المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : حوادث السيارات وبيان ما يترتب عليها بالنسبة لحق الله وحق عباده


حسني فرحات
26th January 2009, 09:41 PM
حوادث السيارات وبيان ما يترتب عليها بالنسبة لحق الله وحق عباده
هيئة كبار العلماء
بالمملكة العربية السعودية
بسم الله الرحمن الرحيم
حوادث السيارات وبيان ما يترتب عليها بالنسبة لحق الله وحق عباده
إعداد
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
الحمد لله ، والصلاة والسلام على رسوله وآله وصحبه وبعد
فبناء على ما رآه مجلس هيئة كبار العلماء في الدورة التاسعة المنعقدة بمدينة الطائف في شهر شعبان عام 1396 هـ من إدراج موضوع حوادث السيارات من صدم ودهس وانقلاب وبيان حكم ما يترتب على ذلك بالنسبة لحق الله وحق عباده في جدول أعمالها بالدورة العاشرة- أعدت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بحثا في ذلك ضمنته ما يأتي :
1 - تصادم سيارتين مثلا أو صدم إحداهما الأخرى وبيان ما يترتب على ذلك من أحكام .
2 - دهس سيارة ونحوها لشيء وانقلابها وبيان ما يترتب على ذلك من أحكام .
3 - بيان ما يترتب على حوادث السيارات من العقوبات لمخالفة نظام
المرور ونحوه مما يسبب وقوع الحوادث .
4 - توزيع الجزاء على من اشتركوا في وقوع الحادث بنسبة اعتدائهم أو خطئهم .
وفيما يلي الكلام على هذه الموضوعات إن شاء الله تعالى .
الموضوع الأول : تصادم سيارتين مثلا أو صدم إحداهما الأخرى وبيان ما يترتب على ذلك من أحكام
تمهيد :
يحسن بنا أن نمهد بين يدي النقل عن فقهاء الإسلام في الموضوع ببيان منشأ اختلاف الأحكام أو اختلاف الفقهاء فيها بذكر ما يأتي :
إن ما يترتب على تصادم سيارتين مثلا أو صدم إحداهما الأخرى من الأحكام يختلف باختلاف عدة أمور :
الأول : حال القائد أو السائق من كونه عامدا أو مخطئا أو مغلوبا على أمره في وقوع الحادث أو كونه لا يحسن القيادة .
الثاني : اختلاف الفقهاء في ضابط العمد والخطأ وشبه العمد وما تحمله العاقلة وما لا تحمله .
الثالث : اعتبار فعل كل من الجانبين في حق نفسه وحق صاحبه أو اعتباره في حق صاحبه فقط .
الرابع : تعدي كل من الطرفين بالنسبة للحادث أو تعدي أحدهما دون الآخر .
الخامس : اعتبار التسبب أو المباشرة منهما أو من أحدهما أو من غيرهما .
السادس : الاختلاف في تحقيق المناط (التطبيق) .
وفيما يلي نقول من بعض كتب الفقهاء في حكم حوادث المواصلات وآلات النقل في زمنهم يتضح منها حكم وسائل النقل في زمننا :
جاء في [تكملة فتح القدير على الهداية] [تكملة فتح القدير] (8 / 348) . : (وإذا اصطدم فارسان فماتا فعلى عاقلة كل واحد منهما دية الآخر) .
وقال زفر والشافعي : يجب على عاقلة كل واحد منهما نصف دية الآخر ، لما روي في ذلك عن علي رضي الله عنه ، ولأن كل واحد منهما مات بفعله وفعل صاحبه ؛ لأنه بصدمته آلم نفسه وصاحبه فيهدر نصفه ويعتبر نصفه ، كما إذا كان الاصطدام عمدا أو جرح كل واحد منهما نفسه وصاحبه جراحة ، أو حفرا على قارعة الطريق بئرا فانهار عليهما يجب على كل واحد منهما النصف فكذا هذا . ولنا أن الموت يضاف إلى فعل صاحبه ؛ لأن فعله في نفسه مباح وهو المشي في الطريق ، فلا يصلح مستندا للإضافة في حق الضمان كالماشي إذا لم يعلم بالبئر ووقع فيها لا يهدر شيء من دمه ، وفعل صاحبه وإن كان مباحا لكن الفعل المباح في غيره سبب للضمان ؛ كالنائم إذا انقلب على غيره .
وروي عن علي رضي الله عنه أنه أوجب على كل واحد منهما كل الدية ، فتعارضت روايتاه فرجحنا بما ذكرنا . وفيما ذكر من المسائل الفعلان محظوران فوضح الفرق . اهـ .
