، وابن باز ،
والألباني ، وابن عثيمين – عليهم رحمة الله عز وجلّ – ويعرضون عن الكثير من مقالاتهم .
فهؤلاء العلماء كلهم ينتمون إلى أهل السنة ، والسلفية ، ويناصرونها ، فلماذا لم يستنوا بهم ، إن كانوا هم أتباعهم حقاً .
وهؤلاء العلماء من دعاة رفض التحزب ، وتعدد الفرق ، والتعلّق بتقليد الرجال ، ويحثون على تجريد الإتباع للرسول صلى الله عليه وسلم وحده .
فلماذا هم يؤيدون تعدد الجماعات ، ويقرون لكل طائفة صنيعها مع ما فيها من الباطل ؟! .
وهؤلاء العلماء هم الذين يدعون إلى لزوم جماعة المسلمين عامة ، ونبذ التفرق والتحزب والأهواء ، ولزوم إمام المسلمين والسمع له والطاعة .
فلماذا هم يدعون إلى الفرقة ، ويحثون الناس على إتّباع إمام معيّن ، ويلزمونه أحياناً بالبيعة !! ، ويوغرون قلوب العامة ضد الحكام ، ويسعون إلى تخريب الأمم ، وإثارة التناحر بالسب إلى القتل في المجتمعات !! ، ويضيعون الطريقة المثلى لإقامة دولة الإسلام وإصلاح الشعوب ، فما دين الله بآتٍ براياتهم وشعاراتهم ومظاهراتهم ومنشوراتهم ، وإنكارهم العلني على السلاطين الذي أعقبهم كل ذلٍ وبلية .
وهؤلاء هم الذي أفنوا أعمارهم في نصرة التوحيد ، وتقرير السنة ، وتعليمها للناس ، والحرص على كتب أهل السنة المتقدمين وتقريرها ، فلماذا هم يعتنون العناية الفائقة بالكتب : ( الحركية !! ) و : ( الروحية !! ) ، ككتب سيد قطب ، ومحمد قطب ، و أحمد الراشد ، وفتحي يكن ، والصاوي ، والغزالي ، والقرضاوي ، وغيرهم من أئمة الضلال ، حتى إنهم يفرضون على أتباعهم إدمان النظر في هذه الكتب لمقاصد هم يريدونها !! .
وهؤلاء العلماء ، من أشهر الناس تحذيراً من أهل البدع وهتك أستارهم ، فابن تيمية – رحمه الله تعالى – جبهة متحركة نشطة ضد كل صاحب بدعة ومذهب باطل ، كاليهود والنصارى والعقلانيين والرافضة والجهمية و الأشاعرة والمتصوفة وطوائف عدّة .
فلماذ لم يهتموا هم بذلك ويستنوا بابن تيمية ، أم يخافون أن تظهر الفضيحة أمام العموم بعقائد قاداتهم !! .
والشيخ محمد بن عبدالوهاب – رحمه الله تعالى – أفنى عمره في كشف شبهات الملحدين ، والتحذير منهم كابن سحيم وابن مويس وجماعة في كتب مؤلفة وأعلن تكفيرهم ، ورد على الرافضة ، ورد على الجهمية ، و الأشاعرة ، والمتصوفة وغيرهم ، فلماذا لم يسفروا عن وقاحتهم فيسبوه بدعوى إنه يفرّق بين صفوف المسلمين ؟! ، أو أنهم يتوبوا إلى الله ويقتدون بطريقته السلفية .
وشيخنا ابن باز – رحمه الله تعالى – دروسه ومحاضراته كلّها في التوحيد والسنة ، ويشهر الانتماء إلى السلفية ، ويدعوا إلى طريقتهم ، ويحذر من أهل البدع والأهواء ، ويذمهم بأعيانهم كالكوثري ، والصابوني ، وحسن السقاف ، ومحمد علوي مالكي ، والمسعري ، ونحوهم ، فلماذا لم يستنوا بطريقته إن كانوا هم الأتباع حقاً لهذا الإمام الجليل – رحمه الله - ؟! .
والشيخ ابن عثيمن – رحمه الله تعالى – من أكثر العلماء في العصر الحاضر عناية بكتب الاعتقاد ، فشرح من مصنفات السنة الكثير ككتاب " اللمعة " لابن قدامة – رحمه الله - ، و " العقيدة الطحاوية " لأبي جعفر الطحاوي – رحمه الله - ، وشرح مؤلفات شيخ الإسلام بن تيمية – رحمه الله تعالى – وشرح مؤلفات شيخ الإسلام محمد بن عبدالوهاب – رحمه الله – ، وصنّف في أصول اعتقاد أهل
السنة المصنفات المفردة .
فلماذا لم يستنوا بطريقة الشيخ هاهنا ، ويقرروا معتقد أهل السنة ويطبقوها على واقعهم !! .
وغاية ما يأخذون من مقالات أولئك الأئمة الأجلاّء هي بعض العبارات والفتاوى التي يظن بأنها توافق ما يريدون أو ربما توافق بعض ما يريدون اجتهاداً منهم رحمهم الله ، فيفرحون بها ، وكأن هذا الإمام لم يتكلم إلا بما نقلوه !!! .
وقد نهانا الله تعالى عن اتباع المتشابه من كلامه المحكم فكيف بكلام المخلوق الذي يعتريه الخطأ والتقصير؟! .
قال تعالى : { هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هنّ أم الكتاب منه آيات محكمات هنّ أم الكتاب وأخر متشابهات فأمّا الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلاّ الله والراسخون في العلم يقولون آمنّا به كلّ من عند ربنا وما يذّكر إلاّ أولوا الألباب } .
ثم يقال لهذا المفتري : من منكم يا قادات الإخوان ، وأتباع القطبية ، ونظام سلك السرورية : من درّس كتب السنة للأئمة المتقدمين ، أعلام الهدى ومصابيح الدجى ، أقرب الناس إلى مصادر الدين ؟! .
من منكم من درّس كتاب " السنة " لعبدالله بن أحمد - رحمه الله تعالى - .
من منكم درّس كتاب " السنة " لمحمد بن نصر المروزي – رحمه الله – .
من منكم درّس كتاب " الشريعة " لأبي بكر الآجري – رحمه الله - .
من منكم درّس كتاب " الإبانة " لابن بطة – رحمه الله - .
من منكم من درّس كتاب " أصول اعتقاد أهل السنة " لللالكائي – رحمه الله - .
هؤلاء الأعلام هم الذين أخذنا منهم أصول عقيدتنا ، وهم أسلافنا ، ولم نخرج عن مقالاتهم مقدار أنملة !! ، فإمأ إن تلقوا باللوم عليهم ، حتى يعلم القاصي والداني مبلغ ضلالكم ، وإمّا أن تدمنوا النظر في مثل ما نظرنا ، فإن صدرتم بمثل قولنا ، فهو الذي إليه ندعوا .
وهذه وصية لكل أتباع اولئك الأغمار ، في أن النجاة كل النجاة تؤخذ بالاتباع لا بالتقليد والابتداع ، يقول أبو العالية الرياحي : سؤالان يسأل عنها الأولون والآخرون :
ماذا كنتم تعبدون ؟ .
وماذا أجبتم المرسلين ؟ .
فنحن لا نطلب منكم إلاّ البحث عن الحق كما بحثنا عنه ووجدناه ، إقرأوا تلك الكتب الأثرية المسندة المشرِّفة ، وطبقوها على واقع الحركات الإسلامية اليوم .
وانظروا إلى عصركم بمنظار سلفكم ، ولا تنظروا إلى عقيدة سلفنا بمنظار الخلف الذي خالطته الأهواء والبدع .
فإن وافقتمونا فيما نقول ، فلتحمدوا الله ولتفرحوا بفضله كما قال تعالى : { قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون } .
وإن وجدتم ما قالوه هو الصواب ، وما فهمناه منهم هو الباطل ، فأرشدونا فالحق ضالة المؤمن وكما قال تعالى : { نرفع درجاتٍ
من نشاء وفوق كل ذي علمٍ عليم } .
وإن خالفتمونا وخالفتموهم ، وأخلدتم إلى فكر قاداتكم ، فلتبكوا على قلوبكم التي ماتت بسموم الكبر و الهوى ، ولتكثروا من دعاء الله تعالى بالهداية ، فهو الهادي إلى طريق الحق والهدى ، واعلموا أن الله يطمس على قلب كل متكبرٍ صاحب هوى ، وإن تناطحت أمام ناظريه الجبال ، ونزلت عليه الحجة في قرطاس يقرأها ، كما قال تعالى : { سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق وإن يروا كلّ آية لا يؤمنوا بها وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا وإن يروا سبيل الغيّ يتخذوه سبيلا ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين } .
فبادروا حينئذِ بالتضرع إلى الله تعالى بأن يدلكم إلى طريق الهدى ، وليقل أحدكم بقلب متضرع مخبت : { اللهم فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون } ، اهدني لما أختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم .
أما قوله : ( لتروج بذلك أفكارهم ، وتتقبل آراءهم ، وينخدع بها الجاهل بحالهم ، وأساس نشأتهم ) .
يرد عليه : بأن دين السلفيين لا يطلق عليه هذه العبارات المبتدعة التي انطلق به لسان هذا القائل من قوله : ( أفكارهم ) و قوله : ( آرائهم ) ، فدين السلفيين ومعتقدهم مبني على : ( الآيات ) و ( الآثار ) .
*****
الوقفة السادسة :
قوله : ( أّما تسميتهم بـ ( الجامية ) فهو نسبة إلى محمد أمان الجامي ، الذي أسأل الله العلي العظيم إن كان مغرراً به وصادقاً مع الله أن يغفر له زلته ، وإن كانت الأخرى أن يجازيه بما يستحق ، فهذا الجامي هو المؤسس الحقيقي إن صح التعبير لهذه الجماعة وخاصة في منطقة نجد وضواحيها ) .
أقول : وهذا الكلام على ما فيه من لكنة وعجمة !! ، لي عليه ملاحظات :
الأولى : انتساب ( هذه الفرقة بزعمه ) إلى الشيخ العلاّمة محمد أمان الجامي - رحمه الله تعالى - ، وهذا من أبطل الباطل ، فإن الشيخ محمد أمان الجامي - عليه رحمة الله - فردٌ من أفرادها ، وعالم من علمائها ، ولم يجئ بما ينفرد به عن غيره من الأئمة الأجلاّء كالشيخ عبدالعزيز بن باز والألباني والوادعي - عليهم رحمة الله تعالى - ، وهم في الطريقة والمنهج سواء ، ومن أثبت خلاف ذلك فعليه بالدليل المثبت لهذا الاختلاف ، ودونه ودون ذلك تقبيل المرفقين !! .
فلماذا تخصص النسبة إليه ، من دون هؤلاء ، وهم في العقيدة والطريقة سواء ، أليس التفريق بين المتفقات من محض الافتراء والهراء ؟! .
ولا أجد سبباً لتصنيفهم للشيخ محمد أمان الجامي بهذا التصنيف الجديد إلاّ لأنه تكلم في قاداتهم ، كسفر الحوالي ومن على شاكلته .
وهذه أحوال أهل الضلالة مع المتقدمين والمتأخرين من أهل السنة ، فقالوا عن أتباع شيخ الإسلام بن تيمية – رحمه الله – : ( أنتم
تيميون !! ) ، فما ضرّ أهل السنة ، وأنشد أحدهم(1) (http://www.al-afak.com/vb/#_ftn2) قوله :
من غير كيفٍ موجباً لومي
فالمسلمون جميعهم تيمي



إن كان إثبات الصفات جميعها
وأصير تيمياً بذلك عندكم














ثم لمّا جاء شيخ الإسلام محمد بن عبدالوهاب – رحمه الله تعالى – بدعوة التوحيد ، أراد خصوم دعوته كابن جرجيس وعلوي الحداد وغيرهم فصله عن شيخ الإسلام بن تيمية - رحمه الله تعالى - ، ونقلوا من كلام ابن تيمية ما يوهم بأنه يوافقهم ، وأن الشيخ محمد
يخالفه فيه !! ، وقالوا عنه بأنه مؤسس لطريقة جديدة ، وسموا أتباعه بـ ( الوهابية !! ) .
والشيخ محمد لم يخالف شيخ الإسلام بن تيمية في مسألة واحدة من مسائل الاعتقاد ، وغالب مسائل الفروع ، بل يصرّح دائما بفضله عليه ، وأنه نشأ وتتلمذ على كتبه ، فلماذا يقال عنهم بأنهم ( وهابية !! ) ولم يقولوا : ( تيمية !! ) ، وهكذا : لماذا لم يقولوا عن الشيخ محمد أمان الجامي بأنه : ( وهابي !! ) أو ( تيمي !! ) ، فهو من أكثر أهل العلم عناية بكتب أولئك الأئمة وتأثراً بما فيها !! .
وهكذا هي عادتهم مع المتأخرين ، ففي اليمن عندما تكلم الوادعي في عبدالمجيد الزنداني والريمي وغيرهم ، جعلوه وطلابه أدعياء للسلفية ، ونسبوهم إليه وأعلنوا عليه النكير ، وقالوا عن طريقته بأنها : ( سلفية جديدة !! ) ، وقالوا : ( أنتم وادعيّون !! ) .
وفي الشام عندما تكلّم الشيخ الألباني في حسن السقاف وقادات فرقة الإخوان هناك ، ذمّوه ، وجعلوه دعياً للسلفية !! ، ونسبوا طلابه إليه !! ، وقالوا : ( هذه سلفية جديدة ) وقالوا عنهم : ( أنتم ألبانيّون !! ) .
وهكذا لم يسلم من الطعن في الخفاء والتلميح بذلك شيخنا الإمام عبدالعزيز بن باز - رحمه الله تعالى - ولولا ما جعل له من المهابة والإجلال في قلوب العامة قبل الخاصة لصرخوا بذلك في كلّ محفل أمام كلّ أحد ، وقد قيل عنّي مرة بأنني : ( بازي !! ) .
فغمزوا فيه عندما أفتى بجواز الاستعانة بالأمريكان في حرب الخليج !! .
وغمزوا فيه عندما أفتى بجواز الصلح مع اليهود !! .
وغمزوا فيه عندما أمر بإيقاف ( دعاة صحوتهم ) قبل سنوات !! .
وغير ذلك من المغامز التي يتكلمون بها في ( نواديهم !! ) و ( مراكزهم !! ) و ( ومخيماتهم !! ) ، وقالوا عنه وعن علماء الحديث والفقه : ( علماء حيض ونفاس ) وقالوا : ( لا يفقهون الواقع ) ، وأنهم : ( لا يعدون مرجعية علمية صحيحة للناس !! ) ( 1 ) (http://www.al-afak.com/vb/#_ftn3) .
فما هو سبب تخصيص الشيخ محمد أمان الجامي بهذه النسبة إذن ؟!! .
الملاحظة الثانية : قوله : ( الذي أسأل الله العلي العظيم إن كان مغرراً به وصادقاً مع الله أن يغفر له زلته ، وإن كانت الأخرى أن يجازيه بما يستحق ) ، وهذا من الحماقة في الكلام !! ، كيف يزعم بأن شخصاً أسس مذهباً وهو مغرر به ؟! .
فالنسبة حينئذٍ تكون للمغرِّر - بكسر الراء مشددة - لا إلى المغرَّر به – بفتح الراء مشددة - ، فمن يكون إذن ؟!.
ثم إنه اعتذر له بأنه مغرر به في هذه الطريقة التي يمقتها ودعا الله أن يغفر له ذنبه ، وهو من العلماء الأجلاّء ، فلماذا لا يعتذر أيضاً ( لأتباعه ) على حدّ زعمه في محبة العذر ، فهم عند جناب علم هذا الشيخ – المتقاعد - ( جهال !! ) ، والجاهل في مثل هذه المسائل أولى بالإعذار من العالم !! .
أيضاً قوله : ( وإن كانت الأخرى أن يجازيه بما يستحق ) ، هلاّ شملته – يا هذا - برحابة صدرك ، وسعة قلبك على المسلمين وبغية الرحمة لهم والشفقة عليهم !! ، ودعوت له بالمغفرة والرحمة ، فهذا من حقوق المسلم على المسلم !! ، فأين حفظ حقوق المسلمين عندك ؟! .
الملاحظة الثالثة : في قول هذا المتقاعد : ( فهذا الجامي هو المؤسس الحقيقي إن صح التعبير لهذه الجماعة وخاصة في منطقة نجد وضواحيها ) .
أقول : نجد لا يطلق عليها بأنها ( منطقة ) لا طبيعياً ولا نظامياً ، وليست لها ضاحية ، وإنما لها حدود !! ، فهي إقليم من أقاليم جزيرة العرب ، ولعلّه يريد بذلك ( الرياض ) و ( وضواحيها ) ولكن أدركته اللكنة .
وكيف يزعم تخصيص هذا التأسيس في نجد ، والشيخ كما هو معروف مدني المنشأ والمسكن!!.
وكأن نجد خالية ممن هم على منهج السلف ، وهي أصل منشأهم في هذه القرون المتأخرة ، أوليس من نجد الشيخ الإمام محمد بن عبدالوهاب - رحمه الله تعالى - ، الذي نشفت به أرياق أهل البدع والوثنية في عصره ؟! .
أوليس من نجد أبناء الشيخ وأحفاده الأخيار إلى هذا العصر ، وهم أئمة السلفية في هذا العصر ؟.
ومن المعاصرين الأحياء أمثال الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله آل الشيخ ، مفتي عام المملكة ؟! ، وأمثال معالي الشيخ العلامة صالح بن عبدالعزيز آل الشيخ ؟! .
أوليس من نجد الإمام العلامة حمد بن ناصر بن معمّر - رحمه الله - قامع المبتدعة والمشركين ، وأهل البدع و الزيغ .
أوليس من نجد الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن أبا بطين - رحمه الله - ، وهو من هو ، في غلظته على أهل البدع والأهواء والتحذير منهم .
أوليس من نجد الشيخ سليمان بن سحمان العسيري الأصل - رحمه الله - ، وهو حسّان زمانه في قمع أهل البدع والأهواء ، والتحذير منهم ؟! .
أوليس من نجد الشيخ حمد بن عتيق وابنه سعد - عليهم رحمة الله - وهم مقامع من حديد على أهل البدع والأهواء .
أوليس من نجد الشيخ سليمان بن عبدالرحمن الحمدان - رحمه الله - ، محطّم البردة الشركية من أعمد المسجد النبوي .
أوليس من نجد العلامة حمود التويجري – رحمه الله – وهو علم للسنة يعرفه رهبةً كلّ مناوئ للدين !! .
أوليس من أهل نجد الفتى الفتيّ الحاذق عبدالله بن محمد الدويش - رحمه الله - الذي فضح طريقة سلمان العودة (1) (http://www.al-afak.com/vb/#_ftn4) ، ربما قبل
أن يعرف - هذا المتقاعد - أن في الوجود رجل يدعى بمحمد الجامي !! .
إنّي أناشد بالله هذا - المتقاعد - وكل من غمز في أعلام أهل السنة في هذا العصر أن يقارن بين حال الفريقين ، هل بينهما من فروق يختلفون فيها ؟! .
وليقرأ كتاب " الدرر السنية في الأجوبة النجدية " ، وكتاب " المسائل والرسائل النجدية " ، ولينظر كيف موقفهم الصلب من أهل البدع والأهواء ، وكيف موقف خصوم الدعوة السلفية منهم ؟! .
******

