المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : أئمة الجرح والتعديل هم حملة الدين


ابومصعب المنشاوى
27th February 2009, 05:06 PM
أئمة الجرح والتعديل
هم حماة الدين
من كيد الملحدين وضلال المبتدعين وإفك الكذابين
(رد على بعض المتعالمين)
كتبه:
ربيع بن هادي المدخلي


بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه .
أما بعد - فقد اطلعت على تعقيب يغلب على ظني غلبة تقرب من اليقين أنه لأحد المتعالمين المغرورين ألا وهو فاروق الغيثي الذي أعرفه وأعرف من حرضه ومن وراءه ويمكن إلى حد بعيد أنه أمده بمعلومات فاشلة ليجعله كبش فداء كما يقال ، ولي على تعيين هذا المتعالم أدلة .
الأول : أنه كان قد اتصل بي وفي خلال اتصاله صرح لي بأنه سيتعقب نصيحتي للشيخ فلان .
الثاني : أنه قد جاءني تعقيبه وفي طليعته " أما بعد فهذا كما وعدتكم التعقيب(1) على مذكرتكم الثانية التي أرسلتم بها إلى الشيخ فلان بن فلان - حفظه الله- والمؤرخة في محرم 1425هـ ، ولكنه وقع عليها بغير اسمه .
الثالث : أنه خلال اتصاله بي عرض علي نصاً من كلام الذهبي في الموقظة يتعلق بالرواية عن أهل البدع ، لأبين له معناه فبينت له معناه الصحيح وكان هذا البيان مخالفاً لما توهمه من هذا النص .
ثم جاءني هذا النص بعينه في تعقيبه هذا الذي أقوم بمناقشته.
فان اقتنع القراء بما قلته وبما ذكرته من أدلة فذاك وإلا فإننا قد تعودنا مع الأسف من بعض الناس التعنت والشك والتشكيك في اليقينيات وسوف نقول ونعتقد أن هذا لا يضيرنا ، لأن هدفنا الأول هو دحض إساءات وأباطيل أهل الفتن ، وبيان فساد أصولهم.
ثم الذب عن منهج أهل السنة وأصولهم العظيمة التي لا يقوم الإسلام إلا بها، وإبراز مكانة علماء الحديث والجرح والتعديل الذين حفظ الله بهم دينه والذب عنهم .
ونعتقد أن هذا من الواجبات علينا وقد وفقنا الله للقيام به أرجو من الله الجزاء الحسن عليه .
أقول: وإن من عجائب هذا المتعالم حطه الكثير على أئمة الحديث والتقليل من شأنهم وشأن علم الجرح والتعديل ، فلا أئمة الحديث و لا أئمة الجرح والتعديل أهل وأكفاء للكلام في أهل البدع، ولا قواعد الجرح والتعديل تتناول أهل البدع والضلال .
ومن المناسب هنا أن أقدم بين يدي مناقشة أباطيله لمحةً عن مكانة أئمة الحديث ثم أدلف إلى مناقشة أباطيله لأبين زيفها لطلاب الحق من أولي النهى .
فأقول : إن الله بعث محمدًا ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالهدى ودين الحقّ ليُظهره على الدين كلِّه ولو كره الكافرون.
وإنَّ أسعدَ الناس بهديه واتباعه وحبِّه وموالاته ونصرة ما جاء به من الحق: هم صحابته الكرام، ومن اتبعهم بإحسان من القرون المفضلة، ومَن سلك سبيلَهم، وترسّم خطاهم إلى يوم الدين.
ثم إن مَن يدرس أحوال السابقين واللاحقين من الفِرق المنتسبة إلى أمة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ ويدرُس مناهجَهم وعقائدهم وأفكارَهم بإنصاف وفهم وتجرُّد يجد أنّ أهلَ الحديث هم أشدُّ الناس اتباعاً وطاعةً وتعلُّقـًا وارتباطـًا بما جاءهم به نبيُّهم محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ كتابـًا وسنّة، في عقائدهم، وعباداتهم، ومعاملاتهم، ودعوتهم، واستدلالهم، واحتجاجهم؛ وهم على غاية من الثقة والطمأنينة بأن هذا هو المنهج الحق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وأنه الطريقُ السليم، والصراطُ المستقيم؛ وما عدا ذلك من المناهج والسبل فأمرٌ لم يشرعه الله ولم يرضَ به، ولا يؤدِّي إلاّ إلى الهلاك والعطب.
فمن هم أهل الحديث إذًا؟
هم من نَهَج نَهْج الصحابة والتابعين لهم بإحسان في التمسُّك بالكتاب والسنة، والعض عليهما بالنواجذ، وتقديمهما على كلِّ قول وهدى، سواء في العقائد،
أو العبادات، أو المعاملات، أو الأخلاق، أو السياسة والاجتماع.
فهم ثابتون في أصول الدين وفروعه على ما أنزله الله وأوحاه على عبده ورسوله محمد ـ صلى الله عليه وسلم.
وهم القائمون بالدعوة إلى ذلك بكل جد وصدق وعزم، وهم الذين يحملون العلم النبوي، وينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين.
فهم الذين وقفوا بالمرصاد لكل الفرق التي حادت عن المنهج الإسلامي، كالجهمية، والمعتزلة، والخوارج، والروافض، والمرجئة، والقدريّة، وكلّ من شذّ عن منهج الله واتبع هواه في كلِّ زمان ومكان، لا تأخذهم في الله لومة لائم.
هم الطائفة التي مدحها رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وزكاها بقوله: ((لا تزال طائفةٌ من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خذلهم ولا مَن خالفهم حتى تقوم الساعة))( ).
هم الفرقة الناجية الثابتة على ما كان عليه رسولُ الله r وأصحابه، الذين ميّزهم رسول الله r وحدّدهم عندما ذكر أن هذه الأمة ستفترق إلى ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلاّ واحدة، فقيل: مَن هم يا رسول الله؟، قال: ((مَن كان على ما أنا عليه وأصحابي)).
لا نقول ذلك مبالغةً ولا دعاوى مجرَّدة، وإنما نقولُ الواقع الذي تشهد له نصوصُ القرآن والسنة، ويشهد له التاريخ، وتشهد به أقوالهم، وأحوالهم، ومؤلفاتهم.
هم الذين وضعوا نصب أعينهم قول الله تعالى: {واعتصموا بحبل الله جميعـًا ولا تفرّقوا } [آل عمران: 103]، وقوله: { فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذابٌ أليم } [النور: 63]؛ فكانوا أشدَّ بُعدًا عن مخالفة أمر رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأبعدهم عن الفتن.
وهم الذين جعلوا دستورهم: { فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكِّموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجـًا مما قضيت ويسلموا تسليمـًا } [النساء: 65] ؛ فقدّروا نصوص القرآن والسنة حق قدرها، وعظّموها حق تعظيمها؛ فقدّموها على أقوال الناس جميعـًا، وقدموا هديها على هدي الناس جميعـًا، واحتكموا إليها في كل شيء عن رضى كامل، وصدور منشرحة، بلا ضيق ولا حرج، وسلموا لله ولرسوله التسليم الكامل في عقائدهم، وعباداتهم، ومعاملاتهم.
هم الذين يصدقُ فيهم قول الله: { إنما كان قول المؤمنين إذا دُعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون } [النور: 51].
هم بعد صحابة رسول الله جميعـًا ـ وعلى رأسهم الخلفاء الراشدون ـ سادة التابعين، وعلى رأسهم: سعيد بن المسيب (ت بعد 90ه( وعروة بن الزبير
(ت 94ه( وعلي بن الحسين زين العابدين (ت 93ه)، ومحمد بن الحنفية (ت بعد 80ه( وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود (ت 94 أو بعدها)،
و سالم بن عبد الله بن عمر (ت 106ه( والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق (ت 106ه( والحسن البصري (ت 110ه( ومحمد بن سيرين (ت 110ه(وعمر ابن عبد العزيز (ت 101ه( ومحمد بن شهاب الزهري (ت 125ه(.
ثم أتباع التابعين، وعلى رأسهم: مالك (ت 179ه(والأوزاعي (ت 157ه(وسفيان بن سعيد الثوري (ت 161ه( وسفيان بن عيينة (ت 198ه( وإسماعيل بن علية (ت 193ه( والليث بن سعد (ت 175ه(.
ثم أتباع هؤلاء، وعلى رأسهم: عبد الله بن المبارك (ت 181ه(ووكيع بن الجرّاح (ت 197ه( والإمام محمد بن إدريس الشافعي (ت 204ه( وعبد الرحمن ابن مهدي (ت 198ه( ويحيى بن سعيد القطّان (ت 198ه( وعفّان بن مسلم (ت 219ه(.
ثم تلاميذ هؤلاء الذين سلكوا منهجهم، وعلى رأسهم: الإمام أحمد بن حنبل (ت 241ه( ويحيى بن معين (ت 233ه( وعلي بن المديني (ت 234ه(.
ثم تلاميذهم كالبخاري (ت 256ه(، ومسلم (ت261ه( وأبي حاتم (ت 277ه( وأبي زُرعة (ت 264ه( وأبي داود (ت 275ه( والترمذي
(ت 279ه( والنسائي (303هـ).
ثم مَن جرى مجراهم في الأجيال بعدهم، كابن جرير (ت 310ه ( ، وابن خزيمة (ت 311هـ) والدارقطني (ت 385ه ( في زمنه، والخطيب البغدادي (ت 463ه( ، وابن عبد البر النمري (ت 463ه( ، وعبد الغني المقدسي (ت600هـ)، وابن قدامة (ت 620ه( ، وابن الصلاح (ت 643ه(، وابن تيمية (ت 728ه( ، والمزّي (ت 743ه( ، والذهبي (ت 748ه( ، وابن كثير (ت 774ه( ، وأقران هؤلاء في عصورهم ومَن تلاهم واقتفى أثرهم في التمسُّك بالكتاب والسنة إلى يومنا هذا.
ولهم مؤلفات في نصرة العقيدة الصحيحة المستمدة من الكتاب والسنة وما كان عليه الصحابة والتابعون(1) .
وهذه المؤلفات كثيرة لا تحصى ، أذكر منها ما يأتي :
1- الرد على الجهمية لإمام أحمد .
2- السنة لعبد الله بن أحمد .
3- الإيمان لابن أبي شيبة .
4- الإيمان لأبي عبيد .
5- خلق أفعال العباد للبخاري وضمن كتابه الصحيح كتاب الإيمان ، كتاب التوحيد وكتاب الاعتصام .
6- وكتاب السنة للخلال جامع علم أحمد في ثلاث مجلدات .
7- كتاب الرد على الجهمية وكتاب الرد على بشر المريسي كلاهما لعثمان بن سعيد الدارمي .
8- وكتاب السنة للأثرم .
9- وكتاب الشريعة للآجري .
10- والسنة لابن أبي عاصم .
11-والسنة لابن شاهين .
12- والاستقامة لحشيش بن أصرم .
13- وكتاب التوحيد لابن خزيمة .
14- والإيمان لابن منده واتوحيد له .
15- وكتاب الإيمان بالقدر وكتاب الأسماء والصفات لأبي بكر أحمد بن اسحاق المشهور بالصبغي .
