المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : زجر المتهاون بضرر قاعدة المعذرة والتعاون


ابومصعب المنشاوى
18th February 2009, 03:49 PM
زجر المتهاون بضرر قاعدة المعذرة والتعاون
نتعاون فيما اتفقنا عليه؛ ويعذر بعضنا بعضا فيما اختلفنا فيه





راجعه العلامة الشيخ صالح بن فوزان الفوزان -حفظه الله ونفع به-
قرظه العلامة الشيخ عبد المحسن العباد البدر -حفظه الله ونفع به-

كتبه حمد بن إبراهيم العثمان







مكتبة الغرباء الأثرية


قام بنشره على الشبكة: ناصر البازي
شبكة سحاب السلفية
www.sahab.net











حقوق الطبع محفوظة للمؤلف الطبعة الأولى 1419 هـ - 1999 م
مكتبة الغرباء الأثرية هاتف: 8462949 – فاكس: 8243044ص 0 ب: 1449 – المدينة النبوية المملكة العربية السعودية ترخيص: 4580

قال ابن طاهر المقدسي الحافظ: سمعت الإمام أبا إسماعيل عبد الله بن محمد الأنصاري بهراة يقول: عرضت على السيف خمس مراـ، لا يقال لي: ارجع عن مذهبك ‍لكن يقال لي: اسكت عمن خالفك، فأقول: لا أسكت 000
(الآداب الشرعية) (1/207) لابن مفلح المقدسي الحنبلي.





# تقريظ فضيلة الشيخ عبد المحسن العباد - حفظه الله ونفع به -

الحمد لله، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه. وبعد: فقد اطلعت على الكتاب الذي ألفه أخي الشيخ حمد بن إبراهيم العثمان، حول مقولة أحد الدعاة، عفا الله عنه ورحمه: (نتعاون فيما اتفقنا عليه، ويعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا فيه)؛ فوجدته قيماً مفيداً، ذكر فيه مقدمات وأصولاً في مسائل الخلاف، وبين محاذير تترتب على إعمال تلك المقولة، والتوسع فيها، وختمه بنقول توضح ما في هذه المقولةمن الحق والباطل عن ثلاثة علماء كبار؛ يرحل إليهم طلبة العلم للاستفادة من علمهم؛ وهم: شيخنا العلامة مفتى الأنام، شيخ الإسلام، المحدث، الفقيه عبد العزيز بن عبد الله بن باز، والشيخ العلامة الفقيه محمد بن صالح العثيمين، والشيخ العلامة المحدث محمد ناصر الدين الألباني حفظهم الله، وبارك فيهم، وفي علمهم، ونفع بهم المسلمين. وكان اللائق بل المتعين على أتباع هذا الداعية بدلاً من التوسع في إعمال مقولته هذه لتستوعب الفرق الضالة، حتى لو كانت أشدها ضلالاً؛ كالرافضة أن يعنوا بتطبيق قاعدة الحب في الله والبغض في الله نوالموالاة فيه والمعاداة فيه التي لا مجال فيها لأن يعذر أهل الزيغ والضلال فيما خالفوا فيه أهل السنة والجماعة. فجزى الله المؤلف على جهده، ونصحه، وبيانه خيراً، وزاده توفيقاً وهدى، ووفق من أراد نصحهم للرجوع إلى الحق، وسلوك طريقه القويم. وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى أله وصحبه. كتبه عبد المحسن بن حمد العباد البدر المدينة النبوية: 22/10/1418 هـ




ص 9# المقدمة (1)

قال الشيخ حمد بن إبراهيم العثمان حفظه الله:
إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله؛ فلا مضل له، ومن يضلل؛ فلا هادي له. وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أما بعد: فاعلم أن العصمة والنجاة في الوقوف مع الألفاظ الشرعية، كما أن الدين ما دلت عليه تلك الألفاظ من المعاني، فهي الكفيلة بكل هدى وبيان، العاصمة من باطل خطأ وزلل وفساد. وأما الألفاظ التي لم ترد في الكتاب والسنة؛ فإن تعليق الاعتقادات والأعمال والأحكام عليها يجر إلى أقوال باطلة، ويتولد من الشر بسببها ما لا يعلمه إلا الله. واعلم وفقك الله أن السني لا يقول حتى يقول الله ورسوله، كما أمره الله: (لا تقدموا بين يدي الله ورسوله)، والبدعي جعل دينه ما قالته شيوخه، فإذا جاءت نصوص الوحي، قال هذا مجمل! هذا مؤول!… وأما أقوال شيوخهم فلا يعتريها عندهم إجمال، ولا إشكال، ولا يحل لأحد مخالفتها، ولو كان ذلك اتباعا لقول الله وقول رسوله. وبعض من تمكن الجهل والهوى منه يعظم الأقوال والقواعد المبتدعة، ويغضب لها إذا تركت، أو بين ما فيها من الخطأ أو الزلل. وهؤلاء شأنهم شأن الأعراب الذين يعظمون العادات الجارية التي يأمر بها المطاعون، ويغضبون لها إذا انتهكت أعظم من غضبهم لحرمات الله إذا انتهكت، وهذا ضلال مبين.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية (منهاج السنة 5/ 130)
بل كثير من المنتسبين إلى الإسلام يحكمون بعاداتهم التي لم ينزل الله سبحانه وتعالى؛ كسوالف البادية وكأوامر المطاعين فيهم، ويرون أن هذا هو الذي ينبغي الحكم به دون الكتاب والسنة. وهذا هو الكفر؛ فإن كثيرا من الناس أسلموا، ولكن مع هذا لا يحكمون إلا بالعادات الجارية لهم التي يأمر بها المطاعون، فهؤلاء إذا عرفوا إنه لا يجوز الحكم إلا بما أنزل الله، فلم يلتزموا بذلك، بل استحلوا أن يحكموا بخلاف ما أنزل لله فهم كفار، وإلا كانوا جهالا، كمن تقدم أمرهم. اهـ ولما كانت الدعوة إلى الله من أجل الطاعات كما قال سبحانه وتعالى: (ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين) قام بهذا الواجب أفراد وجماعات، تباينت مناهجهم، واختلفت طرائقهم؛ بسبب تفاوتهم في العلم؛ لأن العلم رتب ودرجات كما قال الله تعالى (وفوق كل ذي علم عليم) وقد أدى اجتهاد بعض الدعاة إلى تأصيل قواعد دعوية يعمل بمقتضاها في الدعوة إلى الله. والواجب أن يجعل ما أنزله الله تعالى من الكتاب والسنة أصلا في جميع الأمور، ثم يرد ما تكلم فيه الناس إلى ذلك، ويبين ما في الألفاظ المجملة من المعاني الموافقة للكتاب والسنة فتقبل، وما فيها من المعاني المخالفة للكتاب والسنة فترد.
ومن جملة هذه القواعد المتداولة
في صفوف بعض الجماعات الدعوية قاعدة: «يعذر بعضنا بعضا فيما اختلفنا فيه، ونتعاون فيما اتفقنا عليه» وصاحب هذه القاعدة قد قبض رحمة الله تعالى عليه وغفر له، ولجميع المسلمين ولو كان حيا لرجعنا إليه فيها؛ حتى نتحقق من مراده، ونبين له لوازم قاعدته، لكننا رأينا عمل أتباعه بهذه القاعدة، فظهر لنا مرادهم منها. فهم لم يخصوها بأهل السنة في المسائل الاجتهادية غير المنصوصة؛ بل وسعوا هذه القاعدة حتى وسعت أضل الفرق كالرافضة. والله يعلم كم كانت هذه القاعدة سببا لتبرير البدع، وحشر مقولات أهلها مع مقولات أهل السنة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية (الرد على البكري 1 / 614) :
فالمعاني الثابتة بالكتاب والسنة يجب إثباتها، والمعاني المنفية بالكتاب والسنة يجب نفيها، والعبارة الدالة على المعاني نفيا وإثباتا إن وجدت في كلام أحد، فظهر مراده من ذلك، رتب عليه حكمه، وإلا رجع إليه فيه ا. هـ والسبب الباعث لتأليف هذه الرسالة؛ هو أن أحد طلبة العلم أصلحه الله، وصف هذه القاعدة بقوله: عليها نور من أثر النبوة 0 (جريدة الأنباء) عدد (رقم 1227).
وأين هذا من الأئمة الراسخين الذين لا يطلقون ما لم يؤثر من العبارات، قال الحافظ ابن رجب ممتدحاً الموفق ابن قدامة: لا يرى إطلاق ما لم يؤثر من العبارات 0 اهـوسترى في رسالتنا هذه الفرق بين قوله هذا وقول العلماء الراسخين.
وقد قسمت هذا البحث إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: مقدمات وقواعد في مسائل الاختلاف. القسم الثاني: ما يترتب على إعمال هذه القاعدة. القسم الثالث: أقوال العلماء في هذه القاعدة. هذا؛ وأسأل الله تبارك وتعالى أن ينفع بما كتبت نوأن يهدينا والمسلمين إلى سواء السبيل؛ إنه سبحانه نعم المولى ونعم الوكيل 00. وأقدم شكري في هذا المقام إلى صاحب الفضيلة الشيخ العلامة صالح ابن فوزان الفوزان وفقه الله تعالى على ما تكرم به من مراجعة هذه الرسالة، وإضافة بعض الفوائد والتعليقات عليها، وكذلك أشكر فضيلة الشيخ العلامة عبدالمحسن العباد البدر نفع الله به على ما أكرمني به من النظر في رسالتي هذه نظرة علمية، ثم تقريظها. فجزى الله الشيخين الفاضلين خيراً، ووفقهما لما فيه نفع الأمة، ونصر السنة؛ إنه جل وعلا سميع مجيب. وكتب حمد بن إبراهيم العثمانالكويت




القسم الأول: أسس وأصول.

ص 17# الأقوال والقواعد المجملة سبب لظهور البدع

اللفظ المجمل: هو الذي يفهم منه معان، بعضها حق وبعضها باطل، ومن تأمل في تاريخ الأمة الإسلامية؛ وجد أن من طرائق المبتدعة الإتيان بألفاظ وقواعد مجملة، ليست في الكتاب ولا في السنة، وجعل هذه الألفاظ والقواعد من المسلمات؛ ليتوصلوا به إلى إبطال ما دل عليه القرآن والسنة؛ مثل: الجسم والحيز، وقولهم: (الأعراض لا تقوم إلا بجسم والأجسام متماثلة). وأول من تكلم في الجسم نفيا وإثباتا هو هشام بن الحكم الرافضي: قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (مجموع بن قاسم 12 / 114) : وأما الألفاظ التي ليست في الكتاب ولا في السنة، ولا اتفق السلف على نفيها أو إثباتها، فهذه ليست على أحد ان يوافق من نفاها أو أثبتها، حتى يستفسر عن مراده، فإن أراد بها معنى يوافق خبر الرسول؛ أقر به، وإن أراد بها معنى يحالف خبر الرسول؛ أنكره. ثم التعبير عن تلك المعاني: إن كان في ألفاظه اشتباه أو إجمال عبر بغيرها، أو بين مراده بها، بحيث يحصل تعريف الحق بالوجه الشرعي؛ فإن كثيرا من نزاع الناس سببه ألفاظ مجملة مبتدعة، ومعان مشتبهة، حتى تجد الرجلين يتخاصمان ويتعاديان على إطلاق ألفاظ أو نفيها، ولو سئل كل منهما عن معنى ما قاله، لم يتصوره، فضلا عن أن يعرف دليله، ولو عرف دليله، لم يلزم أن من خالفه يكون مخطئا؛ بل يكون في قوله نوع من الصواب، وقد يكون هذا مصيبا من وجه، وهذا مصيبا من وجه، وقد يكون الصواب في قول ثالث) ا. هـ والواجب على من يؤصل للدعوة ويقعد لها، أن لا يطلق ألفاظا مجملة من غير بيان وتفصيل لها، وأولى به أن لا يستعمل الألفاظ المجملة؛ حتى لا ينفذ من خلالها المبتدعة، وكذلك من سئل عن لفظ، أو قاعدة مجملة تحتمل حقا وباطلا أن لا يطلق الجواب من غير تفصيل، فيكون بذلك مضلة لم رام به الاقتداء. ومن فعل ذلك؛ فقد خرج عن هدي النبي --صلى الله عليه وسلم--؛ قال ابن القيم رحمه الله (إعلام الموقعين 4/ 192) : والمقصود التنبيه على وجوب التفصيل إذا كان يجد السؤال محتملا، وبالله التوفيق؛ فكثيرا ما يقع غلط المفتي في هذا القسم، فالمفتي ترد إليه المسائل في قوالب متنوعة جدا، فإن لم يتفطن لحقيقة السؤال، وإلا هلك وأهلك. وقال مبينا حقيقة هذا المفتي: وتارة تورد عليه المسائل الباطلة في دين الله في قالب مزخرف، ولفظ حسن، فيبادر إلى تسويغها، وهي من أبطل الباطل، وتارة بالعكس، فلا إله إلا الله، كم ههنا من مزلة أقدام، ومحل أوهام! وما دعا محق إلى حق، أخرجه الشيطان على لسان أخيه، ووليه من الإنس في قالب تنفر عنه خفافيش البصائر، وضعفاء العقول وهم أكثر الناس، وما حذر أحد من باطل، إلا أخرجه الشيطان على لسان وليه من الإنس في قالب مزخرف يستخف به عقول ذلك الضرب من الناس، فيستجيبون له، وأكثر الناس نظرهم قاصر على الصور، لا يتجاوزونها إلى الحقائق، فهم محبوسون في سجن الألفاظ، مقيدون بقيود العبارات كما قال تعالى (وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة وليرضوه وليقترفوا ما هم مقترفين) اهـ ومن أجل هذا كله، ترى أقوال وفتاوى الراسخين في العلم المقتفين لأثر الصحابة والتابعين مطابقة لألفاظ القرآن والسنة، يتحرون ذلك غاية التحري، فحصلت لهم السلامة، ومن حاد عن سبيلهم؛ حصل له الخطأ، والزلل والتناقض والاضطراب.
قال ابن القيم (إعلام الموقعين 4 / 170) : ينبغي للمفتي أن يفتي بلفظ النص مهما أمكنه؛ فإنه يتضمن الحكم والدليل مع البيان التام، فهو حكم مضمون له الصواب، متضمن للدليل عليه في أحسن بيان، وقول الفقيه المعين ليس كذلك، وقد كان الصحابة والتابعون، والأئمة الذين سلكوا على منهاجهم، يتحرون ذلك غاية التحري، حتى خلفت من بعدهم خلوف رغبوا عن النصوص، واشتقوا لهم ألفاظاً غير ألفاظ النصوص، فأوجب ذلك هجر النصوص. ومعلوم أن تلك الألفاظ لا تفي بما تفي به النصوص من الحكم والدليل وحسن البيان، فتولد من هجران ألفاظ النصوص، والإقبال على الألفاظ الحادثة، وتعليق الأحكام بها على الأمة من الفساد ما لا يعلمه إلا الله، فألفاظ النصوص عصمة وحجة، بريئة من الخطأ والتناقض والتعقيد والاضطراب.




ص 21# الخلاف أمر كوني

لا شك أن الله عز وجل قضى كونا وأراد الاختلاف كما قال تعالى (ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك) (هود: 118-119). وكما قال النبي -صلى الله عليه وسلم- «… فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا» وكما قال عليه السلام: «ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة …» وبعض الجهال يستدل بهذه الأدلة على وجوب التسليم والإذعان للاختلاف؛ لأن الله أراده! وهذا يلتبس على من لا يفرق بين ما أراده الله وقضاه كونا، وما أراده وقضاه شرعا. فالخلاف مما قضاه الله وأراده كونا لحكمة بالغة؛ حتى يتميز المتبع من المبتدع، ويقوم المتبع بمجاهدة المبتدع بالحجة والبيان. فالخلاف كالكفر باعتبار إرادة الله له كونا؛ فالله لا يحبه، ولكنه سبحانه شاءه وأراده إرادة كونية قدرية. قال أبو محمد بن حزم: (الإحكام في أصول الأحكام 5 / 64) : وقد نص الله تعالى على أن الاختلاف ليس من عنده، ومعنى ذلك أنه تعالى لم يرض به، وإنما أراده تعالى إرادة كون، كما أراد كون الكفر وسائر المعاصي ا. هـ فكما أنه لا يمكن لمسلم أن يرضى بالكفر، فكذلك ينبغي أن لا يرضى بالخلاف. وهذا الخلاف لا يختص بأهل السنة والمبتدعة؛ بل حتى أهل السنة لا بد أن يقع بينهم تنازع واختلاف. قال شيخ الإسلام ابن تيمية (مجموع بن الفتاوى 4 / 167) : فلا بد في الطوائف المنتسبة إلى السنة والجماعة من نوع تنازع، لكن لا بد فيهم من طائفة تعتصم بالكتاب والسنة، كما أنه لابد أن يكون بين المسلمين تنازع واختلاف، لكنه لا يزال في هذه الأمة طائفة قائمة بالحق، لا يضرها من خالفها ولا من خذلها حتى تقوم الساعة ا. هـ