الوقفة السابعة :
قوله : ( وليس كلامي هذا قدحاً في الوافدين - كلا والله - ، بل يا مرحبا بهم في هذه البلاد ، إن أردوا عملاً شريفاً أو علماً نافعاً يدعون به إلى الله ويجمعون به شمل الأمة ، أمّا إذا أرادوا بتعليمهم تفريق شمل الأمة وجعل أنفسهم معاول هدم لهذه الصحوة المباركة فلا بارك الله فيهم وعجل الله بهلاكهم ) .
أقول : لما ذكر هذا - المتقاعد - أن الشيخ ( الجامي ) وافد على جزيرة العرب تذكر أشياخاً له قد وفدوا من خارجها ، فخشي أن يلحقهم الذم ، فأخذ يعتذر لبقية الوافدين بهذا القول ، فمن يكون هؤلاء الذين شملهم باستثنائه ؟! .
هل يريد بهم الشيخ العلامة محمد الأمين الشنقيطي – رحمه الله - ؟!.
أم يريد شيخنا الشيخ العلامة عبدالرزاق العفيفي المصري – رحمه الله - ؟!.
أم يريد الشيخ ناصر الدين الألباني – رحمه الله تعالى – عندما كان مدرساً في الجامعة الإسلامية ؟! .
أم يريد الشيخ العلامة مقبل بن هادي الوادعي اليماني – رحمه الله تعالى - ، كذلك ؟!.
هل تريد هؤلاء أم تريد أشياخ الحزبية الذين أورثوا هذه البلاد كلّ بلية عندما حمتهم من حكوماتهم الغاشمة ، كأمثال :
شيخهم محمد قطب المصري ، في مكة المكرمة !! .
وشيخهم محمد سرور زين العابدين في القصيم !! .
وشيخهم محمد العبدة في الرس !! .
وشيخهم عبدالله ناصح علوان في جدّة !! .
وغيرهم كثير ،،،،
******
الوقفة الثامنة :
قوله : ( البروتوكول الأول : الولاء التام للحكام ، نحن لا ننكر أن من أصول أهل السنة والجماعة عدم الخروج على الحاكم وطاعته بالمعروف ، ولكن للأسف أن هذا الأصل في العقيدة ين إفراط وتفريط ، فهذه الجماعة ممن أساء فهم هذا الأصل حتى جعلت نصح الحكام خروجاً ، وجعلت طاعتهم : أن تعبدهم وذلك بالرضا في تحليل الحرام – كما يرضا عن الولاء للكفار والرضا بمناصرة الكفار على المسلمين ونحو ذلك ، أمّا الرضا في تحريم الحلال : مثل الرضا عن سجن العلماء وطلبة العلم والمجاهدين حيث حرّموا عليهم نشر العلم الواجب نشره ، وقد قال شيخ الإسلام لما قضي بسجنه : ( من قال أن ذلك فعل بالشرع فهو كافر بإجماع المسلمين ) الفتاوى 3/254 ، وهذا بلا شك إفراط في هذه القضية )
أقول : وهذا الكلام عليه ملاحظات :
الأولى : قوله : ( البروتوكول !!! ) ، ومعنى هذه الكلمة بالعربية : ( المعاهدة والميثاق ) ، ولكن أي معاهدة وميثاق كانت بين هؤلاء ( الجامية !! ) ، ومتى كانت ؟ ، وأين وقعّت ؟ ، كما هي برتوكولات علماء صهيون ، المدونة ، الثابتة عنهم !! .
ثم هل افتقد هذا المتقاعد أدب الحوار مع إخوانه المسلمين ، حتى يصف منهجهم بالبروتوكولات ؟! .
إن ( بروتوكولاتهم !! ) حسب تسميتك ، ( ومعاهداتهم ) حسب عرفنا المسلم ، هي الرجوع للكتاب والسنة بفهم السلف الصالح ، ونبذ البدع والأهواء ومن يناصرها ، فما ضرهم تسميتكم هذه !! .
والعهود والمواثيق المبتدعة موجودة عند غيرهم ، من الأحزاب والفرق الضالة !! .
الملاحظة الثانية : قوله : ( الولاء التام للحكام ، نحن لا ننكر أن من أصول أهل السنة والجماعة عدم الخروج على الحاكم وطاعته بالمعروف ، ولكن للأسف أن هذا الأصل في العقيدة ين إفراط وتفريط ، فهذه الجماعة ممن أساء فهم هذا الأصل حتى جعلت نصح الحكام خروجاً ) .
أقول : هذا شبيه بما تقدم ، ومن أين لهذا الزاعم المفتري أن يثبت بأنهم يوالون الحكام مولاة تامة متضمنة للطاعة العمياء بغير حجة ولا برهان ، أليس هذا من البهتان الذي حرمه الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم .
وإلاّ فحقيقة الأمر أن هؤلاء القوم : من أصدق الناس نصيحة للحكام ، لم ينزعوا يداً من طاعة ، ولم يوافقوهم على منكرٍ فعلوه ، وهم أقرب الناس للنصيحة الصريحة بالطرق الصحيحة ، لا يذهبون مذهب الضلال من أذناب السلاطين ، ويقرونهم على جميع ما صنعوا ، ولا يذهبون مذهب الخوارج المسلحة أو القعدية فيخرجون عليهم وينزعون اليد من الطاعة ! .
وقوله : ( فهذه الجماعة ممن أساء فهم هذا الأصل حتى جعلت نصح الحكام خروجاً ) .
أقول : أنت الذي تريد تعليمهم هذا الأصل !! ، ياللعجب ؟! ، هم أعرف منك بهذا لتعلقهم الصادق بكتب أئمة الدين من قبلهم ، ومعرفتهم بأصول اعتقاد أهل السنة والجماعة من مصنفاتهم ، لا من تقريرات المتخلفين الذين أفسدوا أذهان الجهلة الرعاع بتلبيساتهم !! .
من الذي أساء هذا الفهم ، أهم هؤلاء الأشخاص ، أم قادات فرقة الإخوان المفلسين ، حتى إن أحد زعمائهم الذي صنّف لهم مصنفاتٍ هي أقرب إليهم من الصحاح والمسانيد ، يقول : ( إن الخروج على أئمة الجور سنة سلفية !!!!! ) .
وهو أحمد الراشد مؤلف الكتب الحزبية الخارجية التي هي زاد الحزبيين في كلّ مكان حتى في القرى !! وهي : ( الرقائق ) ، ثم: ( العوائق ) ، ثم : ( المنطلق ) ، ثم : (صناعة الحياة ) ، ثم : ( المسار ) .
وقال هذا الكلام في كتابه المذكور آخراً ( المسار !! ) ، فمن الذي فرّط في هذا الأصل حقيقة ؟! .
ومن منهم من جعل نصيحة ولاة الأمر خروجاً ، وأين ذكروا ذلك ، وقد قرر الشيخ محمد أمان الجامي رحمه الله تعالى ، هذا الأصل في أكثر من موطن ، في ضوابط الخروج ، ووجوب نصيحة السلطان بالطريقة الحسنى ، ومن ذلك محاضرته التي يعرفها الحزبيون عامة وفي الرياض خاصة ، حين ألقاها هناك عام (1414هـ)، وحاولوا الاعتداء عليه فيها ، بجامع الشيخ عبدالمحسن العبيكان – حفظه الله - ، وكان عنوانها : " الدين النصيحة " ، شرح فيها حديث أبي رقية تميم الداري رضي الله عنه ، وفيه وجوب النصح لأئمة المسلمين .
ولو سموه خروجا فهم لا يعنون به مطلق النصح لهم ، وإنما يعنون الطريقة الخارجية القعدية ، وهي التشهير بأخطاء الحكام والأمراء أمام الناس ، فإن هذه من طرق الخوارج ، إذ الأصل في نصيحة السلطان وكلّ أحد هو الإخفاء وعدم الجهر بها ، كما قال تعالى : { لا خير في كثير من نجواهم إلاّ من أمر بصدقة أو امر بمعروف أو أصلح بين الناس } ، فالأصل في التناجي وإخفاء الكلام مذموم إلا في هذه الثلاث التي ذكر الله عز وجل ، عدى من ظهر شرّه من سائر الناس فإن التحذير منه يشهر به ، أمّا الإمام خاصة فلا ، لأن المفسدة الحاصلة بالتشهير به كبيرة ، ومخالفتها لسنة النبي صلى الله عليه وسلم ، وطريقة أهل السنة ، إذ إن من منهج أهل السنة في نصيحة ولاة الأمر هو الإخفاء واللين معهم ، كما روى أحمد في " مسنده " ، وابن أبي عاصم في " السنة " ، من حديث عياض بن غنم – رضي الله عنه - قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( من أراد أن ينصح لذي سلطان فلا يبده علانية ولكن ليأخذه بيده فيخلو به ، ولينصحه ، فإن قبل منه ذلك وإلاّ كان قد أدى الذي عليه له )) .
وفي المسند (4/383) : عن سعيد بن جمهان أنه كان يتكلم في السلطان ، فقال عبدالله بن أبي أوفى : ويحك يابن جمهان ، عليك بالسواد الأعظم ، إن كان السلطان يسمع منك فأته في بيته فأخبره بما تعلم ، فإن قبل منك وإلاّ فدعه ، فإنك لست بأعلم منه ) .
وفي الصحيحين : أن أناساً انتقدوا على أسامة بن زيد – رضي الله عنه - ، وقالوا له : ألا تدخل على عثمان وتكلمه ؟! ، فقال : ( أترون أني لا أكلمه إلاّ أسمعكم !! ، والله لقد كلمته فيما بيني وينه مادون أن أفتح أمراً لا أحب أن أكون أول من فتحه ) .
وروي عن عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – قال : ( أيها الرعية : لنا عليكم حقاً النصيحة بالغيب والمعاونة على الخير ) .
وسئل ابن عباس – رضي الله عنهما – عن كيفية نصيحة السلطان ؟ ، فقال : ( إن كنت فاعلاً ولا بدّ ففيما بينك وبينه ) ، ذكرهما ابن رجب في : " جامع العلوم والحكم " .
قال شيخنا المحقق ابن باز – رحمه الله تعالى - : ( ليس من منهج السلف التشهير بعيوب الولاة وذكر ذلك على المنابر ، لأن ذلك يفضي إلى الانقلابات وعدم السمع والطاعة في المعروف ، ويفضي إلى الخروج الذي يضر ولا ينفع ، ولكن الطريقة الصحيحة المتبعة عند السلف : النصيحة فيما بينهم وبين السلطان ، والكتابة إليه ، أو الاتصال بالعلماء الذين يتصلون به حتى يوجه إلى الخير .. ) .
فهذا من منهج أهل السنة في نصيحة السلطان ، وقد خالفه هذا الذي يهرف بما لا يعرف كما سيأتي .
الملاحظة الثالثة : قوله ( وجعلت طاعتهم : أن تعبدهم وذلك بالرضا في تحليل الحرام – كما يرضا عن الولاء للكفار والرضا بمناصرة الكفار على المسلمين ونحو ذلك ) .
أقول : يا ويله ،،، ثم يا ويله ،،، من أين يثبت هذا المفرط جراءةً غداً هذا أمام الله تعالى ، وكيف يجرؤ على تكفيرهم بأنهم أشركوا بالله ( شرك الطاعة !! ) .
وانظر إلى مثاله الذي ضربه على الطاعة الشركية ، من يقصد بهم ؟! ، إذن بهذا الكلام هو يعتبر أن هيئة كبار العلماء في هذه البلاد – طهرها الله – من الفرقة ( الجامية !! ) التي يزعم ، وهذا من كذبه وافتراءه ، وإلاّ فمن الذين أطاعوا أو عبدوا الحكام ، وحللوا ما حرمه الله عز وجل لأجلهم ، وتقرباً لهم !! .
فانظر كيف فضحه الله عز وجلّ ، وأظهر لنا فساد طويته !! ، وموقفه الحاقد من علماء هذه البلاد ، ثم تأمل جراءته كيف جعل فتوى أهل العلم في ذلك من تحليل ما حرم الله !! ، فمن الذي من أولئك المعنيين أجاز مولاة الكفار مطلقاً ؟! ، ومن منهم أجاز مناصرة الكفار على المسلمين ؟! .
وإن كنت تعني بذلك التأييد الأخير لصنيع الدولة الكافرة الجائرة أمريكا ، وضربهم للأفغان ؟! ، فمن من أهل العلم من أيد صنيع أمريكا وظلمهم ؟! ، ثم هبّ أنهم أيدوا : أليس عندهم أدلة ونصوص تحكمهم بحفظ العهود والمواثيق وإن كان في ذلك مضض بالمسلمين إذا قبلوا بالعهد أولاً ، ومثل ذلك تكون من المسائل التي يعذر المخالف فيها بالشبهة على فرض ثبوت الخطأ عليهم في هذه المسألة !! .
وهنا أمر لابدّ من توضيحه ، وهو مزلق يقع فيه منهم أعلم من هذا الذي ( مات قاعداً !! ) ، وهي التحقيق العلمي عند أهل العلم ، في : ضابط الموالاة التي يكفر صاحبها والتي لا يكفر صاحبها ؟! ، وفي كون الشبهة أو الشهوة أو الحاجة التي يتعلل بها الموالي هل تشفع له في دفع الكفر عنه أم لا ؟ ، وفي كون العهد والميثاق هل يقر الاعتداء من أحد الطرفين على المسلم إذا نقضه ، كما حصل من موافقة النبي صلى الله عليه وسلم على تسليم من جاء مسلماً إلى الكفار ، في صلح الحديبية .
كل هذه الأمور تحتاج إلى نظر ثاقب من أهل العلم والتحقيق ، لا إلى حماس دعيّ للعلم متستر .
الملاحظة الرابعة : قوله : ( أمّا الرضا في تحريم الحلال : مثل الرضا عن سجن العلماء وطلبة العلم والمجاهدين حيث حرّموا عليهم نشر العلم الواجب نشره ، وقد قال شيخ الإسلام لما قضي بسجنه : من قال أن ذلك فعل بالشرع فهو كافر بإجماع المسلمين ، الفتاوى 3/254 ، وهذا بلا شك إفراط في هذه القضية ) .
أقول : وهذا من الخلط الكبير ، ومن عادته في جميع كلامه السابق واللاحق أنه يلزمهم بمذهب ومبدأ ثم يعقب ذلك بالحكم الذي لا يخالف غالباً فيه أحد !! .
فعندما ألزمهم بمذهب السوء ، أظهر لهم النتيجة السيئة !! .
ومن ذلك ما هنا ، في جعله مثال رضاهم بتحليل الحلال ( وهذا تكفير أيضاً !! ) ، هو رضاهم بسجن ( العلماء ) و( طلبة العلم ) و ( المجاهدين ) ، وأنهم ( حرموا عليهم نشر العلم الواجب نشره ) ، وهذا الكلام فيه ضلال يكشفه أكثر من وجه :
الأول : من هم العلماء الذين تقصدهم وطلبة العلم والمجاهدون ؟! .
في مصطلحي ومصطلح أهل السنة : أن العلماء هم الوقافون عند نصوص الوحيين ، ويلزمون الجماعة والسمع والطاعة ، من أمثال عبدالعزيز بن باز وابن عثيمين - رحمهم الله - ، ولم يبلغ إلى علمنا بأنهم سجنوا حتى نفرح ونرضى بسجنهم !! .
الثاني : أمّا إن كنت تريد غيرهم من أدعياء العلم الذين : يريدون شق الصفوف ، وتوغير قلوب الشعب على الحكام ، ويشككون في ولاة هذا البلد وعلمائه ، ويدسون بينهم الفساد ، فإن هذا العمل مما يشكرون عليه ، ولهذا فقد أيد شيخنا ابن باز – رحمه الله –
وهيئة كبار العلماء سجن بعضهم ، وقتل البعض الآخر !! ، لأنهم مفسدون في الأرض ، فليكشف تستره وليغمز في علمائنا صدقاً !! .
وسجن أو قتل أمثال هؤلاء الذين يفسدون في الأرض وإن حسن قصدهم قربة ونصر للدين ، لا كفر أيها المسكين !! ، فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول : (( من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد فاضربوا عنقه كائناً من كان )) ، رواه مسلم .
وروى العقيلي : أن رجاء بن حيوة كتب إلى هشام بن عبدالملك : ( بلغني يا أمير المؤمنين أنه دخل عليك شي من قتل غيلان وصالح ، وأقسم لك يا أمير المؤمنين أن قتلهم خير من قتل ألفين من الروم والترك ) .
وهكذا كتب نمير بن أوس إليه وقال : ( يا أمير المؤمنين إن قتل غيلان كان من فتوح الله العظام على هذه الأمة ) .
وقد جاء بمعنى قوله هذا حديث مرفوع إلى النبي – صلى الله علي وسلم - بلفظ : (( إذا مات المبتدع فإنه قد فتح على الإسلام فتح )) رواه الخطيب في تاريخه بإسناده من حديث أنس ، ثم قال : إسناده صحيح ومتنه منكر !! .
الثالث : هب أنهم علماء وطلبة علم ومجاهدون ، من قال من أهل العلم أن الرضا بذلك يعد من الكفر الذي ينقل صاحبه من الملة ؟! ، إن غاية ما في ذلك أن أولئك العلماء الذي رضوا بسجنهم وهم بهذا الوصف وعلى حق ، فإن هؤلاء الراضون : أهل ظلم وجور تبعاً لهذا الحاكم ، ولا يبلغ هذا منهم إلى حدّ الكفر ، وأما كلام بن تيمية الآتي فسوف يظهر عن قريب تلبيس الناقل في فهمه !! .
الرابع : ثم ما هذا العلم الذي يجب عليهم نشره ومنعوا من ذلك ؟! ، هل تريد علم التوحيد والصلاة والصوم والحج والزكاة والآداب العامة والخاصة وسائر علوم الشريعة ، فهاهم أكابر علماء الدنيا يوضحونه للناس عبر الدروس والخطب بل حتى المناهج المدرسية للطلاب والطالبات ، بما في ذلك تحريم موالاة الكفار ومع ذلك لم يسجنوا !! .
أم تريد أخبار عدد البغايا في بريطانيا !! ، وثمن الفول في البرازيل !! ، كما يقول ناصر العمر في الواقع الذي يريده عندما قال في التمثيل على صغر العالم من كتاب : " فقه الواقع " ( صحيفة : 29 ) : ( فإذا وقع حادث ذو بال في أمريكا أثر على أسواق اليابان في اليوم نفسه وارتفاع الأسهم في وول ستريت بلندن يؤثر على قيمة الفول في البرازيل !! ) .
أم تريد بهذا العلم الواجب نشره ، تتبع سقطات الحكام !! ، وأنهم يسلبون كذا !! ، ويغتصبون كذا !! ، ويفعلون في الخارج كذا !! .
فما هي منفعة العباد من هذا الكلام في عاجل أمرهم وأخراه ؟! ، مع أن أصله ثابت عندهم بالسنة بأنه سيكون علينا في آخر الزمان أمراء يستأثرون بالمال أنفسهم ، فلما سئل الصحابة عن طريقة العمل معهم قال لهم : (( أدوا الذي عليكم واسألوا الله حقكم )) .
ألم يقل - أيها المجاهد الذي مات قاعد - : (( حتى تروا كفراً بواحاً عندكم فيه من الله برهان )) .
ألم يقل : (( لا ما أقاموا فيكم الصلاة )) ؟! .
فلماذا يسئ أدعياء العلم الطريقة السنية السلفية الصحيحة في الإنكار عليهم إذن ؟! .
الخامس : استدلاله بكلام ابن تيمية رحمه الله ، وليس له فيه دليل ، وأراد أن يوهم البله بالجزء والصفحة ، فكلام شيخ الإسلام رحمه الله تعالى ، غير ما يريد هذا المسكين المتقاعد !! .
فهاك نصّه أولاً بما قبله ، ثم شاركني أيها القارئ العزيز في مقصود شيخ الإسلام بن تيمية – رحمه الله – فقال : ( فلما ذهبوا بي إلى الحبس حكم بما حكم به وأثبت ما أثبت وأمر في الكتاب السلطاني بما أمر به فهل يقول أحد من اليهود أو النصارى دع المسلمين إن هذا حبس بالشرع فضلا عن أن يقال : شرع محمد بن عبد الله . وهذا مما يعلم الصبيان الصغار بالاضطرار من دين الإسلام أنه مخالف لشرع محمد بن عبد الله . وهذا الحاكم هو وذووه دائما يقولون فعلنا ما فعلنا بشرع محمد بن عبد الله . وهذا الحكم مخالف لشرع الله - الذي أجمع المسلمون عليه - من أكثر من عشرين وجها . ثم النصارى في حبس حسن : يشركون فيه بالله ويتخذون فيه الكنائس فيا ليت حبسنا كان من جنس حبس النصارى ويا ليتنا سوينا بالمشركين وعباد الأوثان بل لأولئك الكرامة ولنا الهوان . فهل يقول من يؤمن بالله واليوم الآخر : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بهذا . وبأي ذنب حبس إخوتي في دين الإسلام غير الكذب والبهتان ومن قال : إن ذلك فعل بالشرع فقد كفر بإجماع المسلمين . وقلت له في ضمن الكلام أنت لو ادعى عليك رجل بعشرة دراهم وأنت حاضر في البلد , غير ممتنع من حضور مجلس الحاكم لم يكن للحاكم أن يحكم عليك في غيبتك هذا في الحقوق فكيف بالعقوبات التي يحرم فيها ذلك بإجماع المسلمين ) ، الفتاوى ( 3 / 248 ) .
أقول : إن هذا الكلام من شيخ الإسلام – رحمه الله تعالى - في من قال أن القيام بسجنه وسجن من معه ممن قال بالحق المعلوم من الدين بالضرورة مباح بغير حق .
مع إكرام الكفار ، والاحتفاء بهم في سجونهم التي هي مقام العقوبة ، ويقول بأن هذا الصنيع من شرع الله عز وجلّ ، فإنه كافر بالله سبحانه وتعالى ، وهذا غير ما استدللت به من أجله .
لكن العلماء عندما استحلوا سجن هؤلاء العلماء وطلاب العلم والمجاهدين كما تزعم ، ما استحلوه و استجازوه إلا لما صدر منهم من مخالفة للطريقة الشرعية في النصح ، وتشكيلهم للخطر على أهل هذه البلاد من ما صدر منهم من أقوال مخالفة للشريعة ، وتأثرهم ببعض الأقوال الشاذة من الفرق المنحرفة ، كما تقدم الإشارة إلى من تكلم عن مقالاتهم سابقاً .
ومن كان من مقاله ما هو أقلّ من ذلك هو الطرد والتعزير ، فكيف بمن جمع بين الخلط في مسائل الاعتقاد ، وتوغير القلوب على الحكام ، وإساءة الطريقة الصحيحة في النصيحة ، والثناء على أهل البدع ، والطعن في العلم والعلماء !!!! .
ولهذا لم يكفّر شيخ الإسلام بن تيمية – رحمه الله – خصومه عندما سجن بتأييد منهم في مسائل تخفى فيها الحجة من مسائل الاعتقاد ، ومسائل الفروع التي يسوغ فيها الاجتهاد كمسألة الطلاق بالثلاث ، فقد امتحن فيها وسجن أكثر من مرّة ، ولم ينقل عنه أنه كفرهم ، أو عدّ هذا التأييد منهم كفرا ينقل عن الملة .
فكأن هذا الوزير الذي مات قاعداً ، يدور حول إثبات استحلال الحرام لهؤلاء ( الجامية !! ) ، ويلحق بهم ( كبار العلماء !! ) كي يلزم الغير بتكفيرهم لاستحلالهم ما حرّم بالإجماع عندهم !! .
فيقال دونك ودون ذلك مقدمتان : الأولى : إثبات أن هذا الأمر حرام بالإجماع !! ، والثانية : إثبات صدور الاستحلال المعتبر عند أهل العلم منهم !! ، ثم تحظى بالنتيجة وهي : تكفيرهم !! .
وكون أن سجنهم قد تبيّن حلّه ، ونقضت حرمته المزعومة أنها بالإجماع !! ، فبذلك تبطل المقدمة الأولى .
وعلى هذا فلا ورود للمؤاخذة بالاستحلال لما هو حلال أصلاً .
ويبطل بذلك كلّه النتيجة المستخرجة وهي : تكفير من استحلّ ذلك .
ثم ليعلم أن هؤلاء القوم من أكثر الناس خلطاً في ضابط الاستحلال المعتبر عند أهل العلم ، كما هو ثابت عن قاداتهم الذين نصبوا عليهم ركائز الولاء والبراء ، ومن ذلك : وما قاله سلمان العودة في تكفيره لمرتكب الكبيرة المجاهر بها بدعوى أن هذا من الاستحلال ، فقال في شريط ( جلسة على الرصيف ) محاضرة بتاريخ 8/5/1411هـ الوجه ( أ ) (1) (http://www.al-afak.com/vb/#_ftn5): ( ... وبعضهم بتعدى به المجاهرة إلى أن يسجل المعصية على شريط ربما سجل بعضهم كما فعل بعض المغنيين ولا كرامة لهم : لأنهم مرتدون بفعلهم هذا !! أن يسجل أغنية كيف أنه غرر بفتاة وجرّها إلى المنزل وارتكب معها الفاحشة ، ويذكر كيف وكيف و كيف ويذكر تفاصيل كثيرة ويجعل هذا في شريط يسمع عند بعض السفهاء وبعض الفساق ، وهذه ردّة عن الإسلام !! ، وهذا مخلد والعياذ بالله في نار جهنم إلاّ أن يتوب لماذا لأنه لا يؤمن بقول الله عز وجلّ : { ولا تقربوا الزنى } ، الآية ) .
فانظر إلى ضابط الاستحلال عنده في قوله : ( لأنهم مرتدون بفعلهم هذا ) .
وقال في شريط : ( الشباب أسئلة ومشكلات ) في كلامه عن المغنيين الذين يتبجحون بالرذيلة : ( أنا مطمئن أن صاحب هذا العمل أقل ما يقال عنه أنه مستخف بالمعصية !! ، ولا شك أن الاستخفاف بالذنب ـ خاصة إذا كان ذنباً كبيراً ومتفق على تحريمه ــ أنه كفر بالله ، فمثل هؤلاء لا شك أن عملهم هذا ردة عن الإسلام أقول هذا وأنا مرتاح مطمئن القلب إلى ذلك ) .
وهذا الكلام أصرح من سابقه .
وكذلك سفر الحوالي ، قال في شرحه للعقيدة الطحاوية (272/2) وهو ينقد منشوراً لأحد الفنادق في أحد دول الخليج : ( في هذا الفندق ــ بكل صراحة ــ فيه مشروبات ، أي أنه يقدم الخمور بالإضافة إلى ما فيه ... فهذه دعوة صريحة إلى الخمر ، وأنه رقص مختلط وتعري ، مع شرب الخمر ، نعوذ بالله من هذا الكفر ) .
أقول : وأي كفر في هذا كلّه ؟! .
وكذلك ناصر العمر ، قال في شريط ( التوحيد أولاً ؟! ) : ( تصور أن المنكرات الموجودة في مجتمعنا مجرد معاصي !! ، كثير من الناس يتصور الآن أن الربا مجرد معصية أو كبيرة !! ، والمخدرات والمسكرات مجرد معصية ، والرشوة مجرد معصية أو كبيرة من الكبائر ، لا يا إخوان !! ، تتبعت هذا الأمر !! ، فوضح لي الآن أن كثيراً من الناس في مجتمعنا استحلوا الربا ــ والعياذ بالله ــ أتعلمون الآن في بنوك الربا في بلادنا زادوا عن مليوني شخص !! ، بالله عليكم هل كل هؤلاء الملايين يعرفون أن الربا حرام ولكنهم ارتكبوها وهي معصية !! ، لا والله !! ، إذن من الخطورة الموجودة الآن بسبب كثرة المعاصي أن الكثير قد استحلوا هذه الكبائر ــ والعياذ بالله ــ ) .
أقول : وهي في معرفة الملايين بأن الربا حرام واقترافهم له الدليل الواضح عند أهل العلم على كفر آكلي الربا ؟!! .
إذن : فليكفّر كل مقترف لكل محرمٍ معلوم من الدين بالضرورة ، كشرب الخمر ، والزنا ، واللواط ، وقتل النفس ، وهذه كلّها وغيرها
يقترفها ( الملايين !! ) من الناس ، وهم يعلمون بحرمتها !! .
******
الوقفة التاسعة :
قوله : ( أما التفريط في ذلك ، فهو كما يراه بعض الإخوة هداهم الله حيث ظنوا أن سب الحكام مطلقاً والتوسع في تكفيرهم وحث الجماعات على ذلك هو الحق ، وهو المنهج المطلوب ، وهذا لا شك أنه ضلال عن جادة الصواب ) .
أقول : عجباً لهذا التأدب مع الطرف الآخر من ( الضلال ) ، ووصفهم لأهله بـ ( الأخوة !! ) ، بينما حصل أو كاد أن يحصل أن يكفّر الطرف الأول !! ، فأين العدل الذي أمر الله تعالى به ؟! ، قال تعالى : { يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط ولا يجرمنكم شنئان قوم على ألاّ تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون } ، وقال تعالى : { إن الله يأمركم أن تؤدوا الأماناتِ إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعمّا يعظكم به إن الله كان سميعاً بصيراً } .
ويقال أيضاً : سميّت أولئك شزراً وذماً بالفرقة ( الجامية !! ) ، فماذا يا هل ترى سوف تسمي تلك الفرقة التي تكفّر الحكام ، وتهييج قلوب الناس ضدّها !! .
ما الذي أباح لك أن تجعل أحد الطرفين حزب ( ممقوت ) ، والطرف الآخر في الضلال ( بتصريحك ) لا حزب لهم ، ولا قائد ، ولا إسم يرمز لهم ؟؟!! .
بينما هم في الحقيقة ليسوا ( ببعضية ) قليلة ، وإنما هو فكر سائد منتشر بين الشباب التائه ، حتى صارت السمة البارزة للشباب الملتزم بالسنة ظاهراً عند الناس هي : ( المجابهة للحكام !! ) ، بينما كان طلاّب العلم لهم التقدير والاحترام منهم .
حتى تغذوا من أفكارهم ، بأن لا دولة للإسلام موجودة هذا اليوم !! ، وطرح الأمنيات لقيام دولة الإسلام !! ، وإطلاق العبارات العامة لتكفير الحكومات والحكام !! .
وحتى لا يكون الكلام مجرداً عن الإثبات أنقل بعض ما يبرهن ذلك من مقال أئمتهم :
فخذ ما قاله سلمان العودة عندما سئل في شريط ( لماذا يخافون من الإسلام ) بسؤال نصّه : ( لا يخفى عليكم نظام الحكم في ليبيا وما فيها من محاربة للإسلام والمسلمين فما هو واجب المسلمين هناك ؟ أو يفرون بدينهم ؟! ) فقال سلمان العودة مجيباً : ( هذا في كل بلد !! ) .
ولم يستثن أي دولة من هذا العموم حتى المملكة العربية السعودية من هذا الحكم الجائر .
وقال في شريط ( يا لجراحات المسلمين ) : ( الرايات المرفوعة اليوم في طول العالم الإسلامي وعرضه إنما هي رايات علمانية !! ) .
أقول : وهل يستطيع معتذر أن يخرج دولتنا من طول العالم الإسلامي وعرضه ؟! .
وقال في شريط ( الأمة الغائبة ) بتاريخ 23/11/1412هـ : ( فالشعوب الإسلامية تعيش في واد وحكامها يعيشون في واد آخر ، لأنهم لا يعبرون عن حقيقة مشاعرها التي في قلبها ولا يمثلون حقيقة الدين الذي ينتسب إليه ، وهذا لاشك يجعل أنهم في حالة ضعفهم يستسلمون ) ، وقال فيه : ( أما في واقعنا اليوم فالمؤسف أن الأمثلة التي تتجه إليها الأنظار غالباً هي أمثلة غير إسلامية !! ) .
أقول : ولا تجد دولة على وجه الأرض مضرب لدولة الإسلام وتتجه إليها الأنظار وتضرب بها الأمثال غير دولتنا !! .
ومما قال سفر الحوالي : ما قاله في شريط اللقاء الأسبوعي لأسئلة الطحاوية (266/2) الوجه 2 : ( فشوقنا كبير أن تكون أفغانستان النواة واللبنة الأولى للدولة الإسلامية وما ذلك على الله بعزيز .) .
فما مراده بقوله : ( النواة واللبنة الأولى ) ، التي لا قبلها شي ؟! .
وليتجول هذا ( الوزير ) في المنتديات وليطلّع أيهم أكثر نفوذا ، وتلبيساً على الناس أليس هم أولئك الذين تبنوا منهج التكفير ديناً لهم ضد الحكام والعلماء !! .
فهلاّ تكرم هذا الوزير بإتحافنا بلقبٍ لهم حتى نميزهم به عن غيرهم !! ، ثم هاهو الوزير ( المتقاعد ) بل ( القاعد للتشكيك ) ، يقع فيما وقع فيه المشككون من قبله فيقول في توقيعه الذي يذيّل به كل مشاركاته على هذا الموقع : ( أشهد الله على حب المجاهد أسامة بن لادن وعلى بغض الأمريكان وآل سعود وفقهاء السلاطين ) ، فماذا يبقى أكثر من هذا الانحراف في مقارنته لبغض لكفار ببغض حكام هذه البلاد وعلمائها !! .
******
الوقفة العاشرة :
قوله : ( و أما الذي أراه في ذلك ، هو ما يلي : أولاً : طاعة ولاة الأمر – المسلمين – بالمعروف ، ثانياً : عدم الخروج عليهم إن كانوا مقيمين لشرع الله ، أو كان في القيام والخروج عليهم مفسدة غالبة ، مناصحتهم سرّا في المنكرات العامة ) .
أقول : وهذا الكلام هو عين الصواب ومنهج أهل السنة ، ولكن سرعان ما تختلف أفكاره قريباً.
ثم قال : ( وأمام جميع الناس وذلك في حالات !! : أ- إذا نوصحوا سراً ولم يستجيبوا ، ب – إذا كان المنكر المطلوب إزالته من المنكرات العظيمة التي لا تتحمل السكوت !! ، كأن يكون هذا المنكر مما يمس أصل العقيدة ، أو كان من المنكرات التي تعجل العقوبة فيها كمحاربة الله بالربا ونحو ذلك ، ت – إذا علم أن هؤلاء الحكام على معرفة بحكم هذا المنكر !! ، ث – إذا خشي من السكوت أن يظن العامة إن هذا المنكر المسكوت عنه ليس منكراً – وما أكثر ذلك !!! ) .
أقول : بدأ التخليط هنا !! ، وبدأت حمى التعالم تعتري هذا المتكلم !! ، وخلط بين الإنكار على السلطان و إنكار المنكر عامة عامة ، ومهما يكن من شي فإن نصيحة السلطان لابدّ أن تكون على وجه الإسرار لا الإعلان ، كما تقدم نقل أدلة ذلك قريباً ، ولا يجوز مخالفة سنة النبي صلى الله عليه وسلم وطريقة السلف في ذلك .
وما نقل عن بعض السلف الإنكار العلني على السلطان ، فذلك إنما كان بمحضر السلطان ، وهذا هو الذي أثنى عليه النبي صلى اله عليه وسلم من قوله : (( أفضل الجهاد كلمة حق عند إمام جائر )) ، رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجة .
وما حصل من بعضهم بخلاف ذلك ، فإن سنة النبي صلى الله عليه وسلم مقدمة على فعل كلّ أحد .

