المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : منهج السلف في النقد والتحذير


ابومصعب المنشاوى
18th February 2009, 02:47 PM
منهج السلف في النقد والتحذير




بيان خطأ المخطئ ليس من الغيبة

للشيخ عبد المالك رمضاني الجزائري



الأصل أن أعراض المسلمين مصونة، وأن الكلام فيها بقدح بابٌ من أبواب الإثم والعدوان؛ لأن الله يقول: { وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا } فإن كان الطعن على المسلمين بغير ما اكتسبوا فهو بُهتان، كما سبق في الآية، وإذا كان بما اكتسبوا فهو غيبة؛ والله عز وجل يقول: { وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ }. وهذا الفرق بينه الرسول صلى الله عليه وسلم أكمل بيان، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( أتدرون ما الغيبة؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: ذكرك أخاك بما يكره، قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد بهتّه )). رواه مسلم (2589).



وفي "صحيح مسلم" (2564) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( لا تحاسدوا، ولا تناجشوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، ولا يبع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله أخواناً، المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يحقره، التقوى هاهنا، ويشير إلى صدره ثلاث مرات، بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام: دمه وماله وعضه )).



وروى البخاري في "التاريخ الكبير" (4/336)، وابن أبي الدنيا في "كتاب الصمت" (698) بالسند الصحيح عن أبي عاصم النبيل أنه قال: "ما اغتبت مسلماً منذ علمت أن الله حرم الغيبة".



وقال ابن دقيق العيد – رحمه الله - : "أعراض المسلمين حفرةٌ من حفر النار، وقف على شفيرها طائفتان من الناس: المحدِّثون والحكام"، كما في "تدريب الراوي" (2/369) للسيوطي، والمقصود من الحكام: القضاة؛ لأنهم القضاة في أعراض الناس والمعزِّرون لهم.



وإنما النجاة من هذا الوعيد الذي ذكره ابن دقيق العيد أن يكون النقدُ بعلم، فلا يتتبع قيل وقال؛ لأن الله يقول: { وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولـئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً }. وينبغي أن يكون مع علمه بوجه النقد عادلاً في حكمه؛ كي يخرج عن كونه ظلوماً جهولاً، قال عز وجل: { إِلَّا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ }. وقد استدل بهذه الآية محمد بن علي بن أبي طالب المعروف بابن الحنفية على من طعن على يزيد بن معاوية بأشياء لا تصح، كما ذكر ذلك ابن كثير في "البداية والنهاية" (11/653)، كما استدل بها عمر بن عبد العزيز فيما نحن بصدده، كما في "مصنف ابن أبي شيبة" (5/441)، وكذا الشافعي في "الأم" (7/90)، ولذلك استثنى العلماء من الغيبة المحرمة بعض أنواع الغيبة الجائزة، ومنها ما هو واجبٌ، ومن هذا بيان خطأ المخطئ على الشريعة؛ لأن سلامة الدين أولى من سلامة عرض فرد، فقد روى الحاكم في "المدخل إلى الصحيح" (1/160-161)، وأبو نعيم في "المستخرج على صحيح مسلم" (1/53)، والخطيب في "الكفاية" (ص44) أن أبا بكر بن خلاد قال ليحي بن سعيد: "أما تخشى أن يكون هؤلاء الذين تركت حديثهم خصماءك عند الله تعالى؟ قال: لأن يكون هؤلاء خصمائي أحب إلي من أن يكون خصمي رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: لم حدثت عنِّي حديثاً ترى أنه كذب ؟!".



وروى الخطيب في "تاريخ بغداد" (12/316) عن عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: "جاء أبو تراب النخشبي إلى أبي، قال: فجعل أبي يقول: فلان ضعيف، فلان ثقة، فقال أبو تراب: يا شيخ! لا تَغْتب العلماء، فالتفت إليه أبي، فقال له: ويحك! هذه نصيحةٌ، ليس هذا غيبة".



وروى الخطيب في "الكفاية" (1/45) عن سفيان بن عيينة يقول: "كان شعبة يقول: تعالوا حتى نغتاب في الله عز وجل ".



وروى أيضاً أن بعض الصوفية قال لابن المبارك: "تغتاب ؟! قال: اسكت! إذا لم نبين كيف نعرف الحق من الباطل ؟!".



وقد أجازوا تجريح من جرَّحوا صوناً للشريعة وحفظاً لها؛ وذلك لأنَّ صون عرض المسلم ليس بأولى من صون الشريعة ممَّا أُلحق بها وليس في الحقيقة منها، قال الشيخ عبد الرحمن المعلمي – رحمه الله – في مقدمته على كتاب : الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (1/ب): "وجُوِّزَ ذلك تورُّعاً وصوناً للشريعة لا طعناً في الناس، وكما جاز الجرح في الشهود جاز في الرواة، والتثّبتُ في أمر الدين أولى من التثبت في حقوق والأموال، فلهذا افترضوا على أنفسهم الكلام في ذلك".