ص 23# الخلاف سمة أهل البدع

قال تعالى: (إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا) (الأنعام 159). قال البغوي: (شرح السنة 1 /210) هم أهل البدع والأهواء 0 اهـوقال ابن المبارك: (جامع البيان للطبري 12 /85) أهل الحق ليس فيهم اختلاف 0 اهـوقال الشاطبي: (الاعتصام 1/113) الفرقة من أخس أوصاف المبتدعة 0 اهـوقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (الاستقامة 1/42) والبدعة مقرونة بالفرقة، كما أن السنة مقرونة بالجماعة؛ فيقال: أهل السنة والجماعة، كما يقال: أهل البدعة والفرقة 0 اهـوقال أبو المظفر السمعاني: (الحجة في بيان المحجة 2 /224 -225) ومما يدل على أن أهل الحديث هم أهل الحق: أنك لو طالعت جميع كتبهم المصنفة، من أولهم إلى آخرهم، قديمهم وحديثهم، مع اختلاف بلدانهم وزمانهم، وتباعد ما بينهم في الديار، وسكون كل واحد منهم قطرا من الأقطار؛ وجدتهم في بيان الاعتقاد على وتيرة واحدة، وخط واحد، يجرون فيه على طريقة واحدة، لا يحيدون عنها، ولا يميلون فيها، قولهم في ذلك واحد، ونقلهم واحد، لا ترى بينهم اختلافا ولا تفرقا في شيء ما وإن قل، بل لو جمعت جميع ما جرى على ألسنتهم، ونقلوه عن سلفهم؛ وجدته كأنه جاء من قلب واحد، وجرى على لسان واحد، وهل على الحق دليل أبين من هذا!؟ وأما إذا نظرت إلى أهل الأهواء والبدع، رأيتهم متفرقين مختلفين، أو شيعا وأحزابا، لا تكاد تجد اثنين منهم على طريقة واحدة في الاعتقاد؛ يبدع بعضهم بعضا، بل يرتقون إلى التكفير، يكفر الابن أباه، والرجل أخاه، والجار جاره، تراهم أبدا في تنازع وتباغض واختلاف، تنقضي أعمارهم ولم تتفق كلماتهم: (تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى ذلك بأنهم قوم لا يعقلون) ا. هـ




ص 25# الخلاف آفة الذنوب

قال الشيخ حمد بن إبراهيم العثمان حفظه الله: قال النبي -صلى الله عليه وسلم- «كيف بك يا عبد الله إذا كنت في حثالة من الناس؛ قد مرجت عهودهم وأماناتهم واختلفوا فصاروا هكذا؟!» وشبك بين أصابعه.
وعن أنس مرفوعا: «ما تواد اثنان في الله، ثم يفرق بينهما، إلا بذنب يحدثه أحدهما» رواه البخاري في (الأدب المفرد 401) وقال قتادة: رواه الطبري في (جامع البيان) (12/85) أهل رحمة الله أهل جماعة، وإن تفرقت دورهم وأبدانهم، وأهل معصيته أهل فرقة، وإن اجتمعت دورهم وأبدانهم. قال شيخ الإسلام ابن تيمية في أثر الذنوب في الاختلاف: (المجموع 14 / 157) : ولهذا كانوا - يعني: الصحابة - في الحنيفية السمحة على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وكانوا على عهد أبي بكر خيرا مما كانوا على عهد عمر فلما كانوا في زمن عمر حدث من بعضهم ذنوب، أوجبت اجتهاد الإمام في نوع من التشديد عليهم، كمنعهم من متعة الحج، وكإيقاع الثلاث إذا قالوها بكلمة، وكتغليظ عقوبة الخمر، وكان أطوعهم لله وأزهدهم –مثل أبي عبيدة -ينقاد له عمر ما لا ينقاد لغيره، وخفي عليهم بعض مسائل الفرائض وغيرها، حتى تنازعوا فيها وهم مؤتلفون متحابون، كل منهم يقر الآخر على اجتهاده. فلما كان في آخر خلافة عثمان، زاد التغير والتوسع في الدنيا، وحدثت أنواع من الأعمال لم تكن على عهد عمر، فحصل بين بعض القلوب تنافر، حتى قتل عثمان، فصاروا في فتنة عظيمة، قال تعالى: (واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة) (الأنفال 52) أي: هذه الفتنة لا تصيب الظالم فقط، بل تصيب الساكت عن نهيه عن الظلم، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه؛ أوشك أن يعمهم الله بعقاب من منه» رواه أبو داود (4338) وصار ذلك سببا لمنعهم كثيرا من الطيبات، وصاروا يختصمون في متعة الحج ونحوها، مما لم تكن فيه خصومة على عهد عمر، فطائفة تمنع المتعة مطلقا؛ كابن الزبير، وطائفة تمنع الفسخ؛ كبني أمية وأكثر الناس، وصاروا يعاقبون من تمتع، وطائفة أخرى توجب المتعة، وكل منهم لا يقصد مخالفة الرسول، بل خفي عليهم العلم، وكان ذلك سببه ما حدث من الذنوب، كما قال -صلى الله عليه وسلم-: «خرجت لأخبركم بليلة القدر، فتلاحى رجلان فرفعت، ولعل ذلك أن يكون خيرا لكم» (رواه البخاري 3202) ا. هـ وهذا كلامه في القرون المفضلة، فكيف بزماننا هذا؟!




ص 28# الخلاف شر

أهل السنة يأخذون القواعد من الكتاب والسنة، فتكون قاعدتهم تبعا للكتاب والسنة، وأهل البدع بخلاف ذلك؛ يقعدون القواعد، ثم ينظرون في الكتاب والسنة ‍فلذلك تجد لهم من تحريف النصوص، وتأويلها، وتنزيلها على غير مراد الله ورسوله، ما يعجب منه المسلم الحق، لأن هذا هو شأن من يعتقد ثم يستدل؛ يقع منه الزلل والتحريف؛ لأن النصوص قد لا تستقيم وقواعده. وإذا رجعنا إلى الكتاب والسنة، وأقوال الصحابة؛ وجدناها تدل على أن الخلاف شر: قال الله تعالى: (ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك) وقال عمر بن عبد العزيز رحمه الله: خلق أهل رحمته؛ لئلا يختلفوا. (أحكام القرآن لأبي بكر العربي 3 /1072) وقال أبو محمد بن حزم (الأحكام 5/66) : فاستثنى الله تعالى من رحم من جملة المختلفين، وأخرج المرحومين من جملة المختلفين. قال الشاطبي: (الاعتصام 2/169) : إن الآية اقتضت أن أهل الاختلاف المذكورين؛ مباينون لأهل الرحمة؛ لقوله: (ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك) فإنها اقتضت قسمين: أهل الاختلاف، ومرحومين. فظاهر التقسيم؛ أن أهل الرحمة ليسوا من أهل الاختلاف، وإلا كان قسم الشيء قسيما له، ولم يستقم معنى الاستثناء ا. هـ وقال ابن وهب: سمعت مالكا يقول فيها: الذين رحمهم؛ الله لم يختلفوا. (الأحكام 5/66). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (المجموع 4/25) قال الله تعالى: (ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم) فأخبر أن أهل الرحمة لا يختلفون، وأهل الرحمة هم أتباع الأنبياء قولا وفعلا، وهم أهل القرآن والحديث من هذه الأمة، فمن خالفهم في شيء؛ فاته من الرحمة بقدر ذلك ا. هـ وقال أيضا: (المجموع 4/236) : خلق قوما للاختلاف، وقوما للرحمة 0 اهـ وقال ابن أبي العز الحنفي: (شرح الطحاوية 2 /775) فجعل أهل الرحمة مستثنين من الخلاف ا. هـ وقال تعالى (ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم) قال المزني: (جامع بيان العلم 2/910) : فذم الله الاختلاف، وأمر عنده بالرجوع إلى الكتاب والسنة، فلو كان الاختلاف من دينه ما ذمه، ولو كان التنازع من حكمه ما أمرهم بالرجوع عنده إلى الكتاب والسنة ا. هـ وعن أبي ثعلبة الخشني رضي الله عنه قال: كان الناس إذا نزلوا منزلا تفرقوا في الشعاب والأودية، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «إن تفرقكم في هذه الشعاب والأودية إنما ذلكم من الشيطان» فلم ينزلوا بعد منزلا، إلا انضم بعضهم إلى بعض. (رواه أبو داود 2628) فانظر كيف نسب النبي -صلى الله عليه وسلم- تفرق الصحابة في المكان من حيث الظاهر، مع ائتلاف بواطنهم كما قال تعالى: (وألف بين قلوبهم) (الأنفال 36) إلى الشيطان، وحسبك بفعل أضيف إلى الشيطان؛ فإنه لا يأمر إلا بالسوء والفحشاء والمنكر. فكيف إذا كان الخلاف بما هو أعظم من هذا التفرق في المكان فقط؟! كالخلاف في العقائد، والمسائل العلمية والعملية … وقال ابن مسعود رضي الله عنه: الخلاف شر 0 (رواه أبو داود 1960) وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: اقضوا كما كنتم تقضون؛ فإني أكره الاختلاف، حتى يكون الناس جماعة، أو أموت كما مات أصحابي 0 (رواه البخاري 3707) وقول علي بن أبي طالب رضي الله عنه هذا في بيع أم الولد؛ لأنه كان يرى هو وعمر أنهن لا يبعن، وأنه رجع عن ذلك، فرأى أن يبعن، كما في رواية حماد بن زيد، عن أيوب. وقول علي رضي الله عنه: (أكره الاختلاف) في حكم بيع أم الولد مما تتجاذبه الأدلة تحريما أو تحليلا فكيف بالمسائل التي لم يقم عليها دليل من الكتاب والسنة، وإنما هي من مضلات الهوى، التي صارت الأحزاب تتخذها أصولا، تسير وتسير الأتباع عليها؟! قال أبو جعفر الطحاوي: (متن الطحاوية) مع الشرح (2/775) وترى الجماعة حقا وصوابا، والفرقة زيغا وعذابا 0 اهـوقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (المجموع 3/421) فإن الجماعة رحمة، والفرقة عذاب 0 ا. هـ




ص 32# حديث اختلاف أمتي رحمة

ضعيف السند والمتن، لم يرد في شيء من المصنفات الحديثية حديث بهذا اللفظ، والمشهور حديث: «اختلاف أصحابي رحمة» وإنما يذكر ذلك بعض الأصوليون، كما فعل ابن الحاجب في (مختصره) في أصول الفقه. قال السبكي: (فيض القدير 1/212) : ليس بمعروف عند المحدثين، ولم أقف على سند صحيح، ولا ضعيف، ولا موضوع. وقال أبو محمد بن حزم: (الأحكام 5/61) وأما الحديث المذكور؛ فباطل مكذوب من توليد أهل الفسق ا. هـ وقال القاسمي منتقدا هذا الحديث سندا ومتنا: (محاسن التأويل 4 /928) : ذكر بعض المفسرين هنا ما روي من حديث: «اختلاف أمتي رحمة» ، ولا يعرف له سند صحيح، ورواه الطبراني والبيهقي في المدخل بسند ضعيف، عن ابن عباس مرفوعا. قال بعض المحققين: هو مخالف لنصوص الآيات والأحاديث كقوله تعالى: (ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك) ونحوه قوله -صلى الله عليه وسلم-: «لا تختلفوا فتختلف قلوبكم» وغيره من الأحاديث الكثيرة، والذي يقطع به أن الاتفاق خير من الاختلاف اهـوالحديث الذي أشار إليه القاسمي؛ رواه البيهقي في المدخل 0 (رقم 152)، وإسناده ساقط بالمرة؛ فيه ثلاث علل: الأولى: سليمان بن أبي كريمة، ضعفه أبو حاتم الرازي. الثانية: جويبر، متروك الحديث، كما قال النسائي، والدارقطني، ويروي عن الضحاك أشياء موضوعة، وهذا الحديث من روايته عنه. الثالثة: الانقطاع بين الضحاك وابن عباس. وفي الجملة؛ ليس في الأدلة من الكتاب والسنة ما يدل على أن الخلاف رحمة. قال العلامة المحدث محمد ناصر الدين الألباني (السلسة الضعيفة 1/77) : وجملة القول أن الاختلاف مذموم في الشريعة، فالواجب محاولة التخلص منه ما أمكن، لأنه من أسباب ضعف الأمة؛ كما قال تعالى: (ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم). ولا يسعني إلا أن أقول: إذا كان اختلاف أمتي رحمة، هل يكون اجتماعها عذابا؟! أما الرضى به وتسميته رحمة؛ فخلاف الآيات الكريمة المصرحة بذمه، ولا مستند له إلا هذا الحديث الذي لا أصل له عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ا. هـ
ص 35# الخلاف الذي قام الدليل على كل واحد من أطرافه هذا النوع من الخلاف، كل واحد من المختلفين مصيب فيه بلا تردد؛ لأنه قد قام الدليل على مشروعية كل واحد منهما، ويذم إذا بغى فيه أحد الطرفين على الآخر. وهذا النوع من الاختلاف يسميه العلماء باختلاف التنوع، لا تدافع ولا مضادة فيه، كاختلاف صفة الأذان والإقامة، وأدعية الاستفتاح والتشهدات وصلاة الخوف والقراءات. وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال: سمعت رجلا قرأ آية سمعت رسول الله يقرأ خلافها، فأخذت بيده، فانطلقت به إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فذكرت ذلك له، فعرفت في وجهه الكراهة، وقال: «كلاكما محسن، ولا تختلفوا، فإن من كان قبلكم اختلفوا؛ فهلكوا» (رواه البخاري رقم 2410).



ص 36# الحق عند الله واحد وما عداه فخطأ

هذا الأصل تضافرت الأدلة عليه من الكتاب والسنة، وعليه عمل الصحابة رضي الله عنهم أجمعين: -الأدلة من القرآن: 1) قال الله تعالى: (فماذا بعد الحق إلا الضلال) قال القرطبي: (الجامع 8/336) : حكمت هذه الآية بأنه ليس بين الحق والباطل منزلة ثالثة في هذه المسألة التي هي توحيد الله تعالى وكذلك هو الأمر في نظائرها، وهي مسائل الأصول؛ فإن الحق فيها في طرف واحد. وقد يقول قائل: إن ظاهر الآية يدل على أن ما بعد الله هو الضلال؛ لأن أولها (فذلكم الله ربكم الحق فماذا بعد الحق إلا الضلال) فلماذا التوسع في الاستدلال؟ فالجواب: إن سلفنا الصالح قد استدلوا بعموم هذه الآية على كل باطل فاستدل بها مالك على تحريم الشطرنج كما في رواية أشهب، ووجه ذلك: أن الكفر تغطية للحق، وكل ما كان من غير الحق يجري هذا المجرى. 2) قال تعالى: (ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءتهم البينات) وقال تعالى: (واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا). قال ابن القيم رحمه الله (مختصر الصواعق 2/566) : الآيات الناهية عن الاختلاف في الدين المتضمنة لذمه، كلها شهادة صريحة بأن الحق عند الله واحد، وما عداه فخطأ، ولو كانت تلك الأقوال كلها صوابا، لم ينه الله ورسوله عن الصواب ولا ذمه اهـ3) قال تعالى: (ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا) وقال ابن القيم أيضا (المصدر السابق) فقد أخبر سبحانه أن الاختلاف ليس من عنده، وما لم يكن من عنده فليس بالصواب 0اهـ4) قال تعالى: (وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين، ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما). قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (المجموع 33/41) : فهذان نبيان كريمان، حكما في حكومة واحدة، فخص الله أحدهما بفهمها، مع ثنائه على كل منهما بأنه آتاه حكما وعلما، فكذلك العلماء المجتهدون رضي الله عنهم: للمصيب منهم أجران، وللمخطئ فيهم أجر واحد، وكل منه مطيع لله بحسب استطاعته، ولا يكلفه الله ما عجز عن علمه، ومع هذا فلا يلزم الرسول -صلى الله عليه وسلم- قول غيره، ولا يلزم ما جاء به من الشريعة شيء من الأقوال المحدثة، لا سيما إذا كانت شنيعة ا. هـ وهنا تنبيه مهم لا بد من الالتفات إليه، وهو أنه لا يجوز الاستدلال بهذه الآية على عدم ملامة ولا ذم من لم يصب الحق مطلقا؛ وذلك لأن المسألة التي حكما فيها ليست من مسائل الوحي؛ وإنما هي من مسائل الاجتهاد، فلم يستوجب الذم على الخطأ. قال العلامة المفسر محمد الأمين الشنقيطي: (أضواء البيان 4 /650) : وفي الآية قرينتان على أن حكمهما كان باجتهاد لا بوحي، وأن سليمان أصاب؛ فاستحق الثناء باجتهاده وإصابته، وأن داود لم يصب؛ فاستحق الثناء باجتهاده، ولم يستوجب لوما ولا ذما بعدم إصابته، كما أثنى على سليمان بالإصابة في قوله: (ففهمناها سليمان)، أثنى عليهما في قوله: (وكلا آتينا حكما وعلما) فدل قوله: (إذ يحكمان) على أنهما حكما فيها معا، كل منهما بحكم مخالف لحكم الآخر، ولو كان وحيا لما ساغ الخلاف ثم قال: (ففهمناها سليمان). فدل ذلك على أنه لم يفهمها داود، ولو كان حكمه فيها بوحي؛ لكان مفهما إياها كما ترى. فقوله: (إذ يحكمان) مع قوله: (ففهمناها سليمان) قرينة على أن الحكم لم يكن بوحي بل باجتهاد، وأصاب فيه سليمان دون داود، بتفهيم الله إياه ذلك 0 اهـالأدلة من السنة: 1) عن أبي سعيد رضي الله عنه أن بني قريظة نزلوا على حكم سعد بن معاذ، فأرسل النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى سعد، فأتى على حمار، فلما دنا من المسجد، قال للأنصار: قوموا إلى سيدكم)، فقال هؤلاء نزلوا على حكمك، فقال سعد: تقتل مقاتلتهم، وتسبى ذراريهم، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «لقد حكمت فيهم بحكم الله تعالى الملك» . فانظر كيف أثنى النبي -صلى الله عليه وسلم- على سعد بقوله: «لقد حكمت فيهم بحكم الله؟! فدل هذا على أن سعدا وافق حكم الله في نفس الأمر، وأنه لو حكم بغير هذا الحكم ما وافق حكم الله.
2) وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «إذا حكم الحاكم، فاجتهد، فأصاب؛ فله أجران، وإذا حكم، فأخطأ؛ فله أجر واحد» .
وهذا الحديث صريح في أن الحق في جهة واحدة؛ للتصريح بتخطئة القول المخالف.
3) وفي حديث سليمان بن بريدة، عن أبيه، أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «وإذا حاصرت أهل حصن، فأرادوك أن تنزلهم على حكم الله، فلا تنزلهم على حكم الله، ولكن أنزلهم على حكمك؛ فإنك لا تدري أتصيب حكم الله فيهم أم لا؟» . وهذا من أوضح الأدلة على أن حكم الله في نفس الأمر واحد؛ قد يصيبه العبد أو يخطئه، ووجه أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- بهذا في ذلك الوقت؛ لأن الأحكام الشرعية إذ ذاك لا تزال تنزل، وينسخ بعضها بعضا» .
4) وقد بين النبي -صلى الله عليه وسلم- أن أمته ستفترق إلى ثلاث وسبعين فرقة، وجعل الفرقة الناجية واحدة. قال الشاطبي: (الاعتصام 2/249) : إن قوله عليه الصلاة والسلام: «إلا واحدة» قد أعطى بنصه أن الحق واحد لا يختلف، إذ لو كان للحق فرق أيضا؛ لم يقل: «إلا واحدة» 0 اهـ
5) وفي قصة المرأتين، معهما ابناهما، لما جاء الذئب فذهب بابن إحداهما، فقالت صاحبتها: إنما ذهب بابنك، وقالت الأخرى: إنما ذهب بابنك، فتحاكما إلى داود، فقضى به للكبرى، فخرجتا على سليمان بن داود فأخبرتاه فقال: آتوني بالسكين أشقه بينكما، فقالت الصغرى: لا تفعل يرحمك الله هو ابنها فقضى به للصغرى. (رواه البخاري3427) قال الحافظ ابن حجر في فوائد هذا الحديث: (الفتح 6/465) : وفيه أن الحق في جهة واحدة ا. هـ