وقوله : ( أ – إذا نوصوحوا سرا ولم يستجيبوا ) ، يردّ ذلك صنيع الصحابي الجليل أسامة بن زيد – رضي الله عنه كما تقدم ، عندما انتقدوا عليه ، وقالوا له : ألا تدخل على عثمان وتكلمه ؟! ، فقال : ( أترون أني لا أكلمه إلاّ أسمعكم !! ، والله لقد كلمته فيما
بيني وينه مادون أن أفتح أمراً لا أحب أن أكون أول من فتحه ) .
وقوله : ( ب - إذا كان المنكر المطلوب إزالته من المنكرات العظيمة التي لا تتحمل السكوت !! ، كأن يكون هذا المنكر مما يمس أصل العقيدة ، أو كان من المنكرات التي تعجل العقوبة فيها كمحاربة الله بالربا ونحو ذلك ) .
أقول : المنكر منكر دائماً لا يجوز السكوت عنه بحال ، وكما تقدم أنه خلط بين نصيحة السلطان وإنكار المنكرات العامة ، فهذا
الكلام يثبته ، ويقال ومن الذي منعك بأن تتكلم في الربا ، وحرمته ، وأدلة تحريمه ، وعدم جواز التعامل به ، ومقاطعة البنوك التي تتعاطاه ، ومنع أي معاملة ربوية !! .
فهذا كلّه مما لم يعلم بأن داعية أوقف من أجل الكلام فيه ، بلّ كتب الدراسة ( الحكومية ) تدرّس الطلاب تحريم هذه الجريمة في الفقه والتفسير والحديث .
أما إن كنت تريد بذلك هو أقرارهم بوجود البنوك الربوية ، فهذه الجريمة هي جريمتهم هم خاصة ، فالنصيحة تكون لهم خاصة بالوعظ والنكير بمنع هذه البنوك والمعاملات الربوية ، وليس هناك مصلحة بأن تشهر النصيحة أمام الناس ويقال : ( كيف تقرّ الدولة كذا وكذا ؟! ) ، فهذا السؤال لا يسئل عنه أحد غيرهم ، فما فائدة أن يطرح شرقاً وغرباً على المنابر وفي الأشرطة ، وتلتهب قلوب من لا شأن له بذلك ، فيحمل الغل والحقد على حكام هذه الدولة !! ، فلا ظهر أبقى ولا أرض قطع ، فلم ينصح بالطريقة الصحيحة ويزيل المنكر أو يخفف من ظهوره ، كما لم يسلم منه تحمل الناس الإثم بسببه في حملهم الضغائن على السلطان ، وتوغير قلوبهم تجاهه .
وقوله : ( ت – إذا علم أن هؤلاء الحكام على معرفة بحكم هذا المنكر !! ) .
أقول : وهذا من تجاسرات تعالمه ، وهل هو أحرص على أمة محمد صلى الله عليه وسلم منه وهو الرؤوف الرحيم بنا ، عندما أطلق وجوب الأمر بنصيحتهم خفية ولم يقيد بكونه يعلم أو لا يعلم الحكم الشرعي فيه ؟! .
ثم إن المفسدة التي تورثها النصيحة العلنية لا ترتفع في كلا الحالتين ، سواء جهر بنصيحته وهو يعلم الحكم أو لا يعلمه ، فما فائدة تقييده بكونه يعلم حكم ذلك المنكر ؟! .
ثم لم يعرف ممن هم على شاكلة هذا ( الفاضح تحت ستار الناصح ) من ناصح السلطان بالطريقة الشرعية ، بل ربما كان قصارى جهدهم أن يكتبون رسالة باسمه ، ثم يوزعونها على الجهال ، حتى يقال : هاهم قد قرأوها ، ولم يرجعوا عن المنكرات التي وقعوا فيها ، كما حصل في " مذكرة النصيحة " التي أخرجوها قبل أعوام !! .
ثم يقال لهذا المتكلم ( المنفرد بالتحقيق ) هلا تكرمتم بتصديق كلامكم بشيٍ من القران أو السنة أو مقالات السلف وأئمة الدين ، ولو من المتأخرين تؤيد تقسيماتكم وقيودكم تلك ؟! .
رحم الله الإمام أحمد عندما قال : ( لا تتكلم في مسألة إلاّ ولك فيها إمام ) .
وقوله : ( ث – إذا خشي من السكوت أن يظن العامة إن هذا المنكر المسكوت عنه ليس منكراً – وما أكثر ذلك !!! ) .
يقال كما تقدم : ومن قال لك أسكت عن المنكر ، تكلم ، وحذّر من البنوك الربوية ، ومن الزنا ، ومن مولاة الكفار ، ومن مناصرتهم ، ومن كلّ منكرٍ ثبتت نكارته بالدليل الشرعي ، فوالله لن تجد لك مانعاً من حكام هذه البلاد ، كيف يكون لك المنع ، وعامة ما
تدندون حوله من المنكرات ، يتعلمه الصبيان في المدارس ، من تحريم موالاة الكفار ومناصرتهم ، ونبذ الفرق الضالة ، وتحريم الزنا ، والربا ، والسرقة ، وقتل النفس ، وشرب الخمر ، فلا نخشى بهذه الطريقة أن يظن الناس أن هذا المنكر ليس بمنكر .
ولكن هذا المتكلم – المسكين – ظن أن الكلام الذي يتحرر به من سكوته ، وهذا النصح الذي يبين للناس نكارة المنكر ، هو أن يصيح صائحهم على المنبر ، ويسب ، ويشتم ، ويعيّر ، ويغمز ، ويلمز ، في تساهل حكام هذه البلاد ، وتهاونهم في إزالته ، وهذه كلّها من
مخالفة السنة ، ومعتقد أهل السنة ، كما تقدم إيضاحه .
وإلاّ فدونك العلماء والدعاة المصلحين ، يتكلمون في كل حين وآن في هذه المحرمات ، ويؤذن بطباعة الكتب في بيان ذلك ، ولم يثبت أنهم منعوا شيئاً من ذلك لأصل الموضوع ، وربما منعوا بعض ذلك لا لأصل الموضوع ولكن لإساءة طرحه ، والخروج عن الحكمة في بيان الحق ، وحسن المخاطبة .