وقال الشافعي – رحمه الله – في "الأم" (6/206): "وكذلك إن قال : "إنه لا يُبصر الفتيا ولا يعرفها" ، فليس هذا بعداوة ولا غيبة، إذا كان يقوله لمن يخاف أن يتبعه فيخطئ باتِّباعه، وهذا من معاني الشهادات، وهو لو شهد عليه بأعظم من هذا لم يكن هذا غيبة؛ وإنما الغيبة أن يؤذيه بالأمر لا بشهادته لأحد يأخذ به منه حقاً، في حدِّ ولا قصاص ولا عقوبة ولا مال ... مثل ما وصفت من أن يكون جاهلاً بعيوبه فينصحه في أن لا يغترَّ به في دينه إذا أخذ عنه من دينه من لا يبصره، فهذا كلُّه من معاني الشهادات التي لا تعدُّ غيبة".



وقال ابن تيمية – رحمه الله – في "مجموع فتاواه" (28/221-222): "وإذا كان الرجل يترك الصلوات ويرتكب المنكرات، وقاد عاشره من يخاف أن يفسد دينه بُيِّنَ أمره له؛ لتتقى معاشرتُه، وإذا كان مبتدعاً يدعو إلى عقائد تخالف الكتاب والسنة، أو يسلكُ طريقاً يخالف الكتاب والسنة، ويخاف أن يضل الرجلُ الناس بذلك بيِّن أمره للناس؛ ليتقوا ضلاله ويعلموا حاله، وهذا كله يجبُ أن يكون على وجه النصح وابتغاء وجه الله تعالى، لا لهوى الشخص مع الإنسان، مثل أن يكون بينهما عداوةٌ دنيويه أو تحاسدٌ أو تباغضٌ من الشخص واستيفاؤه منه، فهذا من عمل الشيطان: "وإنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى" بل يكون الناصح قصده أن الله يصلح ذلك الشخص، وأن يكفي المسلمين ضرره في دينهم ودنياهم، ويسلك في هذا المقصود أيسر الطرق التي تمكنه".



قلت: لعله يقصد بـ"أيسر الطرق" عدم الاسترسال في ذكر المعايب إذا تم الغرض من التحذير، حتَّى أُثر عن بعضهم في هذا الباب من علم الحديث أن الكلمة الأولى لك، والثانية عليك، ولذلك جاء في كتاب "تهذيب الكمال" للمزي (14/197) عن رجاء بن أبي سلمة قال: "كان بين عُبادة بن نُسي وبين رجل خصومة، فأسمعه الرجل ما يكرهه، فلقيه رجاء بن حيوة، فقال: بغلني أنه كان منه إليك، قال له عبادة: لولا أن تكون غيبة لأخبرتُك بالذي قال لي".



قلت: -رحمه الله-؛ فمن يطيق هذا الحلم وهذا الخلق الرفيع، لكنه دأب السلف، وهو الأصل؛ إذ نقل سيئات الناس نميمة، لاسيما إذا كان ينتج عنه تفريق كلمة أهل السنة، فهو أعظم وأعظم بما لا يوصف، وفي صحيح مسلم (2590) عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( لا يستر عبدٌ عبداً في الدنيا إلا ستره الله يوم القيامة)). وهذا الحديث عظيم، ينبغي لكل مسلم أن يتذكَّره كلما جنحت نفسه للانتصار على الخصم؛ كي لا يُجاوزَ ما حُدَّ له في باب التجريح على التفصيل السابق. ولذلك كان أهل التجريح في ذبهم عن الشريعة من أشد الناس خوفاً من الله عز وجل في أعراض الخلق، فقد روى الخطيب في "تاريخ بغداد" (2/13) أن البخاري –رحمه الله- كان يقول: "إنِّي أرجو أن ألقى الله ولا يحاسبني أنِّي اغتبت أحداً".



قال الذهبي في "السير" (12/439) تعليقاً على هذا الكلام: "قلت: صدق –رحمه الله-؛ ومن نظر في كلامه في الجرح والتعديل علم ورعه في الكلام في الناس وإنصافه فيمن يضعفه ..".



وروى ابن بشران في "الأمالي" (288) عن طاووس قال: "احذروا معبد الجهني؛ فإنه كان قدريٌّ، وكان طاووس لا يتكلم إلا بما ينبغي".



هكذا كان شأنُ السلف، لا يُضيِّعون حقَّ الله في الذَّبِّ عن دينه، ولا يُسرفون في أعراض الناس، بل ربما أسقط السلفُ جرح بعض المجرِّحين إذا اشتهروا بالإسراف في ذلك، كما في "تهذيب الكمال" (20/168) للمزِّي أن علي بن المديني قال: "أبو نعيم وعفان صدوقان، ولا أقبل كلامهما في الرجال؛ هؤلاء لا يدعون أحداً إلاَّ وقعوا فيه".