# عمل الصحابة:

1) قال ابن مسعود رضي الله عنه لما طلب منه موافقة أبي موسى الأشعري في مسألة بنت وبنت ابن وأخت، فأعطى البنت النصف، والأخت النصف: لقد ضللت إذا، وما أنا من المهتدين، أقضي فيها بما قضى النبي -صلى الله عليه وسلم-: للابنة النصف، ولابنة الابن السدس، تكملة الثلثين، وما بقي فللأخت، فأخبر أبو موسى، فقال: لا تسألوني ما دام هذا الحبر فيكم. (البخاري 6736) فانظر إلى ابن مسعود رضي الله عنه كيف جعل القول الآخر الذي جعله المصوبة صوابا عند الله ضلالا.
2) وقال ابن عباس رضي الله عنهما: لوددت أني وهؤلاء الذين يخالفوني في الفريضة نجتمع، فنضع أيدينا على الركن، ثم نبتهل، فنجعل لعنة الله على الكاذبين. (رواه عبد الرزاق رقم 19024 بإسناد صحيح) فهذا ابن عباس رضي الله عنهما يريد أن يباهل مخالفه، والمباهلة فيها أيمان مغلظة، بحضور الزوج والذرية ومقترنة بلعنة الله، كما قال تعالى (فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين) ومن أجل هذا كله وغيره، قال الإمام مالك رحمه الله: ما الحق إلا واحد، قولان مختلفان يكونان صوابا جميعا؟! وما الحق والصواب إلا واحد 0 اهـ
وبعد هذا تعرف خطأ مذهب البعض فيما ذهب إليه بقوله: (كل مجتهد مصيب)؛ فإنها مصادمة للنصوص، ومن أصرحها قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «وإذا اجتهد الحاكم فأخطأ …» فتلك العبارة ليست متلقاة عن القرون المفضلة، بل إن أصولها بدعية. قال القاضي أبو الطيب الطبري (البحر المحيط 6/243) : وقد ذكر أبو الحسن الأشعري القولين جميعا. وقد أبان أن (الحق في واحد)، ولكنه مال إلى اختيار: (كل مجتهد مصيب)، وهذا مذهب معتزلة البصرة، وهم الأصل في هذه البدعة، وقالوا هذا لجهلهم بمعاني الفقه، وطرقه الدالة علي الحق، الفاصلة بينه وبين ما عداه من الشبه الباطلة 0اهـ بل إن هؤلاء المبتدعة يعظمون الكلام الذي يسمونه أصول الدين، ويجعلون مسائله قطعية، ويوهنون من أمر الفقه، ويجعلونه من باب الظنون لا العلوم. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (الاستقامة 1/49) : هذه الأصول التي ادعوها في ذلك باطلة واهية، كما سنبينه في غير هذا الموضع، ذلك أنهم لم يجعلوا لله في الأحكام حكما معينا، حتى ينقسم المجتهد إلى مصيب ومخطئ، بل الحكم في حق كل شخص ما أدى إليه اجتهاده. وقد بينا في غير هذا الموضع، ما في هذا من السفسطة والزندقة، فلم يجعلوا لله حكما في موارد الاجتهاد أصلا، ولا جعلوا له على ذلك دليلا أصلا، بل ابن الباقلاني، وغيره يقول: (وما ثم أمارة في الباطن، بحيث يكون ظن أصح من ظن، وإنما هو أمور اتفاقية)، فليست الظنون عنده مسندة إلى أدلة وأمارات تقتضيها، كالمعلوم في استنادها إلى الأدلة 0 اهـوقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (المجموع 33/42) : ولهذا تجد المسائل التي تنازعت فيها الأمة على أقوال، وإنما القول الذي بعث الرسول -صلى الله عليه وسلم- واحد منها ا. هـ



ص 44 # الحق واضح وسهل لمن يطلبه بحسن قصد

قال الله عز وجل: (ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر) وهذا عام للتلاوة والقراءة وللفهم معا، قال الحافظ ابن كثير: (التفسير 4/264) أي: سهلنا لفظه، ويسرنا معناه لمن أراده؛ ليتذكر الناس 0 اهـوقال ابن القيم: (مختصر الصواعق 1/57) : ولا تجد كلاما أحسن تفسيرا، ولا أتم من كلام الله سبحانه، ولهذا سماه بيانا، وأخبر أنه يسره للذكر، ويسر ألفاظه للحفظ، ومعانيه للفهم، وأوامره ونواهيه للامتثال، ومعلوم أنه لو كان بألفاظ لا يفهمها المخاطب، لم يكن ميسرا له؛ بل كان معسرا عليه، وإذا أريد من المخاطب أن يفهم من ألفاظه ما لا يدل عليه من المعاني، أو يدل على خلافه؛ فهذا من أشد التعسير ا. هـ وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «الحلال بين، والحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات» 0 أخرجه البخاري رقم 25 والاشتباه أيضاً إنما هو بالنسبة لمن لم يعرفها؛ قال الحافظ ابن رجب رحمه الله: (جامع العلوم ص72) : وإنما هي مشتبهة على من لم يعلمها، وليست مشتبهة في نفس الأمر 0 اهـ
وقال ابن أبي العز الحنفي (شرح الطحاوية 2/787) مقررا هذا: فدين الإسلام هو ما شرعه الله سبحانه وتعالى لعباده على ألسنة رسله، وأصول هذا الدين وفروعه، موروثة عن الرسل، وهو ظاهر غاية الظهور، يمكن كل مميز من صغير أو كبير، وفصيح وأعجمي، وذكي وبليد أن يدخل فيه بأقصر زمان، وأنه يقع الخروج منه بأسرع من ذلك، من إنكار كلمة، أو تكذيب، أو معارضة، أو كذب على الله، أو ارتياب في قول الله، أو رد لما أنزل، أو شك فيما نفى الله عنه الشك، أو غير ذلك مما في معناه. فقد دل الكتاب والسنة على ظهور دين الإسلام، وسهولة تعلمه، وأنه يتعلمه الوافد، ثم يولي في وقته 0 اهـوقال علامة القصيم الشيخ عبد الرحمن السعدي: (توضيح الكافية ص79 -80) : اعلم أن النصوص الشرعية من الكتاب والسنة، تأتي مركبة صريحة في معانيها، لا تحتمل غيره بوجه، هذا حالها في نفسها، وقد اتفق على هذا جميع أئمة المسلمين، الذين عرفوا مقاصد الشارع في مصادره وموارده، وتمرنوا على ألفاظه ومعانيه، فكما لا يستريبون في نصوصه في الأحكام الفروعية، فلا يستريبون أيضا في نصوصه في الأصول، بل يرون هذا النوع أكثر بيانا، وأبلغ وضوحا؛ لشدة الحاجة والضرورة إليه. ودون هؤلاء من أهل العلم من لم يصل إلى ما وصلوا إليه، لأنه ليس عندهم من الاعتناء بالنصوص كما عند أولئك، فنصوص الشارع عندهم ظواهر - ظاهرة في معناها في مداركهم وأفهامهم - وربما وقع لبعض هؤلاء من الاحتمالات، والإشكالات ما لا يقدرون على حله، وبين هؤلاء وبين الأولين فرق عظيم في هذه الأبواب والأصول العظيمة، وليس نزولهم عن الأولين لقصور أفهامهم؛ وإنما ذلك لعدم إقبالهم التام، واعتنائهم بكلام الشارع، ولهذا تجدهم في المذاهب التي تفقهوا بها، واعتنوا بها جازمين بمقاصد أئمتهم، ومرادهم بألفاظهم ونصوصهم؛ لأنهم وفروا مداركهم لتحصيل ذلك فمروا فيها 0 اهـ





ص 47# موارد النزاع والظن قليلة

قد بينا بالأدلة الشرعية في التنبيه السابق وضوح الحق، ويتبع هذا الأصل العظيم، أن مسائل النزاع والظن قليلة. والظنون إنما هي من مسائل الاجتهاد، أما مسائل الإيمان والعقائد؛ فالعلم فيها أكثر قطعا.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (الاستقامة 1/56) : من المعلوم أن الظنون غالبا، إنما تكون في مسائل الاجتهاد والنزاع، فأما مسائل الإيمان والإجماع؛ فالعلم فيها أكثر قطعا 0 اهـ
وقال أيضا: (المجموع13/118) : جمهور مسائل الفقه التي يحتاج إليها الناس ويفتون بها، هي ثابتة بالنص أو الإجماع، وإنما يقع الظن والنزاع في قليل مما يحتاج إليه الناس، وهذا موجود في سائر العلوم. وكثير من مسائل الخلاف، هي في أمور قليلة الوقوع ومقدرة، وأما ما لا بد للناس منه من العلم مما يجب عليهم، ويحرم، ويباح، فهو معلوم مقطوع به، وما يعلم من الدين ضرورة جزء من الفقه، وإخراجه من الفقه قول لم يعلم أحد من المتقدمين قاله ا. هـفإن قلت: مسائل الاختلاف في الفقه كثيرة جدا، وهذا يعني أن الظن كثير جدا، فهذا القاضي أبو يعلى استوعب مسائل الخلاف، فانتهت إلى ألوف مؤلفة - إما أربعة آلاف أو أقل أو أكثر - ومن اقتصر على كبار كبارها، كما فعل أبو محمد إسماعيل بن عبد السلام، وجدها نحو مائة مسألة. فالجواب عن هذا من وجهين: الأول: أن مسائل القطع، والنص، والإجماع، بقدر تلك أضعافا مضاعفة. الثاني: أن هذا الظن ليس وصفا للنصوص التي اختلفوا فيها، وإنما الظن واقع لبعض المجتهدين، وهو نسبي أيضا، مقطوع به عند المحققين. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (الاستقامة1/55) : ومن المعلوم لمن تدبر الشريعة أن أحكام عامة أفعال العباد معلومة لا مظنونة، وأن الظن فيها إنما هو قليل جدا في بعض الحوادث لبعض المجتهدين، فأما غالب الأفعال –مفادها وأحداثها –فغالب أحكامها معلومة، ولله الحمد. وأعني بكونها معلومة أن العلم بها ممكن، وهو حاصل لمن اجتهد واستدل بالأدلة الشرعية عليها، لا أعني أن العلم بها حاصل لكل أحد، بل ولا لغالب المتفقهة المقلدين لأئمتهم، بل هؤلاء غالب ما عندهم ظن أو تقليد ا. هـ



ص 49# الصحابة اختلفوا في الدقائق

الصحابة -رضي الله عنهم- لم يختلفوا في المسائل الجلية؛ لأن بيان مثل هذا كان ظاهرا بينهم، وإنما وقع الخلاف بينهم في بعض المسائل؛ كالطلاق، والفرائض، بسبب الاختلاف في استخراج دقائق معاني الشرع. فلم يقع بينهم نزاع في مسائل الإيمان، والقدر، والأسماء والصفات، والوعد والوعيد. قال الشاطبي: (الاعتصام2/191) : فإن الخلاف من زمن الصحابة إلى الآن واقع في المسائل الاجتهادية. وقال الإمام أبو عبد الله بن خفيف: (مجوع فتاوى ابن تيمية 5/71) : فاتفقت أقوال المهاجرين والأنصار في توحيد الله عز وجل، معرفة أسمائه وصفاته وقضائه، قولا واحدا، وشرعا ظاهرا، وهم الذين نقلوا ذلك عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حتى قال: «عليكم بسنتي …» وذكر الحديث، وحديث «لعن الله من أحدث حدثا» . فكانت كلمة الصحابة على الاتفاق من غير اختلاف، وهم الذين أمرنا بالأخذ عنهم إذ لم يختلفوا بحمد الله تعالى في أحكام التوحيد، وأصول الدين من الأسماء والصفات، كما اختلفوا في الفروع، ولو كان منهم في ذلك اختلاف لنقل إلينا، كما نقل سائر الاختلاف، فاستقر صحة ذلك عند العلماء المعروفين، حتى نقلوا ذلك قرنا بعد قرن؛ لأن الاختلاف كان عندهم في الأصل كفر، ولله المنة ا. هـ قال شيخ الإسلام ابن تيمية: في (منهاج السنة 6/336) : والمقصود أن الصحابة رضوان الله عليهم لم يقتتلوا قط، لاختلافهم في قاعدة من قواعد الإسلام أصلا، ولم يختلفوا في شيء من قواعد الإسلام: لا في الصفات، ولا في القدر، ولا في مسائل الأسماء والأحكام، ولا في مسائل الإمامة. لم يختلفوا في ذلك بالاختصام بالأقوال، فضلا عن الاقتتال بالسيف، بل كانوا مثبتين لصفات الله التي أخبر بها عن نفسه، نافين عنها تمثيلها بصفات المخلوقين ا. هـوقال أيضا: في (المجموع 13/64-65) : لكن هذا وهذا قد يقعان في خفي الأمور، ودقيقها، باجتهاد من أصحابها، استفرغوا فيها وسعهم في طلب الحق، ويكون لهم من الصواب والاتباع ما يغمر ذلك؛ كما وقع مثل ذلك من بعض الصحابة في مسائل الطلاق والفرائض ونحو ذلك، ولم يكن منهم مثل هذا في جليِّ الأمور وجليلها؛ لأن هذا من الرسول كان ظاهرا بينهم، فلا يخالفه إلا من يخالف الرسول، وهم معتصمون بحبل الله؛ يحكمون الرسول فيما شجر بينهم، لا يتقدمون بين يدي الله ورسوله ا. هـوقال أيضا: (المجموع 19/274) : وهكذا الفقه إنما وقع فيه الاختلاف لما خفي عليهم بيان صاحب الشرع، ولكن هذا إنما يقع النزاع في الدقيق منه، وأما الجليل فلا يتنازعون فيه، والصحابة أنفسهم تنازعوا في بعض ذلك ولم يتنازعوا في العقائد، ولا في الطريق إلى الله التي يصيبها الرجل من أولياء الله الأبرار المقربين 0 اهـوقال أيضا: (المجموع 6/394) : وأما الذي أقوله الآن، وأكتبه: - وإن كنت لك أكتبه فيما تقدم من أجوبتي، وإنما أقوله في كثير من المجالس - إن جميع ما في القرآن من آيات الصفات، فليس عن الصحابة اختلاف في تأويلها. وقد طالعت التفاسير المنقولة عن الصحابة، وما رووه من الحديث، ووقفت من ذلك على ما شاء الله تعالى من الكتب الكبار والصغار، أكثر من مئة تفسير، فلم أجد إلى ساعتي هذه عن أحد من الصحابة أنه تأول شيئا من آيات الصفات، أو أحاديث الصفات بخلاف مقتضاها المفهوم المعروف ا. هـوكأني بقائل يقول: إن الصحابة تنازعوا في قوله تعالى: (يوم يكشف عن ساق)، فعن ابن عباس؛ أن المراد به أن الله يكشف عن الشدة في الآخرة، وعن أبي سعيد: أنه عدها في الصفات. فأقول: لا تعارض بين القولين، فإن الله عز وجل إذا كشف عن ساقه سبحانه وتعالى يوم القيامة، عجز المنافقون عن السجود، وتمايز المؤمنون عن المنافقين، وهذا الموقف من الشدة. وهذه الآية: (يوم يكشف عن ساق)، الساق لم يضفها الله إلى نفسه - كسائر الصفات – لكن ظهر بدليل آخر –وهو حديث أبي سعيد أنها مضافة إلى الله. وكذلك تنازع الصحابة في رؤية النبي -صلى الله عليه وسلم- ربه ليلة الإسراء، فهناك انفكاك في الجهة، فمن أثبت الرؤية أراد القلبية، ومن نفى أراد البصرية، والقولان متفقان. وكذلك الاقتتال بين علي ومعاوية –لم يكن على الإمامة –وإنما هو قتال بتأويل سائغ لطاعة غير الإمام، لا على قاعدة دينية. وأما الحرب بين طلحة والزبير وبين علي، فكان كل منهما يقاتل عن نفسه، ظانا أنه يدفع صولة غيره عليه، لم يكن لعلي غرض في قتالهم، ولا لهم غرض في قتاله، لكن لما علم بعض قتلة عثمان أن الأمر قد ينتظم بين الطرفين، فيتمكن منهم، حمل على أحد العسكرين، فظن آخرون أنهم بدءوا بالقتال، فوقع القتال 0 اهـ (انظر منهاج السنة 6/328)




ص 53 # صحة العقيدة سبب لإدراك الحق

واستجابة الدعاء صحة الاعتقاد تقوي الإدراك وتصححه، فلذلك تجد أهل السنة موافقين للحق في الحلال والحرام، وإدراكهم له، وإصابتهم للصواب فيه أكثر ممن بعد عن السنة. وبمقدار البعد عن السنة يضعف إدراك الحق في الحلال والحرام وغيره، ولذلك تجد من كان أعمى في العقيدة فهو في غيرها أعمى وأضل سبيلاً. وأما الخطأ والغلط الذي يحصل لبعض أئمة السنة في الحلال والحرام؛ فهو من لوازم بشريتهم، وانتفاء العصمة عنهم. قال شيخ الإسلام ابن تيمة: (مجموع الفتاوى) (4/10) فكل من استقرأ أحوال العالم؛ وجد المسلمين أحد وأسد عقلاً، وأنهم ينالون في المدة اليسيرة من حقائق العلوم والأعمال أضعاف ما يناله غيرهم في قرون وأجيال، وكذلك أهل السنة والحديث؛ تجدهم كذلك متمتعين؛ وذلك لأن اعتقاد الحق الثابت يقوي الإدراك ويصححه؛ قال تعالى: {والذين اهتدوا زادهم هدى}، وقال: {ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيراً لهم وأشد تثبيتاً وإذا لآتيناهم من لدنا أجراً عظيماً ولهديناهم صراطاً مستقيماً} اهـ. وكذلك صحة الاعتقاد سبب لإجابة الدعاء، فربما حرم المبتدعة إجابة دعائهم في مواضع كثرة بسبب سوء عقيدتهم. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: في (مجموع الفتاوى) (14/33) ولهذا قيل: إجابة الدعاء تكون عن صحة الاعتقاد، وعن كمال الطاعة؛ لأنه عقب آية الدعاء بقوله: {000 فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي} اهـ. كما أن التوحيد سبب لقلة الفواحش، فلذلك تجد المنكرات في بلاد التوحيد قليلة، وفي كثير من الأحيان مستترة، وعلى العكس من ذلك تجد بلاد المبتدعة كالرافضة تموج بالفواحش، وإن زعموا تطبيق شريعتهم المبتدعة! قال شيخ الإسلام ابن تيمية: في (الرد علي البكري) (1/274) فإن البدع في الدين سبب الفواحش وغيرها من المنكرات، كما أن إخلاص الدين لله سبب التقوى وفعل الحسنات قال تعالى: {يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون}. وقوله: {لعلكم تتقون} متعلق بقوله: {اعبدوا ربكم}؛ لعل التقوى تحصل لكم بعبادته 0 اهـ. من أجل هذا كله وغيره، لا بد من الاعتناء بالعقيدة أولاً، وهذا هو ما بعثت به الرسل: {اعبدوا الله ما لكم من إله غيره}. قال عمرو بن العاص رضي الله عنه: إن أفضل ما نعد: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله 0 (رواه مسلم (95).