******
الوقفة الحادية عشر : قوله : ( البروتوكول الثاني : عدم التفريق بين الطائفة المنصورة والفرقة الناجية ، وعندهم أن من فرّق بينها فهو ضال مبتدع خارج عن دائرة أهل السنة ، وللرد على هذا الأمر لابدّ من مقدمتين : المقدمة الأولى / هل ما قالوه بكون الناجية والمنصورة طائفة واحدة حق أم أن هذا الأمر غير مسلم لهم فيه ؟؟؟!!! ، المقدمة الثانية : لو كان الأمر على ما قالوه ، هل يبدع كل من يفرّق بينها حتى لو استند بذلك على أدلة نقلية وعقلية صحيحة ؟؟؟!!!
أما المقدمة الأولى : فأنا والله لا أوافقهم عليه ، وذلك أن حمل الفرقة الناجية على الطائفة المنصورة غريب ، فإن النصوص لا تذكر تلازماً بينهما إلاّ من جهة كون هذه ناجية والأخرى منصورة ، واجتماعها في النجاة والنصرة لا يعني اتحادهما من كلّ وجه ، فإن الناجية ما قابلت الخارجة عن سبيل المؤمنين ، ويندرج به عامة المسلمين الذين لم يخرجوا عن الكتاب والسنة والإجماع ، وأما الطائفة المنصورة فاتفقت الأحاديث على تسميتها بالطائفة ، والمعنى في الطائفة أخص من الفرقة ، والدليل على ذلك قوله تعالى : { فلولا نفر من كل فرقة طائفة ليتفقهوا في الدين } ، ولا أريد الإطالة في هذه المسألة ، ومن أحب البسط في هذه المسألة فلا مانع .
وأما المقدمة الثانية : فنقول : حتى لو سلمنا بكونها فرقة وطائفة واحدة ، فلا يعني هذا تبديع من فرّق بينهما ، وذلك أن التفريق لم يكن عن هوى عند المفرق ، بل عن اجتهاد ، وأما من زعم أن التفريق يعني إدخال الفرق المبتدعة في الفرقة الناجية ، فهذا لم يقله أحد – فيما أعلم – ولن يقوله أحد من علماء السنة ، وإنما هي ظنون فاسدة ، واتهامات باطلة من هذه الجماعة المشؤومة !!! ) .
أقول : مسألة التفريق بين الفرقة الناجية والطائفة المنصورة ، هي مما أحدثه سلمان العودة وحمل لوائها ، وله في ذلك موافق ممن هم على شاكلته ، وأسهل ما تنقض به هذه المقولة أن يقال له ولسلمان العودة : لك من السنين ما تشاء وتختار ، حتى تنقل عن واحدٍ من أهل العلم قبلك فرّق بين الفرقة الناجية والطائفة المنصورة ؟!! ، وبينه وبين تحقيق هذه الدعوى الجمع بين أحدٍ ورضوى !! .
وقد أفرد الشيخ العلامة ناصر السنة وقامع البدعة الشيخ ربيع بن هادي المدخلي كتاباً سماه بـ " أهل الحديث هم الطائفة المنصورة والفرقة الناجية حوار مع سلمان العودة " ، ردّ به على سلمان العودة ، وأوضح النصوص الشرعية ، والدلائل اللغوية ، والنقولات الأثرية ، على تحقيق عدم التفريق بين الفرقة الناجية والطائفة المنصورة ، وأن هذا هو نص كلام أهل العلم وفقههم ، ومما أنقله بسماعي عن شيخنا ابن باز رحمه الله تعالى ، لا مرة ، ولا مرتين ، ولا عشر ، وأقسم بالله على ذلك ، أنه كان يقول : ( الطائفة المنصورة هم الفرقة الناجية ، والفرقة الناجية هم الطائفة المنصورة ، واحد واحد ، كلهم واحد ، وهم أهل الحديث ، وهم أهل السنة والجماعة ) .
ولو أن سلمان العودة ، رأى هذا الرأي اجتهادا منه ، ولم ينسبه لأحدٍ من أهل العلم ، لما اعترض عليه أحد إلا بما يزيل الشبهة عنه
ولا يوجب النفرة ، ولكنه أفسده بمفسدين ، وهما :
الأول : نسبته هذا القول إلى بعض أهل العلم ، كابن تيمية والنووي وغيرهم ، وهم لم يقولوا بهذا بل نصّوا على خلاف زعمه كما هو ثابت عنهم ، في أشهر كتبهم ، ولو كان صادقاً هو وأنصاره قليوضحوا لنا أين ذكروا ذلك ؟! .
الثاني : أنه قصد بذلك إدخال بعض ( الفرق ) التي يسمونها في الساحة بـ ( الجماعات !! ) في دائرة الفرقة الناجية ، وإن حصل عندهم بعض البدع ومخالفة السنة !! ، وهذا قصد دسيس ، بيّن الشيخ ربيع في كتابه الآنف الذكر بطلانه ، وعليه أحيل - وهو ملئ - في كلّ هذه المسألة ، ولكن أكتفي هنا بالإشارات .
وأما قوله : ( وعندهم أن من فرّق بينها فهو ضال مبتدع خارج عن دائرة أهل السنة ) .
أقول : وهذا من الكذب ، فمن من هؤلاء الذين تذمّ من بدّع وضلل من فرق بين الطائفة المنصورة والفرقة الناجية بمجرد التفريق ، أما إذا قارن هذا التفريق مقاصد مضللة ، فهو يستحق التبديع لا بمجرد التفريق وإنما لما قارنه من قصد فاسد .
وأما قوله : ( أما المقدمة الأولى : فأنا والله لا أوافقهم عليه ، وذلك أن حمل الفرقة الناجية على الطائفة المنصورة غريب ، فإن النصوص لا تذكر تلازماً بينهما إلاّ من جهة كون هذه ناجية والأخرى منصورة ، واجتماعها في النجاة والنصرة لا يعني اتحادهما من كلّ وجه ، فإن الناجية ما قابلت الخارجة عن سبيل المؤمنين ، ويندرج به عامة المسلمين الذين لم يخرجوا عن الكتاب والسنة والإجماع ، وأما الطائفة المنصورة فاتفقت الأحاديث على تسميتها بالطائفة ، والمعنى في الطائفة أخص من الفرقة ، والدليل على ذلك قوله تعالى : : { فلولا نفر من كل فرقة طائفة ليتفقهوا في الدين } ، ولا أريد الإطالة في هذه المسألة ، ومن أحب البسط في هذه المسألة فلا مانع ) .
فأقول : وهذا كلام في عدة ملاحظات :
الأولى : قوله : ( وذلك أن حمل الفرقة الناجية على الطائفة المنصورة غريب !! ) ، فيقال له : فأي من القولين أحق بالغرابة ؟! فريق أكّد قوله بالأدلة النقلية والآثار السلفية ، وعبارات العلماء من قديم الزمان وحديثه ، أم فريق لم يعرف له في ذلك سلف ولا متابع من أهل العلم والسنة ، بل ولا من أهل البدعة والضلالة ممن لهم دراية ببعض علوم الشريعة ، ومحبة للعدل .
الثانية : قوله : ( فإن النصوص لا تذكر تلازماً بينهما إلاّ من جهة كون هذه ناجية والأخرى منصورة ، واجتماعها في النجاة والنصرة لا يعني اتحادهما من كلّ وجه !! ) .
وأقول : أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن فرقة واحدة بأنها ناجية ، ثم أخبر عن طائفة واحدة بأنها منصورة ، فكيف النجاة لفرقة مخذولة ، كما كيف لا تنصر طائفة ناجية من سبل الضلال ، والله وعد بالنصر لهم كما قال تعالى : { إنّا للنصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد } ، وقال تعالى : { يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم } ، فالنصرة جاءتها من الله ، والله لا يمد بالنصر إلاّ أولياءه ، وهم الناجون من الضلالة في الدنيا .
وتعدد الأسماء للمسمى الواحد الواحد ، لا يعني تعدد المسميات ، ولكن مما لا بدّ منه أن كل اسم يدل على صفة معيّنه ، كما أن اتفاق المسميات في اسم واحد لا يعني تماثلها في الحقيقة ، وإنما لوجود وصف مشترك في جميعها خرج به هذا الاسم والوصف ، وهذا كلام ظاهر التقرير شرعاً ولغة :
فمن الأسماء المتعددة لمسمى واحد : أسماء الله تعالى ، وكلها لله عز وجل ، كما قال الله تعالى : { ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها } ، وقال : { قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيّاّ مّا تدعوا فله الأسماء الحسنى } ، فكل اسم من أسماء الله تعالى يدل على صفة مغايرة لكامل معنى الاسم الآخر أو بعضه .
وكذلك أسماء يوم القيامة ، فسماها الله تعالى : الطامة ، والصاخة ، والواقعة ، والأزفة ، واليوم الآخر ، الحاقة ، وغير ذلك ، وكلها أسماء متغيرة في المعنى ، متفقة في المسمى ، لكل اسم منها معنى يوصف به اليوم الآخر من أحد جوانبه .
وفي اللغة : السيف ، وأسماؤه ، وهن مسميات لمسمى واحد ، كل اسم دلّ على صفة معينة من صفاته .
ومن اتفاق المسميات المختلفة في اسم واحد : الأمة ، فقد جاء لفظ الـ ( أمة ) في القران بمعنى ( الطائفة من الناس ) ، كما قال الله تعالى : { ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون } ، وجاءت أيضاً في القران بمعنى ( الطريقة والشريعة ) ، كما قال تعالى : { وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلاّ قال مترفوها إنّا وجدنا آباءنا على أمة و إنّا على آثارهم مقتدون } ، وجاءت في القران بمعنى ( القدوة والإمام ) ، كما قال تعالى : { إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفاً ولم يكن من المشركين } ، وجاءت في القران بمعنى ( المدّة والفترة الزمنية ) ، كما قال تعالى : { وقال الذي نجا منهما وادّكر بعد أمة أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون } ، وفي القران مثلها كثير من الأشباه والنظائر .
وفي اللغة أكثر : مثل العين ، يراد به أكثر من معنى ، كالذهب ، والعين الباصرة ، وعين الماء ، وغيرها .
وعلى هذا ، فاختلاف الطائفة المنصورة ، والفرقة الناجية في الأسماء لا يعني ولا يلزم اختلاف المسميات كما تقدم مثاله قريباً ، وسبب الاختلاف هنا إن كلاً من الاسمين ينفرد بمعنى يخصّه من دون الثاني ، كما قال شيخنا ابن باز - رحمه الله - تعالى بسماعي منه : ( سميت الناجية لأنها تنجو من الضلالة في الدنيا ومن عذاب الله في الآخرة ، وسميت المنصورة لانتصارها على غيرهم ) .
وإلاّ يلزم من ذلك تعدد الفرق الموعود لها بالبشائر النبوية ، فسماهم النبي صلى الله عليه وسلم با : ( الجماعة ) ، و ( السواد الأعظم ) ، ( الفرقة الناجية ) ، و ( الطائفة المنصورة ) ، و ( أتباعه ) ، و ( الغرباء ) ، وسموهم أهل السنة بـ ( أهل الحديث ) و ( أهل الأثر ) ، و ( أهل السنة ) ، و ( أتباع السلف ) ، و ( أهل السنة والجماعة ) .
وكل اسم من هذه الأسماء مغاير في المعنى للاسم الآخر ، فهل هذا يعني التفريق بينها ؟؟!! .
الثالثة : قوله : (، فإن الناجية ما قابلت الخارجة عن سبيل المؤمنين ، ويندرج به عامة المسلمين الذين لم يخرجوا عن الكتاب والسنة والإجماع ، وأما الطائفة المنصورة فاتفقت الأحاديث على تسميتها بالطائفة ، والمعنى في الطائفة أخص من الفرقة ) .
أقول : فسّر معنى كونها ناجية بتفسير أهل السنة ، ولكن ما باله عجز عن تفسير المنصورة ؟! .
فهل هذه المنصورة ممن لم تخرج عن الكتاب والسنة والإجماع فتوافق الناجية في المسمى ؟ ، أم هي خارجة عن الكتاب والسنة
والإجماع ، فكيف تكون نصرتها بشارة لنا عند ذلك ؟؟!! .
الرابعة : قوله : ( والمعنى في الطائفة أخص من الفرقة ، والدليل على ذلك قوله تعالى : { فلولا نفر من كل فرقة طائفة ليتفقهوا في الدين } ) .
أقول : ولكن هذا غير صحيح ، فإطلاق الفرقة أبلغ ، لأنها تطلق لغة عندما يكون بمقابلة مفارقٍ لها في المحلّ أو المعنى ، وهي موجودة هنا ، لقوله : : { من كل فرقة } ، أما الطائفة ، فهي الجزء من الجماعة أو الأمة أو القوم أو حتى الفرقة ، ولو فسرت الآية بأن قال قائل : أمر الله تعالى أن يخرج من كل جماعة طائفة ، أو من كلّ قوم طائفة ، هل يكون هذا التفسير خطئاً ؟! ، هذا محال .
ولهذا فإن في اللغة تطلق الطائفة بمعنى مرادف للفرقة ، قال في " القاموس " في مادة : [ فرق ] ، : ( والفرقة : بالكسر ، السقاء ، الممتلئ ... والطائفة من الناس ) .
فالطائفة ، والأمة ، والجماعة ، والعصابة ، من الألفاظ المترادفة التي يصح أن تحل كل واحدة منها محلّ الأخرى .
وراجع للفائدة كتاب الشيخ ربيع السابق فهو شامل لجوانب هذه المسألة .
الخامسة : قوله : ( وأما من زعم أن التفريق يعني إدخال الفرق المبتدعة في الفرقة الناجية ، فهذا لم يقله أحد – فيما أعلم – ولن يقوله أحد من علماء السنة ، وإنما هي ظنون فاسدة ، واتهامات باطلة من هذه الجماعة المشؤومة !!! ) .
أقول : الحمد لله أنه قيّد ذلك فيما يعلم ، ونحن لا نعلم مقدار ما يعلم !! ، ولكن كي نوقفه على حقيقة الأمر ، ليقرأ هذا الكلام من سلمان العودة ، كيف ، وسّع دائرة الفرقة الناجية ، حتى يضم بداخلها ، الكثير من الفرق المنحرفة التي يسمونها بـ ( الجماعات !! ) كفرقة التبليغ والإخوان ، وهما الطائفتان التي بنى سلمان العودة تفريقه هذا من أجل تقريبهم إلى الفرقة الناجية والطائفة المنصورة ، فقال سلمان العودة ذاكراً محاسن بعض تلك الفرق : ( وفي مقابل ذلك يوجد عند كثير من طوائف المسلمين المقصرة أو الواقعة في بعض الانحرافات العقدية والسلوكية جوانب مفيدة - وإن لم تكن متكاملة – لا توجد لدى أولئك القوم ، فحصر الفرقة الناجية فيهم يفهم منه أن تلك الفضائل والصفات ليست من خصائص الفرقة الناجية ، بل من خصائص المنحرفين ، وبهذا تقع فيما وقع فيه أهل الكتاب الذين كان من أسباب اختلافهم أنهم نسوا حظا مما ذكروا به كما قال تعالى : { ومن الذين قالوا إنّا نصارى أخذنا ميثاقهم فنسوا حظاً مما ذكّروا به فأغرينا بينهم العدواة والبغضاء إلى يوم القيامة } (1) (http://www.al-afak.com/vb/#_ftn6) ) .
أقول : ولست بصدد نقد كلام سلمان ، ولكن تأمل في تعبيره بــ ( المقصرة ) ، و ( الواقعة في بعض الانحرافات العقدية ) ، وتهوينه للعبارة معهم لكي يروق ضمهم إلى الفرقة الناجية عند البسطاء ، وأنظر إلى غمزه في أهل الحديث في قوله : ( لا توجد في أولئك القوم !! ) ، وتشبيهه لهم بأهل الكتاب في الحال لا في الحكم !! .