وقال الكاساني [بدائع الصنائع] (7 / 273) . : إذا اصطدم فارسان فماتا فدية كل واحد منهما على عاقلة الآخر في قول أصحابنا الثلاثة رحمهم الله ، وعند زفر رحمه الله على عاقلة كل واحد منهما نصف دية الآخر ، وهو قول الشافعي رحمه الله (وجه) قول زفر أن كل واحد منهما مات بفعلين : فعل نفسه وفعل صاحبه ، وهو صدمة صاحبه وصدمة نفسه ، فيهدر ما حصل بفعل نفسه ويعتبر ما حصل بفعل صاحبه ، فيلزم أن يكون على عاقلة كل واحد منهما نصف دية الآخر ، كما لو جرح نفسه وجرحه أجنبي فمات ، أن على الأجنبي نصف الدية لما قلنا ، كذا هذا .
(ولنا) ما روي عن سيدنا علي رضي الله عنه أنه قال مثل مذهبنا ، ولأن كل واحد منهما مات من صدم صاحبه إياه فيضمن صاحبه ، كمن بنى حائطا في الطريق فصدم رجلا فمات ، أن الدية على صاحب الحائط كذا هذا . وبه تبين أن صدمه نفسه مع صدم صاحبه إياه فيه غير معتبر ، إذ لو اعتبر لما لزم باني الحائط على الطريق جميع الدية ؛ لأن الرجل قد مشى إليه وصدمه ، وكذلك حافر البئر يلزمه جميع الدية وإن كان الماشي قد مشى إليها . رجلان مدا حبلا حتى انقطع فسقط كل واحد منهما ، فإن سقطا على ظهريهما فماتا فلا ضمان فيه أصلا ؛ لأن كل واحد منهما لم يمت من فعل صاحبه ، إذ لو مات من فعل صاحبه لخر على وجهه ، فلما سقط على قفاه علم أنه سقط بفعل نفسه ، وهو مده فقد مات كل واحد منهما من فعل نفسه فلا ضمان على أحد ، وإن سقطا على وجهيهما فماتا فدية كل واحد منهما على عاقلة الآخر ؛ لأنه لما خر على وجهه علم أنه مات من جذبه ، وإن سقط أحدهما على ظهره والآخر على وجهه فماتا جميعا فدية الذي سقط على وجهه على عاقلة الآخر ؛ لأنه مات بفعله وهو جذبه ، ودية الذي سقط على ظهره هدر ؛ لأنه مات من فعل نفسه ولو قطع قاطع الحبل فسقطا جميعا فماتا فالضمان على القاطع ؛ لأنه تسبب في إتلافهما ، والإتلاف تسببا يوجب الضمان كحفر البئر ونحو ذلك ، صبي في يد أبيه جذبه رجل من يده والأب يمسكه حتى مات فديته على الذي جذبه ، ويرثه أبوه ، لأن الأب محق في الإمساك ، والجاذب متعد في الجذب ، فالضمان عليه ، ولو تجاذب رجلان صبيا وأحدهما يدعي أنه ابنه والآخر يدعي أنه عبده فمات من جذبهما فعلى الذي يدعي أنه عبده ديته ، لأنه متعد في الجذب ؛ لأن المتنازعين في الصبي إذا زعم أحدهما أنه أبوه فهو أولى به من الذي يدعي أنه عبده ، فكان إمساكه بحق وجذب الآخر بغير حق فيضمن ، رجل في يده ثوب تشبث به رجل فجذبه صاحب الثوب من يده ، فخرق الثوب ضمن الممسك نصف الخرق ؛ لأن حق صاحب الثوب في دفع الممسك وعليه دفعه بغير جذب ، فإذا جذب فقد حصل التلف من فعلهما فانقسم الضمان بينهما ، رجل عض ذراع رجل فجذب المعضوض ذراعه من فيه ، فسقطت أسنان العاض وذهب لحم ذراع هذا تهدر دية الأسنان ، ويضمن العاض أرش الذراع ؛ لأن العاض متعد في العض والجاذب غير متعد في الجذب : لأن العض ضرر وله أن يدفع الضرر عن نفسه .
