المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : شروط المتصدي للدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر


حسني فرحات
16th February 2009, 06:11 AM
شروط المتصدي للدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الأعمال الواجبة الفاضلة، بل هو من أوجب الأعمال وأفضلها وأحسنها، والله تعالى خلقنا لعبادته وطاعته ليبلونا أيُّنا أحسن عملًا كما قال تعالى: { الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا } وحدّ العمل الصالح الحسن المقبول عند الله ما كان خالصًا صوابًا، كما قال الفضيل بن عياض أخلصه وأصوبه، فإن العمل إذا كان خالصًا ولم يكن صوابًا لم يقبل، وإذا كان صوابًا ولم يكن خالصًا لم يقبل حتى يكون خالصًا صوابًا، والخالص أن يكون لله، والصواب أن يكون على السنة.
وإذا كان حدّ العمل الصالح ما اجتمع فيه هذين الأمرين العظيمين: أحدهما : أن يراد به وجه الله.
والثاني : أن يكون موافقًا لشرع الله.
فالآمر بالمعروف والناهي عن المنكر والداعي إلى الله، يجب أن يتوفر في عمله هذين الأمرين: الإخلاص وصلاح العمل، ولا يكون عمله صالحًا حتى توجد فيه الشروط التالية:
1- العلم والفقه قبل الأمر والنهي
فإن فقد العلم حلّ محله الجهل والضلال واتباع الهوى، وفي حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه " العلم إمام العمل وتابعه ".
وقال عمر بن عبد العزيز "من عبد الله بغير علم كان ما يفسد أكثر مما يصلح" وبالعلم والفقه يحصل الفرق بين أهل الجاهلية وأهل الإسلام، والعلم في هذا المقام لا بد منه ويكون في ثلاثة أمور:
أحدها : العلم بالمعروف والمنكر والتمييز بينهما.
ثانيها : العلم بحال المأمور وبحال المنهي.
ثالثها : العلم بإتيانه بالأمر والنهي بالصراط المستقيم الذي هو أقرب الطرق إلى حصول المقصود، وهو الصلاح ولهذا قيل: ليكن أمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر غير منكر.
2- الرفق مع الأمر والنهي
فإن الاستجابة والانقياد والإذعان من المأمور والمنهي لا تكاد تتخلف، إذا قارن الرفق الأمر والنهي والدعوة إلى الله، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم « إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الْأَمْرِ كُلِّهِ، وَيُعْطِي عَلَيْهِ مَا لَا يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ » .
وقال في حديث آخر : « مَا كَانَ الرِّفْقُ فِي شَيْءٍ إِلَّا زَانَهُ، وَلَا كَانَ الْعُنْفُ فِي شَيْءٍ إِلَّا شَانَهُ ».
3- الحلم والصبر على الأذى بعد الأمر والنهي
فإن الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر والداعية إلى الله لا بد أن يحصل له أذى، فإن لم يحلم ويصبر كان ما يفسد أكثر مما يصلح، ولهذا أمر الله الرسل - وهم أئمة الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر- بالصبر، كما قال تعالى لخاتم الرسل: { فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ } .
بل الأمر بالصبر مقرون بتبليغ الرسالة، حيث افتتح الله آيات الإرسال إلى الخلق بالأمر بالنذارة، ونفس الإنذار أمر بالمعروف ونهي عن المنكر، وختمها بالأمر بالصبر، قال تعالى: { يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ }{ قُمْ فَأَنْذِرْ }{ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ }{ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ }{ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ }{ وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ }{ وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ } فدل ذلك على أن الصبر يجب بعد الأمر والنهي.
وفي وصية لقمان لابنه الأمر بالصبر في قوله تعالى: { يَابُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ }وقد أمر الله بالصبر في آيات كثيرة كقوله تعالى: { وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا } وقوله: { وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا } وقوله: { فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ } - سورة القلم وقوله: { وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ } وقوله: { وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ } .
فلهذه الأمور الثلاثة لا بد منها لكل داعٍ إلى الله وآمر بالمعروف، وناهٍ عن المنكر العلم والرفق والصبر، وجاء في الأثر عن بعض السلف: "لا يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر إلا من كان فقيهًا فيما يأمر به، فقيهًا فيما ينهى عنه، رفيقًا فيما يأمر به، رفيقًا فيما ينهى عنه، حليمًا فيما يأمر به، حليمًا فيما ينهى عنه".
تنبيه :
اشتراط هذه الخصال الثلاث في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيه صعوبة على كثير من الناس، فيتصور أنها لا تتحقق فيه وأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يسقط عنه فيتركه، وهذا خطأ؛ فإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب عظيم، فتركه معصية، وإنما الواجب عليه أن يتقي الله ما استطاع، وأن يستصحب من هذه الخصال الثلاث مع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بحسب وسعه وطاقته كما قال تعالى: { فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ } وقال النبي صلى الله عليه وسلم « مَا نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ فَاجْتَنِبُوهُ وَمَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ » وبهذا يكون قد اتقى الله ما استطاع في أداء هذا الواجب العظيم، وسلك طريق الاعتدال وهو الصراط المستقيم، الذي هو أقرب الطرق إلى حصول المقصود وهو الصلاح والإصلاح .