وعرّض سلمان العودة بفرقة التبليغ ، وأنها فاقت على أهل السنة في بعض مواصفاتها في السلوك والعبادة !! ، وقال : ( ومن أمثلة ذلك أن الجوانب العبادية والسلوكية قد ترتبط أحياناً في أذهان كثير من الناس بالاتجاهات الصوفية أو المتأثرة بالصوفية ، فتصبح العناية
بها والاحتفال بشأنها والحديث عنها غريباً غير مألوف في بعض البيئات والتجمعات الأثرية المخالفة للتصوف (2) (http://www.al-afak.com/vb/#_ftn7) ) .
أقول : تأمل ، من المراد بتلك الفرقة ، وتأمل تعريضه بالمتصوفة أهل الاحتفالات بالموالد والليالي المبتدعة ، في قوله : ( والاحتفال بشأنها !! ) ، وتأمل كيف جعل هذا من قبيل مخالفة المألوف لا إنكاراً للمنكر في مجتمعنا الذي وصفه بقوله : ( في بعض البيئات والتجمعات الأثرية !! ) .
وقال معرّضاً بفرقة الإخوان المسلمين ، وأنها فاقت أهل السنة في العناية بالجوانب السياسية وحرب الطغاة !! : ( ومثل ذلك العناية بالجوانب السياسية والتركيز عليها والحرص على معرفة كيفية سير الأحداث ، وارتباط بعضها ببعض ، وكشف العيب طواغيت الدنيا ضد الشعوب ، وخاصة الشعوب المسلمة ، والحديث عن الحكم بغير ما أنزل الله ، وموالاة أعداء الله ، كل هذا قد يرتبط في أذهان كثير من الناس ببعض التجمعات التي لا يعرف عنها العناية بالسنة والاهتمام بتصحيح العقيدة ، ومن ثمّ يصبح الحديث عنها غير مألوف ولا مقبول عند من يهتمون بالسنة والعقيدة لأنه صار شعاراً لأولئك وخاصية من خصائصهم ) (2) (http://www.al-afak.com/vb/#_ftn8) .
أقول : وتأمل أيضاً ، كيف يعترف بأن هذه الأعمال صدرت من فرقة : ( التي لا يعرف عنها العناية بالسنة والاهتمام بتصحيح العقيدة ) ، ويريد أن يدرجهم في الفرقة الناجية ، ومن أين لهم النجاة وهم لا يعتنون بالسنة ولا يصححون عقائدهم ؟! .
وتأمل كذبه على أهل السنة بأنهم لا يعتنون بهذه الأمور السياسية ، ونقد الحكام ونصحهم بالطريقة الشرعية .
فهذه النقولات – يا أيها الوزير المتقاعد – لا مجال للشك في أن القصد من هذا التفريق هو توسيع دائرة الفرقة الناجية كي تنجو هذه الفرق من الهلاك في الآخرة ، والذمّ في الدنيا !! .
السادسة : قوله : ( هي ظنون فاسدة ، واتهامات باطلة ) .
أقول : يصدق عليه المثل القائل : ( رمتني بدائها وانسلتِ !! ) .
فالظنون الفاسدة ليست عند أهل السنة ، والاتهامات الباطلة هم عنها في معزل ، عندما خضت فيها بقدميك !! ، فهاهو كلام أهل السنة يصدّق بعضه بعضاً ، ويستند إلى صريح ومحكم الأدلة الشرعية ، ومصّدق بالعزو الموثّق ، فماذا تريدون بعد .
فنرد لكم الكيل بمكيالكم ، ونقول : إن كل ما ذكرت مجرد اتهامات باطلة ، وظنون فاسدة ، هل للشيخ المتقاعد أن يجرد قلمه ويثبت لي حقيقة ما يقول ؟! .
السابعة : قوله : ( هذه الجماعة المشؤومة !! ) .
أقول : أين التوحيد هنا ، أين سلامة المعتقد ، أين خلع الطيرة والتوكل على الله ، قال الشيخ محمد بن عبدالوهاب – رحمه الله - في كتاب " التوحيد " : باب ما جاء في التطير وقول الله تعالى :{ ألا إنما طائرهم عند الله ولكن أكثرهم لا يعلمون } ، وقوله :{ قال طائركم عند الله } ، ثم قال :
عن أبي هريرة - رضي الله عنه - ، أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال : (( لا عدوى ، ولا طيرة ، ولا هامة ، ولا صفر ))
أخرجاه. زاد مسلم: (( ولا نوء، ولا غول )).
ثم قال : وعن ابن مسعود - رضي الله عنه - مرفوعاً : (( الطيرة شرك، الطيرة شرك، وما منا إلا ، ولكن الله يذهبه بالتوكل )) ، رواه أبو داود ، والترمذي وصححه ، وجعل آخره من قول ابن مسعود.
فيا ليت هذا – المتقاعد – يستغفر الله عز وجلّ ، وليعظم جناب التوحيد ، لعلّ الله أن يعصمه من جميع قوادحه .
******
الوقفة الثانية عشر :
قوله : ( البروتوكول الثالث : الكلام في أعراض المخالفين : سواء كانوا علماء أو طلبة علم أو كانوا من عامة شباب الصحوة ، وهنا أوجه السؤال التالي :
هل غيبة المسلم جائزة أم لا ؟؟؟؟؟؟؟!!!!!!!، فإن قلتم : جائزة ، فأنتم كفار خارجون عن الملة ، لأن من أحل شيئاً حرمه الشارع فهو كافر مرتد - كما لا يخفاكم - وإن قلتم هم ليسوا بمسلمين فأنتم خوارج ، وذلك أنكم تكفرون بالمعصية والبدعة ، وإن قلتم هم مسلمون لكن مبتدعة ، قلنا لنا معكم وفقات :
الوقفة الأولى : إثبات بدعية ما تزعمون بدعته .
الوقفة الثانية : ليس كل من فعل بدعة يكون مبتدعاً ، وإلاّ لزم ما يلي : 1- تبديع بعض الصحابة كابن عمر الذي كان يتحرى في السفر الأماكن الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي فيها ، 2- تبديع الإمام أحمد بن حنبل الذي يرى نتر الذكر بعد قضاء الحاجة ، وأفتى شيخ الإسلام ببدعة هذا الفعل ، 3- تبديع أكثر الحنابلة الذي يرون مشروعية النطق بالنية في الصلاة !!! ، 4- تبديع عثمان بن حنيف الذي ثبت عنه أنه يرى جواز التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد موته ، 5- تبديع القائمين على الحرمين الشريفين وجميع الجوامع في هذه البلاد بكونهم اتخذوا أذانين للجمعة مع أن الأذان الأول بدعة عند الشيخ الألباني ، 6- تبديع الإمام أحمد في تجويزه قراءة القران على القبر - في آخر الروايات عنه - وقد حكم شيخ الإسلام في الاختيارات ببدعتها ، والأمثلة في ذلك كثيرة ، ولا حاجة إلى الإطناب في ذكرها ولعلّ ما ذكر فيه الكفاية في توضيح المراد وبيان المشكل .
الوقفة الثالثة : أن من فعل ما نراه بدعة مستنداً بذلك إلى أدلة شرعية ، وثوابت صحيحة ، فهو في نظرنا مجتهد مخطئ أي له أجر واحد فقط ، كذا المنهج السليم والمنطق الصحيح والسلفية الحقيقية ، فهل ضلل الإمام أحمد الأئمة الثلاثة في عدم قولهم بنقض لحم الإبل للوضوء ، أم هلل ضلل الإمام أحمد الأئمة الثلاثة في عدم قولهم بنقض لحم الإبل للوضوء؟!! أم هل ضلل الإمام أحمد الإئمة الثلاثة في عدم تكفيرهم لتارك الصلاة مع صراحة الأدلة في تكفير تارك الصلاة؟؟!! ) .
أقول : وتأمل هذا الكلام ، وما فيه من خلط ، وتلبيس ، وجهل وضعف تأسيس ، يتبيّن ذلك في عدّة ملاحظات :
الملاحظة الأولى : قوله : ( الكلام في أعراض المخالفين : سواء كانوا علماء أو طلبة علم أو كانوا من عامة شباب الصحوة ) .
أقول : إن الكلام في أهل البدع ، والتحذير من ضلالاتهم ليس من الكلام في الأعراض المحرمة بين المسلمين ، بل هو من واجب النصح لهم ، والأخذ على يدّ السفيه ، ونصرة للظالم بالأخذ على يده .
وهذه الدعوى ، له فيه سلف من أهل الأهواء ، عندما انتقدوا على أهل السنة الجرح والتعديل ، والتحذير من أهل الأهواء ، فأوضحوا لهم أن هذه ليست بغيبة ، وإنها من القرب إلى الله تعالى بالذب عن دين الله تعالى انتحال المبطلين وتأويل الجاهلين ، ولهذا فقد أجمع أهل العلم على أنه ليس لمبتدع ولا فاسق غيبة بالقدر الذي يبيّن به حاله فقط ، فمن أظهر بدعته أو فسّقه ، فلا حرمة له ، ويجوز التحذير منه علانية ، وهذه حالة من الحالات التي رخّص أهل العلم بها ذكر الغائب بما فيه ، وقد أنشد منهم منشد فقال :
متظلم ومعرّفٍ ومحذرِ
طلب الإعانة في إزالة منكرِ



الذم ليس بغيبة في ستة
ومجاهرٍ فسقاً ومستفتٍ ومن














ولما قيل أن يوسف بن أسباط - رحمه الله تعالى - : لما تحذر من الحسن بن صالح ، أليس كلامك فيه غيبة ؟! ، فقال : ( لم يا أحمق ؛ أنا خيرٌ لهؤلاء من آبائهم وأمهاتهم ، وأنا أنهى الناس أن يعملوا بما أحدثوا فتتبعهم أوزارهم ومن أطراهم كان أضرّ عليهم ) رواه أبو أحمد بن عدي في " الكامل " .
وروى أبو القاسم اللالكائي في " شرح أصول اعتقاد أهل السنة "، عن قتادة أنه قال لعاصم الأحول : ( يا أحول إن الرجل إذا ابتدع بدعة ينبغي لها أن تذكر حتى تحذر ) .
وروى عن الحسن قال : ( ثلاثة ليس لهم حرمة في الغيبة : أحدهم صاحب بدعة الغالي في بدعته ) .
ومثله عن كثير بن أبي سهل قال : ( أهل الأهواء ليس لهم حرمه ) .
وكلام أهل العلم مستفيض ، ومتيسر الوقوف عليه في كتب " السنة " و " الجهاد " و " الجرح والتعديل " ، في إباحة الكلام والتحذير من أهل الفسق والأهواء ، وأن ذلك ليس بغيبة ، بقدر ما يبين أمرهم للناس ، ولا يجوز عند أهل السنة أن يزيد بالذم فوق ما يتضح به خطره ليخشاه الناس ، وقد سألت شيخنا ابن باز - رحمه الله تعالى - : هل يباح للناقد أن يذكر بعض صفات المبتدع الخلقية والخٌلقية تنقيصاً له ، فوق بدعته ؟! ، فقال : لا .. حذر من بدعته واسأل ربك العافية ) .
الملاحظة الثانية : قوله : ( شباب الصحوة ) .
أقول : وهذه اللفظة ، لفظة محدثة لا يجوز أن تطلق ، لأن النوم لم يدرك الدين وأهله حتى يصحون ، وما تقدم من زمن خير من زماننا هذا ، وخاصة في هذه البلاد .
والزمان يزداد شراً من بعد شر ، كما قال أنس - رضي الله عنه - عندما شكى إليه بعض أصحابه ظلم الحجّاج الثقفي : ( اصبروا
فإنه : (( لا يأتي عليكم زمان إلاّ والذي بعده شر منه حتى تلقوا ربّكم )) ، سمعته من نبيكم صلى الله عليه وسلم ، رواه أبو عبدالله البخاري في " صحيحه " .
وعلامة هذا الشر هو موت العلماء ، وهو ظاهر ، ولهذا ما أعقل الصحابي الجليل عبدالله بن مسعود - رضي الله عنه - عندما قال : ( ما يأتي على الناس زمان بعد زمن النبي صلى الله عليه وسلم إلاّ كانوا أشرّ مما قبله ، لا أقول عام أمطر من عام ولا عام أخصب من عام ، ولا أمير خير من أمير ، ولكن بموت العلماء) ، رواه ابن وضاح في " البدع والحوادث " .
وهذه علامة قبض العلم كما روى البخاري وغيره من حديث عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما قال : (( إن الله لا يقبض هذا العلم انتزاعا ينتزعه من صدور العلماء ، ولكن يقبضه بموت العلماء ، فإذا ماتوا اتخذ الناس رؤساء جهّالاً فسئلوا فأفتوا بغير علم ، فضلّوا وأضلّوا )) .
وروى البخاري رحمه الله تعالى من حديث مرداس الأسلمي رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( يذهب الصالحون الأول فالأول وتبقى حثالة كحثالة الشعير أو التمر لا يباليهم الله بالة )) .
قال الشيخ بكر بن عبدالله أبو زيد ، في " معجم المناهي اللفظية " ( صحيفة : 209 ) : ( الصحوة الإسلامية ، هذا وصف لم يعلّق الله عليه حكماً فهو اصطلاح حادث ، ولا نعرفه في لسان السلف جارياً ، وجرى استعماله في فواتح القرن الخامس عشر الهجري في أعقاب عودة الكفار كالنصارى إلى الكنيسة ثم تدرج إلى المسلمين ، ولا يسوغ للمسلمين استجرار لباس أجنبي عنهم في الدين ، ولا إيجاد شعار لم يأذن الله به ولا رسوله ، إذ الألقاب الشرعية توقيفية : الإسلام ، والإيمان ، والإحسان ، والتقوى ، فالمنتسب : مسلم ، مؤمن ، محسن ، متقي ، ... فليت شعري ما هي النسبة إلى هذا المستحدث ( الصحوة الإسلامية ) : صاحٍ ، أم ماذا ؟! ) انتهى .
الملاحظة الثالثة : قوله : ( هل غيبة المسلم جائزة أم لا ؟؟؟؟؟؟؟!!!!!!!، فإن قلتم : جائزة ، فأنتم كفار خارجون عن الملة ، لأن من أحل شيئاً حرمه الشارع فهو كافر مرتد - كما لا يخفاكم - وإن قلتم هم ليسوا بمسلمين فأنتم خوارج ، وذلك أنكم تكفرون بالمعصية والبدعة ) .
أقول : أنا أجيبه عنهم ، إن غيبة المسلم حرام ، بتحريم الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم ، وحرمتها معلومة من الدين بالضرورة .
ولكن يقال : من الذي قال له بأن هؤلاء الذين ينتقدهم ، أباحوها مطلقاً ؟! ، فليثبت ذلك عن أحدهم ، حتى نلحق المبيح بالكفار ، وإلاّ فليرتقب الحساب غدا يوم الحساب وهو : { يوم مجموع له الناس ذلك يوم مشهود } .
ثم كيف يلزمهم بأنهم يكفرون علمائكم وطلاب علمكم بذنوبهم حتى تصفهم بالخروج ومذهب الخوارج ؟! ، أليس الذي يكفر بارتكاب الكبائر هم أشياخك ، كما تقدم نقله عنهم مصدّقاً بالعزو القاطع للشك ؟! .
فأهل السنة هم أعرف الناس بأحكام التكفير عندما خالفت فيه طوائف ثلاث ، وهم الخوارج والمعتزلة والمرجئة ، والكتب التي تربوا عليها أعدل الكتب في تحقيق ذلك وتنقيحه ، فمن أين لك أن تثبت أنهم بالغوا حتى كفروا أولئك العلماء وطلاّب العلم بالعموم ؟؟ .
وكيف يقال عن أهل السنة المعاصرين بأنهم ( خوارج مع الدعاة ، مرجئة مع الحكام ) ، وهم أولى بهذا الوصف من غيرهم على
نطاق أوسع ، فهم : ( خوارج على من خالف مذهبهم وإن كان مسلماً سلفياً ، مرجئة مع من وافقه ولو كان قبورياً وثنياً ) ، وإلاّ فإلى أين أرجئوا كفر الخميني وهم أنصاره في ثورته ؟! .
وإلى أين أرجئوا نفي سيد قطب للصفات ، و غمزه في أنبياء الله ، وصحابة رسول الله ، وجهله بشرائع الدين ؟! .
وإلى أين أرجئوا ضلالات حسن البنا ، والمودودي ، والقرضاوي ، والغزالي ، وفتحي يكن ، ومحمد إلياس الكاندهلوي ، ومحمد زكرياء ، وغيرهم كثير من قادات هذه الفرق الضالة .
وإلى أرجئوا عقائد الأفغان القبورية ، ودعوا المسلمين إلى الجهاد معهم ، أيام حكمتيار وربّاني وشاه مسعود ؟! .
وإلى أين أرجئوا دلائل زندقة الترابي ، ومدحوه وأثنوا عليه ، وعلى طريقته ؟! .
وبالمقابل من الذي سلك مسلك الخوارج في الحكم على الشعوب بالكفر ، وأن مساجدهم صارت معابد وثنية ؟! .
ومن الذي سلك مسلك الخوارج ، وقال : ( فوضح لي الآن أن كثيراً من الناس في مجتمعنا استحلوا الربا ــ والعياذ بالله ) .
وهكذا من تقدم ذكرهم ونقل كلامهم في تكير مرتكب الكبيرة ، فمن الحري بهذا الوصف إذن ؟! .
ومن الذي سلك مسلك الخوارج ، في تكفير الحكام بمسائل لا تعدّ كفر عند أهل العلم ، أو أنها كفر على قول ، ومثله لا يوجب الخروج عليهم ؟! .
وأين تذهب ( يا دعاة الموازنة بين السيئات والحسنات ) حسنات الشيخ محمد أمان الجامي – رحمه الله - ، وجلوسه لتعليم الناس العقيدة في المسجد النبوي ما يقارب نصف قرن ؟! .
أين تذهب شروحه الجليلة بالغة التحقيق لكتب أهل السنة ، ونقده للفرق المنحرفة في الصفات والسلوك ؟! .
أين موازنتكم مع الفرقة ( الجامية !! ) بزعمكم ، وأنتم وازنتم بين حسنات وسيئات أضل الفرق كالرافضة و الجهمية ؟! ، كما قال سفر في شرح الطحاوية : (227/ وجه ب ) الربع الأخير منه : ( يجب أن نأخذ قاعدة ، ميزة الدعوات الإسلامية في العالم في العالم كله على ما فيها من تفاوت وما بينها من أخطاء ميزتها أنها تنبع من داخل الأمة يعني يدعوا للإسلام حتى لو أن عند بعضهم انحرافات إما إلى المعتزلة وأما إلى الخوارج وإمّا إلى الرافضة كما تعلمون فهو يأخذها من واقع الأمة ومن تاريخها وتراثها ) .
أين موازنتكم – يا دعاة العدل والوفاق – بين حسنات الشيخ ربيع المدخلي ، ولو كانت كلمة التوحيد ، والشيبة في الإسلام ، وبين سيئاته التي تأفكتموها ؟! .
رحم الله الإمام أحمد عندما قال : ( ألا لعنة الله على أهل البدع ، يقول ما لهم ويتركون ما عليهم !! ) .
الملاحظة الرابعة : قوله : ( الوقفة الأولى : إثبات بدعية ما تزعمون بدعته ) .
أقول : لم يسمّ هذا المتقاعد ، ما نزعم بأنه بدعة ، ولو أفصح عن مقصوده ، وذكر لنا بعض ما ننقمه عليهم ونبدعهم به وهو يخالفنا فيه لأثبتنا له ذلك ، ولكن أذكر هنا بعض البدع التي وقع فيها بعض قادات أو رجالات تلك الفرق ، أو كلّهم إجمالاً ، ومن ذلك :
1 - بدعة التحزب إلى طائفة معيّنة أصولها غير أصول أهل السنة ، من إحداث قاداتهم .
2- بدعة الخروج ووجوبه عند التبليغيين !! .
3- بدعة البيان الواجب حتى على العامي منهم !! .
4- موالاة أهل البدع ، و الانتماء إليهم ، والدفاع عنهم ، والثناء المطلق عليهم !! .
5- بدعة اتخاذ بعض الوسائل المحدثة في الدعوة ، كالتمثيل والأناشيد وبعض الألعاب ، فهلاّ مثل وأنشد ولعب : محمد صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام – رضي الله عنهم - في : عكاظ ، و ذي المجاز ؟! ، ومقتضيات حدوث ذلك منهم في ذلك الحين ممكنة ، ولو كان بها النفع الكبير كما يزعمه البعض ، لكان القيام بها هو الأحرى بهم .
6- بدعة : ( الفكر الإسلامي ) ، و ( التربية الروحية ) ، و ( ومعالم الصحوة ) ، وإهمال العلم السلفي الأصيل .
7- بدعة إشغال الناشئة بكتب قاداتهم وتهويل كتب السلف أمام أعينهم ، بأنها عسرة الألفاظ والمعاني .
وغيرها من البدع وهي كثيرة ، فليرفع أنفه هذا المتقاعد ، وليقل : ليس فيما ذكرناه بدعة .
قال الإمام مالك – رحمه الله - : ( لن يصلح آخر هذه الأمة إلاّ بما صلح به أولها ) .
الملاحظة الخامسة : قوله : ( الوقفة الثانية : ليس كل من فعل بدعة يكون مبتدعاً ) .
أقول : وأهل السنة هم يقولون ذلك أيضاً ، وما منهم من قال بأن كلّ من وقع في بدعة مبتدع ، لأن من أحدث محدثة في الإسلام لا يخلو من حالتين :
أولاهما : أن يكون هذا الإحداث عن اجتهاد سائغ عند أهل العلم ، أو شبهة غليظة ، أو فهمٍ قاصر لدليل من الأدلة الشرعية ، فمثل هذا لا يبدعه أهل السنة ، ويعذرونه باجتهاده المقبول ، ومن هذا ما روي من بعض السلف من بعض الأمور المحدثة التي لم يشرعها النبي صلى الله عليه وسلم ، ومع ذلك من أهل العلم من قبلها ، ومنهم من أنكرها ، وجزم بكونها بدعة ، ولم يعنّف على قائلها لوجود الدليل أو شبهة الاستدلال ، كما كان عبدالله بن عبّاس – رضي الله عنهما - يعرّف يوم عرفة في مسجده خارج مكة ، وكما كان أبو هريرة – رضي الله عنه - يتوضأ ويبلغ بالماء العضدين والركبتين ، وكما صنع عثمان رضي الله عنه في أذاني الجمعة ، ونحو هذا مما جرى ممن بعدهم من العلماء .
على إن ما أحدثه بعض الصحابة – رضي الله عنهم – له من العذر ما ليس لغيره ، وخاصة إذا كان من الخلفاء الراشدين المهديين الذين أوصى النبي صلى الله عليه وسلم بسنتهم من بعده .
و سائر الصحابة قدوة في الخير إذا عدم الدليل ، وما كان من محدثاتهم واجتهاداتهم فأقوى عذر لهم فيه هو أنهم صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهم أكثر الناس إجلالاً للنبي صلى الله عليه وسلم ومعرفة بأحواله ، والنبي صلى الله عليه وسلم أثنى على الطائفة المنصورة وقال في وصفهم : (( هم من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي )) ، فلو استن بهم أحد فيما لم يرد فيه نص شرعي ، فلا عيب عليه في ذلك ، ولا يعني ذلك وجوب اتباعه ، فالأصل هو التوقيف ، وحجة الله على خلقه هو محمد صلى اله عليه وسلم .
ولهذا فقد جعل بعض أئمة المذاهب قول الصحابي دليلاً في مذهبه إذا لم يرد نص شرعي في المسألة ، وما أحسن ما قال الصحابي الجليل عبدالله بن مسعود – رضي الله عنه - : ( من كان منكم مستناً فليستن بمن قد مات فإن الحي لا تؤمن عليه فتنة ، أولئك أصحاب محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ فإنهم كانوا أبر هذه الأمة قلوباً وأعمقها علماً ، وأقلّها تكلفاً ، وأقومها هدياً ، وأحسنها حالاً ، قومٌ اختارهم الله لصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم ، وإقامة دينه ، فاعرفوا لهم فضلهم ، واتبعوهم في آثارهم ، فإنهم كانوا على الهدى المستقيم ) .
قال الإمام الشافعي – رحمه الله - : ( رأيهم لنا خير من رأينا لأنفسنا ) .
والحالة الثانية : أمّا إذا كان هذا الابتداع والإحداث ، ورد من غير اجتهاد سائغٍ عند أهل العلم ، ومستنده ضعيف الحجة لا يقبل مثله لتبرير صنيعه ، فإن هذا حري بالوصف بالابتداع والإحداث في دين الله عز وجلّ ، ولا يعتبر بخلافه وإن بلغت جلالته وعلمه ما
بلغت ، لأن ما كلّ خلاف ورد ونقل يعد معتبر عند أهل العلم ، كما قال الشاعر :
إلاّ خلاف له حظٌ من النظرِ