ص 56# فهم السلف عاصم من الاختلاف

قد بينا فيما سبق أن اختلاف الصحابة كان يسيراً، وهذا النزر اليسير كان في مسائل الاجتهاد، وليس في شيء من قواعد الإسلام، ومتابعتهم فيما هم عليه من أقوال، وأفعال، واعتقادات، تورث الاتفاق الذي كان صفة لهم. بل لا يسع مسلماً أن يخرج عن طريقهم وفهمهم، وفاعل ذلك متوعد بوعيد شديد؛ كما قال تعالى: {ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيراً} (النساء 511). وهم فرقنا في كل شيء، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «خير الناس قرني» ، (متفق عليه من حديث عمران بن حصين وغيره) وهم الذين شهدوا التنزيل، ورضي الله عنهم رضاً مطلقاً، وليس ذلك لأحد غيرهم. قال البربهاري: والأساس الذي تبنى عليه الجماعة، هم أصحاب محمد -صلى الله عليه وسلم- ورحمهم الله أجمعين، وهم أهل السنة والجماعة، فمن لم يأخذ عنهم، فقد ضل وابتدع، وكل بدعة ضلالة، والضلالة وأهلها في النار 0 اهـ. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: في (منهاج السنة) (6/368) وكما أنه لم يكن في القرون أكمل من قرن الصحابة، فليس في الطوائف بعدهم أكمل من أتباعهم، فكل من كان للحديث والسنة وآثار الصحابة أتبع؛ كان أكمل، وكانت تلك الطائفة أولى بالاجتماع، والهدى، والاعتصام بحبل الله، وأبعد عن التفرقة والاختلاف والفتنة، وكل من بعد عن ذلك؛ كان أبعد عن الرحمة، وأدخل في الفتنة. فليس الضلال والغي في طائفة من طوائف الأمة أكثر منه في الرافضة، كما أن الهدى، والرشاد، والرحمة ليس فيطائفة من طوائف الأمة أكثر منه في أهل الحديث والسنة المحضة، الذين لا ينتصرون إلا لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فإنهم خاصته، وهو إمامهم المطلق الذي لا يغضبون لقول غيرهم إلا إذا اتبع قوله، ومقصودهم نصر الله ورسوله 0 اهـ.




ص 58 # حديث صلاة العصر في بني قريظة

ورد عن ابن عمر رضي الله عنهما، أنه قال: قال النبي -صلى الله عليه وسلم- يوم الأحزاب: «لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة» ، فأدرك بعضهم العصر في الطريق، فقال بعضهم: لا نصلي حتى نأتيهم، وقال بعضهم: بل نصلي، لم يرد منا ذلك، فذكر ذلك للنبي -صلى الله عليه وسلم-، فلم يعنف واحداً منهم. وهذا الحديث تعلق به أرباب البدع المضلة، الذين قالوا: إن للنصوص باطناً غير ما يدل عليه اللفظ! وكذلك المحرفون لنصوص الصفات، بل صار عمدة كل مخطئ معرض عن الكتاب والسنة وسلف الأمة، وليس فيما تعلقوا به متعلق؛ لأن الزمان زمان تشريع؛ فظن البعض أنه يسوغ تأخير الصلاة عن وقتها، إذا كان الشاغل ضرورة كالحرب. أما وقد ثبتت الأحكام وبينت الأمور، فليس حال المخطئ بعد ذلك مطابقاً لحال الصحابة. قال الحافظ ابن حجر: في (فتح الباري) (7/409-410) ثم الاستدلال بهذه القصة على أن كل مجتهد مصيب على الإطلاق!ليس بواضح؛ وإنما فيه ترك تعنيف من بذل وسعه واجتهد، فيستفاد منه عدم تأثيمه. وحاصل ما وقع في القصة، أن بعض الصحابة حملوا النهي على حقيقته، ولم يبالوا بخروج الوقت، ترجيحاً للنهي الثاني على النهي الأول، وهو ترك تأخير الصلاة عن وقتها، واستدلوا بجواز التأخير لمن اشتغل بأمر الحرب بنظير ما وقع في تلك الأيام بالخندق، فقد تقدم حديث جابر المصرح بأنهم صلوا العصر بعدما غربت الشمس؛ وذلك لشغلهم بأمر الحرب، فجوزوا أن يكون ذلك عاماً في كل شغل يتعلق بأمر الحرب، لا سيما والزمان زمان التشريع، والبعض الآخر حملوا النهي على غير الحقيقة، وأنه كناية عن الحث والاستعجال والإسراع إلى بني قريظة 0 اهـ. وقال العلامة الشيخ محمد ناصر الدين الألباني: في (في كتابه سلسلة الأحاديث الضعيفة) (4/448) (تنبيه: يحتج بعض الناس اليوم بهذا الحديث على الدعاة من السلفيين وغيرهم الذين يدعون إلى الرجوع فيما اختلف فيه المسلمون إلى الكتاب والسنة؛ يحتج أولئك على هؤلاء بأن النبي -صلى الله عليه وسلم- أقر خلاف الصحابة في هذه القصة!وهي حجة داحضة واهية؛ لأنه ليس في الحديث إلا أنه لم يعنف واحداً منهم، وهذا يتفق تماماً مع حديث الاجتهاد المعروف، وفيه أن من اجتهد، فأخطأ؛ فله أجر واحدا، فكيف يعقل أن يعنف من قد أجر؟!وأما حمل الحديث على الإقرار للخلاف: فهو باطل؛ لمخالفته للنصوص القاطعة الآمرة بالرجوع إلى الكتاب والسنة عند التنازع والاختلاف، كقوله تعالى: {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلاً} (النساء: 59) وقوله: {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم} (الأحزاب 36) الآية. وإن عجبي لا يكاد ينتهي من أناس يزعمون أنهم يدعون إلى الإسلام، فإذا دعوا إلى التحاكم إليه قالوا: قال عليه الصلاة والسلام: «اختلاف أمتي رحمة» !وهو حديث ضعيف لا أصل له، وهم يقرؤون قول الله تعالى في المسلمين حقاً: {إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون} (النور 51) وقد بسطت القول في هذه المسألة بعض الشيء، وفي قول أحد الدعاة: نتعاون على ما اتفقنا عليه، ويعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا فيه!في تعليق لي كتبته على رسالة (كلمة سواء) لأحد المعاصرين لم يسم نفسه! لعله يتاح لي إعادة النظر في وينشر) اهـ.
ص 61 هل يعذر كل من تأول تأويلاً خاطئاً؟قال تعالى: {ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم}. قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: في (السنة) (ص22) لا عذر لأحد في ضلالة ركبها، حسبها هدى، فقد بينت الأمور، وثبتت الحجة، وانقطع العذر. قال البربهاري: وذلك أن السنة والجماعة قد أحكما أمر الدين كله، وتبين للناس، فعلى الناس الاتباع 0 اهـ. فهناك صنف من الناس متبع لأهوائه، وآرائه، وخواطره، وهواجسه، وتراه يرد ما هو أوضح من الصبح من سننرسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وأشهر من الشمس: برأي دخيل، واستحسان ذميم، وظن فاسد، ونظر مشوب بالهوى، فهل يعذر مثل هذا؟!قال قوام السنة أبو القاسم الأصبهاني: في (الحجة في بيان المحجة) (2/510). المتأول إذا أخطأ وكان من أهل عقد الإيمان؛ نظر في تأويله، فإن كان قد تعلق بأمر يفضي به إلى خلاف بعض كتاب الله، أو سنة يقطع بها العذر، أو اجتماع؛ فإنه يكفر، ولا يعذر، لأن الشبهة التي يتعلق بها من هذا صنيعه لا تقوى قوة يعذر بها؛ لأن ما شهد له أصل من هذه الأصول، فإنه غاية الوضوح والبيان، فلما كان صاحب هذه المقالة لا يصعب عليه درك الحق، ولا يغمض عنده بعض موضع الحجة؛ لم يعذر في الذهاب عن الحق، بل عمل خلافه في ذلك على أنه عناد وإصرار!ومن تعمد خلاف أصل من هذه الأصول، وكان جاهلاً لم يقصد إليه من طريق العناد؛ فإنه لا يكفر؛ لأنه لم يقصد اختيار الكفر ولا رضي به، وقد بلغ جهده، فلم يقع له غير ذلك. وقد أعلم الله سبحانه أنه لا يؤاخذ إلا بعد البيان، ولا يعاقب إلا بعد الإنذار، فقال تعالى: {وما كان الله ليضل قوماً بعد إذ هداهم}، فكل من هداه الله عز وجل ودخل عقد الإسلام؛ فإنه لا يخرج إلى الكفر إلا بعد البيان 0 اهـ.
ص 63 قول عمر بن عبد العزيز ومحله قال عمر بن عبد العزيز رحمه الله: ما أحب أن أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لم يختلفوا؛ لأنه لو كان قولاً واحداً؛ كان الناس في ضيق، وإنهم أئمة يقتدى بهم، ولو أخذ رجل بقول أحدهم؛ كان في سعة 0 اهـ. وبيانه من وجوه: أولاً: هذا الكلام في اختلاف الصحابة، وليس فيهم من ينتحل بدعة مضلة، أو شبهة مفسدة، فلا يجوز أن يحمل هذا الكلام على توسعة الخلاف فيمن بعد الصحابة. ثانياً: حمل أئمة الهدى قوله هذا على مسائل الاجتهاد خاصة؛ لأن المسائل المنصوصة من الكتاب والسنة لا خيار لأحد في العدول عنها. قال أبو عمر بن عبد البر: في (الجامع) (2/902) هذا فيما كان طريقه الاجتهاد 0 اهـ. وقال الشاطبي رحمه الله: في (الاعتصام) (2/170) إنا نقطع بأن الخلاف في مسائل الاجتهاد واقع ممن حصل له محض الرحمة، وهم الصحابة، ومن ابتعهم بإحسان رضي الله عنهم بحيث لا يصح إدخالهم في قسم المختلفين بوجه 0 اهـثالثاُ: كثير من العلماء لم يرتضوا قول عمر بن عبدالعزيز هذا، قال ابن عبد البر: وهذا مذهب ضعيف عند جماعة من أهل العلم، وقد رفضه أكثر الفقهاء وأهل النظر. وقال أيضاً: فهذا مذهب القاسم بن محمد، ومن تابعه، وقال به قوم، وأما مالك والشافعي رضي الله عنهما ومن سلك سبيلهما من أصحابهما وهو قول الليث بن سعد والأوزاعي، وأبي ثور، وجماعة أهل النظر: أن الاختلاف إذا تدافع؛ فهو خطأ وصواب، والواجب عند اختلاف العلماء طلب الدليل من الكتاب والسنة والإجماع والقياس على الأصول، على الصواب منها، وذلك لا يعدم، فإن استوت الأدلة؛ وجب الميل مع الأشبه بما ذكرنا بالكتاب والسنة فإذا لم يبن ذلك؛ وجب التوقف، ولم يجز القطع إلا بيقين، فإن اضطر أحد إلى استعمال شيء من ذلك في خاصة نفسه؛ جاز له ما يجوز للعامة من التقليد، واستعمل عند إفراط التشابه والتشاكل وقيام الأدلة على كل قول بما يعضده قوله -صلى الله عليه وسلم- 0 اهـ.




ص 65# فائدة نفيسة من الإمام مالك

قال الإمام مالك رحمه الله: في (جامع بيان العلم) (2/905-906) ليس في اختلاف الصحابة سعة؛ إنما هو خطأ أو صواب 0 اهـهذه عبارة صدرت من إمام أهل السنة في زمانه؛ ممن تلقى العلم من التابعين، والذين أخذوه عن الصحابة، عن الرسول -صلى الله عليه وسلم-. هذه عبارة إمام عالم بالأدلة الشرعية، والمقاصد الكلية للشريعة. ومنطوق كلام الإمام مالك هذا، موافق لمفهوم كلام ابن عباس رضي الله عنهما أقول: قال رسول الله، وتقولون: قال أبو بكر وعمر!هذا كلام الإمام مالك في بطانة النبي -صلى الله عليه وسلم- وتلاميذه، وهم أحسن الناس قصداً، وإخلاصاً، وتحرياً للحق، الذين جعلوا الكتاب والسنة إمامهم، وطلبوا الدين من قبلهما، فلم يكن أحدهم يقول حتى يقول الله ورسوله، ولم يكن فيهم من ريد النقل بعقله، ولا يتعبد لله بذوقه، ولا يستبد برأيه، فكيف بمن هو دونهم؟! هذا كلام الإمام مالك في الصحابة الذين حضروا التنزيل، وفهموا كلام الرسول -صلى الله عليه وسلم-، واطلعوا على قرائن القضايا، وما خرج عليه الكلام من الأسباب والمحامل التي قد لا تدرك إلا بالحضور، وخصهم الله بالفهم الثاقب، وحدة القرائح، وحسن التصرف، لما جعل فيهم من الخشية، والزهد، والورع، إلى غير ذلك من المناقب الجليلة. قال المزني: في (جماع بيان العلم) (2/911) وقد اختلف أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فخطأ بعضهم بعضاً، ونظر بعضهم في أقاويل بعض، ولو كان قولهم كله صواباً عندهم لما فعلوا ذلك 0 اهـ. وقيل للشافعي: أرأيت أقاويل أصحاب رسول الله إذا تفرقوا فيها؟فقال: نصير منها إلى ما وافق الكتاب والسنة أو الإجماع، أو كان أصح في القياس 0في (الرسالة (ص596، 597)




ص 67# معنى التوسعة في الخلاف

نقل عن غير واحد من السلف وصف الخلاف بالسعة، ومن جملة هؤلاء؛ الإمام أحمد: قال شيخ الإسلام: في (مجموع الفتاوى) (14/159) ولهذا صنف رجل كتاباً، سماه (كتاب الاختلاف)، فقال أحمد: سمه كتاب (السعة) 0 اهـوظن البعض أن معنى هذا الكلام أنه توسعة لأن يقول الناس بأي قول من الأقوال المختلفة! وليس الأمر كما ظنوا. قال إسماعيل القاضي: إنما التوسعة في اختلاف أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- توسعة في اجتهاد الرأي، أما أن يكون توسعة لأن يقول الناس بقول واحد منهم من غير أن يكون الحق عنده فيه: فلا، ولكن اختلافهم يدل على أنهم اجتهدوا فاختلفوا 0 اهـقال أبو عمر بن عبد البر: في (جامع بيان العلم وفضله) (2/907) كلام إسماعيل هذا، حسن جداً 0 اهـوفي هذا يقول الشاطبي رحمه الله: في (الموافقات) (4/131) فائدة وضع الشريعة؛ إخرج مكلف عن داعية هواه، وتخييره بين القولين نقض لذلك الأصل، وهو غير جائز 0 اهـوقال أيضاً: في (الموافقات) (4/134) لأن حاصل الأمر مع القول بالتخيير أن للمكلف أن يفعل إن شاء، ويترك إن شاء، وهو عين إسقاط التكليف، بخلاف ما إذا تقيد بالترجيح؛ فإنه متبع للدليل، فلا يكون متبعاً للهوى، ولا مسقطاً للتكليف 0 اهـ




ص 69# السلف كانوا يطلبون دلائل الأقوال من سبر أحوال السلف -رحمهم الله-

ثبت له باليقين، أنهم كانوا يطلبون ممن قال قولاً أو عمل عملاً، أن يقيم الدليل على قوله أو عمله من الكتاب والسنة. وهذا يعني أنهم لا يعذرون الناس في أقوالهم وأفعالهم ومذاهبهم إذا لم تستند إلى دليل من كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم-. قال أبو صالح: سمعت أبا سعيد الخدري رضي الله عنه يقول: الدينار بالدينار، والدرهم بالدرهم، مثلاً بمثل، من زاد أو ازداد؛ فقد أربى، فقلت له: إن ابن عباس يقول غير هذا؟! فقال: لقد لقيت ابن عباس، فقلت: أرأيت هذا الذي تقول: أشيء سمعته من رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، أو وجدته في كتاب الله عز وجل؟! رواه البخاري (رقم 2178) وقال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله: في (مناقب الشافعي) ص 86-87قلت للشافعي: ما تقول في مسألة كذا وكذا؟قال: فأجاب فيها، فقلت: من أين قلت؟هل فيه حديث أو كتاب؟قال: بلى، فنزع في ذلك حديثاً للنبي -صلى الله عليه وسلم-.