16- وكتاب السنة لأحمد بن محمد العسال .
17- وكتاب الصفات .
18- وكتاب النـزول .
19- وكتاب الرؤية الثلاثة للإمام الدارقطني .
20- والإبانة الكبرى ، 21- والإبانة الصغرى ،22-والسنة ، ثلاثتها لابن بطة العكبري .
23- وشرح أصول السنة للإمام اللالكائي .
24-والحجة في بيان المحجة لأبي القاسم التيمي .
25- وكتاب الصفات في جزئين لعبد الغني المقدسي .
26- ومؤلفات كثيرة للإمام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم .
وتتابعت تآليفهم في خدمة السنة والعقيدة إلى يومنا هذا .
فهم والحمد لله سادة الأمة وقادتها في الحديث والرجال والعقيدة والفقه وهم الذابون عن دين الله عقيدة وشريعة والقامعون لأهل الإلحاد وأهل البدع في كل زمان ومكان ، وقد أحصيت في كتابي جماعة واحدة لاجماعات لأهل الحديث والسنة في هذا العصر حوالي خمسين ومائة كتاب في الرد على الملاحدة وأهل البدع من الروافض وغيرهم من أهل الضلال وهذا غيض من فيض جهادهم في رفع راية الإسلام والسنة وإزهاق الأباطيل والضلالات التي انحرف أهلها عن جادة الإسلام وتنكبوا عن الصراط المستقيم ، كل هذا ناشيء عن إدراكهم لعظمة الحق الذي جاء به محمد r وخطورة ما يخالفه من الكفر والشرك والبدع فجزاهم الله عن الإسلام والمسلمين أفضل الجزاء وأرغم الله أنوف من يتنقصهم ويزدري بجهودهم .
ثم بعد هذه اللمحة المضيئة عن أهل الحديث وعلى رأسهم أئمتهم أبدأ بمناقشة هذا المتعالم .


فأقول : إن من عجائب هذا المتعالم :
الحط على أئمة الحديث والتقليل من شأنهم وشأن علم الجرح والتعديل .
فلا أئمة الحديث وأئمة الجرح والتعديل أهل وأكفاء للكلام في أهل البدع ولا علم الجرح والتعديل يتناول أهل البدع .
وما أدري من أين اكتسب هذه النـزعة ، وهاكم الأدلة من وريقاته المظلمة المليئة بالجهل :
1- قال : هل الجرح والتعديل الذي في علم المصطلح هو نفسه كلام الأئمة والعلماء في أهل البدع والأهواء ، أو بمعنى آخر هل تطبق قواعد هذا العلم في الكلام على أهل النحل ؟
أقول : الجواب إن علم الجرح والتعديل ليدخل في أبجدياته وأوائله أهل البدع ولا سيما الدعاة والكذابين منهم .
وهات أقوال الأئمة من أهل الحديث وغيرهم في إخراج أهل البدع واستثنائهم من علم وقواعد الجرح والتعديل .
2- قال : " إن علم الجرح والتعديل جانبي من علوم الشريعة له ضوابط وقواعد محددة معروفة بينها أهل هذا العلم في كتبهم .
أما الكلام في الرجال غير الذين في الرواية فهذا يحتاج إلى عالم محيط بالشريعة ينظر في الأصول ويستقرأ الأدلة ليخرج بعدها بحكم على هذا الرجل وهل خالف منهج أهل السنة والجماعة أو لا ؟ ".
أقول : في هذا الكلام حط على علم الجرح والتعديل وأنه علم جانبي أي هامشي وحط على علمائه بأنهم ليسوا أهلاً للحكم على أهل البدع ، لأنهم لا يمتلكون أدوات النظر والاستدلال ولا يستطيعون استقراء الأدلة بل المؤهل لذلك هو وأمثاله الذين أحاطوا بالشريعة ، فهم المؤهلون للنظر في الأصول ولعل منها أصل التوحيد أي علم الكلام والجدل كما يزعم أهل البدع ، ومؤهلون لاستقراء الأدلة من الكتاب والسنة واستخراج الأحكام على أهل البدع ، أما علماء الجرح والتعديل فليسوا من كل ذلك في شيء لأنهم لا أصول لهم تؤهلهم للنظر في نصوص الكتاب والسنة واستخراج الأحكام منها ، ولأن علمهم جانبي أي هامشي سطحي.
3- قال : " لقد كان أغلب مذكرتكم مركزة حول مسألة أصبح من الواجب البيان عنها وتجليتها بوضوح وهي : هل الجرح والتعديل الذي في علم المصطلح هو نفسه كلام الأئمة والعلماء في أهل البدع والأهواء ، أو بمعنى آخر هل تطبق قواعد هذا العلم في الكلام على أهل النحل ؟ وهذا ما سنبينه في هذا التعقيب بإذن الله ".
أقول : لأول مرة في تاريخ علماء المسلمين تظهر هذه الدعوى الباطلة القائمة على الجهل والهوى ، وهي إخراج الكلام في أهل البدع والأحكام عليهم عن قواعد علماء الجرح والتعديل في علوم الحديث وهو وغيره أعجز من أن يخرجوا أهل البدع والنحل من دائرة نقد أئمة الجرح والتعديل والأحكام عليهم قيد شعرة فضلاً عن أن يجلوا ذلك ويوضحوه .
4- قال : " لهذا فأنا سأبين بعض الفروق بين الجرح والتعديل في علم الرواية وبين كلام العلماء وطعنهم في أهل البدع والأهواء ، والذي انتقدتموه على الشيخ فلان-حفظه الله- هو قوله ( لا تقل جرح ) وهذا منه تربية للشباب وتعويدهم على عبارة (طعن) لأن الشاب إن قال (جرح) ممكن أن يفتح عليه الملبس باب الرواية وقواعدها فيتيه فيها ، ولهذا كان كلام العلماء في أهل البدع جرحاً أو ليس بجرح فالمصطلحات لا مشاحة فيها" .
أقول : إن كان هذا هو قصد الشيخ فلان فإنها لمصيبة إذ يصدق على قوله وقصده المثل " كمن يريد أن يبني قصراً ويهدم مصراً " بل لا بناء فيها إطلاقاً يريد أن يحمي الشباب من ضرر موهوم فجره إلى مصادمة قواعد أئمة الجرح والتعديل ، وجرك أنت إلى التهوين منها والحجر عليها من أن تطال أهل البدع وجرك إلى الحط على أئمة الحديث والجرح والتعديل وإنكار جانب عظيم من جهادهم في الحفاظ على الدين وحمايته وحماية أهله من غوائل طوائف الضلال وطوائف الإلحاد ، ونسبة هذا الجهاد العظيم إلى غير أهله ، بل إلى من لا وجود لهم إلا في خيال أهل الخبال .
والحق أنه لا خطر ولا ضرر على الشباب من منهج أهل الحديث والسنة ولا من قواعده وإنما الخطر عليهم من المناهج والقواعد الني تخالف منهجهم وقواعدهم .
والذي يريد حماية الشباب بصدق وإخلاص إنما يحثهم ويربيهم على المنهج الحق ونصوصه وقواعده ويدفع عنهم الشبه بما حواه هذا المنهج من الأصول والضوابط لا بما يخترع من الوساوس والتمويهات التي تحط من قيمة ومكانة هذا المنهج وقواعده وتفسد عقول الشباب وتبث بينهم الفتن والخصومات والصراعات وتقضي على مكارم الأخلاق من الصدق والورع وحب الحق ونصرته والموالاة في الله والمعاداة فيه لا في الباطل والأشخاص والأهواء .
كان عليكم إذا احتج أحد بقواعد علم الحديث في غير محلها أن تقولوا : " كلمة حق أريد بها باطل " وتبينوا باطله وفساد استدلاله لا أن تنحوا القواعد عن مكانتها وتستبدلوا بها قواعد فاسدة تؤدي إلى الفتن واحتدام الخلافات .
أرأيتم لو احتج إنسان بآيات وأحاديث على باطل ، أنهون من شأن الآيات والأحاديث والعياذ بالله ؟ أو نقول كما قال علي -رضي الله عنه- للخوارج حينما كانوا يقولون لا حكم إلا لله "كلمة حق أريد بها باطل" .
الواجب أن نسلك مسلك علي -رضي الله عنه- فإنه هو الحق والصواب عقلاً وشرعاً وفطرة ولا نسلك مسالك أهل الأهواء في اختراع الأصول الفاسدة لنصادم بها الأصول الصحيحة الراشدة .

4- قال : " الفرق الأول : كلام علماء الجرح والتعديل في الرواة قد يكون فيه موازنة ثم ساق أربعة أمثلة لما يزعم أن فيه موازنة ، مثالان منها لمن رمي ببدعة أحدهما رمي ببدعة الغلو في التشيع وثانيهما رمي بالإرجاء ، فعل هذا وهو يزعم أن علم الجرح خاص بالرواة لا يتناول أهل البدع فتعجبوا من تخبط من لا يعي ما يقول .
ثم قال :وفي المقابل فإن أقوال العلماء في أهل الأهواء لا مجال للموازنة فيها ".
انظر إليه كيف قابل بين علماء الجرح والتعديل وبين العلماء وكيف نسب منهج الموازنات إلى علم وعلماء الجرح والتعديل ونزه العلماء الذين لا يوجدون إلا في مخيلته من وجود الموازنة في أقوالهم في أهل الأهواء .
وذكر أن علماء العصر قد دحضوا هذه القاعدة .
ومعلوم أن الذين دحضوها هم علماء السنة والحديث لا علماؤه الذين لا يوجدون إلا في عالم الخيال .
ولذا لما ضرب عدداً من الأمثلة لإثبات دعواه هذه لم يستطع أن يذكر إلا علماء الجرح والتعديل مثل الإمام مالك وابن عيينة والإمام أحمد وابن معين والظاهر أنه لا يعلم أنهم من علماء الجرح والتعديل .
5- قال : " الفرق الثاني : الأوجه التي تجعل علماء الجرح والتعديل يتكلمون في الراوي محدودة وساق منها جهالة الراوي والفسق والتهمة بالكذب والبدعة وساق غيرها ".
وما علم المسكين أنه وقع في الحفرة بذكر البدعة فيما يجرح به علماء الجرح والتعديل وجهل أو تجاهل أن تحتها أنواعاً من البدع مثل بدعة الخوارج وبدعة التشيع والتشيع الغالي والرفض وبدعة القدرية وغلاة القدرية وبدعة الاعتزال وغلاة المعتزلة وبدعة الإرجاء وغلاة المرجئة وبدعة التصوف وغلاة التصوف وبدعة الأحزاب المعاصرة من تحرير وإخوان وقطبية وسرورية .. الخ ومن هذه البدع المكفرة وغير المكفرة وكل هذه البدع قد انتقدها أهل الحديث وبينوا أحكامها وأحكام أهلها.
كما أن أهل البدع يوجد فيهم الفساق والكذابون وقد افتروا ألوف الأحاديث منها الكثير لدعم بدعهم ، وقد فضحهم أئمة الجرح والتعديل بذلك لا غيرهم ممن هم في عالم الخيال أو من العلماء الذين لا يستطيعون الخوض في نقد الرجال.