وليس كلا خلافٍ جاء معتبراً












وجماع هذا كلّه أن الوصف بالتبديع والتفسيق والتكفير ، عقوبة شرعية ، وهي تدفع بالشبهة المستساغة عند أهل العلم ، فليس كلّ من ارتكب الكفر يكفّر ، ولا من ارتكب الفسق يفسّق ، ولا من ارتكب البدعة يبدّع ، حتى ينظر في شبهته ، ونوعها من حيث التقسيم السابق ، إلاّ إذا كان في مسألة جليّة ، معلومة من الدين بالضرورة ، فمحل الشبهة المخالفة فيها بعيد ، فلا يعذر .
الملاحظة السادسة : قوله : ( وإلاّ لزم ما يلي : 1- تبديع بعض الصحابة كابن عمر الذي كان يتحرى في السفر الأماكن الذي كان
النبي صلى الله عليه وسلم يصلي فيها ، 2- تبديع الإمام أحمد بن حنبل الذي يرى نتر الذكر بعد قضاء الحاجة ، وأفتى شيخ الإسلام ببدعة هذا الفعل ، 3- تبديع أكثر الحنابلة الذي يرون مشروعية النطق بالنية في الصلاة !!! ، 4- تبديع عثمان بن حنيف الذي ثبت عنه أنه يرى جواز التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد موته ، 5- تبديع القائمين على الحرمين الشريفين وجميع الجوامع في هذه البلاد بكونهم اتخذوا اذانين للجمعة مع أن الأذان الأول بدعة عند الشيخ الألباني ، 6- تبديع الإمام أحمد في تجويزه قراءة القران على القبر - في آخر الروايات عنه - وقد حكم شيخ الإسلام في الاختيارات ببدعتها ، والأمثلة في ذلك كثيرة ، ولا حاجة إلى الإطناب في ذكرها ولعلّ ما ذكر فيه الكفاية في توضيح المراد وبيان المشكل ) .
أقول : هذا الإلزام ليس بلازمٍ علينا إذا أنزلنا حكم هذه الصور على التقسيم الماضي ، كما سيتضح إن شاء الله ، فأمّا قوله :

1- تبديع بعض الصحابة كابن عمر الذي كان يتحرى في السفر الأماكن الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي فيها .
أقول : هذا الأثر عن الصحابي الجليل عبدالله بن عمر – رضي الله عنهما – رواه ابن بطة في " الإبانة " (1/241 ) ، وإسناده جيّد ، ولفظه : ( كان ابن عمر يتتبع آثار النبي صلى الله عليه وسلم فيصلي فيها ، حتى أن النبي صلى الله عليه وسلم نزل تحت شجرة فكان ابن عمر يصب تحتها الماء حتى لا تيبس ) .
ويقال : أن هذا الفعل من ابن عمر – رضي الله عنه – فعلّه بغية تمام الإقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم ، الذي أمر الله تعالى به في قوله : { لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجوا الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا } ، حتى إنه أخذ يقتدي بالنبي صلى الله عليه وسلم في أفعاله الاعتيادية !! ، فكان إذا قام بجانب المنبر أخذ برمانته لأنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يصنع ذلك ، وروي أنه كان إذا مشى خلف النبي صلى الله عليه وسلم وضع أقدامه على أثر أقدام النبي صلى الله عليه وسلم ، وهذا كلّه من حرصه على الاقتداء به صلى الله عليه وسلم ، ومع ذلك كلّه فهو مما انفرد به عن الصحابة كلهم ، ونصوص الشريعة ، وفعل الصحابة تنهى عن تتبع آثار السالفين والعكوف عليها ، وما صنعه ابن عمر - رضي الله عنهما – هو بالتأويل
السابق الذي يسّوغه أهل العلم ، ومثله لا يضلل بخطئه ، ويعذر باجتهاده .
ولكن هل يقاس به من يتتبع آثار النبي صلى الله عليه وسلم والصالحين ، ويعكف عليها ، ويتبرك بتربتها ، ويتقرب إلى الله تعالى بالأعمال الصالحة عندها ؟! .
هذا مما لم يقل به ، ولم يعمل به ، أحدٌ من الصحابة ولا التابعين ولا أئمة الدين ، فبأي عذر يعذر صاحبه ؟! .
2- أن الإمام أحمد يرى نتر الذكر ، وشيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله تعالى يرى أنه بدعة .
فيقال : نص كلام شيخ الإسلام بن تيمية – رحمه الله - : ( نتر الذكر بدعة على الصحيح ) وقال : ( والحديث المروي في ذلك ضعيف لا أصل له ) ، إذن المسألة محل خلاف ونظر واستدلالٍ وشبهة ، فمن استند إلى دليل رأى استحبابه ، ومن رأى عدم ثبوت الدليل رأى بأن هذا العمل محدث ، ودليل الإمام أحمد عنده في " مسنده " (4/347) أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال : (( إذا بال أحدكم فلينتر ذكره )) ، وإسناده ضعيف .
وبمثل هذا الدليل ، زيادة على أصل استحباب التنقي عند قضاء الحاجة ، كما في حديث صاحبي القبرين ، أفتى الإمام أحمد – رحمه الله – بذلك ، ومثل هذا لا يقال عن القائل به مبتدع !!.
3- تبديع أكثر الحنابلة الذي يرون مشروعية النطق بالنية في الصلاة !!! .
أقول : وهذا خلط من هذا المتقاعد !! ، فإن النطق بالنية لم يقل به أكثر الحنابلة كما يزعم ، بل أكثرهم وأئمة الحنابلة ومحققيها ، وأئمة سائر المذاهب ينصون على أن النطق بها بدعة ، وإنما وقع الخلاف بينهم في ماهية النية القلبية ؟! ، هل هي مجرد العزم ؟ ، أم التلفظ بها سرّاً ؟ ، على قولين عند الفقهاء ، وفي مذهب أحمد .
أمّا من جهر بالنية ، فإنه يبدّع ويعزّر إذا نهي ولم ينتهِ ، قال شيخ الإسلام – رحمه الله تعالى : ( والجهر بالنية لا يجب ولا يستحب باتفاق المسلمين ، بل الجاهر بالنية مبتدع مخالف للشريعة ، إذا فعل ذلك معتقداً أنه من الشرع فهو جاهل ضال ، يستحق التعزير ، وإلاّ العقوبة على ذلك ، إذا أصر على ذلك بعد تعريفه والبيان له .. ) ، الفتاوى ( 22 / 219 ) .
وقال : ( ومنهم من استحب التلفظ بها [ أي سرّاً ] كما ذكر ذلك من ذكره من أصحاب أبي حنيفة والشافعي وأحمد ، وقالوا : التلفظ بها أوكد ) ، الفتاوى ( 22 / 221 ) .
وقال : ( ولكن تنازع العلماء : هل يستحب التلفظ بالنية سراً أم لا ؟ ، هذا فيه قولان معروفان للفقهاء ) ، ( 22 / 231 ) .
4- تبديع عثمان بن حنيف الذي ثبت عنه أنه يرى جواز التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد موته .
أقول : حديث عثمان بن حنيف – رضي الله عنه – فقد رواه أحمد الترمذي والنسائي في " اليوم والليلة " وابن ماجة وغيرهم ، بإسناد ضعيف ، وقد صححه بعض أهل العلم ، وهو إلى الضعف أقرب ، وطرفه عن عثمان بن حنيف – رضي الله عنه - قال : أن رجلاً ضرير البصر أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : أدع الله أن يعافيني ، فقال : (( إن شئت دعوت ، وإن شئت صبرت ، فهو خير لك ، فقال : فادعه ، قال : فأمره أن يتوضأ ويحسن الوضوء ويدعو بهذا الدعاء : فذكره )) .
فالمتوسل هو ذلك الرجل الضرير لا عثمان بن حنيف – رضي الله عنه - ، كما زعم هذا المتقاعد ، كما لو صحّ فليس فيه
دليل على التوسل الممنوع الذي يتلفظ به أهل الضلالة ، فغاية ما فيه أنه طلب ذلك من النبي صلى الله عليه وتوسل به ليدعو له عند ربّه ، وهو يسمع ، ولم يوصه بهذا التوسل في كلّ مصيبة حين حياته وبعد مماته !! ، وقد أطال الكلام على هذا الحديث شيخ الإسلام بن تيمية – رحمه الله تعالى – في كتابه : " التوسل والوسيلة " .
تنبيه : قد جاءت رواية أن عثمان بن حنيف – رضي الله عنه – أوصى بها رجلاً جاءه يشتكي بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ، رواها الطبراني في " الأوسط " ، لكنها لا تثبت .
كما جاءت رواية أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له في آخر الحديث : (( وإن كانت لك حاجة فافعل مثل ذلك )) ، رواها ابن أبي خيثمة ، وهي ضعيفة لا تثبت .
وقد أوضحت ذلك في ردّ لي مسبق على إحدى الصحف ، نشره بعض محبينا في مجلة " البيان " في عددها رقم : 154 ، الصادر في : جمادى الآخرة 1421هـ ، وفيه بحوث متنوعة فليراجع .
5- تبديع القائمين على الحرمين الشريفين وجميع الجوامع في هذه البلاد بكونهم اتخذوا اذانين للجمعة مع أن الأذان الأول بدعة عند الشيخ الألباني .
أقول : ، الصحيح أن أذان يوم الجمعة الأول لا يقال عنه بدعة ، إلاّ إذا أريد بها بالمعنى اللغوي ، وإلاّ فهو من سنة الخلفاء الراشدين ، قال شيخ الإسلام بن تيمية في الفتاوى ( 22 / 235 ) : ( وجمع القران في مصحف واحد ، وفرض الديوان ، والأذان الأول يوم الجمعة ، واستنابة من يصلي يوم العيد خارج المصر ، ونحو ذلك مما سنة الخلفاء الراشدون ، لأنهم سنّوه بأمر الله ورسوله ، فهو سنّة ، وإن كان في اللغة يسمى بدعة ) .
أقول : ومثل هذا ، لا مجال للإنكار فيه ، لسببين : الأول أن الذي سنّ هذا الأذان هو عثمان بن عفان – رضي الله تعالى – وهو أحد الخلفاء الراشدين الذين أمرنا باتباع سنتهم .
والثاني : أن عمل عثمان - رضي الله تعالى عنه - ، كان باجتهاد سائغ منه ، وهو تنبيه الناس للتأهب لصلاة الجمعة قياساً على الأذان الأول لفجر أيام رمضان لتنبيه الناس بقرب وقت الإمساك بالأذان الثاني ، ومثل هذا العمل ، مسلكه مسلك المصالح المرسلة التي يعود نفعها لعموم المسلمين ، كما فرض عمر – رضي الله عنه – الديوان ، وجمّع بالتراويح ، وجمع عثمان – رضي الله عنه – للمصحف ـ وغيرها .
6- تبديع الإمام أحمد في تجويزه قراءة القران على القبر - في آخر الروايات عنه - وقد حكم شيخ الإسلام في الاختيارات ببدعتها .
أقول : بل حكم بذلك الإمام أحمد قبله ، ثم رجع اتباعاً لابن عمر – رضي الله عنه - ، قال بن تيمية – رحمه الله تعالى - : ( وقد تنازع الناس في القراءة على القبر فكرهها أبو حنيفة ومالك وأحمد في أكثر الروايات عنه ورخص فيها في الرواية المتأخرة لما بلغه أن عبد الله بن عمر أوصى أن يقرأ عند دفنه بفواتح البقرة وخواتمها . وقد نقل عن بعض الأنصار أنه أوصى عند قبره بالبقرة وهذا إنما كان عند الدفن فأما بعد ذلك فلم ينقل عنهم شيء من ذلك ولهذا فرق في القول الثالث بين القراءة حين الدفن والقراءة الراتبة بعد الدفن فإن هذا بدعة لا يعرف لها أصل ) الفتاوى ( 24 / 318 ) .
وهنا ذكر شيخ الإسلام رحمه الله تعالى للإمام أحمد ثلاث روايات : الأولى : الكراهة وإنها بدعة ، وقد رجع عنها لأثر ابن عمر – رضي الله عنه - ، والثانية : القراءة على القبر مطلقاً ، والثالثة : القراءة عند الدفن فقط ، وعلى كلّ رواية جماعة من أهل العلم من المذهب ، وقالوا بأن المتأخرة من مذهبه جوزاها مطلقاً كما في " الشرح الكبير " و " الإنصاف "، ذهب إليها الإمام أحمد عملاً بفعل ابن عمر – رضي الله عنه – عنه ، لأن من أصول مذهبه العمل بقول الصحابي إذا لم يرد في المسألة نص ، استئناساً بقولهم ، وهذا لا عتب فيه ، ولكن الأولى التوقيف ، والأصل عدم الشرعية حتى يأتي النص من الشارع .
الملاحظة السابعة : قوله : ( الوقفة الثالثة : أن من فعل ما نراه بدعة مستنداً بذلك إلى أدلة شرعية ، وثوابت صحيحة ، فهو في نظرنا مجتهد مخطئ أي له أجر واحد فقط ، كذا المنهج السليم والمنطق الصحيح والسلفية الحقيقية ، فهل ضلل الإمام أحمد الأئمة الثلاثة في عدم قولهم بنقض لحم الإبل للوضوء ، أم هلل ضلل الإمام أحمد الأئمة الثلاثة في عدم تكفيرهم لتارك الصلاة مع صراحة الأدلة في تكفير تارك الصلاة؟؟!! ) .
أقول : من استند إلى أدلة شرعية وثوابت صحيحة ، يستحيل أن يأتي ببدعة ، ولكن لو أن هذا الناقد الجهول ، قال : ( من تأول بكذا ) لكان دليلاً على فقهه ، وهذا هو ما نحن عليه بحمد الله ، أن من تأول دليلاً شرعياً بتأويل مستساغ عند أهل العمل أنه لا يبدع وهو مأجور باجتهاده ، ولكن ما الحيلة فيمن أحدث في ديننا ما ليس منه ؟! .
هل للحزبية عندكم دليل وسلف ؟! .
أم هل للتمثيل عندكم دليل وسلف ؟! .
أم هل لسماع المتصوفة عندكم دليل وسلف ؟! .
أم هل للإنكار العلني على الولاة عندكم دليل وسلف ؟! .
تحقق من هذا كلّه ثم ارفق بنفسك في الحكم ، عندما يعجزك الدليل إذا لم تجده .
أما قوله : ( فهل ضلل الإمام أحمد الأئمة الثلاثة في عدم قولهم بنقض لحم الإبل للوضوء ، أم هلل ضلل الإمام أحمد الأئمة الثلاثة في عدم تكفيرهم لتارك الصلاة مع صراحة الأدلة في تكفير تارك الصلاة؟؟!! ) .
فقد تقدم وأن أوضحنا بأن مثل تلك المسائل محل نظر عند أهل العلم ، ولكلّ قوم دليل يستند عليه ويستدل به ، ويعذر المخالف بمعاذير عدّة إذا خالف فيها القول الحق ، فقد لا يبلغه الدليل ، وقد يبلغه ولا يثبت ، وقد يثبت عنده ولا يدل على ما ذهبنا إليه ، وقد يدلّ ، ولكنه معارض بدليل أقوى من ناسخ أو مقيد أو مخصص ، هذه كلها بعض معاذير أهل العلم لبعضهم البعض عند الخلاف في المسائل الفرعية من الأدلة التفصيلية ، التي يتسع فيها باب الخلاف والنظر !! .


******

الوقفة الثالثة عشر : قوله : ( البروتوكول الرابع : قولهم (من السياسة ترك السياسة) : وقائل هذه المقالة أحد رجلين إما مغفل لا يدرك معنى ما يقول –وهم الغالبية إن أُحسن الظن فيهم- ، وإما مغرض دخيل على الصحوة يبذر فيها سمومه بلباس السلفية الزائفة . ومراد هذه المقالة باختصار – فصل الدين عن الدولة -. فيا سعادة العلمانين بهذه المقالة ، ويا فرحة الغرب بهذاالمنهج الضال .
أما المغرض فلا كلام لي معه إذ إنه لا ينفع فيه إلا أن يقال له – إتق الله وتب إليه - .
أما المغفل – وما أكثرهم والله المستعان – فللأسف فإنه أخطأ في إصغاء سمعه لأبواق زائفة ومنابر شاتمة .
أخي المغفل..!! ألم يكن أبو بكر أعلم الأمة حاكما للمسلمين … لماذا لم يزهد فيها ؟؟!! ، ومثله بقية الخلفاء الراشدين؟؟؟!!!.
ألم يكن شيخ الإسلام المحرض الحقيقي في قتال المسلمين للتتار في أحد معاركهم واشتباكاتهم- معركة شقحب -؟؟؟!!!.
ألم يكن شيخنا وشيخكم الإمام المجدد محمد بن عبدالوهاب رحمه الله اليد اليمنى للإمام محمد بن سعود رحمه الله، وكان في بداية الدولة هو المرشد والموجه العسكري مع كونه مفتيا شرعيا؟؟؟!!!.
أخي المغفل!!!!! إن كنت تريد - بقولك هذا- العلماء فأنت بهذا قد ارتكبت مكفرا إصرارك عليه قد يخرجك عن الملة وذلك أن العلماء إذا لم يتكلموا بالسياسة ويبينوا حكم الله فيها وإلا لصارت الدولة بلا شك –وهو الواقع- تسير إلى مستنقع الفساد لعدم المرشد والموجه والناصح الصادق ) .
أقول : هذا هو كلام – هذا الحاقد المتقاعد – بخطله وزللَه ، وفيه عدّة مغالطات :
الأولى : هي قوله : ( قولهم : من السياسة ترك السياسة ) ، ويقال كما قيل سابقاً : من قال ذلك ؟ ، وأين قال ذلك ؟ ، أعطنا ولو طرف معلومة عن هذه المقولة ، ونحن والله نبحث عن ما تبقى حتى نجدها ، ولا أعلم من أبطل السياسة بالكلية غير الذين سلموا من شرورك ، رفقاك في الضلالة : ( فرقة التبليغ ) ، إذ إن ترك الكلام في السياسة هي أصل من أصول دينهم !! ، حتى إن قائدهم : سعيد النورسي التركي : ينسب إليه التنفير منها ، وجعل من أوراده : ( أعوذ بالله من الشيطان والسياسة !!! ) وهذا تجده عن النورسي في : " الموسوعة الميسرة للمذاهب والأديان المعاصرة " ، تحت عنوان : النورسية ) ، والتبليغ : أتباع لهذا الرجل ، كما أوضحت ذلك في غير هذا الموضع ، في كتابي : " تحذير الأصحاب من فرقة التبليغ والدعوة والأحباب " ، ولهذا هم يسمون مساجد اجتماعاتهم بمسجد النور نسبة إليه ، فانتبه لذلك .
فلماذا لم تنصب اتهامات هذه المتقاعد الحاقد على أولئك القوم ، ويسلم منه أهل السنة ؟! .
ثم يقال له : ما هذه السياسة التي يعيب على أهل السنة بزعمه أنهم لا يعتنون بها ؟! .