ص 7# الاحتجاج بالاختلاف

يحتج البعض لتسويغ المذهب الذي انتحله وإن كان ضعيفاً بأن المسألة مختلف فيها!ومثل هذا الاحتجاج ليس بحجة شرعية، وهو تأصيل لم يقم عليه دليل شرعي، لا من كتاب ولا من سنة. قال الحافظ أبو عمر بن عبد البر: في (جامع بيان العلم وفضله) (2/229) الاختلاف ليس بحجة عند أحد علمته من فقهاء الأمة، إلا من لا بصر له، ولا معرفة عنده، ولا حجة في قوله 0 اهـقال الخطابي: في (أعلام الحديث) (3/2092) وليس الاختلاف حجة، وبيان السنة حجة على المختلفين من الأولين والآخرين 0 اهـوقال الشاطبي رحمه الله: في (الموافقات) (4/141) وقد زاد هذا الأمر على قدر الكفاية، حتى صار الخلاف في المسائل معدوداً في حجج الإباحة. ووقع فيما تقدمن وتأخر من الزمان الاعتماد في جواز الفعل على كونه مختلفاً فيه بين أهل العلم، لا بمعنى مراعاة الخلاف، فإن له نظراً آخر، بل في غير ذلك. فربما وقع الإفتاء في المألة بالمنع، فيقال: لم تمنع؛ والمسألة مختلف فيه؟! فيجعل الخلاف حجة في الجواز لمجرد كونها مختلفاً فيها، لا لدليل عليه يدل على صحة مذهب الجواز، ولا لتقليد من هو أولى بالتقليد من القائل بالمنع، وهو عين الخطأ على الشريعة، حيث جعل ما ليس بمعتمد معتمداً، وما ليس بحجة حجة 0 اهـوقال شيخ الإسلام ابن تيمية: في (مجموع الفتاوى) (26/202-203) وليس لأحد أن يحتج بقول أحد في مسائل النزاع، وإنما الحجة: النص، والإجماع، ودليل مستنبط من ذلك تقرر مقدماته بالأدلة الشرعية، لا بأقوال بعض العلماء؛ فإن أقوال العلماء يحتج لها بالأدلة الشرعية، لا يحتج بها على الأدلة الشرعية 0 اهـ




ص 72# زنديق يحتج بالخلاف

الزنديق هو أحمد بن يحيى بن إسحاق أبو الحسين ابن الراوندي، ترجم له بعض العلماء، ليعرف قدر كفره وإلحاده! والعياذ بالله. فقال ابن الجوزي: في (المنظم) (31/801)، (البداية والنهاية) (10/374)، (لسان الميزان) (1/324). وإنما ذكرته ليعف قدر كفره، فإنه معتمد الملاحدة والزنادقة، ويذكر أن أباه كان يهودياً، وأسلم هو، فكان بعض اليهود يقول للمسلمين: لا يفسدن عليكم هذا كتابكم، كما أفسد أبوه علينا التوراة 000 الخ. وابن الراوندي هذا، كان إذا جادل في حكم السماع، احتج على مخالفيه بوقوع الخلاف في هذه المسألة. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: في (مجموع الفتاوى) (11/570)، (تحريم آلآت الطرب) للألباني ص 164). ذكر أبو عبد الرحمن السلمي في مسألة السماع عن ابن الرواندي قال: إنه اختلف الفقهاء في السماع، فأباحه قوم وكرهه قوم، وأنا أوجبه وآمر به 0 اهـ.




ص 73 # تعليل الأحكام الفقهية بالخلاف

المطلع على كتب الفقهاء، يجد بعضهم أحياناً يعلل الأحكام الشرعية بالخلاف، فربما نجد أحدهم يقول بكراهة الشيء؛ لأن بعض العلماء قال بالتحريم، وغيرهم قالوا بالإباحة، فيقول بالكراهة خروجاً من الخلاف!!قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (بواسطة مجموع رسائل فقهية) لشيخنا العلامة محمد الصالح العثيمين ص55) تعليل الأحكام بالخلاف علة باطلة في نفس الأمر؛ فإن الخلاف ليس من الصفات التي يعلق الشارع بها الأحكام، فإنه وصف حادث بعد النبي -صلى الله عليه وسلم-، ولكن يسلكه من لم يكن عارفاً بالأدلة الشرعية في نفس الأمر، لطلب الاحتياط 0 اهـ. فمفهوم كلام شيخ الإسلام أن الراسخ في العلم لا يقع ذلك منه، وأما من لم يكن كذلك، فإنه لا يعرف الصواب من الخطإ في هذه المسألة، فلم تحصل له ثقة ولا طمأنينة في أحد الأقوال، فلم يتبرهن له الحق في هذه الأقوال، فيسلك هذه الطريقة خروجاً من الخلاف. وقال شيخنا العلامة محمد الصالح العثيمين: في (الشرح الممتع على زاد الستقنع) (1/52). إن التعليل بالخلاف لا يصح، لأننا لو قلنا به لكرهنا مسائل كثيرة في أبواب العلم، لكثرة الخلاف في المسائل العلمية! وهذا لا يستقيم؛ فالتعليل بالخلاف ليس علة شرعية، ولا يقبل التعليل بقولك: خروجاً من الخلاف؛ لأن التعليل بالخروج من الخلاف، هو التعليل بالخلاف، بل إن كان لهذا الخلاف حظ من النظر، والأدلة تحتمله فنكرهه، لا لأن فيه خلافاً؛ ولكن لأن الأدلة تحتمله، فيكون من باب: (دع ما يريبك إلى مالا يريبك). انظر (إرواء الغليل) (4702) أما إذا كان الخلاف لا حظ له من النظر، فلا يمكن أن نعلل به المسألة، ونأخذ منه حكماً. وليس كل خلاف جاء معتبراً إلا خلافاً له حظ من النظر لأن الأحكام لا تثبت إلا بدليل، ومراعاة الخلاف ليست دليلاً شرعياً تثبت به الأحكام، فيقال: هذا مكروه، أو: غير مكروه 0 اهـ




ص 75# النزاع في الأحكام

مسائل الأحكام يسميها بعض العلماء: مسائل الفروع، وليس هذا محل مناقشة جواز هذه التسمية، أو منعها. وقد توسع بعض العلماء في مسائل الأحكام، وصار يرخص في الاختلاف فيها مالا يرخص في مسائل العقائد، وهذا تحكم لم يقم عليه دليل؛ لأن الكل شرع من عند الله، بل إن الأحكام لها تعلق بالعقيدة من وجه، فلا بد أن نعتقد في أحكام الله، ما حكم به الرب سبحانه وتعالى فيها؛ من حلال وحرام، مع انشراح صدر لهذا الحكم، وإذعان، وخضوع، وتسليم له. والحلال والحرام يحتاجه كل الناس، وفي كل يوم، ووقت، بل به تستباح الأبضاع، وتحرم النساء، و000. من أجل هذا قال شيخ الإسلام عن علم الحلال والحرام: في (مجموع الفتاوى) (4/409) هو قوام دين الإسلام، يحتاج إليه الخاص والعام 0 اهـقال الشاطبي: في (الموافقات) (4/131) فثبت أنه لا اختلاف في أصل الشريعة، ولا هي موضوعة على وجود الخلاف فيها أصلا يرجع إليه مقصوداً من الشارع، بل ذلك الخلاف راجع إلى أنظار المكلفين، وإلى ما يتعلق بهم من الابتلاء، وصح أن نفي الاختلاف في الشريعة وذمه على الإطلاق والعموم في أصولها وفروعها، إذا لو صح فيه فرع واحد على قصد الاختلاف؛ لصح فيها وجود الاختلاف على الإطلاق؛ لأنه إذا صح اختلاف ما؛ صح كل الاختلاف!وذلك معلوم البطلان، فما أدى إليه مثله 0 اهـوقال ابن القيم: في (الصواعق المرسلة) (2/564) ومن المعلوم قطعاً بالنصوص، وإجماع الصحابة والتابعين وهو الذي ذكره الأئمة نصاً أن المجتهدين المتنازعين في الأحكام الشرعيةليسوا كلهم سواء، بل فيهم المصيب والمخطئ، فالكلام فيما سموه أصولاً وفيما سموه فروعاً ينقسم إلى: مطابق للحق في نفس الأمر، وغير مطابق؛ فالقائل في الشيء: حلال، والقائل: حرام؛ في إصابة أحدهما وخطإ الآخر، كالقائل أنه سبحانه يرى، والقائل إنه لا يرى؛ في إصابة احدهما وخطإ الآخر، والكذب على الله تعالى خطأ أو عمد في هذا، كالكذب عليه عمداً أو خطأ في الآخر، فإن المخبر يخبر عن الله أنه أمر بكذا وأباحه، والآخر يخبر أنه نهى عنه وحرمه، فأحدهما مخطئ قطعاً 0 اهـوقال الشوكاني رحمه الله: في (فتح القدير) (1/370) وقيل: وهذا النهي عن التفرق والاختلاف يختص بالمسائل الأصولية، وأما المسائل الفروعية الاجتهادية؛ فالاختلاف فيها جائز، وما زال الصحابة فمن بعدهم من التابعين وتابعيهم مختلفين في أحكام الحوادث! وفيه نظر؛ فإنه ما زال في تلك العصور المنكر للاختلاف موجوداً، وتخصيص بعض مسائل الدين بجواز الاختلاف فيها دون البعض الآخر ليس بصواب، فالمسائل الشرعية متساوية الأقدام في انتسابها إلى الشرع 0 اهـ




ص 78 # هل يؤخذ بأخف القولين عند الخلاف؟

قال الشاطبي رحمه الله في (الموافقات) (4/148 –149) : استدل لمن قال بالأخف بقوله تعالى: {يريد الله بكم اليسر} الآية!وقوله: {وما جعل عليكم في الدين من حرج}!وقوله -صلى الله عليه وسلم-: «لا ضرر ولا ضرار» !وكل ذلك ينافي شرع الشاق الثقيل. ومن جهة القياس: أن الله غني كريم، والعبد محتاج فقير، وإذا وقع التعارض بين الجانبين؛ كان الحمل على الجانب الغني أولى. والجواب عن هذا؛ ما تقدم وهو أيضاً مؤد إلى إيجاب إسقاط التكليف جملة؛ فإن التكاليف كلها شاقة ثقيلة، ولذلك سميت تكليفاً، من الكلفة؛ وهي المشقة. فإذا كانت المشقة حيث لحقت في التكليف تقتضي الرفع بهذه الدلائل: لزم ذلك في الطهارات، والصلوات، والزكوات، والحج وغير ذلك، ولا يقف عند حد، إلا إذا لم يبق على العبد تكليف!وهذا محال 0 اهـ






ص 79 # تأصيل آخر فاسد وقريب من التوسعة في المسائل المختلف فيها، والإلزام بالمتفق عليه، التوسعة في الظنيات، والإلزام في القطعيات.

وهذا مابنى عليه الدكتور صلاح الصاوي كتابه (الثوابت والمتغيرات) !!من إصدارات المنتدى الإسلامي ببريطانيا!وسمى المسائل القطعية بالثوابت!والظنية بالمتغيرات!!مع تلازم تأصيله مع التأصيل المذكور، فقد جعل من جملة الأمارات على ظنية النصوقوع الخلاف فيه، وأدرج في المتغيرات جملة من مسائل العقيدة لوقع الخلاف فيها. قال الصاوي: في (الثوابت والمتغيرات) (ص45) والمقصود في هذا الفصل أن نميز الثوابت من المتغيرات، والقطعيات من الظنيات في ذلك كله، حتى لا نتجاوز محكماً مقطوعاً به تحت دعوى التحديث أو الإحياء، أو تتهاوج صفوفنا بسبب الخلاف في ظني متشابه تحت دعوى السلفية والتمسك بالأصول، والمجافاة عن أهل البدع! اهـ. وفسر الصاوي القطعي (الثابت) بالنص الصحيح الذي لا معارض له، أو الإجماع الصريح الذي لا منازعة في ثبوته، إلا منازعة تعد من قبيل الزلة أو الفلتة التي لا يعتد بها ولا يعول عليها 0 اهـفي (الثوابت والمتغيرات) (ص34) وإذا تأملت تفسير الصاوي للقطعي والظني؛ فإنك تعلم أنه لم يأت بأمر يطرد: فوقوع الخلاف في النص لا تسلبه صفة القطعية، فكثير من مسائل الفروع قطعية وإن كان فيها خلاف. في (المسودة) لآل تيمية (ص442) والقطعي: هو الذي يجب ثبوت مدلوله، وعدم علم المخالف بقطعية النص لا تنفي ثبوتها في نفسها. في (طريق الوصول) (ص53) ثم إن القطع والظن ليس وصفاً للقول في نفسه، بل هو أمر إضافي حسب حال المعتقد. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: في (منهاج السنة 5/91) فكون المسألة قطعية أو ظنية أمر إضافي بحسب حال المعتقدين، ليس هو صفاً للقول في نفسه؛ فإن الإنسان قد يقطع بأشياء علمها بالضرورة أو بالنقل المعلوم صدقه عنده، وغيره لا يعرف ذلك لا قطعاً ولا ظناً، وقد يكون الإنسان ذكياً قوي الذهن، سريع الإدراك علماً وظناً، فيعرف من الحق ويقطع به مالا يتصور غيره، ولا يعرفه لا علماً ولا ظناً، فالقطع والظن يكون بحسب ما وصل إلى الإنسان من الأدلة، وبحسب قدرته على الاستدلال. والناس يختلفون في هذا وهذا، فكون المسألة قطعية أو ظنية ليس هو صفة ملازمةللقول المتنازع فيه، حتى يقال: كل من خالفه قد خالف القطعي، بل هو صفة لحال الناظر المستدل المعتقد، وهذا مما يخالف فيه الناس. فعلم أن هذا الفرق لا يطرد ولا ينعكس 0 اهـوكتاب (الثوابت والمتغيرات) فيه أمور كثيرة تستدعي تحذير القارئ منها؛ إذ أسرف مؤلفه غفر الله له كثيراً في الاعتذار لعباد القبور والأولياء والصالحين، وجره ذلك إلى تأويلات سمجة وتقسيمات باطلة: فتراه قد جعل الاستغاثة بالأولياء من التوسل المختلف فيه!وجعل غاية ما في الطواف بالقبور أنه بدعة، وليست شركاً، والتمس العذر لهم بذلك بأنه طواف تحية وليس طواف عبادة، كذا قال!!وما علم هذا أن الطواف بكل حال عبادة، وأنه لم يرد في شيء من الشرع الطواف إلا ببيت الله العتيق. ثم وصف الطواف بالتحية لا يخرجه عن كونه عبادة، بل إنه يزيد ذلك تاكيداً؛ لأنه نزل الضريح منزلة الكعبة، فشرع بتحيته بالطواف!يقول الصاوي: في (الثوابت والمتغيرات) ص 219) بعد الاتفاق على أصل اعتبار التأويل عند إجراء الأحكام، قد يقع النزاع في اعتبارالتأويل في مسألة بعينها، كاعتبار ما يتأوله الصوفية في النذور التي تقدم إلى أصحاب القبور، على أن النذر لله، والثواب لأوليائه، وفي الدعاء الذي يتوجهون به إلى أصحاب القبور، على أن المقصود به طلب الشفاعة من الولي إلى الله، وأن الميت في قبره يسمع، كما ذهب إلى ذلك كثير من أهل العلم، وفي الطواف بالأضرحة على أنه طواف تحية وليس طواف عبادة، فقصاراه أن يكون بدعاً لا شركاً، وفي طلب المدد على أنه طلب للدعاء والشفاعة إلى الله، فيؤول إلى التوسل المختلف فيه 0 اهـوعذر المؤلف أيضاً من سجد للأولياء لقيام شبهة التوقير، قائلاً: في (الثوابت والمتغيرات) ص187) ولهذا يختلف من سجد للأولياء يظن ذلك من باب التوقير الواجب لهم، وأنه يثاب عليه صاحبه باعتباره قربة إلى الله وبين من سجد للبقر من الهندوس أو للنار، من المجوس ونحوه. فإن الشبهة في الأولى قائمة، واحتمال الجهل قريب ومتوجه، وأما في الثانية؛ فإن الأمر جد مختلف، والعذر فيها ليس بمتوجه، إذا لم ترد شريعة قط بتعظيم الأبقار أو النار، ولكن وردت الشرائع بمحبة الصالحين وتوقيرهم نوفي التبرك بآثارهم خلاف معتبر، بل جاءت الشرائع السابقة بسجود إخوة يوسف ليوسف، وسجود أبويه له، ومن قبل ذلك سجود الملائكة لآدم سجود تحية وليس سجود عبادة. والتدرج من التوقير المشروع إلى التبرك الممنوع محتمل الوقوع، واحتمال اللبس في ذلك قريب، فتأمل 0 اهـواستخف المؤلف بالسلفيين وعظم من شأن من يسميهم (الحركات الجهادية) فقال: في (الثوابت والمتغيرات) ص15/16) أما المذاهب العلمية؛ فهي حركات إحيائية، تسعى غالباً داخل إطار إسلامي قائم للدعوة إلى عدد من الأصول العلمية والعملية، ترى أن اعتقادها من مقتضيات الإيمان، ولا تواجه خصومة حاضرة مع أحد من غير المسلمين، ولا تملك برنامجاً محدداً لتغيير الواقع. فالإطار الذي تتحرك فيه الحركات الجهادية يختلف عن الإطار الذي تتحرك فيه المذاهب العلمية. فالحركات الجهادية تعبئ الأمة بمختلف طوائفها للوقوف في وجه خطر يستهدف أصل وجودها، ويسعى لاجتثاث شأفتها، ومعقد ولائها وبرائها وهو الالتزام المجمل بالإسلام، والاستعداد للمشاركة في هذا الجهاد. أما المذاهب العلمية؛ فإن حركتها تتجه في الأصل إلى من ثبت له عقد الإسلام لدعوته إلى التزام اختياراتها العلمية والعملية، وخصوماتها تنعقد مع ما تراه من البدع والمحدثات، ودائرة ولائها وبرائها هي الالتزام باختياراتها الخاصة، والتجافي عن اختيار المذاهب الأخرى 0 اهـ
قلت: وهذا الإفك المفترى لا ينطلي على بصير متجرد عن الهوى، فالسلفيون وحدهم في العصر الحديث هم الذين أقاموا الدين الصحيح والدولة؛ دعوة الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب رحمه الله بالكتاب الهادي، وسيف الإمام محمد بن سعود رحمه الله الناصر. أما الحركات الجهادية التي يمجدها الصاوي وتملك برنامجاً واضحاً (زعموا)؛ فلا أقامت ديناً ولا أبقت دنيا، بل ذاق المسلمون الأمرين منها، وآل أمرهم إلى شر أعظم مما كانوا فيه قبل تهورات (الحركات الجهادية). فأي الفريقين أحق بالفخر إن كنتم تعلمون؟وفي الكتاب أمور كثيرة تحتاج إلى تحذير وتنبيه لا تتسع هذه الرسالة المختصرة لذلك، فلعل الله ييسر من يقوم بهذا الواجب.