ومن العجائب أنه قال هنا : "وأنت ترى أن البدعة وجه من تلك الوجوه لكن الحكم على الشخص بالبدعة له أوجه غير هذه تماماً نذكر منها ما يلي لأنه يصعب حصرها ، الخروج على الحكام والدعاء عليهم من فوق المنابر وتكفير الحكام وإثارة الرعية على الولاة والطعن في الصحابة والغلو في أهل البيت والتعصب للرجال وتعطيل صفات الباري عز وجل والطعن في أهل السنة ورميهم بالألقاب الشنيعة والموالاة والمعاداة على الأخطاء ومجالسة أهل الأهواء والدفاع عنهم والتزهيد في العلماء واتباع المتشابه وإنكار معلوم من الدين بالضرورة والخوض في مسائل الإيمان بالقدر إلى أن قال والوجوه كثيرة وكثيرة جداً وهي مدونة في بطون كتب السلف " .
أقول : كأن الرجل لا يرى أن أئمة الجرح والتعديل من السلف ولا كتبهم من كتب السلف .
ثم إن الرجل يقصد أن علم الجرح والتعديل وعلماءه في غفلة ساهون عن أهل هذه البدع وأن العلماء الذين في مخيلته هم الذين يقومون بالذب عن الشريعة وأهلها ويبينون حال أهل البدع ، وهذا افتراء عظيم على علماء السنة وأئمة الجرح والتعديل فهم والله العلماء حقاً وهم الذين يقومون على أهل البدع ويقمعونهم في كل زمان ومكان .
وكتب الجرح والتعديل وكتب الجرح الخاص مليئة ببيان حال أهل البدع ومنها كتب الإمام أحمد في الرجال وكتب ابن معين وكتب البخاري والجرح والتعديل لابن أبي حاتم وكتب النسائي والدارقطني والكامل لابن عدي وكتاب المجروحين لابن حبان ومعرفة الرجال للجوزجاني ومقدمة المدخل للحاكم ومقدمة المستخرج لأبي نعيم وغير ذلك من المؤلفات في الرجال والأحكام عليهم ومنهم أهل البدع والوضاعون وفي ذلك كتب وما اكتفوا بهذا بل قاموا بتأليف الكتب في بيان عقائد أهل السنة والذب عنها وعن أهلها وعلى رأسهم الصحابة وبيان البدع وأهلها والطعن فيهم والتحذير منهم ومن بدعهم ومن كتبهم والتحذير المطلق من دعاتهم وغلاتهم فلا يجالسون ولا يؤخذ منهم الحديث.
وأجازوا أخذ الحديث عن غير دعاتهم بشروط وقد بين ذلك في كتب علوم الحديث (المصطلح) غاية البيان .
هذه الأمور والجهود يخفيها صاحب الوريقات المظلمة أو يجهلها ويظن أنه بجهالاته يغطي الشمس واضحةً في كبد النهار، وقد تقدمت لك لمحة عن جهودهم ومكانتهم .
6- قال : " الفرق الثالث : أن الحكم على الراوي بالجرح لا يعتبر إخراجاً له من المنهج وأما حكم العلماء على رجل بالبدعة فهو إخراج له من المنهج أي أنه من الفرق النارية وهذا من الفروق الواضحة ".
أقول : هذا الكلام على بطلانه فيه تهميش لعلم الجرح والتعديل ولعلمائه وجهابذته .
فما هي براهينك على هذه القاعدة ومن هم أئمتك في هذه المقولة .
ولأضرب مثالين لبيان بطلان هذه الدعوى التي يرفضها أهل السنة وقبلهم علماء الجرح والتعديل .
قال الإمام يحيى بن معين في تليد بن سليمان المحاربي : ليس بشيء وقال : كذاب يشتم عثمان ، وكل من يشتم عثمان أو طلحة أو أحداً من أصحاب النبي r دجال لا يكتب عنه عليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين " التاريخ ( 2670) وهو من كتب الجرح والتعديل .
وقال أبو داود : رافضي يشتم أبا بكر وعمر وفي لفظ : خبيث ، الميزان ( 1/358) وهو من كتب الجرح .
وقال ابن حبان : "كان رافضياً يشتم أصحاب محمد r وروى في فضائل أهل البيت عجائب " كتاب المجروحين ( 1/204) وهو كما ترى كتاب المجروحين .
وقال الحاكم : " رديء المذهب منكر الحديث " المدخل ( 1/174) .
فهؤلاء علماء الجرح والتعديل وهذه كتب الجرح الخاص وكتب الجرح والتعديل العام وهذا حكمهم على تليد بن سليمان فهل بعد هذا الحكم الغليظ يبقى تليد سلفياً عندك لا يخرج من المنهج ؟ وهل أحد من أهل السنة والحديث يقول بهذا ؟
قاتل الله الجهل والهوى والقول في دين الله بغير علم ولا هدى .
جابر الجعفي كذبه عدد من العلماء وقال فيه سفيان "كان يؤمن بالرجعة" .
وقال زائدة بن قدامة : "هو كذاب يؤمن بالرجعة " الميزان ( 1/381،380) .
فهل ترى أن جابراً الجعفي لا يزال في دائرة أهل السنة ولم يخرج من المنهج ؟ وهل يعتقد ذلك أحد من أهل السنة أو من علماء الجرح والتعديل ؟
وقال إسحاق بن راهويه : " أخرجت خراسان ثلاثة لم يكن لهم نظير في البدعة والكذب جهم بن صفوان وعمر بن صبح ومقاتل بن سليمان .
فهل ترى أن هؤلاء الكذابين المبتدعين من أهل السنة ؟
نعم قد لا يخرج المجروح عن المنهج لكن هذا لا يجعل هذه القاعدة صحيحة بل هي باطلة منقوضة بعدد كثير من أهل البدع قد جرحهم علماء الجرح والتعديل ودونوهم في كتبهم .
7- قال : " الفرق الرابع : إن العلماء إذا بدعوا شخصاً فإنهم يحذرون من الأخذ منه وذكر سالماً الأفطس المرجيء وأن أهل السنة تركوا مجالسته .
وذكر تحذير أبي زرعة من حارث المحاسبي وذكر رأي مالك وأنه لا يؤخذ العلم عن أربعة وذكر منهم صاحب الهوى .
وذكر قول ابن مسعود " لا يزال الناس بخير ما أخذوا العلم عن أكابرهم فإذا أخذوه عن أصاغرهم وشرارهم هلكوا" .
ثم قال : "وجاء في فتاوى أئمة المسلمين بقطع لسان المبتدعين جمع محمود خطاب السبكي ما نصه :" وأجمع الأئمة المجتهدون أنه لا يجوز أخذ العلم عن مبتدع وقالوا: الزنا من أكبر الكبائر أخف من أن يسأل الشخص عن دينه مبتدع"(1) .
وروى عن ابن سيرين ( أن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذوا(2) دينكم )شرح علل الترمذي ( 1/252) وغيرها من الأدلة .
أما علماء الجرح والتعديل فإنهم يأخذون الرواية من المبتدع مع أن الرواية من أنواع تلقي العلم لكن بشروطها والعلة في ذلك هو الخوف من ذهاب أحاديث النبي r ".
وعليه في هذا الكلام مآخذ منها :
قوله : العلماء إذا بدعوا شخصاً حذروا من أخذ العلم عنه ويقصد بأهل العلم غير أهل الحديث وأئمة الجرح والتعديل ولكنه لجهله وغبائه يتكرر منه الوقوع في الحفر .
أ- فهنا ما وجد علماء يمثل بهم إلا علماء الجرح والتعديل أبو زرعة ومالك وقبلهم ابن مسعود الذي حذر من أخذ العلم عن الأصاغر.
وقد اختلف في تفسير الأصاغر فمنهم من فسرهم بأهل البدع ومنهم من فسرهم بصغار السن(1) ومن صغارهم صاحب الوريقات وإني لأخاف عليه أن يدخل في أهل البدع لأنه يتعصب للأشخاص ويطعن في أهل السنة ويمدح أهل البدع على مختلف أنواعهم ويدافع عنهم ويوالي ويعادي على الأخطاء وبحثه هذا من أكبـر الشواهد عليه .
ب- لم يعمل بما يقول فذهب ينقل عن محمود محمد خطاب السبكي وهو أشعري وقد نقل عنه هذا الإجماع المدعى .
وهذا الإجماع منقوض بمذاهب الأئمة المجتهدين ومنهم الشافعي وأحمد وأبو حنيفة وأصحابهم وسفيان الثوري وعبد الرحمن بن مهدي والبخاري ومسلم وغيرهم رووا عن أهل البدع وأجازوا الرواية عنهم بشروط منها الصدق والضبط وأن لا يكون هذا المبتدع داعية إلى بدعته ، ثم تراه يخبط خبط عشواء فينقل عن علي بن المديني وهو إمام مجتهد قال فيه البخاري : "ما استصغرت نفسي عند أحد إلا على بن المديني" .
نقل عنه أنه قال : "لو تركت أهل البصرة لحال القدر ولو تركت أهل الكوفة لذلك الرأي -يعني التشيع - خربت الكتب يعني لذهب الحديث ".
ونقول له: أليس ابن المديني من أقران الإمام أحمد في العلم والاجتهاد وكلاهما يجيز الرواية عن أهل البدع بشروطها .
وينقل عن ابن سيرين قوله:" إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم ".
أليس ابن سيرين من أهل الحديث المجتهدين ويقصد بهذا العلم علم الحديث بالذات ؟ وأنت توهم الناس أن المراد بالعلم في الدرجة الأولى غير الحديث وهو أشرف العلوم بعد القرآن ولا دين للأمة إلا به عقيدة وشريعة .
ثم تخفف وطأة قولك فتقول : " مع أن علم الرواية من أنواع تلقي العلم لكن بشروطها".
ما هذا التهوين من الحديث وأهله وعلومه أيها المتعالم ؟ وما هو الداء الذي دهاك وأخشى أن يصيب عصابتك؟.
وينقل عن الألباني قوله : "العبرة في الراوي إنما هو كونه مسلماً عدلاً ضابطاً أما التمذهب بمذهب مخالف لأهل السنة فلا يعد عندهم جارحاً ".
أقول : يريد الألباني بقوله : "جارحاً " الجرح المسقط للرواية ولو كان الراوي مجروحاً بالبدعة.
ويقصد "بأهل السنة الذين يقبلون رواية المبتدع" أئمة الحديث وعلى رأسهم الشافعي وأحمد وسفيان والبخاري ومسلم وأمثاله من أئمة الحديث المجتهدين .
فماذا استفدت من نقل كلام هو عليك لا لك ؟
ولا أريد أن أناقشه في كلامه كله فإن المجال لا يتسع لمناقشته في كل شيء .
لكن الشاهد من كلامه في الجملة أنه يهون من أهل الحديث وأئمة الجرح والتعديل وأقوال ومواقف أئمة الجرح والتعديل وهم سادة العلماء والفقهاء وبهم حفظ الله دينه .
8- قال : " الفرق الخامس : ينبني على الحكم على الشخص ببدعة أحكام ومعاملات ومنها لو كانت البدعة مكفرة تنـزل عليه أحكام الكفار .