أتريد بذلك مكائد اليهود والنصارى ومخططاتهم ، فهم لم يتوانوا عن ذلك ، فهم يغذون الناس بالطريقة الشرعية الصحيحة ، وهي تغذية الناس بالعقيدة السليمة ، وترسيخها في قلوبهم ، وهذا يدرسونه في جميع كتب التوحيد والسنة ، فإذا تقعدت هذه القواعد في صدر العامي قبل طالب العلم ، ما ضره ما جاء من اليهود والنصارى من كيد ، وما زادته ألاعيبهم وكيدهم إلاّ يقيناً بمبلغ حقدهم على الإسلام والمسلمين !! ، فلو أذاعت وسائل الإعلام ، بأن اليهود تصنع كذا .... وتخطط على كيد المسلمين بكذا ... قالوا لهم : هذا ليس بجديد منهم !! ، فالله قبل ذلك أخبر عنهم بأنهم ، وأنهم ، وأنهم .. ويذكر له ما تعلمه من مشايخه من كيد اليهود للمسلمين ، وهكذا النصارى وسائر أرباب الضلالة ، فتنوعت الألاعيب والقصد واحد !! .
أم أنك تريد من السياسة ما يريده أشياخ الضلالة من جمع القصاصات ، ومتابعة المجلات ، والجرائد ، بل والقنوات الفضائية من كلّ أحد !! ، طالب علم أو غير طالب علم !! ، عالم أو عامي !! ، حتى يعرف بزعمهم ( واقع أمته ! ) .
بل تحولت دروس أولئك القوم إلى نشرات إخبارية إذاعية حتى بساقط الأمور كما تقدم أن نقلته من كلام ناصر العمر في كتابه وشريطه : " فقه الواقع " إذ يقول في التمثيل على صغر العالم : ( فإذا وقع حادث ذو بال في أمريكا أثر على أسواق اليابان في اليوم نفسه وارتفاع الأسهم في وول ستريت بلندن يؤثر على قيمة الفول في البرازيل !! ) .
بل ويستحث همم السامعين والقراء !! ، إلى أسباب الفتنة والفساد ، ويقول في كتابه السابق الذكر ، ( صحيفة : 68- 69 ) : ( سادساً : المصادر السياسة ، وأعني بها ما كتبه السياسيون المعاصرون والمتقدمون !! ، من كتب تتعلق بالجوانب السياسية ، وهي على أنواع : 1- مذكرات السياسيين .... ، 2- الكتب التي تبحث في موضوعات سياسية .... ، 3- الكتب التي تبحث في خفايا السياسة وأساليبها .... – إلى أن قال : سابعاً : الإعلامية !! ، وهي من أهم المصادر المعاصرة ، سواء كانت مسموعة أم مقروءة أم مرئية !! ، ومن أبرزها : 1- الصحف والمجلات والدوريات ، 2- نشرات وكالات الأنباء العالمية !! ، 3- الإذاعات ، 4- التفلزيون ، 5- الأشرطة والوثائق !! ) .
أقول : فلماذ لم تستحثون طلاب العلم والعامة على العلم في التوحيد والسنة والفرائض والفقه وأصوله والحديث وأصوله ، فإنهم إذا عرفوا الحق عرفوا أهله ، وتجعلون تلك المهمات ( التي أشار إليها ) من فروض الكفايات التي يقوم بها من يكفي من المسلمين !! .
لأن الله تعالى : { يدافع الله عن الذين آمنوا } ، ويقول تعالى : { إنا كفيناك المستهزئين } ، والأمن والإيمان والهدى يهبه الله تعالى لعباده إذا تمسكوا بدينه الذي شرعه لنا ، وبينه رسوله صلى الله عليه وسلم ، كما قال الله تعالى في تفضله على أهل التوحيد بالأمن والهداية : { الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون } .
ثم يقال : ما هي مصلحة الأمة من طرح مثل هذه الأخبار أمام العامة ، أليس الأولى والأهم أن يُعلم الناس ما ينفعهم في دين الله ، من اتباع ما أمر الله تعالى به ، واجتناب ما نهى الله عنه من موالاة الكفار ، والربا ، والزنى ونحو ذلك ، وترك إحالة منابر الجمُع إلى نشرات أخبارية خالية من الدليل والأثر كما هو حال بعضهم ، بل أخبرني بعض إخواننا في الرياض أن الكثير من السياسيين يحرصون على حضور خطب بعض قاداتهم لأن فيها موجزاً أسبوعيا لأهم الأنباء !! .
وإن أعجب فأعجب لما حكاه لي بعض إخواننا أهل السنة عندما مرّ بقرية من قرى هذه البلاد – حماها الله – ووعظ في أحد الجوامع بالتوحيد والسنة وتعظيم أوامر الله عز وجل ، فقام إليه أحد العامة وقبله بين عينيه ، وقال : جزاك الله خيراً ، هذا ما نريد، ثم قال : يا شيخ نحن نأتي هنا في ساعة مبكرة لحضور الجمعة وجماعة المسلمين ، ونتعلم ما ينفعنا في ديننا ، ولكن يخطب عندنا شاب ما نستفيد منه إلاّ عدد الزواني في بريطانيا وإمريكا !!! .
فإن كانت أمثال تلك السياسات التي ذكرت هي التي تذموننا بتركها ، فوالله أنها ليست بمذمة ، بل هي منقبة ، وأما السياسة التي نراها في ديننا متأكدة الحال فهي التي من فروض الكفايات ، التي ينصّب السلطان لها من يهتم بها من الكفؤ من المسلمين ، وهي إما أن تكون في نظام الحكم والقيام بشئون الرعية ، فيكلف السلطان من أهل الدراية من يقوم بها وهم أهل الحسبة والوزراء ومن هم مثلهم ، وإما أن تكون في القضايا الخارجية من أمور الجيش ، ومراقبة العدو ، والمصالح المشتركة مع الدول الأخرى ، وهذه كلّها من عمل السلطان أيضاً ، ينّصب لها من بهم تكون الكفاية ، وهكذا خطط العدو الخارجي ، ينصّب لكشفها أهل الشأن ، وهي ما تسمي بـ ( الاستراتيجية العسكرية ) ، كذلك الترصد للخطر الفكري !! ، ينصب له من أهل العلم والدراية من يمتثل لكشفها والردّ عليها ، هذا ما يدين الله به أهل السنة .
وأما العناية بأخبار المسلمين في جميع العالم ، والفرح بانتصارهم ، والحزن لانكسارهم ، والدعاء لهم ، أو دعمهم بالمال والنفس ، فإن هذا مما يجب على سائر المسلمين ، كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم : (( مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى )) رواه مسلم .
وهذا من أكبر ما يعتني به أهل السنة بصدق ، وأقرب ما يستشهد به في ذلك هي جهود وزارة الشئون الإسلامية بالمملكة ، وهيئات الإغاثة ، والهلال الأحمر ، فكلّها من جهود حكام هذه البلاد الذين ارتضوا بعقيدة وطريقة أهل السنة منهجاً لهم ، وتسخير أهل الفضل المصلحين للقيام بذلك .
فأي جهد للحزبيين وأمثالهم في مثل هذه المواطن غير إدخال الفرقة والتحزب بين المسلمين ؟! .
ماذا صنعوا ف أفغانستان وتعدد ألويتهم ؟! .
وماذا صنعوا في مصر أيام الحروب الضروس التي شنّت عليهم ؟! .
وماذا صنعوا في فلسطين إلى هذا الحين ، وتعدد راياتهم ؟! .
أليس هذا من صنيع أولئك الحزبيين ؟! .
ولهذا أذهب الله ريحهم ، ولم ترفع لهم راية ، لتفرقهم وعدم الاتفاق على محل الوفاق وهو الكتاب والسنة وطريقة السلف ، ولكنهم خالفوا ، والله تعالى يقول في محكم التنزيل : { ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين } .
[ ولو أن الدعاة وأرباب تلك الدعوات ، رجعوا بالناس إلى المعدن الأصيل ، والمنبع الزلال من محكم التنزيل ، من الكتاب والسنة وطريقة السلف الصالح ، ودعوا إلى توحيد الله عز وجلّ ، لشرفهم الله تعالى بقيام دولة الإسلام ، لأن الله تعالى ذكره تكفل بنصرة عباده الموحدين ، وتوريثهم الأرض ، وقيام دولتهم ، كما قال تعالى في نصرهم : { إننا لننصر رسلنا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد } ، وقال تعالى : { الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلاّ أن يقولوا ربنا الله ولولا دفع الله الناس بعضهم لبعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيراً ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز } ، ونصرة الله تعالى تكون بالتوحيد والدعوة إليه ، والبراءة من الشرك وأهله ، ويقول تعالى : { قال موسى لقومه استعينوا بالله واصبروا إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين } ، والدولة الإسلامية تقوم على أركانٍ ثلاث : 1- الخلافة ، 2- والتمكين ، 3- والأمن ، وهذه لا تحصل لأمة إلاّ بالتوحيد والدعوة إليه ، كما قال تعالى : { وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون } ، وأما أهل الشرك وهو أكبر الظلم فلا تقوم لهم راية كما قال تعالى : { قال إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين } ، فلا قيام لدولة إسلامية إلاّ بالتوحيد والدعوة إليه ، و والله لو تقطعت أوصالهم لإقامة دولة إسلامية بغير توحيد الله لن يستطيعوا لذلك سبيلا ، والتاريخ من شواهد ذلك من قيام دولة النبي صلى الله عليه وسلم ، ولم يكن معه إلاّ حرٌ وعبد !! ، فاتسعت رقعة الإسلام بذلك ، ثم أخذت تضعف وتتقلص بقدر بعدهم عن توحيد الله عز وجلّ ، ومثال آخر قيام هذه الدولة برجالٍ قلّة ، مع الشيخ محمد بن عبدالوهاب والإمام محمد بن سعود – رحمهم الله – بتوحيدهم الصادق وهكذا قيامها مرّة أخرى مع الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود – رحمه الله – مع رجال هزال الأجساد ، أقويا عند الجلاد ، حتى قال أحد الكتاب النصارى الإنجليز عندما رءآهم معجبا بهم : ( لقد لقيت رجالاً عمائمهم بيض ، وثيابهم رثّة ، من وجد منهم غدائه لم يجد عشائه ، لو جاءوا إلى إنجلترا لفتحوها في يوم أو يومين ولا أظن أنهم يحتاجون إلى ثالث !! ) ] (1) (http://www.al-afak.com/vb/#_ftn9).
فالله أكبر على عزة الإسلام ، ولن تكون إلاّ بدين الله الخالص ، ومن ضيّعه وأهمله فهو عن النصر في معزل ، فأين دعوة الإخوان المفلسين عن هذا النصر وعمر دعوتهم أكثر من نصف قرن ؟! .
وأين دعوة التبليغ عن هذا النصر وعمر دعوتهم تبلغ القرن ؟! .
لماذا لم تقم دولة أفغانستان التي تروّت أرضها من دماء الشباب المسلم سنين عدّة ، وها نحن اليوم نرتقب أمر الله عز وجلّ في طالبان ، فإن صدقت شعاراتهم في نصرة الإسلام والدعوة إلى التوحيد ، فوالله : { إن تنصروا الله ينصركم } ، وإن كانت الأخرى ، فاذكروا كلامي السابق وعادة الله فيمن فرّط في أمره : { فاعتبروا يا أولي الأبصار } .
المغالطة الثانية : قوله : ( وقائل هذه المقالة أحد رجلين إما مغفل لا يدرك معنى ما يقول –وهم الغالبية إن أُحسن الظن فيهم- ، وإما مغرض دخيل على الصحوة يبذر فيها سمومه بلباس السلفية الزائفة . ومراد هذه المقالة باختصار – فصل الدين عن الدولة -. فيا
سعادة العلمانين بهذه المقالة ، ويا فرحة الغرب بهذاالمنهج الضال ) .
أقول : نسب المقالة إلى واحد ، ووصفه بكونه مغفّل ، ثم عمم الحكم بالغفلة لجميع ( الجامية !! ) بزعمه ، فالله يحاسبه على ما يقول ، وربّي لا يظلم مثقال ذرة ، وسوف يجازي الله الظالمين بظلمهم ، فهلاّ عدل وانصف وحكم كما حُكم على أخِ يوسف عليه السلام ، ولم يؤاخذ الأخوة بجريرته المفتعلة !! ، كما قال تعالى : { قالوا جزاؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه كذلك نجزي الظالمين } . وهذا المتقاعد لم ينزل هذا الحكم الجائر على قائل المقولة فقط ، بل عممها على كلّ من يسميهم بـ ( الجامية !! ) ، فيا ليته يبادر بالتوبة ، وليذكر قول الله تعالى : { وجزؤا سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله إنه لا يحب الظالمين } .
وهكذا ظلمه المتجاسر على وصف هؤلاء العصابة بكونهم علمانيين !! ، ويفصلون الدين عن الدولة !! ، ودسيسة من أعداء الدين !! ، ويفرح بدعوتهم الغرب !! ، فهذا كلّه من الظلم الذي هو من محض الافتراء على المؤمنين !! ، فأثبت عنهم بأنهم يطرحون السياسة مطلقاً ، ويفصلون الدين عن الدولة !! ، وأنهم دسيسة على الأمة الإسلامية !! ، إن كنت صادقاً ، وإلاّ فارتقب وعيد الله تعالى لمن افترى وظلم !! .
المغالطة الثالثة : قوله : ( أما المغرض فلا كلام لي معه إذ إنه لا ينفع فيه إلا أن يقال له – إتق الله وتب إليه - .
أما المغفل – وما أكثرهم والله المستعان – فللأسف فإنه أخطأ في إصغاء سمعه لأبواق زائفة ومنابر شاتمة .
أخي المغفل..!! ألم يكن أبو بكر أعلم الأمة حاكما للمسلمين … لماذا لم يزهد فيها ؟؟!! ، ومثله بقية الخلفاء
الراشدين؟؟؟!!!.
ألم يكن شيخ الإسلام المحرض الحقيقي في قتال المسلمين للتتار في أحد معاركهم واشتباكاتهم- معركة شقحب -؟؟؟!!!.
ألم يكن شيخنا وشيخكم الإمام المجدد محمد بن عبدالوهاب رحمه الله اليد اليمنى للإمام محمد بن سعود رحمه الله، وكان في بداية الدولة هو المرشد والموجه العسكري مع كونه مفتيا شرعيا؟؟؟!!! ) .
أقول : وهذا قول الذي يهذي بما لا يدري !! ، ونقول دعنا من المغرض بزعمك ، ونذهب إلى أهل الغفلة الذين كثّرت عدتهم !! ، و نفول له : كأنك تفسّر السياسة بأدلتك المذكورة بأنها ( الولاية و الجهاد ) ، وهذه السياسة ؛ أهل السنة هم أعرف الناس بها وألزمهم لها عندما ضل فيها من ضلّ من أهل البدع والأهواء ، وهذا التفسير من هذا الرجل يخالف السياسة التي نسمعها دوما منهم من أخبار الدول ، والرؤساء ، وعيوبهم ، بل وأخبار الماجنين والماجنات ، بل حتى أخبار الأشربة والمأكولات !! .
أما تنصيب الخليفة ، والسمع له ، فهذا هو أصل من أصولنا أهل السنة ، لأن الحاكم والمحكوم ركنان من أركان دولة الإسلام وثالثهما الدين ، ولا يصح إقامة ركن من هذا الأركان إلاّ بإقامة الأركان الأخرى ، قال كعب الأحبار: ( مثل الإسلام والسلطان والناس مثل الفسطاط والعمود والأوتاد والأطناب ، فالفسطاط الإسلام ، والعمود السلطان ، والأطناب والأوتاد الناس ، لا يصلح بعضهم إلاّ ببعض )
وانشدوا في ذلك قول الشاعر :
ولا سراة إذا جهالهم سادوا
ولا عماد إذا لم ترس أوتادُ
يوماً فقد بلغوا الأمر الذي كادوا







لايصلح الناس فوضى لا سراة لهم
والبيت لا ينبني إلاّ على عمدٍ
فإن تجمّع أوتادُ وأعمدة
