ص 85# ليس كل مخطئ مأجوراً

قال الإمام الشافعي رحمه الله: في (الرسالة ص53) ومن تكلف ماجهل، وما لم تُثبِته معرفتُه؛ كانت موافقته للصواب إن وافقه من حيث لا يعرفه غير محمودة 0 والله أعلم. وكان بخطئه غير معذور، إذا ما نطق فيما لا يحيط علمه بالفرق بين الخطأ والصواب فيه 0 اهـوكلام الإمام الشافعي رحمه الله هذا، عليه نور الوحي، فكم من خلاف وقع كان سببه القول على الله بغير علم، وقد قال تعالى: {ولا تقف ما ليس لك به علم} ‍وحديث بريدة في القضاة «000 اثنان في النار: رجل قضى للناس على جهل فهو في النار 000» . انظر (إرواء الغليل) (2614-2628) وكما قيل: في (اللطف واللطائف ص41) لو سكت من لا يعلم؛ لسقط الخلاف 0 اهـوكم من خلاف كان سببه العدول عن الكتاب والسنة؛ إما لقول معظم، أو لرأي محدث، أو شبهة مضلة، كما قال تعالى: {ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيراً}، والقاضي الآخر الذي في النار: «رجل عرف الحق، فجار؛ فهو في النار}. وكم من خلاف قد ظهر فيه الحق ظهوراً واضحاً بيناً، ومع ذلك يخالف البعض فيها لا لخفاء الحكم، بل تعدياً؟!فهؤلاء ظالمون آثمون بلا ريب. قال شيخ الإسلام: في (مجموع الفتاوى 19/142) بتصرف يسير. إن الإحكام الشرعية التي نصبت عليها أدلة قطعية معلومة، إذا بلغت هذه الأدلة للمكلف بلاغاً يمكنه من اتباعها، فخالفها تفريطاً في جنب الله وتعدياً لحدود الله: فلا ريب أنه مخطئ آثم، وإن هذا الفعل سبب لعقوبة الله في الدنيا والآخرة 0 اهـوقال شيخ الإسلام: في (مجموع الفتاوى) (3/317) فمن كان خطؤه لتفريطه فيما يجب عليه من اتباع القرآن والإيمان مثلاً، أو لتعديه حدود الله بسلوك السبل التي نهي عنها، أو لأتباع هواه بغير هدى من الله فهو الظالم لنفسه، وهو من أهل الوعيد 0 اهـ




ص 87# متى يعذر المخطئ؟

إذا استفرغ العالم وسعه في تحري الحق، وحسن قصده في ذلك، واتبع سبيل المؤمنين في طلب الحق من الكتاب والسنة، وكان جامعاً لآلة العلم التي تمكنه من معرفة الحق، وأخطأ في إدراك الصواب وحكم الله في نفس الأمر؛ فهذا خطؤه مغفور، بل هو مثاب على اجتهاده وتقواه، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «إذا اجتهد الحاكم فأخطأ؛ فله أجر» 0 (رواه البخاري (7352) ومسلم (1716) (15) وعدم وقوع الخطأ من العالم غير ممكن، ولم يدعه أحد من العلماء، لأن درك الصواب في جميع أعيان الأحكام إما متعذر أو متعسر. قال الحافظ ابن رجب: في (الفرق بين النصيحة والتعبير) (ص20) وكلهم يعني العلماء -معترفون بأن الإحاطة بالعلم كله من غير شذوذ منه، ليس هو مرتبة أحد منهم، ولا ادعاه أحد من المتقدمين ولا من المتأخرين، فلهذا كان أئمة السلف المجمع على علمهم وفضلهم، يقبلون الحق ممن أورده عليهم؛ وإن كان صغيراً ويوصون أصحابهم وأتباعهم بقبول الحق إذا ظهر في غير قولهم 0 اهـلكن ينبغي أن يعلم أنه لا يلزم الشرع قول قاله عالم باجتهاده فأخطأ، وإن كان قائله من أفضل الأمة وأجلها. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: في (مجموع الفتاوى) (33/41-42) ولهذا كان الصحابة إذا تكلموا باجتهادهم ينزهون شرع الرسول -صلى الله عليه وسلم- من خطئهم وخطإ غيرهم، كما قال ابن مسعود في المفوضة: (هي المزوجة بغير مهر 0انظر (المغني) (10/138) أقول فيها برأيي، فإن يكن صواباً فمن الله وإن يكون خطأ فمني ومن الشيطان، والله ورسوله بريئان منه. وكذلك روي عن الصديق في الكلالة، وكذلك عن عمر في بعض الأمور، مع أنهم كانوا يصيبون فيما يقولونه على هذا الوجه؛ حتى يوجد النص موافقاً لاجتهادهم، كما وافق النص اجتهاد ابن مسعود وغيره، وإنما كانوا أعلم بالله ورسوله، وبما يجب من تعظيم شرع الرسول -صلى الله عليه وسلم- أن يضيفوا إليه إلا ما علموه؛ وما أخطؤا فيه وإن كانوا مجتهدين قالوا: إن الله ورسوله بريئان منه 0 اهـ




ص 89# ضوابط مسائل الاجتهاد

استجدت بعض النوازل في أيامنا هذه، وهي مسائل غير منصوص عليها بعينها نصاً خاصاً، لكن لا شك أن هذه النوازل قد أحاطت الشريعة بها علماً؛ لكمالها. فالشرع له قواعد كلية ترد إليه أمثال هذه الجزئيات، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: في (منهاج السنة) (6/139-140) فإن الشارع نصوصه كلما جوامع، وقضايا كلية، وقواعد عامة، يمتنع أن ينص على كل فرد من جزئيات العالم إلى يوم القيامة، فلا بد من الاجتهاد في المعينات؛ هل تدخل في كلماته الجامعة أم لا؟ اهـومع الأسف؛ صارت أمثال هذه النوازل سبباً في تفرق شباب الأمة عن علمائها، وصار بعض طلبة العلم يستقل بقوله في هذه النوازل مخالفاً عامة علماء الأمة الكبار المشهود لهم بالاضطلاع بالعلم، وحسن القصد، والسيرة. وإذا قيل له في ذلك! أجابك بقوله: لا إنكار في مسائل الاجتهاد!! وهذه قاعدة صحيحة، لكن الأمر ليس كما يريد هؤلاء، فثم ضوابط، وآداب لمسائل الاجتهاد: فالأمر الأول: أن مسائل الاجتهاد موكولة إلى أهل الاجتهاد، وهم العلماء. قال الشاطبي: في (الموافقات) (4/167) الاجتهاد المعتبر شرعاً، هو الصادر عن أهله الذين اضطلعوا بمايفتقر إليه الاجتهاد 0 اهـالأمر الثاني: مصلحة ائتلاف الأمة على علمائها، واتفاقهم عليهم خير من شذوذ طالب العلم عنهم. قال ابن أبي العز الحنفي: في (شرح الطحاوية) (2/534-535) وقد دلت نصوص الكتاب، والسنة وإجماع سلف الأمة أن ولي الأمر، وإمام الصلاة، والحاكم، وأمير الحرب، وعامل الصدقة، يطاع في مواضع الاجتهاد، وليس عليه أن يطيع أتباعه في موارد الاجتهاد، بل عليهم طاعته في ذلك، وترك رأيهم لرأيه، فإن مصلحة الجماعة والائتلاف، ومفسدة الفرقة والاختلاف أعظم من أمر المسائل الجزئية 0 اهـوهذا عين الفقه، فإن العلماء أحد صنفي ولاة الأمر الذين أمرنا الله بطاعتهم، وإذا لم تجب طاعتهم في النوازل، فمتى تجب طاعتهم؟!فالمسائل المنصوصة طاعتهم فيها تبع لطاعة الله ورسوله، فليتدبر اللبيب هذا الموضع. الأمر الثالث: مشاورة العلماء: وهي دليل على علم المشاور وإتباعه لأمر الله نوهدي النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه، وترك مشاورة العلماء نقص في علم المعرض عنهم. قال ابن القيم رحمه الله: في (إعلام الموقعين) (4/256) وإن كان عنده من يثق بعلمه، فينبغي له أن يشاوره، ولا يستقل بالجواب ذهاباً بنفسه، وارتفاعاً بها أن يستعين على الفتاوى بغيره من أهل العلم!وهذا من الجهل، فقد أثنى الله سبحانه على المؤمنين بأن أمرهم شورى بينهم، وقال تعالى لنبيه -صلى الله عليه وسلم-: {وشاورهم في الأمر}، وقد كانت المسألة تنزل بعمر بن الخطاب رضي الله عنه فيستشير لها من حضر من الصحابة، وربما جمعهم وشاورهم، حتى كان يشاور ابن عباس رضي الله عنهما وهو إذ ذاك أحدث القوم سناً، وكان يشاور علياً رضي الله عنه، وعثمان، وطلحة، والزبير، وعبدالرحمن ابن عوف، وغيرهم رضي الله عنهم أجمعين 0 اهـوقال ابن عباس رضي الله عنهما: في (سير أعلام النبلاء) (3/344)، وقال الذهبي بعده: إسناده صحيح. إن كنت لأسال عن المر الواحد ثلاثين من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم-. الأمر الرابع: بعض النوازل والمسائل المستجدة، الخطأ فيها واضح بين، فلا يتجه الاعتراض على منكرها بدعوى: أن مسائل الاجتهاد لا إنكار فيها! قال شيخنا العلامة محمد الصالح العثيمين في ورده على من جوز المظاهرات، ومنع من إنكارها بدعوى: مسائل الاجتهاد لا إنكار فيها!قال حفظه الله: في (شريط رقم 5738) تسجيلات ابن القيم الإسلامية – الكويت. مسائل الاجتهاد قسمان: - قسم نعلم خطأها فتنكر. - وقسم يكون الأمر فيها متردداً؛ فهذا هو الذي لا ينكر 0 اهـوعلى هذا عمل سائر علمائنا الكبار ينكرون المظاهرات وأشباهها كسماحة الشيخ العلامة عبد العزيز بن باز، والشيخ العلامة الألباني، والعلامة صالح الفوزان، وغيرهم، ولا يلتفتون إلى مثل هذه الإيرادات الواهية الواهنة.




ص 93# تبيين الأخطاء واجب

من المعلوم أن الله عصم هذه الأمة أن تجتمع على ضلالة، ولم يعصم الله آحادها من الخطإ لا صديقاً ولا غيره. وهذه الأمة لا يظهر أهل باطلها على أهل حقها، فلا يكون الحق مهجوراً، فإذا وقع بعض هذه الأمة في خطإ، فلا بد أن يقيم الله فيها من يكون على الصواب، ويبين هذا الحق الذي اتباعه، والخطأ الذي يجب اجتنابه. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: في (مجموع الفتاوى) (19/123) الأنبياء عليهم السلام معصومون عن الإقرار على الخطإ، بخلاف الواحد من العلماء والأمراء؛ فإنه ليس معصوماً من ذلك، ولهذا يسوغ بل يجب أن نبين الحق الذي يجب اتباعه، وإن كان فيه بيان خطإ من أخطأ من العلماء والأمراء 0 اهـوهذا التبيين هو من إنكار المنكر، وهو لحفظ الشريعة وصيانتها عن أن تلزم بأخطاء العلماء، وهو من النصيحة لله ولكتابه ورسوله. قال الحافظ ابن رجب رحمه الله: في (جامع العلوم والحكم) (ص85) ومن أنواع النصح لله تعالى، وكتابه، ورسوله وهو ما يختص به العلماء رد الأهواء المضلة بالكتاب والسنة على موردها، وبيان دلالتهما على ما يخالف الأهواء كلها، وكذلك رد الأقوال الضعيفة من زلات العلماء، وبيان دلالة الكتاب والسنة على ردها 0 اهـوهذا الأصل العظيم شوش عليه دعاة التجميع؛ فصاحوا بمن قام بهذا الأصل العظيم، وسموا من قام بهذا الواجب بداعية الفتنة! وهذا مقام خطر؛ فإن الأخطاء والبدع تصان طلباً لإزالة الفتنة التي زعموا، ويكون فعلهم ذلك أعظم فتنة لما فيه من صيانة الباطل ومحاربة من ينكره، بل وصل بهم الأمر أن نزلوا نصوص الخوارج في حق المنكرين، فقالوا عنهم: خوارج مع الدعاة؛ يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان!وأهل البصائر يعرفون، ويدركون أن هذا بهتان، وأن هؤلاء سلكوا سبيل أسلافهم في قذف أهل الإيمان بخلال الخوارج. قال ابن القيم رحمه الله في (نونيته) : ومن العجائب أنهم قالوا لمــن قد دان بالآثــــار والقران أنتم بذا مثل الخوارج إنـــهم أخذوا الظواهر ما اهتدوا لمعان فانظر إلى ذا البهت هذا وصفهم نسبوا إليه شيعــــة الإيمان وهكذا يرد هؤلاء الحق، ويدفعونه بالتهويش، وبوصفه بأقبح الأوصاف لينفر الناس عنه، كما قال ابن القيم: في (مفتاح دار السعادة) (1/444) وكم رد من الحق بتشنيعه بلباس من اللفظ قبيح!اهـولو ترك هذا الأصل؛ لعلا الباطل على الحق، والخطأ على الصواب، والغي على الرشاد، والسنة على البدعة، فحسبنا الله ونعم الوكيل. والحق أن المبتدعة هم خوارج؛ لأنهم خرجوا على الشرع المنزل بأهوائهم؛ قال أبو الوفاء ابن عقيل في (الفنون) (1/109). (كما لا يحسن في سياسة الملك العفوعمن سعى على الدولة بالخروج على السلطان، لا يحسن أيضاً أن يعفى عمن ابتدع في الأديان؛ لأن فساد الأديان والابتداع كفساد الدول بالخروج على الملك والاستتباع؛ فالمبتدعون خوارج الشرائع).




ص 96# أخطر من اليهود والنصارى

ضرر أهل البدع المكفرة المضلة على المسلمين أعظم من ضرر اليهود والنصارى؛ فإن هؤلاء المبتدعة يفسدون القلوب ابتداء، وأما اليهود والنصارى، وأهل الحرب لديار المسلمين؛ ففسادهم للقلوب لا يكون إلا تبعاً 0في (مجموع الفتاوى) (28/232) وفساد اليهود والنصارى ظاهر لعامة المسلمين، أما أهل البدع؛ فإنه لا يظهر فسادهم لكل شخص. وقال شيخ الإسلام: في (طريق الوصول) (ص251) إن كثيراً من أهل البدع منافقون النفاق الأكبر 0 اهـولهذا نبه العلماء إلى أن إنكار منكر المبتدعة أولى من إنكار دين اليهود والنصارى، بل إن أئمة الهدى يرون أن انتزاع مدرسة شرعية من مبتدع أفضل من انتزاع بلدة من الكفار 0 قال شيخ الإسلام ابن تيمية: في (نقض المنطق) (ص156) من الحكايات المشهورة التي بلغتنا أن الشيخ أبا عمرو بن الصلاح أمر بانتزاع مدرسة معروفة من أبي الحسن الآمدي، وقال: أخذها منه أفضل من أخذ عكا 0 اهـقال الشيخ حامد الفقي: في (حاشيته نقص المنطق) ص156) أي: من الإفرنج أيام احتلالهم لبعض بلاد الشام ومصر في المائة السادسة. وقال شيخ الإسلام في سياق رده على غلاة الصوفية: في (مجموع الفتاوى 2/359). فهذه المقالات وأمثالها، من أعظم الباطل، وقد نبهنا على بعض ما به يعرف معناها، وأنه باطل، والواجب إنكارها، فإن إنكار هذا المنكر الساري في كثير من المسلمين، أولى من إنكار دين اليهود والنصارى، الذي لا يضل به المسلمون 0 اهـوهذا الإمام أحمد يرى أنه يستعان باليهود والنصارى، ولا يستعان بالجهمية، قال المروزي للإمام أحمد: أيستعان باليهود والنصارى وهم مشركون، ولا يستعان بالجهمي؟قال: يا بني، يغتر بهم المسلمون 0 اهـ في (الآداب الشرعية لابن مفلح 1/256) فهؤلاء هم أعيان ورؤوس أهل السنة، وهذا من أقوالهم، وقد ظهر من يلمز من يقول بهذا من العلماء المعاصرين، ولا أدري لماذا لا يلمز هؤلاء أحمد، وابن تيمية؟!