أما الحكم على الراوي بالجرح قد لا ينزل عليه أحكام ومعاملات مثل ما ينزل على المبتدعة " .
أقول :
أ- إنه يريد أن علماء الجرح أقل وأجهل من أن يحكموا بالبدعة لأنهم لا يعرفون الأصول ولا يحيطون بالشريعة وليسوا بأهل لاستقراء أدلة الشريعة واستخراج الأحكام منها .
أما العلماء الذين يتخيلهم ولا وجود لهم فهم المؤهلون للحكم على أهل البدع لأنهم يحيطون بالشريعة .
وما علم المسكين أن الذين لا يميزون بين صحيح الحديث وسقيمه ليسوا بعلماء كما يقول الإمام أحمد وإسحاق بن راهويه : " إن العالم إذا لم يعرف الصحيح والسقيم والناسخ والمنسوخ من الحديث لا يسمى عالماً " ، معرفة علوم الحديث للحاكم ( ص 60 ) .
ونسي أن الإمام الشافعي مع جلالته وسعة أفقه واهتمامه بالحديث وعلومه يقول للإمام أحمد وإخوانه :" أنتم أعلم بالحديث والرجال مني فأيما حديث صح عندكم فأخبروني به شامياً كان أو مصرياً أو كوفياً" .
ويقول : في كثير من الأحوال "هذا إسناد لا يثبته أهل الحديث ".
وأهل الحديث هم الطائفة المنصورة التي وصفها رسول الله بأنهم على الحق ظاهرين حتى يأتي أمر الله .
ب- حديثه عن البدعة المكفرة يدل على جهله بأصول أهل الحديث والفقهاء وغيرهم من أهل السنة .
ومنها حكم البدعة المكفرة وأنه لا يلزم من كونها مكفرة كفر صاحبها حتى تقوم عليه الحجة، فقد كفر السلف بتعطيل صفات الله وإنكار رؤية الله في الدار الآخرة وبالقول بخلق القرآن ومع ذلك فالقول الراجح عندهم أن من وقع في شيء من هذه الضلالات لا يكفَّر حتى تقوم عليه الحجة .
جـ- إن علماء الحديث وأئمة الجرح والتعديل هم عمدة علماء الأمة في مختلف الأجيال في الغالب في الحكم على الأشخاص مبتدعة كانوا أو غيرهم سواءً كانت البدعة مكفرة أو غير مكفرة وبحوثهم في أهل البدع وغيرهم مشهورة مستفيضة .
وقد خصصوا أبواباً للبحث في أهل البدع في الكتب الواسعة أو المختصرة ومنها من بدعته مكفرة ، انظر الكفاية للخطيب (ص120-132) ط دائرة المعارف العثمانية ، واختصار علوم الحديث مع الباعث الحثيث ( 1/299-304) وشرح العلل لابن رجب (1/53-56) ومقدمة ابن الصلاح مع التقييد والإيضاح للعراقي (ص126-127) وتدريب الراوي للسيوطي (ص216-218) وانظر نزهة النظر (ص50-51) نشر مكتبة طيبة.
قال الحاكم في مقدمة كتابه "معرفة علوم الحديث"(ص1-2):" أما بعد:
فإني لما رأيت البدع في زماننا كثرت ومعرفة الناس بأصول السنن قلَّت، مع إمعانهم في كتابة الأخبار وكثرة طلبها على الإهمال والإغفال دعاني ذلك إلى تصنيف كتاب خفيف يشتمل على ذكر أنواع علم الحديث مما يحتاج إليه طلبة الأخبار المواظبون على كتابة الآثار".
فالواقف على هذا الكلام يرى أنه ما دفع الحاكم إلى تأليف هذا الكتاب في علوم الحديث (المصطلح) إلا كثرة البدع وغربة السنة.
ولما وصف الإمام أحمد أهل الحديث بأنهم الطائفة المنصورة أثنى عليه الحاكم ثم قال:" فلقد أحسن أحمد بن حنبل في تفسير هذا الخبر أن الطائفة المنصورة التي يرفع الخذلان عنهم إلى قيام الساعة هم أصحاب الحديث، ومن أحق بهذا التأويل من قوم سلكوا محجة الصالحين واتبعوا آثار السلف من الماضين، ودمغوا أهل البدع والمخالفين بسنن رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله أجمعين".
وهذه شهادة من الحاكم لهم باتباعهم النبي صلى الله عليه وسلم وأنهم يدمغون أهل البدع بسنن رسول الله صلى الله عليه وسلم ويا لها من حجج دامغة ولم ينسب هذه المزية لغيرهم.
وقال الحاكم في وصف أهل الحديث(ص3):" فعقولهم بلذاذة السنة عامرة، وقلوبهم بالرضاء في الأحوال عامرة، تعلم السنن سرورهم ومجالس العلم حبورهم، وأهل السنة قاطبة إخوانهم، وأهل الإلحاد والبدع بأسرها أعداؤهم".
وقال أيضاً رحمه الله بعد ذكره أناساً يطعنون في أهل الحديث(ص4):" ومثل هذا عهدنا في أسفارنا وأوطاننا كل من ينسب إلى نوع من الإلحاد والبدع لا ينظر إلى الطائفة المنصورة إلا بعين الحقارة ويسميها الحشوية".
فهذا الذي نناقشه قد حقر أئمة الجرح والتعديل وكاد أن يرميهم بالحشوية، فما وصفه لهم بالأوصاف التي وصفهم بها ببعيدة عن وصفهم بالحشوية.
وقال رحمه الله أيضاً(ص6):" فلولا الإسناد وطلب هذه الطائفة له وكثرة مواظبتهم على حفظه لدرس منار الإسلام، ولتمكن أهل الإلحاد والبدع منه بوضع الأحاديث وقلب الأسانيد، فإن الأخبار إذا تعرت عن وجود الأسانيد فيها كانت بُتراً".
فاهتمامهم بالأسانيد ومواظبتهم عليها فيه حفظ لمنار الإسلام ووضع سد منيع في وجه أهل الإلحاد و البدع حتى لا يتمكنوا من الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقد عقد الحاكم في كتابه "معرفة علوم الحديث":" النوع الثاني والثلاثون في معرفة مذهب المحدثين
1- ذكر فيه قول مالك بن أنس :" لا يؤخذ العلم عن صاحب هوى".
2- وذكر رمي ابن معين لمحمد بن مناذر بالزندقة، ووصف إبراهيم بن أبي يحيى بأنه جهمي قدري.
3- وذكر عن سفيان الثوري أنه يسمع الحديث من الرجل فيتخذه دينا ويسمع الحديث من الرجل فيتوقف فيه ويسمع من الرجل فلا يعتد به ويحب معرفة مذهبه.
4- ولما حدث أبان بن تغلب بحديث فيه قرص لعثمان قال له المعتمر كذبت وصاح به.
5- وذكر أن الإمام أحمد رمى إبراهيم بن طهمان بالإرجاء.
6- وذكر عن ابن عيينة أنه قال :" ألا فاحذروا ابن أبي رواد المرجئ واحذروا إبراهيم بن أبي يحيى القدري.
7- وسئل علي ببن المديني عن أبي إسرائيل الملائي فقال: لم يكن في حديثه بذاك وكان يذكر عثمان يعني بالسوء.
8- ونقل عن الحسن بن واقد أن السدي كان يسب أبا بكر وعمر فلم يعد إليه.
9- ونقل عن ابن المبارك أنه قال في الحسين بن دينار أنه كان يرى رأي القدر.
10- وذكر أن يزيد بن هارون طعن في الحسين بن زياد اللؤلؤي طعناً شديداً، وذكر طعن يزيد بن هارون في حريز بن عثمان بسبب مذهبه أي بغضه لعلي رضي الله عنه.
11- وذكر طعن الثوري في الحسن بن صالح لأنه كان يرى السيف على أمة محمد صلى الله عليه وسلم.
12- وذكر عبد الواحد بن زياد أنه طعن في زفر بن الهديل من أجل أنه من أهل الرأي.
13- وأن سوار بن عبد الله يدعه من أجل الرأي.
14- وأن ابن إدريس طعن في سالم بن أبي حفصة لطعنه في عثمان وبني أمية.
15- وأن البخاري قال في عبد العزيز بن أبي رواد أنه كان يرى الإرجاء .
فهؤلاء أربعة عشر إماماً كلهم من أهل الحديث يجرحون أهل البدع ببدعهم، فهل تستطيع أن تخرج واحداً منهم عن دائرة أهل الحديث.
فما رأي العقلاء في قول هذا المسكين الذي جلب بخيله ورجله ليبين للناس أن قواعد علوم الحديث (المصطلح) لا تنطبق على أهل البدع، وأن العلماء الذين يحق لهم الكلام في أهل البدع هم غير أئمة الجرح والتعديل.
وقال الحافظ ابن رجب في شرح علل الترمذي (1/5356):"
مسألة في رواية المبتدع
وهذه المسألة قد اختلف العلماء فيها قديماً وحديثاً، وهي الرواية عن أهل الأهواء والبدع فمنعت طائفة من الرواية عنهم كما ذكره ابن يسرين، وحكي نحوه عن مالك وابن عيينة والحميدي ويونس بن أبي إسحاق وعلي بن حرب وغيرهم، وروى أبو إسحاق الفزاري عن زائدة عن هشام عن الحسن قال:" لا تسمعوا من أهل الأهواء" خرجه ابن أبي حاتم.
ورخصت طائفة في الرواية عنهم إذا لم يتهموا بالكذب منهم أبو حنيفة والشافعي ويحيى بن سعيد وعلي بن المديني، وقال علي بن المديني:" لو تركت أهل البصرة للقدر وتركت أهل الكوفة للتشيع لخربت الكتب".
وفرقت طائفة أخرى بين الداعية وغيره، فمنعوا الرواية عن الداعية إلى البدعة دون غيره، منهم ابن المبارك وابن مهدي وأحمد بن حنبل ويحيى بن معين وروي أيضاً عن مالك.
والمانعون من الرواية لهم مأخذان:
أحدهما: تكفير أهل الأهواء أو تفسيقهم وفيه خلاف مشهور.
والثاني: الإهانة لهم والهجران، والعقوبة بترك الرواية عنهم وإن لم نحكم بكفرهم أو فسقهم.
ولهم مأخد ثالث: وهو أن الهوى والبدعة لا يؤمن معه الكذب ولا سيما إذا كانت الرواية بما يعضد هوى الراوي.....
وعلى هذا المأخذ فقد يستثنى من اشتهر بالصدق والعلم، كما قال أبو داود:" ليس في أهل الأهواء أصح حديثاً من الخوارج، ثم ذكر عمران بن حطان وأبا الحسن الأعرج.
وأما الرافضة فبالعكس، قال يزيد بن هارون:" لا يكتب عن الرافضة فإنهم يكذبون" أخرجه ابن أبي حاتم.
ومنهم من فرق بين من يغلو في هواه ومن لا يغلو، كما ترك ابن خزيمة حديث عباد بن يعقوب لغلوه....
وقريب من هذا قول من فرق بين البدع المغلظة التهجم والرفض والخارجية والقدر، والبدع المخففة ذات الشبه كالإرجاء.