وقد اشتهر قول أمير المؤمنين الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه : ( لا إسلام إلاّ بجماعة ، ولا جماعة إلا بإمام ، ولا إمام إلاّ بطاعة ) .
فالسعي في تنصيب الأئمة وأخذ البيعة منهم ، واجب على كل مسلم ، وقد قال صلى الله عليه وسلم : (( من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتتة جاهلية )) رواه مسلم .
وحكم الولاية وحقوقها أهل السنة أعرف الناس بها ، وأفردوا المباحث المتنوعة في أحكام الراعي والرعية ، بل صنّف أهل العلم في ذلك المصنفات العديدة ، كـ " الأحكام السلطانية " للمارودي ، و " السياسة الشرعية " لابن تيمية ، و " الطرق الحكمية " لابن القيم ، و" بدائع السلك في طبائع الملك " لابن الأزرق ، وغيرها من المصنفات .
بل جعلوا السمع والطاعة والنصح للسلطان والحج والجهاد تحت رايته ، براً كان أم فاجراً ، من أصول أهل السنة ، كما : قال الإمام أحمد ـ رحمه الله ـ في رسالته في السنة من رواية عبدوس عند اللالكائي في كتاب السنة له (1/166) : ( أصول السنة عندنا – ثم ذكر جملة منها ، ثم قال : - السمع والطاعة للأئمة وأمير المؤمنين البرّ والـفـاجر ، ومـن ولي الخلافة فاجتمع الناس عليه ورضوا به ، ومن غلبهم بالسيف حتى صار خليفة سمّى أمير المؤمنين ، والغزو ماضٍ مع الأمراء إلى يوم القيامة البرّ والفاجر لا يترك ـ إلى أن قال : ـ وصلاة الجمعة خلفه وخلف من ولّى جائزة ركعتين ، ومن أعادهما فهو مبتدع تارك للآثار مخالف للسنة ـ إلى أن قال : ـ ومن خرج على إمام المسلمين وقد كان الناس اجتمعوا عليه وأقرّوا له بالخلافة بأي وجه كان : بالرضا أو بالغلبة فقد شقّ هذا الخارج عصا المسلمين وخالف الآثار عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فإن مات الخارج عليه مات ميتة جاهلية ، ولا يحلّ قتال السلطان ولا الخروج عليه لأحدٍ من الناس فمن فعل ذلك فهو مبتدع على غير السنة والطريق ...) .
وروى اللالكائي (1/154) في عقيدة الإمام سفيان الثوري ـ رحمه الله ـ قال : ( يا شعيب : لا ينفعك ما كتبت حتّى ترى الصلاة خلف كل برّ وفاجر ، والجهاد ماضٍ إلى يوم القيامة والصبر تحت لواء السلطان جار أو عدل ..) .
ونقل اللالكائي (1/167) في عقيدة الحافظ المحدّث علي بن عبدالله بن المديني ـ رحمه الله ـ قال : ( ... والغزو مع الأمراء ماضٍ إلى يوم القيامة البر والفاجر لا يترك ..) .
ونقل اللالكائي أيضاً (1/173) في اعتقاد الإمام أبو عبدالله البخاري رحمه الله الذي يقول عنه : ( لقيت عليه ألف شيخٍ من مشايخي ) : ( ... وأن لا ننازع الأمر أهله ، ولا نرى السيف على أمة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ ...) .
ونقل أيضاً (1/177) في عقيدة الإمامين أبي حاتم الرازي ، وأبي زرعة ـ رحمهما الله ـ قالا : ( .... ولا نرى الخروج على الأئمة
ولا القتال في الفتنة ، ونسمع ونطيع لمن ولاّه الله ـ عزّ وجلّ ـ أمرنا ، ولا ننزع يداً من طاعة ، ونتبع السنة والجماعة ونجتنب الشذوذ والخلاف والفرقة ...) .
وقال البربهاري ـ رحمه الله ـ في رسالته في " السنة " (صحيفة :78 ) : (... ومن خرج على إمام من أئمة المسلمين فهو خارجي ، وقد شقّ عصا المسلمين وخالف الآثار ، وميتته ميتة جاهلية ، ولا يحل قتال السلطان فإن فيه فساد الدين والدنيا ..) .
وقال الطحاوي ـ رحمه الله تعالى ـ في عقيدته المشهورة المتلقاة بالقبول جملة : ( ... ولا نرى الخروج على أئمتنا وولاة أمورنا وإن جاروا ، ولا ندعوا عليهم ولا ننزع يداً من طاعتهم ، ونرى طاعتهم من طاعة الله ـ عزّ وجلّ ـ فريضة ، ما لم يأمروا بمعصية ، و ندعوا لهم بالصلاح والمعافاة ..) .
وقال الإمام بن تيمية ـ رحمه الله ـ في " العقيدة الواسطية " : ( ... ويرون إقامة الحج والجمع والأعياد مع الأمراء أبراراً كانوا أو فجاراً ... ) .
وكما يجب علينا أن نبين حقوق الرعية على الراعي ونعتب عليه في التقصير فيها ، فكذلك يجب أن نعتب على الرعية في تقصيرها في حق الراعي ، وفي حق أنفسها ، فالحق لازم لكلا الطرفين ، وفي صلاح الولاة صلاح للرعية ، كما أن في صلاح الرعية صلاح للولاة ، وقد جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال : (( صنفان من امتي إذا صلح صلحا الناس : الأمراء والعلماء )) ، وهكذا جاء الحديث عن البيهقي وغيرها عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال : (( كما تكونوا يولّى عليكم )) ، و إسناده لا يصح ولكن معناه صحيح قطعاً ، ولهذا قال أبو بكر الطرطوشي مؤلف كتاب : " الحوادث والبدع " ، كما نقل عنه ابن الأزرق الأندلسي في : " بدائع السلك في طبائع الملك " ، ( 1/100) قوله : ( لم أزل اسمع الناس يقولون : أعمالكم عمّالكم ، كما تكونوا يولّى عليكم إلى أن ظفرت به في قوله تعالى : { وكذلك نولي بعض الظالمين بعضاً بما كانوا يكسبون } ) .
ولهذا لما قال عبيدة السلماني ـ وهو من خيار التابعين ـ لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه : ( يا أمير المؤمنين ما بال أبي بكر وعمر ـ رضي الله عنهما ـ طاع الناس لهما ؟، والدنيا عليهما أضيق من شبر واتسعت عليهما !، ووليت أنت وعثمان فلم يطيعوا لكما ؟ ، فصارت عليكما أضيق من شبر ؟! ، فقال : لأن رعية أبي بكر وعمر كانوا مثلي ومثل عثمان ، ورعيتي اليوم مثلك وشبهك ) .
وهذه قاعدة شرعية مطردة أن صلاح الحاكم يكون بصلاح الرعية ، ومتى فسدت الرعية عاقبهم الله بجور السلاطين وظلمهم ، لأن جور السلطان عقوبة ينزلها الله على عباده إذا عصوه وخالفوا أمره ، ولهذا جاء في غير حديث النص على ذلك مثل ما روى ابن ماجة في سننه من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال : كنت عاشر عشرة رهط من المهاجرين عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأقبل علينا بوجهه فقال : ( يا معشر المهاجرين ، خمس خصال وأعوذ بالله أن تدركوهن ، ما ظهرت الفاحشة في قوم حتى أعلنوها إلاّ ابتلوا بالطواعين والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم ، ولا نقص قوم المكيال والميزان إلاّ ابتلوا بالسنين وشدّة المؤونة وجور السلطان عليهم .. ) الحديث ، وهذا أمر متقرر شرعاً ويصدقه الواقع أن غلاء الأسعار ومنع الأمطار وجور السلاطين وتسلط الأعداء عقوبات يعاقب بها الله من عصاه من عباده .
والخلاصة من هذا كله أن أمر الأمة لا يتم إلاّ بمعرفة حق كل أحد ولا يهمل جانب على حساب جانب آخر ، وهذا كله مشاهد
وملموس ، فهناك من أهمل جانب الرعية وتركهم على ما هم عليه من الذنوب وقد تصل إلى الشرك في غالب الأحوال وانشغل بالسعي خلف الحكام والكلام في نظام الحكم ، ودخول البرلمانات وجمع الأصوات لنصر حزبه ، ويحصل منهم ما يحصل من ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ودعوة الناس إلى التوحيد والسنة ، و إقامة الدروس ومجالس العلم ، بل انهم يعدون من فعل ذلك قاصر الفقه بالدعوة ومهتم بقشور الأمور معرض عن لبابها !! ، كما يحصل الآن في بعض البلاد العربية من حرص بعض الجماعات على السعي لتحصيل مقعد في البرلمانات ويتفوهون ببغية إقامة حكومة إسلامية !! ، وهم لم ينكروا ساعة من نهار ما في بلدهم من عبادة القبور والتعلق بالأضرحة ، و فشو المنكر ، وهذا الفريق على طرف من الضلال .
والطرف الآخر هم من أهمل حق السلطان ، فلم يقدم له النصح ، باللسان ولا بالمكاتبة ولا بأي واسطة كانت ، بل تركوا الحكام عرضة لبطانة السوء فيدلونهم على الشر ويستحوذون عليهم ، وقد روى البخاري من حديث أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( ما بعث الله من نبي ولا استخلف من خليفة إلاّ كانت له بطانتان : بطانة تأمره بالمعروف وتحضه عليه ، وبطانة تأمره بالشرّ وتحضه عليه ، فالمعصوم من عصمه الله تعالى )) .
بل من هؤلاء من ينفّر الناس عن السلطان ، ويعدون الإعراض عن السلطان وحضور مجالسه قربة وطاعة !! ، ولم يفهموا صنيع بعض السلف في تحذيرهم من الوقوف على أبواب السلاطين ، ومراد ما نقل في ذلك هو التردد عليهم لمطلب من مطالب الدنيا مع إهمال جانب النصح و إنكار المنكر ، و إلا فحق السلطان ونصحه واجب شرعي ، بل ومن أعظم القرب ، وجمع الكلمة بين السلطان والرعية ، والدعاء لهم ، وبذل النصح لهم ، من أعظم القرب و الطاعات ، بل إن النصح لهم و دلالتهم على الخير وتحذيرهم من الشر من آكد ما تنعقد عليه بيعة المسلم لمن ولاّه الله عليه كما جاء ذلك في أحاديث كثيرة منها :
ما روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال : (( من أطاعني فقد أطاع الله
ومن عصاني فقد عصى الله ، ومن يطع الأمير فقد أطاعني ، ومن يعص الأمير فقد عصاني )) .
وروى مسلم عن أبي ذر ـ رضي الله عنه ـ قال : ( إن خليلي أوصاني أن أسمع وأطيع وإن كان عبداً حبشياً مجدّع الأطراف ) .
وعند البخاري من حديث أنس ـ رضي الله عنه ـ : (( ولو لحبشيٍ كأن رأسه زبيبه )) .
وعندهما عن ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ قال : قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : (( على المسلم السمع والطاعة فيما أحبّ وكره إلاّ أن يؤمر بمعصية ، فإن أُمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة )) .
وعندهما أيضاً من حديث ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ قال : قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : (( من رأى من أميره شيئاً يكرهه فليصبر ، فإن من فارق الجماعة شبراً فمات فميتته جاهلية )) ، وفي رواية أخرى من حديث الحارث الأشــعـري ـ رضي الله عنه ـ : (( فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه )) .
وعنده أيضاً عن عوف بن مالك ـ رضي الله عنه ـ قال : قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : (( خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم ، وتصلون عليهم ويصلون عليكم ، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم ، وتلعنونهم ويلعنونكم ، فقلنا : يا رسول الله أفلا ننابذهم بالسيف عند ذلك ؟! ، قال : لا ما أقاموا فيكم الصلاة ، إلاّ من ولي عليه والٍ فرآه يأتي شيئاً من معصية الله فليكره ما يأتي من معصية الله ولا ينزعن يداً من طاعة )) .
وروى مسلم أيضاً عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال : (( عليك بالسمع والطاعة في عسرك ويسرك و منشطك و مكرهك وأثرة عليك )) .
وعندهما عن عبادة بن الصامت ـ رضي الله عنه ـ قال : ( بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا ، وعسرنا ويسرنا ، وأثرة علينا وأن لا ننازع الأمر أهله ، قال : (( إلاّ أن تروا كفراً بواحاً عندكم من الله فيه برهان )) ) .
وروى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال : قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : (( إنما الإمام جُنّة يُقاتل من وراءه ويُتقى به ، فإن أمر بتقوى الله ـ عزّ وجلّ ـ وعدل كان له بذلك أجر ، وإن يأمر بغيره كان عليه منه )) .
وعند مسلم أيضاً عن عبدالله ـ رضي الله عنه ـ عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال : (( إنها ستكون بعدي أثرة وأمور تنكرونها !! ، قالوا : يا رسول الله كيف تأمر من أدرك منّا ذلك ؟! ، قال : تؤدون الحق الذي عليكم وتسألون الله حقكم )) ، ولم يقل نابذوهم بالسيف واخرجوا عليهم .
وعنه عند مسلم عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه قال : (( من بايع إماما فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه فليطعه إن استطاع ، فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر ..)) .
وقال سلمة بن يزيد الجعفي ـ رضي الله عنه ـ للرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ : يا نبي الله : أرأيت إن قامت علينا أمراء يسألوننا حقهم ويمنعوننا حقنا ، فما تأمرنا ؟ ، فأعرض عنه ، ثم سأله فأعرض عنه ثم سأله في الثالثة فأعرض عنه ، فجذبه الأشعث بن قيس ـ رضي الله عنه ـ وقال له : (( اسمعوا وأطيعوا فإنما عليهم ما حمّلوا وعليكم ما حمّلتم )) رواه مسلم .
وعنده أيضاً عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في حديثٍ وفيه : (( ومن خرج على أمتي
يضرب برّها و فاجرها ولا يتحاشى من مؤمنها ، ولا يفي لذي عهدٍ عهده فليس منّي ولست منه )) .
وروى مسلم عن أمّ سلمة ـ رضي الله عنها ـ قالت : قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : (( ستكون أمراء فتعرفون وتنكرون ، فمن عرف برئ ومن أنكر سلم ، ولكن من رضي وتابع ، قالوا : أفلا نقاتلهم ؟ ، قال : لا ، ما صلُّوا )) .
فهذا كلّه يدلل على عناية أهل السنة بالولاية في الإسلام وأحكام الإمامة ، وإلاّ هل يجهل أحد خلافة أبي بكر والخلفاء الراشدين من بعده ؟! .
أم هل يجهل أحد من الناس شرعية الجهاد ، ووجوبه إذا على الأمة على وجه الكفاية ، لا يسقط إلا بعذرٍ شرعي .
ومن أين لهذا المسكين أن أهل السنة من يصفهم بـ ( الجاميين ) لا يرون الجهاد بالمال والنفس كما صنع أئمة الهدى من قبلهم على رأسهم أمامهم الأول محمد صلى الله عليه وسلم !! ، فيقال له كما في المثل السائر : ( أثبت العرش ثم انقش ) .
وفي قوله : ( !! ألم يكن أبو بكر أعلم الأمة حاكما للمسلمين لماذا لم يزهد فيها ؟؟، ومثله بقية الخلفاء الراشدين؟؟؟ ) .
ما يوحي بأنه يقصد التسارع إلى نيل الخلافة ، وهذا مما نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم ، كما روى البخاري ومسلم من
حديث سمرة – رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( لا تسأل الإمارة فإنك إن أعطيتها عن مسألة
وكلت إليها ، وإن أعطيتها من غير مسألة أعنت عليها )) .
وروى البخاري من حديث أبي هريرة – رضي الله عنه – عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (( انكم ستحرصون على الإمارة ، وستكون ندامة يوم القيامة فنعم المرضعة وبئست الفاطمة )) .
فالخلافة عند أهل العلم لا تكون إلاّ :
1- بالنص ، وهذا لم يكن إلاّ لأبي بكر – رضي الله عنه – على خلاف بين أهل العلم في ذلك .
2- أو بالاستخلاف من خليفة سابق كصنيع أبي بكر مع عمر بن الخطاب – رضي الله عنهما – وفعلهم لنا سنة .
3- أو بالشورى ين أهل الحلّ والعقد كفعل عمر مع عثمان - رضي الله عنهما - .
4- أو قد تكون بالغلبة والسيف ، كسائر الخلفاء والأئمة .
ولا يحل لأحد أن يشاغب في طلب السلطة والأمارة إذا بويع لخليفة واجتمع الناس عليه ، بل من دعا إلى ذلك بعد اجتماع الناس على خليفة من المسلمين حكم الله ورسوله صلى الله عليه وسلم فيه أن يضرب عنقه ، كما روى مسلم عن أبي سعيد الخدري ـ رضي الله عنه ـ قال : قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : (( إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما )) ، يعني : إذا لم يستجيب للبيعة التي بايعها المسلمون .
المغالطة الرابعة :
قوله : ( أخي المغفل!!!!! إن كنت تريد - بقولك هذا- العلماء فأنت بهذا قد ارتكبت مكفرا إصرارك عليه قد يخرجك عن الملة وذلك أن العلماء إذا لم يتكلموا بالسياسة ويبينوا حكم الله فيها وإلا لصارت الدولة بلا شك –وهو الواقع- تسير إلى مستنقع الفساد لعدم المرشد والموجه والناصح الصادق ) .
وهذا كلام آخر يظهر مدى فساد طويته ، ولي عليه ملاحظتان :
الأولى : قوله : ( أخي المغفل!!!!! إن كنت تريد - بقولك هذا- العلماء فأنت بهذا قد ارتكبت مكفرا إصرارك عليه قد يخرجك عن الملة ) .
أقول : هو يدور ، ويحوم ، ويدبر ، ويقبل ، يبحث عن تكفير أولئك القوم ، فمرة يتهم بالاستحلال ، ومرة يتهمهم بالعلمانية ، ومرة بالعمالة للغرب ، وهنا أراد أن يدخل جمل الكفر عليهم من ثقب الإبرة !! ، فهو يرى أن هذه العبارة ( السياسة ترك السياسة ) كفراً ينقل عن الملة !! ، فهلاّ أظهر لنا هذا المتعالم أوجه الكفر في ذلك .
ثم مما يظهر جهله في أبواب الردّة والمكفرات قوله : ( إصرارك عليه قد يخرجك من الملة !! ) ، فإن المكفّر يكفر به صاحبه ولو مرّة واحدة إذا انتفت الموانع وتحقت شروطه ، ولا علاقة بالإصرار عليه من عدمه ، فمن أين جاء هذا المتقاعد بهذا القيد ؟؟!! .
الملاحظة الثانية : قوله : (أن العلماء إذا لم يتكلموا بالسياسة ويبينوا حكم الله فيها وإلا لصارت الدولة بلا شك –وهو الواقع- تسير إلى مستنقع الفساد لعدم المرشد والموجه والناصح الصادق ) .
أقول : قد تقدم معنى السياسة التي يبحث أمثاله عنها ، وما هي التي يعاب على العالم تركها والتي لا يعاب عليه ، فلا حاجة إلى التكرار ، ولكن قوله : ( لصارت الدولة بلا شك – وهو الواقع – تسير إلى مستنقع الفساد ) ، وهذا يظهر كمده الذي يكنّه في جوفه ، كما يظهر تناقضة ، فقد تقدم انتقاده على من يذم هذه البلاد ويفرط في تكفير الحكام وسبهم ، ثم الآن يجئ ويتهم هذه الدولة بالسير إلى مستنقع الفساد ، بل يوقع على مقالاته بعبارة تظهر قبح ما يعتقد ، يقول فيها : ( أشهد الله على حب المجاهد أسامة بن لادن وعلى بغض الأمريكان وآل سعود وفقهاء السلاطين ) .
ويشتم هيئة كبار العلماء – في هذه البلاد – في قوله : ( لعدم المرشد الموجه والناصح الصادق !! ) ، فمن يكون هؤلاء إن لم يكونوا هم هيئة كبار العلماء ، وانظر كيف ينسبهم استحقاراً لهم بقوله : ( فقهاء السلاطين ) ، فمن يريد غير أكابر علماء الدنيا في هذه البلاد فمالي أرى لحوم العلماء أمست بين يديك مطعومة ، عندما أصبحت لحوم أهل البدع من علمائكم علينا مسمومة !! .
وفي الختام ، أناشد بالله عز وجل هذا المتستر تحت لقب : ( الوزير المتقاعد ) أن يتق الله عز وجلّ ، وأن لا يتكلم في أحدٍ إلاّ ببينة شرعية ثابتة ، ونقولٍ عنهم من كتاب مقروء ، وشريط مسموع ، ولا ينظر في الأسانيد المعللة والمعضلة المريضة !! ، فهل آفة الأخبار إلاّ رواتها ، وليحذر أن يرم أحداً من المسلمين بما ليس فيه ، والله تعالى يقول : { ومن يكسب خطيئة أو إثماً ثم يرم به بريئاً فقد احتمل بهتاناً وإثماً مبينا } ، ويقول : { والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتاناً وإثماً مبينا } ، وقال : { وقد خاب من افترى } ، وقال : { وقد خاب من حمل ظلما }
وليتثبت ، وليتحرّى ، امتثالاً لأمر الله عز وجلّ : { يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوماً بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين } . هذا والله أعلم ، وصلى الله وسلم على نبينا محمد ، وعلى آله وصحبه أجمعين ، وكتب / أبو عبدالرحمن بدر بن علي بن طامي العتيبي .



(1) (http://www.al-afak.com/vb/#_ftnref1) من مجموع مؤلفات الشيخ ( صحيفة : 360-361 ) ، وحقاً إن أساس القيام بالواجبات واجتناب المنهيات هو مخالطة التوحيد ومعرفة الأسماء والصفات بشاشة القلوب ، لأن عامة من عصى الله تعالى ، ولو كان بأحقر الذنوب في أعين الناس ، هو في الحقيقة لم يقدر الله تعالى حق قدره ، ولو عرف الله تعالى حق معرفته ما حصل منه مخالفة لأمر الله تعالى ، قال تعالى : { وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عمّا يشركون } ، ولهذا فالعلماء هم أخشى الناس بالله لعظيم مبلغ علمهم بالله ، وأعلم الناس بالله هم العلماء وعلى رأسهم الأنبياء ، ولهذا قال تعالى : { إنما يخشى الله من عباده العلماء إن الله عزيز غفور } .

(1) (http://www.al-afak.com/vb/#_ftnref2) من " ذيل تذكرة الحفاظ " ( صحيفة : 252 ) ، وإيّاك وتعليقات الكوثري على هذا الكتاب .

( 1 ) (http://www.al-afak.com/vb/#_ftnref3) كل هذه قاله سلمان بن فهد العودة ، كما هو مثبّت عليه ليس المجال مجال ذكرها ذا الآن ، ومن أراد التثبت فلينظر ما كتبه أخونا أبو ريان الطائفي المسمى بــ : " البيان المختصر لضلالات سلمان العودة وسفر الحوالي وناصر العمر " ، وكتاب : " الإرهاب " لزيد المدخلي ، وكتاب : " القطبية " للعدناني .

(1) (http://www.al-afak.com/vb/#_ftnref4) في كتابه : ( النقض الرشيد على مدّعي التشديد ) ، ووصفه فيه بالهوى والجهل ، وكان هذا في أول هذا القرن الهجري .

(1) (http://www.al-afak.com/vb/#_ftnref5) راجع الشريط ، وقد طبعت هذه المحاضرة في كتاب ، وصحح بعض كلامه دون البعض الآخر ، وفي الكتاب ما يدل على أنه يذهب إلى هذا المذهب وطوام أخرى .

(1) (http://www.al-afak.com/vb/#_ftnref6) من كتابه صفة الغرباء : ( صحيفة : 123 ) .

(2) (http://www.al-afak.com/vb/#_ftnref7) المصدر السابق .

(2) (http://www.al-afak.com/vb/#_ftnref8) المصدر السابق .

(1) (http://www.al-afak.com/vb/#_ftnref9) ما بين معكوفتين ، منقول بالمعنى من كتابي : " مفاتح النصر من سورة العصر " .