ص 98# الخلاف الحاصل بالردود أهون من انتشار البدع والأخطاء

وهذا باب يشتبه على كثير من عوام المسلمين وأشباههم، فيقولون: ما للعلماء يقع بعضهم ببعض!!وأنصاف المتعلمين أيضاً، يطلبون الكف عن الرد على المخطئين والمبتدعة، طلباً للوحدة والاتفاق. وما علموا أن البدع والأخطاء والسبل هي داعية الفرقه، والمخرج للناس عن الصراط المستقيم. ومع الطرق المعوجة، لا يحصل ائتلاف أبداً. ثم لو قدر أننا أجبناهم لطلبهم، فإن الاختلاف لن يرتفع؛ لأن الله قضاه كوناً، فالواجب رد البدع والأخطاء، صيانة للشريعة من التحريف. قال عاصم الأحول لقتادة: ألا أرى العلماء يقع بعضهم في بعض؟فقال: يا أحول!أو لا تدري أن الرجل إذا ابتدع بدعة، فينبغي لها أن تذكر حتى تحذر. في (أصول أهل السنة للإمام اللالكائي 1/154-رقم 256) ويقول الشاطبي في الرد على المخطئين والمبتدعين: في (الاعتصام 2/229) فمثل هؤلاء لا بد من ذكرهم والتشريد بهم؛ لأن ما يعود على المسلمين من ضررهم إذا تركوا، أعظم من الضرر الحاصل بذكرهم، والتنفير عنهم إذا كان سبب ترك التعيين الخوف من التفرق والعداوة. ولا شك أن التفرق بين المسلمين وبين الداعين للبدعة وحدهم إذا أقيم عليهم، أسهل من التفرق بين المسلمين وبين الداعين ومن شايعهم واتبعهم، وإذا تعارض الضرران؛ فالمرتكب أخفهما وأسهلهما، وبعض الشر أهون من جميعه، كقطع اليد المتآكلة، إتلافها أسهل من إتلاف النفس. وهذا شأن الشرع أبداً: يطرح حكم الأخف، وقاية من الأثقل 0 اهـ




ص 100# الإعراض عن الحق بعد وضوحه كبيرة

كان الصحابة والتابعون يختلفون، ويبين صاحب الحق للمخطئ خطأه، ويبين الصواب بالدليل من الكتاب والسنة. فإن أصر المخطئ على خطئه بعد تبيين الحق له وبخه، وزجره، وربما هجره، وإن كانت المسألة على طريقة البعض يسيرة، وجزئية وهامشية، وليست من الكليات، ولم يكن فيهم من يقول: يعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا فيه!!وما ذاك إلا لأنه عدول عن الدليل، وإعراض عن الحق بعد وضوحه، وإصرار على الباطل، وكل ذلك قادح في الأتباع. قال أبو القاسم الأصبهاني في (الحجة في بيان المحجة) (2/233) : الاتباع عند العلماء، هو الأخذ بسنن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- التي صحت عنه عند أهلها، ونقلتها وحفاظها والخضوع لها، والتسليم لأمر النبي -صلى الله عليه وسلم- فيها 0 اهـفهذا عبد الله بن عمر رضي الله عنهما لما قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: (لا تمنعو نساءكم المساجد، إذا استأذنكم إليها)، فقال ابنه بلال: والله لنمنعهن، فسبه عبد الله سباً سيئاً. وهذا عبد الله بن مغفل؛ لما رأى رجلاً من أصحابه يخذف، فقال له: لا تخذف؛ فإن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان يكره أو ينهى عن الخذف، فعاد الرجل، فقال عبد الله بن مغفل: أحدثك أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نهى عنه، ثم تخذف!! لا أكلمك أبداً 0رواه مسلم (3/1548) فينبغي التفريق بين المعاند المصر على الباطل بعد وضحه فهذا غير معذور، وهم آثم، وبين المتأول أو الجاهل؛ فهذا معذور. قال شيخ الإسلام ابن تيمية في (مجموع الفتاوى) (3/288) : فالمتأول والجاهل المعذور ليس حكمه حكم المعاند والفاجر، بل قد جعل الله لكل شيء قدراً 0 اهـوكذلك يعذر العالم المتقدم لتأويله أو لعدم بلوغ الحجة له، ولا يعذر من بعده لبلوغ الحجة وإزالة الشبهة. قال شيخ الإسلام: في (مجموع الفتاوى 6/61) إذا رأيت المقالة المخطئة قد صدرت من إمام قديم فاغتفرت لعدم بلوغ الحجة له، فلا يغتفر لمن بلغته الحجة ما اغتفر للأول، فلهذا يبدع من بلغته أحاديث عذاب القبر ونحوها إذا أنكر ذلك، ولا تبدع عائشة ونحوها ممن لم يعرف بأن الموتى يسمعون في قبورهم، فهذا أصل عظيم فتدبره؛ فإنه نافع 0 اهـ




ص 102# فائدة ذهبية من الوزير ابن هبيرة

وهذا الوزير ابن هبيرة، نظر في مقاصد الشرع، وقواعده الكلية، وسبر النصوص في الأمر بمجاهدة المشركين، ومجاهدة المبتدعين، وسبر سيرة الخلفاء الراشدين في مجاهدة المشركين، وتأمل بعين البصيرة ما أفسده المبتدعون في الأمة الإسلامية، وما أفسده العدو الخارجي من الكفار والمشركين، فخلص إلى أن إفسادهم في الأمة أعظم من إفساد المشركين. إذ لما ساق رحمه الله حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه ذكر الخوارج، فقال: فيهم رجل مخدج اليد، أو مثدون اليد، أو مودن اليد، لولا أن تبطروا لحدثتكم بما وعد الله الذين يقتلونهم على لسان محمد -صلى الله عليه وسلم- 0رواه مسلم (1066) فقال الوزير ابن هبيرة: في (الإفصاح عن معاني الصحاح 1/280) فيه من الفقه توفر الثواب في قتل الخوارج، وأنه بلغ إلى أن خاف علي أن يبطر أصحابه إذا أخبرهم بثوابهم في قتلهم، وإنما ذكر هذه لئلا يرى أحد في وقت ظهور مثلهم أنقتال المشركين أولى من قتالهم، بل قتلهم على هذا أولى من قتال المشركين؛ لأن في ذلك حفظ رأس مال الإسلام، وقتال المشركين هو طلب ربح في الإسلام 0 اهـوقال محمد بن يحيى الذهلي: سمعت يحيى بن معين يقول: الذب عن السنة أفضل من الجهاد في سبيل الله. فقلت ليحيى: الرجل ينفق ماله، ويتعب نفسه، ويجاهد؛ فهذا أفضل منه؟!قال: نعم؛ بكثير 0في (سير أعلام النبلاء 10/518) وعلى هذا مضى أئمتنا، فيرون أن جهاد المبتدعة هو الأصل، وجهاد الكفار والملحدين فرع عن ذلك الأصل. قال العلامة عبدالرحمن السعدي: في (وجوب التعاون بين المسلمين ص 7-8) الجهاد نوعان: جهاد يقصد به صلاح المسلمين، وإصلاحهم في عقائدهم، وأخلاقهم، وجميع شؤونهم الدينية والدنيوية، وفي تربيتهم العلمية والعملية، وهذا النوع هو أصل الجهاد وقوامه، وعليه يتأسس النوع الثاني، وهو جهاد يقصد به دفع المعتدين على الإسلام والمسلمين، من الكفار والمنافقين والملحدين، وجميع أعداء الدين ومقاومتهم.




ص 104# ميزان أهل العلم والاعتدال في نقد الرجال

خطأ العالم لا سيما إن كان جليلاً فتنة لطائفتين: - طائفة تعظمه فتريد تصويب ذلك الفعل واتباعه عليه. - وطائفة تذمه، فتجعل ذلك قادحاً في ولايته وتقواه. وكلا هذين الطرفين فاسد، ولا بد من سلوك طريق الاعتدال، (في طريق الوصول رقم 243ص82) وهذا ابن القيم رحمه الله بعد أن ذكر أخطاء الأئمة الأعلام؛ كسفيان الثوري، وعطاء بن أبي رباح، والأعمش وغيرهم من المتأولين في بعض المسائل المتنازع فيه قال: (في الكلام على مسألة السماع ص391-392) إلا أمثال ذلك، مما تنازعت فيه الأمة، فليس لأحد أن يحتج لأحد القولين بمجرد قوله أصحابه وفعلهم، وإن كانوا من أهل العلم والدين، وليس لعالم أن يترك الإنكار عليهم، وبيان ما بعث الله ورسوله لأجل محلهم من العلم والدين، ولآ لأحد أن يقدح فيهم ويفسقهم، لما هم عليه من العلم والدين؛ فلا يحتج بقولهم، ولا يؤثمه، ولا يترك الإنكار عليهم. فهذا ميزان أهل العلم والاعتدال. والسالك الذي يريد الله ورسوله والدار الآخرة، لا يقنعه في مثل هذا اتباع من ليس قوله بحجة، بل عليه أن يتبع الصراط المستقيم، وما دل عليه كتاب الله وسنة رسوله وكان عليه أصحاب نبيه 0 اهـ




القسم الثاني: ما يترتب عليه إعمال هذه القاعدة

ص 109# قاعدة مقطوعة الصلة بالسلف

قد بينا فيما سقناه من الأدلة، أن قاعدة (نتعاون فيما اتفقنا عليه، ويعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا فيه) ليس عليها عمل الصحابة رضي الله عنهم؛ بل إن عملهم على نقيض ذلك تماماً، فترى أحدهم ينسب نفسه إلى الضلال إذا قال بقول غيره، مما يعلم أنه مجانب للصواب. لو طلبت من قائل هذه القاعدة بيان سلفه بها من القرون المفضلة: لما استطاع إلى ذلك سبيلاً، ولو كان هذا القول محموداً؛ لقاله خير القرون، وصدر هذه الأمة، وخيرتها. والله سبحانه يقول مبكتاً الكفار في إنكارهم فضل خيار المؤمنين، وربطهم الخير في أنفسهم: {وقال الذين كفروا للذين آمنوا لو كان خيراً ما سبقونا إليه وإذ لم يهتدوا به فسيقولون هذا إفك قديم} (الأحقاف 11)؛ قال الإمام ابن كثير معلقاً: في (تفسير ابن كثير 7/278) وأما أهل السنة والجماعة؛ فيقولون في كل فعل وقول لم يثبت عن الصحابة: هو بدعة؛ لأنه لو كان خيراً؛ لسبقونا إليه؛ لأنهم لم يتركوا خصلة من خصال الخير إلا وقد بادروا إليها 0 اهـفإن قال قائل: إن السلف لم يتكلموا بهذه المقولة، لكنهم سكتوا عنها، وسكوتهم لا يدل على خطإ هذا القول!قلت: إن الأدلة التي ذكرناها عنهم تنقض هذه القاعدة، ولو قدر أنهم سكتوا عن هذه المقالة، فلا يخلو الأمر من حالتين: الأولى: أن يكونوا سكتوا عن ذلك وهو عالمون به، فيسعنا السكوت عما سكتوا عنه. الثانية: أن يكونوا سكتوا عن ذلك وهم غير عالمين به، فيسعنا أن لا نعلم مالم يعلموه 0 (الحجة في بيان المحجة 1/100) قال أبو حامد الغزالي في شأن مالم يؤثر من الألفاظ والأقوال: (نقله عنه شيخ الإسلام ابن تيمية في الاستقامة 1/81) ما سكت عنه الصحابة مع أنهم أعرف بالحقائق، وأفصح بترتيب الألفاظ من غيرهم إلا لعلمهم بما يتولد منه من الشر.




ص 111# مسلك بدعي

هذه القاعدة تقتضي إعذار المذاهب المختلفة، وتسويغ خلافها، وإقرار الجميع على مهم عليه، كما يقر العلماء في مسائل الاجتهاد التي يسوغ فيها الخلاف!!وهذا مسلك بدعي. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: في (مجموع الفتاوى 12/466-467) 000 وقسم آخر: أقوام لا يعرفون اعتقاد أهل السنة والجماعة كما يجب، أو يعرفون بعضه، ويجهلون بعضه، وما عرفوه منه قد يكتمونه، ولا يبينونه للناس، ولا ينهون عن البدع، ولا يذمون أهل البدع، ويعاقبونهم، بل لعلهم يذمون الكلام في السنة وأصول الدين مطلقاً، وقد لا يفرقون بين ما يقوله أهل السنة والجماعة، وما يقوله أهل البدعة والفرقة، أو يقرون الجميع على مذاهبهم المختلفة، كما يقر المرجئة، وبعض المتفقهة، والمتصوفة والمتفلسفة 0 اهـ




ص 112# باب واسع للشر

لو قلنا بمقتضى هذه القاعدة لعذرنا كل مخالف!وأقررنا كل بدعة وضلالة!!والأخطاء يرقق بعضها بعضاً، ويعذر من الأخطاء أولاً ما كان أخف، حتى نعذر بعد ذلك في الأخطاء العظيمة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: في (الرسالة التدمرية ص194) وإنما يظهر من البدع أولاً ما كان أخف، وكلما ضعف من يقوم بنور النبوة قويت البدعة 0 اهـولو قلنا بهذه القاعدة لعذرنا شارب النبيذ! ولعذرنا من تزوج متعة!ومن باع الدرهم بالدرهم مع المفاضلة!ولعذرنا من أكل في رمضان بعد الفجر قبل طلوع الشمس!ولعذرنا من نكح الزانية مع استمرارها على البغاء!ولعذرنا من نكح المخلوقة من مائه سفاحاً!ولعذرنا من استغاث بالأموات!وعطل الصفات! وقال بالجبر! ونفى الرؤية! حتى نرضى بعد ذلك بأقل القليل مما مع أصحاب البدع المضلة، فنعذرهم في ضلالهم وغيهم، ونتعاون فيما بقي معهم من الإقرار بوجود الله، ضد من ينكره من شيوعيين وماديين. قال الخطابي في سياق حديثه عن النبيذ والمسكر: في (أعلام الحديث 3/2091-2092) وقال قائل: إن الناس لمام اختلفوا في الأشربة، وأجمعوا على تحريم خمر العنب، واختلفوا فيما سواه نلزمنا ما أجمعوا على تحريمه، وأبحنا ما سواه! وهذا خطأ فاحش، وقد أمر الله المتنازعين أن يردوا ما تنازعوا فيه إلى الله، فكل مختلف فيه من الأشربة مردود إلى تحريم الله وتحريم رسوله الخمر، وقد ثبت عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قوله: «كل شراب أسكر؛ فهو حرام» ، فأشار إلى الجنس بالاسم العام والنعت الخاص؛ الذي هو علة الحكم، فكان ذلك حجة على المختلفين، ولو لزم ما ذهب إليه هذا القائل؛ للزم مثله في الربا، والصرف، ونكاح المتعة؛ لأن الأمة قد اختلفت فيها 0 اهـوقال الشاطبي مبيناً مفاسد هذا التأصيل، وما يؤول إليه من تضليل: في (الموافقات 4/147) كالانسلاخ من الدين بترك اتباع الدليل إلى اتباع الخلاف، وكالاستهانة بالدين، إذ يصير بهذا الاعتبار سيالاً لا ينضبط، وكترك ما هو معلوم إلى ما ليس بمعلوم 0 اهـقلت: والتعاون مع أصحاب البدع المضلة يوجب الألفة مع الوقت، ويوجب السكوت عن منكراتهم فيما بعد؛ لأن أولئك لا يتعاونون مع من ينكر باطلهم، وبدعهم، ويحذر الناس منهم؛ فإن النفوس تنفر من التعاون مع من يحذر منها وينكر عليها، والمرء مع من أحب يوم القيامة 0




ص 114# زيادة في التفرق والاختلاف

إعمال هذه القاعدة بإعذار المختلفين بإطلاق: زيادة في تفرق الأمة، وسبب لانشطار المذاهب، والملل، والأديان. فمثل هذه القاعدة لا تحسم مادة الخلاف، بل تزيده؛ مادام الكل معذوراً. والشريعة إنما بعثت لحسم مادة الخلاف، وليكون الناس أمة واحدة، قال الخطابي رحمه الله مبيناً هذه المفسدة: في (العزلة ص 57-58) فأما الافتراق في الآراء والأديان؛ فإنه محظور في العقول، محرم في قضايا الأصول؛ لأنه داعية الضلال، وسبب التعطيل والإهمال، ولو ترك الناس متفرقين؛ لتفرقت الآراء والنحل، ولكثرت الأديان والملل، ولم تكن فائدة في بعثة الرسول، وهذا هو الذي عابه الله عز وجل من التفرق في كتابه، وذمه في الآي التي تقدم ذكرها 0 اهـ




ص 115# فتح طرق أغلقها الشرع

ذكر الله عز وجل صراطه المستقيم، وبينه أتم بيان، وأرشد إليه أحسن إرشاد، وأكمل الرسول -صلى الله عليه وسلم- البيان واحجة. فما ثم إلا صراط مستقيم، أو سبل معوجة. قال تعالى: {وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله} (الأنعام 153). فإعذار المختلفين هو إقرار ورضاً بهذه السبل المعوجة، وتضييع للصراط المستقيم. قال ابن القيم رحمه الله: في (التفسير القيم ص14-15) إن الطريق الموصل إلى الله واحد، وهو ما بعث به رسله، وأنزل به كتبه، ولا يصل إليه أحد إلا من هذه الطريق، ولو أتى الناس من كل طريق، واستفتحوا من كل باب، فالطرق عليهم مسدودة، والأبواب عليهم مغلقة، إلا من هذا الطريق الواحد؛ فإنه متصل بالله، موصل إلى الله 0 اهـوبإزاء هذا الكلام النوراني، كلام من يقول: لقد حجرت واسعاً!وملت بالناس إلى الحرج!!وما في الدين من حرج!! وما أشبه ذلك 00. قال الشاطبي معلقاً: في (الموافقات 4/142) وهذا القول خطأ كله، وجهل بما وضعت له الشريعة.