قال أحمد في رواية أبي داود:" احتملوا من المرجئة الحديث ويكتب عن القدري إذا لم يكن داعية". وقال المروزي :" كان أبو عبد الله يحدث عن المرجئ إذا لم يكن داعية".
ولم نقف له على نص في الجهمي أنه يروي عنه إذا لم يكن داعية، بل كلامه فيه عام أنه لا يروي عنه.
فيخرج من هذا أن البدع الغليظة كالتجهم يرد بها الرواية مطلقا، والمتوسطة كالقدر إنما يرد رواية الداعي إليها، والخفيفة كالإرجاء هل يقبل معها الرواية مطلقاً، أو يرد عن الداعية على روايتين".
1- استعرض أيها القاريء الواعي أسماء هؤلاء العلماء الذين أهمهم أمر الرواية عن المبتدعة المانع منهم منعاً مطلقاً والمجيز منهم بشروط وتحفظ، فسوف لا تجد الجميع إلا من أئمة الحديث والجرح والتعديل وهل يتصور العاقل أنهم لا يعرفون البدع وأنواعها وهل يقول عاقل أنهم ليسوا أهلاً لأن يحكموا على أهل البدع .
2- ولو تعرض غيرهم لهذا الأمر فلا تجده إلا تابعاً لهم ومغترفاً من بحرهم في هذا الباب وغيره من أبواب علوم الحديث والحكم على الرجال وما أوسعها وقدمنا لك نبذة عن مكانتهم وجهودهم في تأليف كتب في العقيدة السلفية وما يخالفها من العقائد الضالة وبيان حال أهلها على مختلف مراتبهم في البدعة والضلال .
فوالله لا يهون من أمر أئمة الحديث والجرح والتعديل إلا ناقص العقل والدين وظالم لنفسه مبين .
4- إن بعض علماء الجرح والتعديل قد حكموا على أناس بالزندقة فضلا عن البدعة لكفاءتهم وعلمهم بخطورة البدع والزندقة، أقدم لك حكم ابن معين على محمد بن مناذر بالزندقة.
فممن حكم عليه علماء الحديث بالزندقة صالح بن عبد القدوس الأزدي قال الذهبي:" صاحب الفلسفة والزندقة " الميزان ( 2/297) وقال الخطيب : " يقال إنه كان مشهوراً بالزندقة" ورماه غيرهما من الأدباء والمؤرخين بالزندقة ، انظر لسان الميزان( 3/ 541) وحكم عليه بعض أئمة الحديث بأنه متهم بالكذب .
ومن المتهمين بالزندقة سيف بن عمر التميمي ، قال ابن حبان " اتهم بالزندقة ويروي الموضوعات عن الأثبات " وكذا اتهمه الحاكم بالزندقة ، المدخل (1/191) والمجروحين (1/345) وانظر الميزان (2/255) وقال ابن عراق : " اتهم بالزندقة ووضع الحديث " تنـزيه الشريعة المرفوعة (ص66) .
ومنهم عبد الكريم بن أبي العوجاء قال الذهبي : "زنديق معثر" وقال الذهبي : قال أبو أحمد بن عدي:" لما أخذ لتضرب عنقه قال وضعت فيكم أربعة آلاف حديث أحرم فيها الحلال وأحل الحرام ، قتله محمد بن سليمان العباسي الأمير بالبصرة ، الميزان (2/644) .
قال الحافظ ابن حجر في لسان الميزان : " وذكر أبو الفرج الأصفهاني في كتاب الأغاني عن جرير بن حازم كان بالبصرة ستة من أصحاب الكلام ، واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد ، وبشار بن برد وصالح بن عبد القدوس وعبد الكريم بن أبي العوجاء ورجل من الأزد وكانوا ينزلون في منزل الأزد .
فأما عمرو وواصل فصارا إلى الاعتزال .
وأما عبد الكريم وصالح فصححا التنوية(1) وأما بشار فبقى متحيراً".
نقلت هذا الكلام وإن كان فيه الأصفهاني وهو غير ثقة لفائدة وهي تصديق ما يقال أن الأدباء والمؤرخين وغيرهم قد تأثروا بأهل الحديث في نقل الأخبار بالأسانيد .
ثم إن الأصفهاني يروي هذه القصة عن رجل من أهل الحديث .
9- قال : " الفرق السادس : علماء الجرح والتعديل قد يتكلمون في الراوي بسبب أمور لا تستدعي جرحه ، أما العلماء إذا تكلموا في شخص وبدعوه فبعد النظر في منهج أهل السنة والجماعة واستقراء الأدلة لأنهم يعلمون خطورة التبديع وفرق بين هذا وذلك" .
أقول :
أ- في هذا الكلام احتقار شنيع لعلماء الجرح والتعديل فإنهم في نظره يتكلمون في الراوي بسبب أمور لا تستدعي جرحه فما رأيه فيمن يرمونه مثلاً بالكذب أو يتهمونه به أو يرمونه بالفسق فهل يقال أنهم يرمونه بدون علم ولا ورع ولا خوف من الله ولا مراعاة حرمة أعراض المسلمين التي حرمها الله كحرمة دمائهم وأموالهم ، وإذا تجرؤا على تبديع شخص كما هو موجود في كتبهم فلا يعتد بهذا التبديع لأنه صدر من قوم لا يعلمون منهج أهل السنة والجماعة وليسوا بأهل للنظر فيه كما أنهم ليسوا بأهل لاستقراء الأدلة ولا يعلمون خطورة التبديع .
ب- أريد أن أسوق للقراء الكرام كلام من يعلم منزلة أئمة الجرح والتعديل عن دراسة وممارسة وخبرة طويلة .
قال العلامة الناقد الشيخ عبد الرحمن المعلمي -رحمه الله- " النقد والنقاد " ، ليس نقد الرواة بالأمر الهين ، فإن الناقد لا بد أن يكون واسع الإطلاع على الأخبار المروية ، عارفاً بأحوال الرواة السابقين وطرق الرواية ، خبيراً بعوائد الرواة ومقاصدهم وأغراضهم ، وبالأسباب الداعية إلى التساهل والكذب(1) والموقعة في الخطأ والغلط ، ثم يحتاج إلى أن يعرف أحوال الراوي متى ولد ؟ وبأي بلد ؟ وكيف هو في الدين والأمانة والعقل والمروءة والتحفظ ؟ ومتى شرع في الطلب؟ ومتى سمع ؟ وكيف سمع ؟ ومع من سمع ؟ وكيف كتابه، ثم يعرف أحوال الشيوخ الذين يحدث عنهم وبلدانهم ووفياتهم ، وأوقات تحديثهم وعادتهم في التحديث ثم يعرف مرويات الناس عنهم ويعرض عليها مرويات هذا الراوي ويعتبرها بها إلى غير ذلك مما يطول شرحه ، ويكون مع ذلك متيقظاً مرهف الفهم دقيق الفطنة مالكاً لنفسه ، لا يستميله الهوى ولا يستفزه الغضب ولا يستخفه بادر ظن حتى يستوفي النظر ويبلغ المقر ثم يحسن التطبيق في حكمه فلا يجاوز ولا يقصر ، وهذه المرتبة بعيدة المرام لا يبلغها إلا الأفذاذ ، وقد كان من أكابر المحدثين وأجلتهم من يتكلم في الرواة فلا يعول عليه ولا يلتفت إليه .
قال الإمام علي بن المديني وهو من أئمة هذا الشأن أبو نعيم وعفان صدوقان لا أقبل كلامهما في الرجال ، هؤلاء لا يدعون أحداً إلا وقعوا فيه" مقدمة الجرح والتعديل (ص ب،ح) .
فهذه صفات أئمة النقد الجهابذة الأفذاذ، أيقال فيهم قد يتكلمون (أي يجرحون) في الراوي بسبب أمور لا تستدعي جرحهم .
وهم كما وصفهم المعلمي يعرفون الأسباب الداعية إلى الجرح ويعرفون أحوال الراوي ومنها معرفة دينه وأمانته وعقله ومروءته ومن دينه عقيدته هل هو سني أو مبتدع ومن أحواله هل هو داعية إلى بدعة أو لا إلى آخر ما وصفهم به .
فمن هم العلماء الذين يقدمون عليهم وتقبل أحكامهم على أهل البدع ولا تقبل أحكام هؤلاء العباقرة الأفذاذ الذين سلمت لهم الأمة وعلماؤها بالإمامة وقبلت أحكامهم .
ويستخف بهم وبأحكامهم هذا المغرور المتهور الذي لا يعقل ما يقول.
جـ- يرى هذا المسكين أن أئمة الجرح والتعديل لا يعرفون منهج أهل السنة والجماعة وأنهم غير مؤهلين لاستقراء أدلة الكتاب والسنة ، فأي افتراء عليهم يفوق هذا وأي كوثرية هذه فيه .
أترى أيها المسكين مثل مالك والثوري وشعبة وابن عيينة وابن المبارك وعبدالرحمن بن مهدي ويحيى بن سعيد القطان وأحمد بن حنبل والبخاري وأبي زرعة وأبي حاتم ومسلم والنسائي وابن حبان وابن عدي والدارقطني وأمثالهم غير مؤهلين للحكم على أهل البدع .
أي تطاول وإسقاط لعباقرة الأمة وأفذاذها وأئمتها ، أيسلم لهم الجبال الشم من العلماء مثل الإمام الجبل الأشم محمد بن إدريس الشافعي ولا تسلم لهم ويقبل أحكام أفرادهم مثل الجبل الأشم الإمام البخاري ولا تقبل أحكامهم ؟
10- قال :" الفرق السابع : علماء الجرح والتعديل قد يختلفوا(1) في الحكم على راو معين فلا يكون سبباً للحكم على الآخرين مالم يأخذوا بهذا الجرح ، أما العلماء إذا تكلموا في مبتدع فيجب اتباعهم وإلا ألحق بهم من لم يأخذ بقولهم بذلك المبتدع.
روى الدارمي وغيره عن أيوب قال : رآني سعيد بن جبير جلست إلى طلق بن حبيب ، فقال لي ألم أرك جلست إلى طلق بن حبيب لا تجالسه ، مسند الدارمي (1/120) وقال أبو داود السجستاني : ( قلت لأبي عبد الله أحمد بن حنبل أرى رجلاً من أهل السنة مع رجل من أهل البدعة ، أترك كلامه ؟ قال : لا أو تعلمه أن الرجل الذي رأيته صاحب بدعة ، فإذا ترك كلامه فكلمه وإلا ألحقه به" طبقات الحنابلة (1/1650) رقم 216 .
أقول :
أ- إذا اختلف عالمان من علماء الجرح والتعديل أو غيرهم في أمر ديني فالحكم في القضية لله لا للهوى وأهله الذين يأخذون بقول المخطئ ويردون قول المصيب.
والواجب فيما اختلف فيه من أمر الدين الرد إلى الله والرسول ، قال تعالى (فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا) .