المفاسد المترتبة على عدم التخلق بهذه الخصال الثلاث عند الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
1- العلم :
الداعي إلى الله لا بد أن يكون على بصيرة فيما يأمر به وفيما ينهى عنه، وهي الدليل الواضح الذي لا لبس في الحق معه، كما قال تعالى: { قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي } فإن كان جاهلًا فقد يأمر بما ليس بمعروف، وينهى عما ليس بمنكر، لا سيما في هذا الزمن الذي انتشر فيه الجهل، وصار المعروف منكرًا، والمنكر معروفًا عند كثير من الناس.
2- الرفق :
ينبغي للداعية أن تكون دعوته إلى الله بالحكمة واللطافة مع إيضاح الحق، كما قال تعالى: { ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ } فإن كانت دعوته بقسوة وعنف وخرق، فإنها تضر أكثر مما تنفع، وكانت سببًا في نفرة المأمور والمنهي، وربما أخذته العزة بالإِثم فاستمر على ما هو عليه من المنكر وترك المعروف، أو زاد في ذلك بسبب طريقة الداعية الخرقاء.
3- الصبر : الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر لا بد له من الصبر؛ لأن الأمر بالمعروف وظيفة الرسل وأتباعهم وهو مستلزم للأذى من الناس؛ لأنهم مجبولون بالطبع على معاداة من يخالفهم في أهوائهم وشهواتهم وأغراضهم فيعادونه ويؤذونه، ولهذا لما قال النبي صلى الله عليه وسلم لورقة بن نوفل في أول البعثة حين أخبره أن قومه سيخرجونه: « أومخرجيّ هم؟ » أخبره أن هذا الدين الذي جاء به لم يأت به أحد إلا عودي، وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: "ما ترك الحق لعمر صديقًا".
فإذا لم يصبر على الأذى لزم من ذلك، إما تعطيل هذا الواجب العظيم -الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر- وإما حصول فتنة وفساد بسبب عدم احتمال الأذى من تعدٍّ على المأمور أو المنهي بالقول أو بالفعل، وقد يؤدي عدم الصبر على الأذى إلى الانتصار للنفس، فيخرج بذلك عن كونه منتصرًا لله ولرسوله ولدينه، وعن الغيرة لله ولحرماته إلى الانتصار لنفسه والحمية لها، وذلك معصية وفساد .
قال الشيخ تقي الدين "الصبر على أذى الخلق عند الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إن لم يستعمل، لزم أحد أمرين: إما تعطيل الأمر والنهي، وإما حصول فتنة ومفسدة أعظم من مفسدة ترك الأمر والنهي، أو مثلها أو قريب منها، وكلاهما معصية وفساد، قال تعالى: { وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ } فمن أمر ولم يصبر، أو صبر ولم يأمر، أو لم يأمر ولم يصبر حصل من هذه الأقسام الثلاثة مفسدة، وإنما الصلاح في أن يأمر ويصبر" اهـ .
وقال القرطبي في تفسيره على آية لقمان { وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ } قوله تعالى: { وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ } "يقتضي حضًّا على تغيير المنكر وإن نالك ضرر، فهو إشعار بأن المغيّر يؤذى أحيانًا" اهـ.

وقال ابن كثير في تفسير على آية لقمان أيضًا { وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ } "أي: بحسب طاقتك وجهدك { وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ } علم أن الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر لا بد أن يناله من الناس أذى، فأمره بالصبر، وقوله: { إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ } أي: إن الصبر على أذى الناس لمن عزم الأمور" اهـ .
_________
وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي في تفسيره على آية لقمان { وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ } "وذلك يستلزم العلم بالمعروف ليأمر به، والعلم بالمنكر لينهى عنه، والأمر بما لا يتم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا به من الرفق والصبر، وقد صرح به في قوله: { وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ } ومن كونه فاعلًا لما يأمر به كافًّا لما ينهى عنه، فتضمن هذا تكميل نفسه بفعل الخير وترك الشر، وتكميل غيره بذلك بأمره ونهيه، ولما علم أنه لا بد أن يبتلى إذا أمر ونهى، وأن في الأمر والنهي مشقة على النفوس، أمره بالصبر على ذلك فقال: { وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ } الذي وعظ به لقمان ابنه { مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ } أي: من الأمور التي يعزم عليها ويهتم بها، ولا يوفق لها إلا أهل العزائم" اهـ .
القول البين الأظهر
في الدعوة إلى الله
والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
الشيخ
عبد العزيز بن عبد الله الراجحي