وقد قال الشيخ عبد الرحمن المعلمي –رحمه الله- في مقدمته على كتاب "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (1/ج): "وقد كان من أكابر المحدِّثين وأجلتهم من يتكلم في الرواة فلا يعول عليه، ولا يلتفت إليه" ثُمّ ذكر الأثر السابق، وقال عقبه بفطنة عجيبة واستنباط عزيز: "وأبو نعيم وعفان من الأجلة، والكلمة المذكورة تدلُّ على كثرة كلامهما في الرجال، ومع ذلك لا تكادُ تجدُ في كتب الفنِّ نقلُ شيء من كلامهما!".



قلت: أبو نعيم هو الفضل بن دكين، وعفان هو ابن مسلم –رحمهما الله-، ومكانتهما في هذا الشأن معلومة، فإذا كان هذا مع أجلة، فكيف مع من في دينة رهق وذلة ؟!



كما أن أهل السنة لا يفرحون بالعثور على خطأ لأهل السنة، بل بلغ من سلامة صدورهم لَهم أن الواحد منهم ربما ناظر أخاه وهو يتمنَّى عود الخطأ على نفسه لا على أخيه، فقد روى ابن حبان في "صحيحة" (5/498) بإسناد صحيح عن الحسن الزعفراني قال: سمعت الشافعي يقول: ما ناظرت أحداً قط فأحببت أن يخطئ"، لكن لا يجوز أن يتصوَّر هذا في مناظرة أهل البدع.



روى ابن عساكر في "تبيين كذب المفتري" (ص340) عن الحسن بن عبد العزيز الجروي قال: سمعت الشافعي يقول: "ما ناظرت أحداً أحببت أن يخطئ، إلا صاحب بدعة، فإني أحبُّ أن ينكشف أمره للناس".



نقلت هذا الأثر؛ لأنني وجدت أحد الرادِّين على محمد الغزالي في عدوانه على السنة، جعل كأنه يتندم على تتبع أخطائه، ويرى أن فرحه بعثوره عليها يتنافى مع حبِّ السلامة للناس، ولعله استدل بكلام الشافعي هذا الأول فيما أذكر، ومن هذا النقل يكون القارئ قد تبين له أن ذلك خاصٌّ بمناظرة أهل السنة، أما المبتدع فإن انكشاف أمره نصرٌ للسنة، وانتصارٌ على البدعة وإنجاءٌ للناس من أن يدخلوا فيها، ثمَّ إن قطع دابر المفسدين مطلب شرعيٌّ، ولا يتم هذا إلا بعد كشف زيفهم؛ ألا ترى أن الله عز وجل حمد نفسه على ذلك فقال في سورة الأنعام: { فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ وَالْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ }.



قال البغوي –رحمه الله- في "تفسيره" (1/253): "حَمد الله نفسه على أن قطع دابرهم؛ لأنه نعمةٌ على رسله، فذكر الحمد تعليماً لهم –يعني: الرسل- ولِمَن آمن بهم أن يحمدوا الله على كفايته شر الظالمين، وليحمد محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه ربهم إذا أهلك المكذبين".



إذن، من ذا الذي يحبُّ السنة بصدق، ثمَّ لا يفرح بقطع دابر أهل البدع؟! ولذلك روى الخلال في السنة (1869) بسند صحيح عن أبي بكر المروذي قال: "قيل لأبي عبد الله –يعني: الإمام أحمد بن حنبل-: الرجل يفرح بما ينزل بأصحاب ابن دؤاد –يعني: المبتدع القائل بخلق القرآن-، عليه في ذلك إثم؟

قال: ومن لا يفرح بهذا؟!



انتهى كلام الشيخ عبد المالك حفظه الله



ذكر بعض أقوال العلماء في الغيبة الجائزة



قال أبو صالح الفراء: حكيت ليوسف بن أسباط عن وكيع شيئاً من أمر الفتن

فقال: ذاك يشبه أستاذه - يعني: الحسن بن حي-،

فقلت ليوسف: ما تخاف أن تكون هذه غيبة ؟

فقال: لم يا أحمق! أنا خير لهؤلاء من آبائهم وأمهاتهم، أنا أنهى الناس أن يعملوا بما أحدثوا فتتبعهم أوزارهم، ومن أطراهم كان أضر عليهم.[سير أعلام النبلاء ( 7/364 )]



قال الإمام النووي -رحمه الله- في رياض الصالحين (450): "باب ما يباح من الغيبة":

اعلم أن الغيبة تباح لغرض صحيح شرعي لا يمكن الوصول إليه إلا بها وهي ستة أسباب:

الأول: التظلم فيجوز للمظلوم أن يتظلم إلى السلطان...