فينظر في قول المتنازعين في ضوء الشريعة وقواعدها المستمدة منها لا المفتعلة فمن وافق قوله شريعة الله وجب الأخذ بقوله ومن خالفها رد قوله مع احترامه واعتقاد أنه مجتهد له أجر المجتهد المخطئ ، ولا يقف المسلم المتبع موقف أهل الأهواء فيقول قد اختلف العلماء فلا يلزمني قول فلان وفلان ويذهب يتلاعب بعقول الناس فإن مثل هذا القول يجرئ الناس على رد الحق وإسقاط أهله وصاحب الحجة يجب الأخذ بقوله اتباعاً لشرع الله وحجته لا لشخص ذلك الرجل وسواد عينيه .
ب- أراك فرقت بين العلماء وبين علماء الجرح والتعديل فأوجبت اتباع العلماء الذين في مخيلتك وأسقطت صاحب الحق من علماء الجرح والتعديل وحقهم .
ثم تفاجؤنا بوجوب اتباع قول أيوب والإمام أحمد وهما من أئمة الجرح والتعديل، فهل أنت حينما تستخف بأقوال أئمة الجرح والتعديل تدرك أن من جملتهم الإمام أحمد وأيوب ومالك وسفيان الثوري وابن عيينة والبخاري وأمثالهم أو لا تدرك ذلك ولا تتصوره ، فكم مرة تفرق لنا بين العلماء وبين علماء الجرح والتعديل، ثم لا نراك تحتج إلا بأقوال أئمة الجرح والتعديل ولا نجد العلماء الذين تهين بهم أئمة الجرح والتعديل فعلام يدل هذا أيها الناس ؟
11- قولك : " أما العلماء إذا تكلموا في مبتدع فيجب اتباعهم ".
فأطالبك : أ- بالدليل من كتاب الله وسنة رسوله بالفرق بين علماء الجرح والتعديل وبين العلماء الذين تزعمهم وأنه يجب اتباع هؤلاء ولا يجب اتباع أولئك .
ب- قيدت وجوب اتباع العلماء بباب التبديع فقط ومفهومه أنه لا يجب اتباعهم في غير هذا الباب فهل عندك دليل على هذا التفريق أيضاً .
جـ- بناءً على قاعدتك في باب التبديع يلزمك تبديع الإمام البخاري لأن الإمام محمد بن يحيى الذهلي وأصحابه قد بدعوا الإمام البخاري وآذوه ولكن العلماء وعلى رأسهم مسلم إلى يومنا هذا خالفوا الإمام محمد بن يحيى فهل تبدعهم لأنهم لم يتبعوا محمد بن يحيى ، وتقول لماذا خالفوه فأقول : لأنه ليس معه ولا مع أصحابه حجة .
والإمام أحمد نفسه خالف الناس في شريك بن عبد الله النخعي وأبي نعيم لأنه لم تقدم له الحجة على تبديعهما ولو قدموها له لقبلها والتزمها كما عهدنا ذلك منه ومن أمثاله رحمهم الله .
فمدار القبول والرد هو الحجة وعدمها لا الهوى كما قررت أنت هنا في قضايا الاختلاف أي اختلاف أئمة الجرح والتعديل ولا يبعد أن تقررها في كل القضايا كما يفعل أهل الأهواء الذين قلدتهم .
د- الإلحاق بالمبتدع ليس على إطلاقه عند السلف وأئمتهم بل هم فرقوا بين الداعية إلى البدعة وغير الداعية فحذروا من الداعية ومن مجالسته وأخذ العلم عنه، بل إذا تمادى في العناد والدعوة إلى بدعته قد يحكمون بقتله لأنه عندهم أضر من قطاع الطرق المحاربين لله ورسوله .
وأما غير الداعية من الصادقين المأمونين فقد أخذوا منهم العلم حفاظاً على الشريعة وحذراً من أن يضيع شيء منها .
جـ- من هم العلماء عندك الآن الذين يجب اتباعهم في التبديع سمهم لنا؟ وأثبت لنا أنهم قد أحاطوا بالشريعة ولا يبدعون أحداً إلا بعد النظر في الأصول وبعد استقراء الأدلة من الكتاب والسنة وبين لنا من سبقك إلى هذه الشروط؟ وما رأيك الآن فيمن لا تتوفر فيه هذه الشروط ويبدع كل من سئل عنه ولو كان لا يعرفه.
12- قال : " الفرق الثامن : علم الجرح والتعديل له رجال لا تتوفر شروطهم في كثير من المحدثين قال العلامة المعلمي في مقدمة الجرح والتعديل " وقد كان من أكابر المحدثين وأجلهم من يتكلم في الرواة فلا يعول عليه ولا يلتفت إليه " .
أقول :
1- سبق الكلام على كلام المعلمي في أئمة النقد الأفذاذ الجهابذة، فلقد رآه هذا الإنسان الغريب فحاد عنه وأخذ من آخره ما يريده ويوافق هواه، وترك منه ما يبين بطلان دعاواه من علو مكانة أئمة الجرح والتعديل فارجع إليه.
2- نسي هذا المسكين أو تجاهل أنَّ كثيراً من الفقهاء لا تتوفر فيهم شروط الفتوى .
3- من قال لك أن كل المحدثين تتوفر فيهم الشروط اللازمة للجرح والتعديل فعلماء الجرح والتعديل معروفون عند أهل الحديث والعلماء الآخرين فما قيمة هذا الفرق بل ما قيمة كل الفروق التي ذكرتها ؟
13 - قال : "هذه بعض الفروق بين علم الجرح والتعديل وبين كلام العلماء في أهل البدع ولعل الله ييسر ببحث أطول عن قريب إن شاء الله ".
أقول : قد عرف القاريء مصير هذه الفروق الباطلة وما سيأتي لعله سيكون أسوأ ومصيره أسوأ .
14- قال:" قال الذهبي في (الموقظة):" والذي تقرر عندنا أنه لا تعتبر المذاهب في الرواية ، وقال: "وهذا فيما إذا تكلموا في نقد شيخ ورد شيء من حفظه وغلطه فإن كلامهم فيه من جهة معتقده فهو على مراتب " .
أقول : لم يبين الكاتب وجه الاستدلال بهذا الكلام الذي نقله عن الذهبي، ثم إن هذا الكلام قد تعرض لاختصار مخل يضيع المقصود منه كما حصل فيه تقديم وتأخير لا ندري ما الذي دفعه إليه .
يوضح ذلك ما سأنقله عن الذهبي -رحمه الله- .
لقد عقد فصلاً ذكر فيه ألفاظاً من الجرح والتعديل ثم قسم أئمة الجرح والتعديل إلى ثلاثة أقسام متشدد ومعتدل ومتساهل .
ثم قال : " وهذا فيما إذا تكلموا في نقد شيخ ورد شيء في حفظه وغلطه فإن كان كلامهم فيه من جهة معتقده فهو على مراتب :
فمنهم : من بدعته غليظة .
ومنهم : من بدعته دون ذلك .
ومنهم : الداعي إلى بدعته .
ومنهم : الكاف ، ومابين ذلك .
فمتى جمع الغلظ والدعوة تجنب الأخذ عنه .
ومتى جمع الخفة والكف أخذوا عنه وقبلوه .
فالغلظ كغلاة الخوارج والجهمية والرافضة .
والخفة كالتشيع والإرجاء .
وأما من استحل الكذب نصراً لرأيه كالخطابية فبالأولى رد حديثه.
قال شيخنا ابن وهب : العقائد أوجبت تكفير البعض للبعض ، أو التبديع ، وأوجبت العصبية ، ونشأ من ذلك الطعن بالتكفير والتبديع وهو كثير في الطبقة المتوسطة من المتقدمين .
والذي تقرر عندنا : أنه لا تعتبر المذاهب في الرواية ولا نكفر أهل القبلة إلا بإنكار متواتر من الشريعة فإذا اعتبرنا ذلك وانضم إليه الورع والضبط والتقوى فقد حصل معتمد الرواية .
وهذا مذهب الشافعي -رضي الله عنه- حيث يقول : أقبل شهادة أهل الأهواء إلا الخطابية من الروافض ".
أقول : فأنت ترى أن الذهبي قد بين في هذا الفصل مذاهب الأئمة في الجرح والتعديل وبين المجروحين من غير أهل البدع وبين أنواع أهل البدع ومن تقبل روايته منهم ومن ترد أوضح بيان وليس في كلامه ما يفيد أن المبتدعة لا تتناولهم قواعد علم المصطلح ولا أن الكلام في أهل البدع خاص بعلماء آخرين غير علماء الجرح والتعديل الأمر الذي يرفضه كلام كل العلماء من فقهاء ومحدثين وأصوليين وغيرهم.
فإن كان صاحبنا يريد به شيئاً آخر غير هذا وهو أن العالم إذا بدع إنساناً مشهوراً عند الناس بالسلفية يدعو إليها ويدافع عنها وجب تقليده ولا يجوز أن يسأل عن سبب هذا التبديع ومن سأله فقد ضل وأضل الأمة.
فهذا شيء لم يخطر ببال الذهبي ولا غيره .
ومع الأسف فإن دندنة هذا الرجل كلها ليتوصل بها إلى نتيجة فلم يصل إليها ولن يصل إليها ودونها خرط القتاد .
هذه النتيجة هي إقناع الناس بأن العالم إذا بدع أناساً مشهورين عند الناس بالسلفية يدعون إليها ويذبون عنها؛ فإنه لا يجوز أن يسأل عن أسباب تبديعهم وأن تبديعهم لا يسمى جرحاً، وتزداد المصيبة إذا علمت حكم هؤلاء بأن من لايقلدونه يكونون مميعين أي مبتدعين، وأشد من هذا أن من لا يقلد العلماء يكون قد كذب الله ورسوله وكذب الإسلام وأن من لا يقلد العلماء قد نسف الرسالات.
والله أعلم من هم هؤلاء العلماء فقد يراد بهم شخص واحد يدعو إلى تقليد نفسه وفي الوقت نفسه ليس أهلاً لأن يقلد في شيء.
ويرى الذهبي الاحتياط والحذر في باب التكفير والتبديع أكثر منه في غيره ، فإن اختلاف العقائد أدى إلى التكفير والتبديع في نظره .
ثم أكد ذلك بقوله : " ينبغي أن يتفقد حال الجارح مع من تكلم فيه باعتبار الأهواء فإن لاح لك انحراف الجارح ووجدت توثيق المجروح من جهة أخرى فلا تحفل بالمنحرف وبغمزه المبهم ، وإن لم تجد توثيق المغموز فتأن " الموقظة ( ص88) .
وهذا كلام حق وهو ضد ما يقوله بعض الناس اليوم إذا بدع العالم شخصاً أو أشخاصاً فيجب تقليده ولا يسأل عن أسباب الجرح.
وفيه إلجام لمن يتسرع إلى قبول التبديع بدون حجة وبدون بيان الأسباب .
وقال الذهبي في هذا الفصل ( ص82 ) :" والكلام في الرواة يحتاج إلى ورع تام وبراءة من الهوى والميل وخبرة كاملة بالحديث وعلله ورجاله " .
فهذا أمر لا بد منه فيمن يتكلم في الرواة من أهل سنة كانوا أو أهل أهواء ، إذ العدل لا بد منه في حق المسلم والكافر .