ص 117# مضادة لأمر الله

إعمال هذه القاعدة في موارد النزاع والاختلاف، بأن يعذر كل مخالف بأن يبقى على رأيه الشاذ، ونحلته الفاسدة ن وملته المضلة؛ ليس مما أمر به الشارع، بل هو مضادة لأمر الشارع بوجوب الرجوع إلى الكتاب والسنة حال الاختلاف والتنازع، حتى يحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه، ويكون الكل على الصراط المستقيم والدين القويم، فهذا هو الواجب؛ أن يجعل كلام الله ورسوله هو الأصل الإمام المقتدى به، أما ما سوى كلام الله ورسوله؛ فلا يجعل أصلاً بحال. فليس لأحد أن يلزم الناس، بل ولا أن يختار لهم إعمال هذه القاعدة، واتخاذها أصلاً مع مخالفتها الصريحة لأمر الله، بالرد إليه وإلى رسوله حال الاختلاف والتنازع. وما قيمة هذه الشريعة، وما حاجة الناس إليها، إذا عذر كل من نتحل بدعة مضلة أو شبهة مفسدة، فلا يكون هناك أمر مضبوط. قال تعالى: {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسولإن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر} (النساء 56). قال شيخ الإسلام ابن تيمية: في (محنة ابن تيمية ص1، بواسطة فقه النوازل للعلامة بكر أبي زيد 1/58) والله سبحانه قد أمر في كتابه عند التنازع بالرد إلى الله والرسول، ولم يأمر عند التنازع إلى شيء معين أصلاً 0 اهـفهذا هو أمر الله وحكمه عند الاختلاف، لا أن يبقى كل مخالف على مخالفته؛ فإن هذا اختراع وابتداع، بل هو مناف لتجريد المتابعة لله ورسوله. وهذا هو الحد الفاصل بين المتبع والمبتدع؛ فالمتبع يرى أنه لا يسعه أن يقول بغير الحق، والمبتدع يسوغ جميع الأقوال الباطلة، ويعذر أصحابها.




ص 119# إلغاء للسني المتميز

إعمال هذه القاعدة لا سيما مع من لم ينتصح، ولم ينزجر عن خطئه، أو بدعته، أو ضلاله سيكون سبباً في نقض أصل عظيم من أصول أهل السنة؛ وهو البراءة من المبتدعة، وتعطيل عقوبتهم الشرعية بالهجر، بل إن العمل بهذه القاعدة سيقضي على السني المتميز، فالأمر عندهم سواء ما دام الكل معذوراً، ولن تحجم بذلك بدعة، ولن تظهر سنة صافية من الكدر، فيصبح الناس في أمر مريج، لا تمييز عندهم بين السنة والبدعة، والحق والباطل، والهدى والضلال، والرشاد والغي، والصواب والخطإ. ومن جميل ما خطه قلم العلامة الشيخ بكر أبو زيد نفي سياق حديثه عن الأمور التي تمور بالمسلمين موراً، ما قال: في (هجر المبتدع ص 5-6) كسر حاجز (الولاء والبراء) بين المسلم والكافر، وبين السني والبدعي، وهو ما يسمى في التركيب المولد باسم (الحاجز النفسي)، فيكسر تحت شعارات مضللة مثل: (التسامح)، و (تأليف القلوب)، و (نبذ الشذوذ والتطرف والتعصب)، و (الإنسانية)، و نحوها من الألفاظ ذات البريق، والتي حقيقتها مؤامرات تخريبية، تجتمع لغاية القضاء على المسلم المتميز، وعلى الإسلام. وقال أيضاً: في (هجر المبتدع ص7) ومن أبرز معالم التمييز العقدي فيها، وبالغ الحفاوة بالسنة والاعتصام بها، وحفظ بيضة الإسلام عما يدنسها: نصب عامل الولاء والبراء فيها، ومنه إبراز العقوبات الشرعية على المبتدعة، إذا ذروا فلم يتذكروا، ونهوا فلم ينتهوا، إعمالاً لا ستصلاحهم، وهدايتهم، وأوبتهم بعد غربتهم في مهاوي البدع والضياع، وتشييداً للحاجز بين السنة والبدعة، وحاجز النفرة بين السني والبدعي، وقمعاً للمبتدعة وبدعهم، وتحجيماً لهم، ولها عن الفساد في الأرض، وتسرب الزيغ في الاعتقاد؛ ليبقى الظهور للسنن صافية من الكدر، نقية من علائق الأهواء وشوائب البدع، جارية على منهاج النبوة وقفوا الأثر، وفي ظهور السنة أعظم دعوة إليها، ودلالة عليها، وهذا كله عين النصح للأمة.




ص 121# عدم حصول الائتلآف

هل يحصل الوفاق والائتلآف بهذه القاعدة: يعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا فيه؟كلا، لا ائتلآف ولا اتفاق إلا بالكتاب الهادي: قال الله تبارك وتعالى: {كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرينوأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغياً بينهم فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم} (البقرة 213) قال القاسمي: في (محاسن التأويل 3/528) ثم ضلوا على علم بعد موت الرسل، فاختلفوا في الدين لاختلافهم في الكتاب، {واختلف فيه} أي: الكتاب الهادي الذي لا لبس فيه، المنزل لإزالة الاختلاف {إلا الذين أتوه} أي: علموه، فبدلوا نعمة الله، بأن أوقعوا الخلاف فيما أنزل لرفع الخلاف. ولم يكن اختلافهم لا لتباس عليهم من جهته؛ بل {من بعد ما جاءتهم البينات} أي: الدلائل الواضحة، {بغياً بينهم} أي: حسداً 0 اهـوقال قوام السنة أبو القاسم الأصبهاني: في (الحجة في بيان المحجة 2/226) وكان السبب في اتفاق أهل الحديث، أنهم أخذوا الدين من الكتاب والسنة، وطريق النقل، فأورثهم الاتفاق والائتلآف، وأهل البدعة؛ أخذوا الدين من المقولات والآراء، فأورثهم الافتراق والاختلاف 0 اهـقال الشاطبي: في (الاعتصام 2/192) قال تعالى: {واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا}، فبين أن التأليف إنما يحصل عند الائتلآف على التعلق بمعنى واحد، وأما إذا تعلق كل شيعة بحبل غير ما تعلقت به الأخرى؛ فلا بد من التفرق، وهو معنى قوله تعالى: {وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله} اهـ




القسم الثالث: أقوال العلماء في القاعدة

ص 125# تحرير مراد العلامة السعدي

ربما ظن بعض من وقف على كلام للعلامة الشيخ عبد الرحمن السعدي في كتابه (المناظرات الفقهية) أنه يقول بهذه القاعدة مطلقاً!وليس هذا بصحيح، كما سنوضحه إن شاء الله: قال الشيخ رحمه الله في سياق حديثه عن فوائد التصنيف في مسائل الخلاف على طريقة المناظرات: في (مقدمة المناظرات الفقهية ص7) ومنها أن يعلم أن الخلاف في مثل هذه المسائل بين أهل العلم لا يوجب القدح، والعيب، والذم، بل كما قال بعضهم: (نتعاون فيما اتفقنا عليه، ويعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا فيه). بخلاف حال الجاهل ضيق العطن، الذي يرى أن من خالفه، أو خالف من يعظمه قد فعل إثماً عظيماً، وهو معذور، بل ربما كان الصواب معه، فهذه حالة لا يرتضيها أحد من أهل العلم، ونسأل الله العافية منها، ومن كل ما لا يحبه الله ورسوله 0 اهـفكلام الشيخ واضح في (مثل هذه المسائل الفقهية أولاً، وهذا بين؛ فإن كتابه كله في مسائل الفقه التي تتجاذبها الأدلة؛ كتقسيم المياه، وصلاة المنفرد خلف الصف، وأشباهها. ثانياً: كلام الشيخ مقيد بالمسائل التي يكون المخالف فيها معذوراً، فتأمل قوله: (وهو معذور). ثالثاً: عمل الشيخ في كتابه (المناظرات)، يوضح مراده من تلك العبارات؛ فهو يذكر الخلاف بين الطرفين، ثم يذكر حججهم، ومستند أقوالهم، ثم يحاكم بينهم فيما اختلفوا فيه بمقتضى الكتاب والسنة. وتجد هذا جلياً في قوله: في (المناظرات الفقهية ص16) والحق ضالة المحق، وإن لم يكن عندك سوى ما ذكرت من الأدلة، وهو كذلك، فيلزمك الانقياد إلى الحجة 0 اهـوكذلك في قوله: في (المناظرات الفقهية ص23) الواجب علينا واحد، وهو اتباع ما رجحه الدليل السالم عن المعارض المقاوم 0 اهـفأين هذا ممن يعمل هذه القاعدة مع أهل الأهواء، بل وغلاتهم وشرهم كالرافضة دون إلزامهم بالانقياد إلى السنة. رابعاً: لا بد من جمع نصوص الشيخ جميعها في المسألة الواحدة؛ حتى يعلم مراده على حقيقته. وإذا فعلنا ذلك؛ لم نر الشيخ يعمل هذه القاعدة مع المبتدعة كأولئك؛ بل تراه يرى جهادهم أولىمن جهاد العدو الخارجي. في (المناظرات الفقهية ص 72-73) فكلام العلامة السعدي مجمل، ولا يوجد في كلامه ما يدل على إعمالها مع أهل البدع. فاحذر مسالك أهل البدع الذين يجدون من كلام بعض المشايخ كلمات مشتبهة مجملة، فيحملونها على المعاني الفاسدة. قال شيخ الإسلام عنهم: في (مجموع الفتاوى 2/374) وهؤلاء قد يجدون من كلام بعض المشايخ كلمات مشتبهة مجملة، فيحملونها على المعاني الفاسدة، كما فعلت النصارى فيما نقل لهم عن الأنبياء، فيدعون المحكم، ويتبعون المتشابه 0 اهـ




ص 128سماحة الشيخ العلامة المفتي عبد العزيز بن باز

قال حفظه الله: في (مجموع الفتاوى 3/58-59) جمع د0 محمد الشويعرنعم؛ يجب ان نتعاون فيما اتفقنا عليه من نصر الحق، والدعوة إليه، والتحذير مما نهى الله عنه ورسوله، أما عذر بعضنا لبعض فيما اختلفنا فيه؛ فليس على إطلاقه، بل هو محل تفصيل؛ فما كان من مسائل الاجتهاد التي يخفى دليلها؛ فالواجب عدم الإنكار فيها من بعضنا على بعض، أما ما خالف النص من الكتاب والسنة؛ فالواجب الإنكار على من خالف النص بالحكمة، والموعظة الحسنة، والجدال بالتي هي أحسن، عملاً بقوله تعالى: {وتعاونوا على البر والتقوى، ولا تعاونوا على الإثم والعدوان} (المائدة 2)، وقوله سبحانه: {والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرونبالمعروف وينهون عن المنكر} (التوبة 17)، وقوله عز وجل: {ادع إلى سبيل رك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن} (النحل 125)، وقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع؛ فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان» ، وقوله -صلى الله عليه وسلم-: «من دل على خير، فله أجر فاعله» ، أخرجهما مسلم في صحيحه، والآيات والأحاديث في هذا كثيرة 0 اهـ




ص 129# الشيخ العلامة محمد الصالح العثيمين

قال حفظه الله: في (الصحوة الإسلامية ضوابط وتوجيهات 1/218-219جمع علي أبو لوز) فقولهم: (نجتمع فيما اتفقنا فيه)؛ فهذا حق، وأما قولهم: (ويعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا فيه)؛ فهذا فيه تفصيل: فما كان الاجتهاد فيه سائغاً؛ فإنه يعذر بعضنا بعضاً فيه، ولكن لا يجوز أن تختلف القلوب من أجل هذا الخلاف. وأما إن كان الاجتهاد غير سائغ؛ فإننا لا نعذر من خالف فيه، ويجب عليه أن يخضع للحق. فأول العبارة صحيح، وأما آخرها فيحتاج إلى تفصيل 0 اهـ
ص 13. علامة الشام المحدث محمد ناصر الدين الألباني قال حفظه الله: منتقداً قائلي هذه (القاعدة!) : هم أول من يخالف هذه الفقرة، ونحن لا نشك بأن شطراً من هذه الكلمة صواب، وهو (نتعاون على ما اتفقنا عليه). الجملة الأولى هي طبعاً مقتبسة من قوله تعالى: {وتعاونوا على البر والتقوى}. أما الجملة الأخرى: (يعذر بعضنا بعضاً)؛ لا بد من تقييدها 00 متى؟حينما نتناصح، ونقول لمن أخطأ: أخطأت، والدليل كذا وكذا، فإذا رأيناه ما اقتنع، ورأيناه مخلصاً، فندعه وشأنه، فنتعاون معه فيما اتفقنا عليه. أما إذا رأيناه عاند واستكبر وولى مدبراً، فحينئذ؛ لا تصح هذه العبارة ولا يعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا فيه 0 اهـفي (مجلة الفرقان الكويتيه عدد77 ص 22)
ص 131فتوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في التعاون مع الجماعات وهذا نص السؤال: في (فتوى رقم 18870 بتاريخ 11/6/1417هـ) بناءاً على قوله تعالى: {وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان}، يقال: إنه يجب التعاون مع كل الجماعات الإسلامية، وإن كانت تختلف بينها في مناهج وطريق دعوتهم؛ فإن جماعة التبليغ طريق دعوتها غير طريق الإخوان المسلمين، أو حزب التحرير، أو جماعة الجهاد، أو السلفيين، فما هو الضابط لهذا التعاون؟وهل ينحصر مثلاً في المشركة في المؤتمرات والندوات؟وماذا عند توجيه الدعوة إلى غير المسلمين حيث يكون هناك التباس لدى المسلمين الجدد؟فإن كل جماعة من هذه الجماعات، سوف توجههم إلى مراكزها، وإلى علمائها؛ فيكونون في حيرة من أمرهم؟فكيف يمكن تفادي هذا الأمر؟الجواب: الواجب التعاون مع الجماعة التي تسير على منهج الكتاب والسنة وما عليه سلف الأمة، في الدعوة إلى توحيد الله سبحانه، وإخلاص العبادة له، والتحذير من الشرك والبدع والمعاصي، ومناصحة الجماعات المخالفة لذلك نفإن رجعت إلى الصواب؛ فإنه يتعاون معها، وإن استمرت على المخالفة؛ وجب الابتعاد عنها، والتزام الكتاب والسنة. والتعاون مع الجماعات الملتزمة لمنهج الكتاب والسنة، يكون في كل ما فيه من خير وبر وتقوى، من الندوات والمؤتمرات والدروس والمحاضرات، وكل ما فيه نفع للإسلام والمسلمين 0 اهـ




ص 133# الخاتمة

لم أشأ أن أذكر مع البحث التطبيقات العملية للقائلين بهذه القاعدة، والتي تكشف جلياً مفهوم هذه القاعدة عندهم؛ ومدى موافقتها أو مخالفتها للكتاب والسنة، طمعاً في رجوع من يقول بها إلى جادة الصواب. وفيما ذكرناه من أدلة وقواعد في موضوع الخلاف كفاية للمهتدي المنصف المتجرد عن الهوى. والحمد لله رب العالمين.




ص 134الفهرس العام تقريظ فضيلة الشيخ عبد المحسن العباد البدر 7المقدمة 9القسم الأول – أسس وأصول 15الأقوال والقواعد المجملة سبب لظهور البدع 17الخلاف أمر كوني 21الخلاف سمة أهل البدع 23الخلاف آفة الذنوب 25الخلاف شر 28حديث اختلاف أمتي رحمة 32الخلاف الذي قام الدليل على كل واحد من أطرافه 35الحق عند الله واحد وما عداه فخطأ 41الحق واضح وسهل لمن يطلبه بحسن قصد 44موارد النزاع والظن قليلة 47الصحابة اختلفوا في الدقائق 49صحة العقيدة سبب لإدراك الحق واستجابة الدعاء 53فهم السلف عاصم من الاختلاف 56حديث صلاة العصر في بني قريظة 58هل يعذر كل من تأول تأويلاً خاطئاً؟! 61قول عمر بن عبد العزيز ومحله 63فائدة نفيسة من الإمام مالك 65معنى التوسعة في الخلاف 67السلف كانوا يطلبون دلائل الأقوال 69الاحتجاج بالاختلاف 7. زنديق يحتج بالخلاف 72تعليل الأحكام الفقهية بالخلاف 73النزاع في الأحكام 75هل يؤخذ بأخف القولين عند الخلاف؟ 78أصيل آخر فاسد 79ليس كل مخطئ مأجوراً 85متى يعذر المخطئ؟ 87ضوابط مسائل الاجتهاد 89بيين الأخطاء واجب 93خطر من اليهود والنصارى 96الخلاف الحاصل بالردود أهون من انتشار البدع والأخطاء 98الإعراض عن الحق بعد وضحه كبيرة 10. فائدة ذهبية من الوزير ابن هبيرة 102ميزان أهل العلم والاعتدال في نقد الرجل 104القسم الثاني – ما يترتب على إعمال هذه القاعدة 107قاعدة مقطوعة الصلة بالسلف 109مسلك بدعي 111باب واسع للشر 112زيادة في التفرق والاختلاف 114فتح طرق أغلقها الشرع 115مضادة لأمر الله 117إلغاء للسني المتميز 119عدم حصول الائتلاف 121القسم الثالث – أقوال العلماء في القاعدة 123تحرير مراد العلامة السعدي 125سماحة الشيخ العلامة المفتي عبد العزيز بن باز 128الشيخ العلامة محمد الصالح العثيمين 129علامة الشام المحدث محمد ناصر الدين الألباني 13. فتوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في التعاون مع الجماعات 131الخاتمة 133الفهرس 135