الثاني: الاستعانة على تغيير المنكر ورد العاصي إلى الصواب...

الثالث: الاستفتاء...

الرابع: تحذير المسلمين من الشر ونصيحتهم وذلك من وجوه منها: جرح المجروحين من الرواة والشهود وذلك جائز بإجماع المسلمين بل واجب للحاجة ... ومنها إذا رأى متفقهاً يتردد إلى مبتدع أو فاسق يأخذ عنه العلم وخاف أن يتضرر المتفقه بذلك، فعليه نصيحته ببيان حاله بشرط أن يقصد النصيحة، وهذا مما يُغلط فيه، وقد يحمل المتكلم بذلك الحسد ويلبِّس الشيطان عليه ذلك ويخيل إليه أنه نصيحة فليُتَفطن لذلك.

الخ...



وذكر الصنعاني -رحمه الله- في سبل السلام (4/1548) نحوًا من كلام النووي في استثناء العلماء لأمور ستة قال: وجمعها ابن أبي شريف في قوله.

الذم ليس بغيبة في ستة متـظلم ومعـرف ومحـذر
ولمظهر فسقًا ومستفـت ومن طلب الإعانة في إزالة منكر



قال ابن القيم في "زاد المعاد" (3/575) مستنبطاً الفوائد من غزوة تبوك : (ومنها جواز الطعن في الرجل بما يغلب على اجتهاد الطاعن حمية أو ذبا عن الله ورسوله؛ ومن هذا طعن أهل الحديث فيمن طعنوا فيه من الرواة، ومن هذا طعن ورثة الأنبياء وأهل السنة في أهل الأهواء والبدع لله لا لحظوظهم وأغراضهم.)



وقال ابن كثير في تفسيره (4/215): (تحريم الغيبة بالإجماع ولا يستثنى من ذلك إلا ما رجحت مصلحته كما في الجرح والتعديل والنصيحة كقوله صلى الله عليه وسلم لما استأذن عليه ذلك الرجل الفاجر : (( ائذنوا له وبئس أخو العشيرة )) خ6032 وكقوله صلى الله عليه وسلم لفاطمة بنت قيس رضي الله عنها وقد خطبها معاوية وأبو الجهم : (( أما معاوية فصعلوك وأما أبو الجهم فلا يضع عصاه عن عاتقه )) م1480 وكذا ما جرى مجرى ذلك ثم بقيتها على التحريم الشديد).



وقال الحافظ ابن رجب : (اعلم أن ذِكر الإنسان بما يكره محرم إذا كان المقصود منه مجرد الذمِّ والعيب والنقص. فأما إن كان فيه مصلحة لعامة المسلمين خاصة لبعضهم وكان المقصود منه تحصيل تلك المصلحة فليس بمحرم بل مندوب إليه. وقد قرر علماء الحديث هذا في كتبهم في الجرح والتعديل وذكروا الفرق بين جرح الرواة وبين الغيبة وردُّوا على من سوَّى بينهما من المتعبدين وغيرهم ممن لا يتسع علمه. ولا فرق بين الطعن في رواة حفَّاظ الحديث ولا التمييز بين من تقبل روايته منهم ومن لا تقبل، وبين تبيين خطأ من أخطأ في فهم معاني الكتاب والسنة وتأوَّلَ شيئاً منها على غير تأويله وتمسك بما لا يتمسك به ليُحذِّر من الاقتداء به فيما أخطأ فيه، وقد أجمع العلماء على جواز ذلك أيضاً) [الفرق بين النصيحة التعيير].



وقال ابن الصلاح رحمه الله تعالى في "فتاواه" (2/497): ( تجوز غيبة المبتدع بل ذكره بما عليه مطلقا غائبا وحاضرا إذا كان المقصود التنبيه على حاله ليُحذر ) .



قال الحافظ فتح الباري (10/472): "قال العلماء تباح الغيبة في كل غرض صحيح شرعا حيث يتعين طريقا إلى الوصول إليه بها كالتظلم والاستعانة على تغيير المنكر والاستفتاء والمحاكمة والتحذير من الشر ويدخل فيه تجريح الرواة والشهود وإعلام من له ولاية عامة بسيرة من هو تحت يده وجواب الاستشارة في نكاح أو عقد من العقود وكذا من رأى متفقها يتردد إلى مبتدع أو محمود ويخاف عليه الاقتداء به وممن تجوز غيبتهم من يتجاهر بالفسق أو الظلم أو البدعة ومما يدخل في ضابط الغيبة وليس بغيبة ما تقدم تفصيله في باب ما يجوز من ذكر الناس فيستثنى أيضا والله أعلم".