15- قال : قال ابن القيم : ( الخبر إن كان عن حكم عام يتعلق بالأمة فإما أن يكون مستنده السماع فهو الرواية ، وإن كان مستنده الفهم من المسموع فهو فتوى ) . (بدائع الفوائد 1/9) .
أقول : قال ابن القيم في هذا النص بعد هذا الكلام : " وإن كان خبراً جزئياً يتعلق بمعين مستنده المشاهدة أو العلم فهو شاهدة وإن كان خبراً يتعلق بالمخبر عنه والمخبر به هو مستمعه أو نائبه فهو الدعوى "...الخ.
أقول : إن الإمام ابن القيم ما جاء بهذه الفائدة إلا ليبين أنواع الخبر فحسب لا لبيان ما يدعيه بعض الناس من أنه يقصد بقوله : وإن كان مستنده الفهم من المسموع فهو الفتوى إنه يجب تقليد المفتي في تبديع الناس ولو كان بدون دليل ولا يجوز سؤاله عن الدليل ، فإن كلام ابن القيم لا يفيد هذا من قريب ولا بعيد، ثم إن الفتوى قد تكون باطلة وقد تكون بدعة لأنها استندت إلى فهم فاسد لنصوص القرآن أو السنة أو لاستنادها إلى حديث ضعيف أو إلى قياس فاسد فلا يجوز قبولها.
16- قال : " ولهذا فإن قواعد علم المصطلح محدودة لا تتجاوز إطارها الذي وضعت فيه ، وإن وقع تشابه في بعضها بين كلام الأئمة في أهل البدع والأهواء فلا يكون ذلك حاملاً لتطبيق باقي القواعد في الحكم على الرجال الذين هم خارج الرواية .
هذا هو الذي يدندن حوله الشيخ فلان، ويريد من الشباب السلفي أن يتنبه إلى تلبيس أهل الأهواء في هذا الجانب فهم يريدون منهم أن تطبق قواعد المصطلح في الكلام على أهل البدع لكي يردوا أحكام العلماء فيهم(1) " .
أقول : يكفيك من شرٍ سماعه، وما أظن أن أحداً من أهل البدع وصل إلى هذه الدرجة في إهانة علم قام لخدمة سنة رسول الله r التي لا يقوم الإسلام عقيدة وشريعة إلا بها، وقام للحفاظ على الإسلام وحمايته من تحريف الجاهلين وانتحال الغالين وإبطال كيد الزنادقة وغلاة المبتدعين والكذابين .
فمن سبقك أيها المسكين إلى محاصرة قواعد علوم الحديث وإلى عدم السماح لها بتجاوز إطارها الذي وضعت فيه كما تزعم؟.
وهل علماء الجرح والتعديل تمالؤا مع أهل البدع ألا يمسوا كرامتهم ولا يجرحوا مشاعرهم وبناءً على هذا التواطؤ تحاشوا جرح أهل البدع والحكم عليهم فوضعوا قواعد خاصة بالرواة بناءً على هذه الاتفاقية، أو أن علماء الجرح والتعديل بلداء مغفلون متبلدوا المشاعر فلم يفهموا العقيدة ولم يعرفوا منزلتها ولم يدركوا خطر أهل البدع عليها؟.
ومن هنا وضعوا قواعد للدروشة والدراويش ليعيشوا هم وقواعدهم على هامش الإسلام بعيدين عن عقائد الإسلام ومناهجه ، فلا هم في العير ولا هم في النفير .
هذه إهانة كبيرة لهذا العلم ما أظن أن أهل البدع فكروا فيها، وإهانة كبيرة لعلماء الجرح والتعديل حراس الشريعة وعقائدها وهم فرسان الميدان رغم أنوف الجاهلين الحاقدين.
لقد فتحت الباب على مصراعيه لأهل البدع ليهينوا هذا العلم وعلماءه .
فإذا استشهد أحد بأقوال علماء الجرح والتعديل وطعونهم في أهل البدع قالوا هؤلاء ليسوا بعلماء، ولا يحق لهم الكلام فينا وفي أسلافنا، ولذا ترى قواعدهم لا تتعرض لنا فلا تتجاوزوا بها الإطار الذي وضعت فيه .
ألا قاتل الله الجهل والطيش وعافى الإسلام والمسلمين من جهل الجاهلين وتقليد المبطلين وتهديم الطائشين للعلم وأهله .
لقد جهل هذا المسكين مكانة أهل الحديث وأئمتهم وقد تقدم لك بيان مكانتهم العالية وجهودهم العظيمة واهتمامهم بالبدع في كتب الجرح والتعديل وفي كتب العقائد.
وأرى من المناسب جداً أن أذكر بعض ما قاله الأئمة الفحول في بيان مكانتهم وآثارهم الحميدة في الدين .
شهادة ابن قتيبة:
ألف فقيه الأدباء وأديب الفقهاء الإمام أبو عبد الله بن مسلم بن قتيبة (المتوفى سنة 276ه) كتابـًا سماه ((تأويل مختلف الحديث)) دفاعـًا عن سنة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وعن حملتها وناقليها وحفاظها أهل الحديث.
قال في مطلع الكتاب: ((أما بعد: أسعدك الله تعالى بطاعته، وحاطك بكلاءته، ووفقك للحق برحمته، وجعلك من أهله؛ فإنك كتبت إليّ تعلمني ما وقفت عليه من ثلب أهلِ الكلام أهلَ الحديث وامتهانهم وإسهابهم في الكتب بذمهم ورميِهم بحمل الكذب ورواية المتناقض حتى وقع الاختلاف، وكثرت النحل، وتقطعت العصم، وتعادى المسلمون، وأكفر بعضهم بعضـًا، وتعلّق كل فريقٍ منهم لمذهبه بجنس من الحديث)). ثم ذكر الخوارج وما تعلقت به من الأحاديث في تأييد مذهبها، والمرجئة وما تعلقت به كذلك، والمفوضة وما تعلقت به من الأحاديث، والرافضة وما تعلقت به من الأحاديث في ضلالها وتكفيرها الصحابة، ومفضِّلوا الفقر وما تعلقوا به؛ ثم ذكر طعون الزنادقة في أهل الحديث.
ثم قال: ((باب ذكر أصحاب الكلام وأصحاب الرأي))، فقال: ((وقد تدبرت ـ رحمك الله ـ مقالة أهل الكلام فوجدتهم يقولون على الله ما لا يعلمون، ويفتنون الناس بما يأتون، ويبصرون القذى في عيون الناس وعيونهم تطرف على الأجذاع، ويتهمون غيرَهم في النقل ولا يتهمون آراءهم في التأويل ومعاني الكتاب والحديث وما أودعاه من لطائف الحكمة وغرائب اللغة لا يدرك بالطفرة، والتولد، والعرض، والجوهر، والكيفية، والكميّة، والأينية؛ ولو ردوا المشكل منهما إلى أهل العلم بهما وضح لهم المنهج واتسع لهم المخرج؛ ولكن يمنع من ذلك طلب الرياسة وحب الأتباع واعتقاد الإخوان بالمقالات؛ والناس أسراب طير يتبع بعضها بعضـًا، ولو ظهر لهم من يدعي النبوة مع معرفتهم بأن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ خاتم الأنبياء، أو من يدعي الربوبية لوجد على ذلك أتباعـًا وأشياعـًا.
وقد كان يجب ـ مع ما يدّعونه من معرفة القياس وإعداد آلات النظر ـ أن لا يختلفوا كما لا يختلف الحُسّاب والمسّاح والمهندسون؛ لأن آلتهم لا تدل إلا على عدد واحد وإلا على شكل واحد؛ وكما لا يختلف حذّاق الأطباء في الماء وفي نبض العروق لأن الأوائل قد وقفوهم من ذلك على أمرٍ واحد، فما بالهم أكثر الناس اختلافـًا لا يجتمع اثنان من رؤسائهم على أمرٍ واحد في الدين؟)).
ثم ذكر تضارب الآراء، واختلاف الأهواء والاتجاهات بين زعماء أهل الكلام، وانتقدهم أشد النقد.
ثم قال: ((ذكر أصحاب الحديث: فأما أصحاب الحديث فإنهم التمسوا الحق من وجهته، وتتبعوه من مظانه، وتقرّبوا من الله تعالى باتباعهم سنن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وطلبهم لآثاره وأخباره برًّا وبحرًا وشرقـًا وغربـًا، يرحل الواحدُ منهم راجلاً مقويـًّا في طلب الخبر الواحد أو السنة الواحدة حتى يأخذها من الناقل لها مشافهة.
ثم لم يزالوا في التنقير عن الأخبار والبحث لها حتى فهموا صحيحَها وسقيمها وناسخها ومنسوخها، وعرفوا من خالفها من الفقهاء إلى الرأي، فنبّهوا على ذلك حتى نجم الحق بعد أن كان عافيـًا، وبسق بعد أن كان دارسـًا، واجتمع بعد أن كان متفرِّقـًا، وانقاد للسنن من كان عنها معرضـًا، وتنبّه لها من كان عنها غافلاً، وحكم بقول رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بعد أن يحكم بقول فلان وفلان وإن كان فيه خلاف عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم.
وقد يعيبهم الطاعنون بحملهم الضعيف، وطلبهم الغرائب، وفي الغريب الداء؛ ولم يحملوا الضعيف والغريب لأنهم رأوهما حقـًّا، بل جمعوا الغثّ والسمين، والصحيح والسقيم، ليميزوا بينهما، ويدلوا عليهما، وقد فعلوا ذلك)).
ثم ذكر طائفة من الأحاديث الموضوعة، وذكر نقد المحدثين لها، وتزييفهم إياها وفضح واضعيها.
رحمه الله وجزاه الله عن الإسلام والمسلمين خيرًا.
شهادة ابن حبان:
قال في كتاب المجروحين (ص25):" ولو لم يكن الإسناد وطلب هذه الطائفة له لظهر في هذه الأمة من تبديل الدين(1) ما ظهر في الأمم، وذاك أنه لم يكن أمة لنبي قط حفظت عليه الدين عن التبديل ما حفظت هذه الأمة، حتى لا يتهيأ أن يزاد في سنة من سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم ألف ولا واو كما لا يتهيأ زيادة مثله في القرآن فحفظت هذه الطائفة السنن على المسلمين وكثرت عنايتهم بأمر الدين ولولاهم لقال من شاء بما شاء".
وقال أيضا في (ص27):" حدثنا الحسن بن سفيان قال سمعت صالح بن حاتم بن وردان يقول: سمعت يزيد بن زريع يقول:"لكل شيء فرسان ولهذا العلم فرسان".
قال أبو حاتم : فرسان هذا العلم الذين حفظوا على المسلمين الدين(1)، وهدوهم إلى الصراط المستقيم الذين آثروا قطع المفاوز والقفار على التنعم في الديار والأوطان في طلب السنن في الأمصار، وجمعها الرحل والأسفار والدوران في جميع الأقطار، حتى إن أحدهم ليرحل في الحديث الواحد الفراسخ البعيدة، وفي الكلمة الواحدة الأيام الكثيرة لئلا يدخل مضل في السنن شيئاً يضِلُّ به، وإن فعل فهم الذابون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك الكذب والقائمون بنصرة الدين".
شهادة الخطيب البغدادي:
وألّف الإمام الكبير أبو بكر أحمد بن علي الخطيب البغدادي (المتوفى سنة 463ه) كتاب أسماه: ((شرف أصحاب الحديث)) قال في مقدمته بعد أن ذكر أقوال العلماء في ذم الرأي (من ص 3 ـ 5):
((ولو أن صاحب الرأي المذموم، شغل نفسَه بما ينفعه من العلوم، وطلب سنن رسول رب العالمين، واقتفى آثار الفقهاء والمحدِّثين، لوجد في ذلك ما يغنيه عما سواه، واكتفى بالأثر عن رأيه الذي رآه؛ لأن الحديث يشتمل على معرفة أصول التوحيد، وبيان ما جاء من وجوه الوعد والوعيد وصفات رب العالمين تعالى عن مقالات الملحدين، والإخبار عن صفات الجنة والنار، وما أعد الله تعالى فيها للمتقين والفجار وما خلق الله في الأرضين والسموات، من صنوف العجائب وعظيم الآيات، وذكر الملائكة المقرَّبين ونعت الصافين والمسبحين.
إلى أن يقول: وقد جعل الله تعالى أهله أركان الشريعة وهدم بهم كل بدعة (1) شنيعة؛ فهم أمناء الله من خليقته، والواسطة بين النبي وأمته، والمجتهدون في حفظ ملته، أنوارهم زاهرة، وفضائلهم سائرة، وآياتهم باهرة، ومذاهبهم ظاهرة، وحججهم قاهرة؛ وكلُّ فئة تتحيّز إلى هوى ترجع إليه، أو تستحسن رأيـًا تعكف عليه سوى أصحاب الحديث فإن الكتاب عدتهم والسنة حجتهم والرسول فئتهم، وإليه نسبتهم، لا يعرجون على الأهواء، ولا يتلفتون إلى الآراء، يقبل منهم ما رووا عن الرسول، وهم المأمونون عليه والعدول، حفظة الدين وخزنته، وأوعية العلم وحملته، إذا اختلف في حديث كان إليهم الرجوع، فما حكموا به فهو المقبول المسموع؛ ومنهم كلّ عالم فقيه، وإمام رفيع نبيه، وزاهد في قبيلته، ومخصوص بفضيلته، وقارئ متقن، وخطيب محسن؛ وهم الجمهور العظيم، وسبيلهم السبيل المستقيم، وكل مبتدع باعتقادهم يتظاهر، وعلى الإفصاح بغير مذهبهم لا يتجاسر؛ من كادهم قصمه الله، ومن عاندهم خذله الله، ولا يضرهم من خذلهم، ولا يفلح من اعتزلهم، المحتاط لدينه إلى إرشادهم فقير، وبصر الناظر بالشر إليهم حسير، وإن الله على نصرهم لقدير)).
ثم ساق إسناده إلى علي بن المديني قال في حديث النبي ـ صلى الله عليه وسلم: ((لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خالفهم))( ). قال ـ أي: ابن المديني: (هم أهل الحديث، والذين يتعاهدون مذاهب الرسول ويذبون عن العلم، لولاهم لم تجد عند المعتزلة والرافضة والجهمية وأهل الإرجاء والرأي شيئـًا من السنن؛ فقد جعل رب العالمين الطائفة المنصورة حرّاس الدين، وصرف عنهم كيد المعاندين لتمسّكهم بالشرع المتين، واقتفائهم آثار الصحابة والتابعين؛ فشأنهم حفظ الآثار، وقطع المفاوز والقفار، وركوب البراري والبحار في اقتباس ما شرع الرسول المصطفى، لا يعرجون عنه إلى رأي ولا هوى؛ قبلوا شريعته قولاً وفعلاً، وحرسوا سنته حفظـًا ونقلاً، حتى ثبتوا بذلك أصلها، وكانوا أحقَّ بها وأهلَها؛ فكم من ملحد يروم أن يخلط في الشريعة ما ليس منها، والله تعالى يذب بأصحاب الحديث عنها فهم الحفاظ لأركانها، والقوامون بأمرها وشأنها، إذا صدف عن الدفاع عنها؛ فهم دونها يناضلون: {أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون} [المجادلة: 22])).
شهادة الإمام ابن تيمية:
وقال شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية ـ رحمه الله: (المتوفى 728ه) في ((فتاواه)): (4/9- 11):
((من المعلوم: أن أهل الحديث يشاركون كل طائفة فيما يتحلون به من صفات الكمال، ويمتازون عنهم بما ليس عندهم؛ فإن المنازع لهم لا بد أن يذكر فيما يخالفهم فيه طريقـًا أخرى، مثل المعقول، والقياس، والرأي، والكلام، والنظر، والاستدلال، والمحاجة، والمجادلة، والمكاشفة( )، والمخاطبة، والوجد، والذوق، ونحو ذلك؛ وكل هذه الطرق لأهل الحديث صفوتها وخلاصتها؛ فهم أكمل الناس عقلاً، وأعدلهم قياسـًا، وأصوبهم رأيـًا، وأسدّهم كلامـًا، وأصحهم نظرًا، وأهداهم استدلالاً، وأقومهم جدلاً، وأتمهم فراسة، وأصدقهم إلهامـًا، وأحدهم بصراً ومكاشفة وأصوبهم سمعاً ومخاطبةً، وأعظمهم وأحسنهم وجدًا وذوقـًا؛ وهذا هو للمسلمين بالنسبة إلى سائر الأمم، ولأهل السنة والحديث بالنسبة إلى سائر الملل.
فكل من استقرأ أحوال العالم وجد المسلمين أحدّ وأسدّ عقلاً، وأنهم ينالون في المدة اليسيرة من حقائق العلوم والأعمال أضعاف ما يناله غيرُهم في قرون وأجيال؛ وكذلك أهل السنة والحديث تجدهم كذلك متمتعين؛ وذلك لأن اعتقاد الحق الثابت يقوي الإدراك ويصححه(1) : قال تعالى: { والذين اهتدوا زادهم هدى }، وقال: { ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرًا لهم وأشدّ تثبيتـًا. وإذا لآتيناهم من لدنا أجرًا عظيمـًا. ولهديناهم صراطـًا مستقيمـًا }.
وهذا يعلم تارة بموارد النزاع بينهم وبين غيرهم؛ فلا تجد مسألة خولفوا فيها إلا وقد تبين أن الحق معهم، وتارة بإقرار مخالفيهم ورجوعهم إليهم دون رجوعهم إلى غيرهم، أو بشهادتهم على مخالفيهم بالضلال والجهل، وتارة بشهادة المؤمنين الذين هم شهداء الله في الأرض، وتارة بأن كل طائفة تعتصم بهم فيما خالفت فيه الأخرى، وتشهد بالضلال على كل من خالفها أعظم مما تشهد به عليهم.
فأما شهادة المؤمنين الذين هم شهداء الله في الأرض: فهذا أمرٌ ظاهر معلوم بالحس والتواتر لكل من سمع كلام المسلمين، لا تجد في الأمة عظم أحد تعظيمـًا أعظم مما عظموا به(2)، ولا تجد غيرهم يعظم إلا بقدر ما وافقهم فيه، كما لا ينقص إلاّ بقدر ما خالفهم، حتى إنك تجد المخالفين لهم كلهم وقت الحقيقة يقرّ بذلك، كما قال الإمام أحمد: (آية ما بيننا وبينهم يوم الجنائز)؛ فإن الحياة بسبب اشتراك الناس في المعاش يعظم الرجل طائفته، فأما وقت الموت فلا بد من الاعتراف بالحق من عموم الخلْق؛ ولهذا لم يعرف في الإسلام مثل جنازته، مسح المتوكل موضع الصلاة عليه فوجد ألف ألف وستمائة ألف سوى من صلى في الخانات والبيوت.
وكذلك الشافعي، وإسحاق، وغيرهما إنما نبلوا في الإسلام باتباع أهل الحديث والسنة، وكذلك البخاري وأمثاله إنما نبلوا بذلك، وكذلك مالك والأزواعي، والثوري، وأبو حنيفة، وغيرهم إنما نبلوا في عموم الأمة وقُبل قولهم لما وافقوا فيه الحديث والسنة، وما تكلم فيمن تكلم فيه منهم إلا بسبب المواضع التي لم يتفق له متابعتها من الحديث والسنة إما لعدم بلاغها إياه، أو لاعتقاده ضعف دلالتها، أو رجحان غيرها عليها)).
وقال - بعد أن ذكر دعاوى غلاة الشيعة والصوفية اختصاصهم بعلم الأسرار واحتجاجهم على ذلك ببعض الأحاديث الموضوعة أو المجملة-((مجموع الفتاوى)) (4/85-86):
((وإذا كان الأمر كذلك فأعلم الناس بذلك: أخصهم بالرسول وأعلمهم بأقواله وأفعاله وحركاته وسكناته ومدخله ومخرجه وباطنه وظاهره، وأعلمهم بأصحابه وسيرته وأيامه، وأعظمهم بحثاً عن ذلك وعن نقلته، وأعظمهم تديناً به وإتباعاً له وإقتداءً به، وهؤلاء هم أهل السنة والحديث حفظاً له ومعرفة بصحيحه وسقيمه، وفقهاً فيه وفهماً يؤتيه الله إياه في معانيه، وإيماناً وتصديقاً وطاعةً وانقياداً وإقتداءً وإتباعاً))(1) .
وقال في ((مجموع الفتاوى)) (4/91-92) أثناء مناقشته للمتفلسفة وأهل الضلال:
((وإن قلتم: يمكن الخطاب بها مع خاصة الناس دون عامتهم، وهذا قولهم.
فمن المعلوم أن علم الرسل يكون عند خاصتهم كما يكون علمكم عند خاصتكم، ومن المعلوم أن كل من كان بكلام المتبوع وأحواله وبواطن أموره وظواهرها أعلم وهو بذلك أقوم، كان أحق بالاختصاص به، ولا ريب أن أهل الحديث أعلم الأمة وأخصها بعلم الرسول وعلم خاصته مثل الخلفاء الراشدين، وسائر العشرة)).
هذه شهادات بعض كبار علماء الأمة لأهل الحديث وأئمتهم بأنهم هم الذابون عن دين الله بجدارة وأن الله قد حفظ بهم الدين إلى آخر ما قالوه وشهدوا به لهذه الطائفة المنصورة على من خالفها من الكفار والملحدين ومن أهل البدع الضالين ولا يحط من قدرهم إلا أهل الأهواء الحاقدين، وذلك الكيد الفاشل لا يرجع إلا في نحورهم ولا يزيدهم إلا سقوطاً وهواناً.
نسأل الله أن يحشرنا وأهل الحديث وأئمته المجاهدين مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً، ذلك الفضل من الله وكفى بالله عليماً، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .
كتبه:
ربيع بن هادي عمير المدخلي
18‏/4‏/1425هـ

ابوفراس
30th June 2009, 02:07 PM
جزى الله خيرا الشيخ ربيعا بن هادي المدخلي

ونقول لاهل البدع موتوا بغيظكم

ابومنذرالوهراني
22nd September 2009, 01:53 AM
بارك الله في شيخينا العلامة ربيع السنة