رجل جلس إلى جنب رجل فجلس على ثوبه وهو لا يعلم فقام صاحب الثوب فانشق ثوبه من جلوس هذا عليه يضمن الجالس نصف ذلك ؛ لأن التلف حصل من الجلوس والجذب والجالس متعد في الجلوس ، إذ لم يكن له أن يجلس عليه فكان التلف حاصلا من فعليهما ، فينقسم الضمان عليهما ، رجل أخذ بيد إنسان فصافحه فجذب يده من يده فانقلب فمات فلا شيء عليه ؛ لأن الآخذ غير متعد في الأخذ للمصافحة ، بل هو مقيم سنة وإنما الجاذب هو الذي تعدى على نفسه ، حيث جذب يده لا لدفع ضرر لحقه من الآخذ وإن كان أخذ يده ليعصرها فآذاه فجر يده ضمن الآخذ ديته ؛ لأنه هو المتعدي ، وإنما صاحب اليد دفع الضرر عن نفسه بالجر ، وله ذلك فكان الضمان على المتعدي ، فإن انكسرت يد الممسك وهو الآخذ بالجذب لم يضمن الجاذب ، لأن التعدي من الممسك فكان جانيا على نفسه فلا ضمان على غيره .
والله سبحانه وتعالى أعلم .
في [المدونة] [المدونة] (4 / 505) . :
(قلت) : أرأيت إذا اصطدم فارسان فقتل كل واحد منهما صاحبه ؟
(قال) مالك : عقل كل واحد منهما على قبيل صاحبه ، وقيمة كل فرس منهما في مال صاحبه .
(قال) : أرأيت لو أن سفينة صدمت سفينة أخرى فكسرتها فغرق أهلها ؟
(قال) : قال مالك : إن كان ذلك من الريح غلبتهم أو من شيء لا يستطيعون حبسها منه فلا شيء عليهم ، وإن كانوا لو شاءوا أن يصرفوها صرفوها فهم ضامنون .
وفي [بداية المجتهد] لابن رشد [بداية المجتهد] (2 / 409) . :
اختلفوا في الفارسين يصطدمان فيموت كل واحد منهما ، فقال مالك
(الجزء رقم : 5، الصفحة رقم: 475)
وأبو حنيفة وجماعة : على كل منهما دية الآخر ، وذلك على العاقلة ، وقال الشافعي وعثمان البتي : على كل واحد منهما نصف دية صاحبه ؛ لأن كل واحد منهما مات من فعل نفسه وفعل صاحبه .
قال أحمد الدردير في [الشرح الكبير لمختصر خليل] [الشرح الكبير لمختصر خليل] (4 / 247) . : وإن تصادما أي : المكلفان أو غيرهما (أو تجاذبا) حبلا أو غيره ، كأن جذب كل منهما يد صاحبه فسقطا (مطلقا) ، سواء كانا راكبين أو ماشيين أو مختلفين أو بسفينتين على الراجح (قصدا) ، منهما (فماتا) معا فلا قصاص لفوات محله (أو) مات (أحدهما فقط) (فالقود) جواب للمسألتين ، وهو على حذف مضاف ، أي : فأحكامه ثابتة بينهما وحكمه في موتهما نفيه وفي موت أحدهما ثبوته ، ومن أحكامه أنه إذا كان أحدهما بالغا والآخر صبيا فلا قصاص على الصبي أو كان أحدهما حرا والآخر رقيقا فلا يقتص للرقيق من الحر ويحكم بحكم القود أيضا فيما لو قصد أحدهما التصادم أو التجاذب دون الآخر ، وهو داخل في قوله قصدا (وحملا عليه) أي : على القصد عند جهل الحال لا على الخطأ ، وإنما يظهر في موت أحدهما فقط للقصاص من الحي (عكس السفينتين) إذا تصادمتا فتلفتا أو إحداهما وجهل الحال ، فيحملان على عدم القصد فلا قود ولا ضمان ؛ لأن جريهما بالريح وليس من عمل أربابهما ، وهذه العلة تدل على أن المراد بعدم القصد هو العجز لا الخطأ وهو كذلك على الراجح ، وأما الخطأ ففيه الضمان فظهر أن لقوله : عكس السفينتين فائدة حيث حمل على العجز .وأما المتصادمان ففي العمد القود كما قال ، وفي الخطأ الضمان . ولو سفينتين فيهما ولا شيء في العجز ، بل هدر ولو غير سفينتين كما أشار له بقوله (إلا لعجز حقيقي) أي : إلا أن يكون تصادمهما لعجز حقيقي ، لا يستطيع كل منهما أن يصرف نفسه أو دابته عن الآخر فلا ضمان ، بل هدر ، ولا يحملان عند الجهل عليه ، بل على العمد كما تقدم ، لكن الراجح أن العجز الحقيقي في المتصادمين كالخطأ ، فيه ضمان الدية في النفس والقيم في الأموال بخلاف السفينتين فهدر ، وحملا عند الجهل عليه ؛ لأن جريهما بالريح كما تقدم ، (لا لخوف غرق أو ظلمة) . فخرج من قوله : عكس السفينتين ، أي : فإنهما يحملان على العجز عند الجهل فلا قود ولا ضمان (إلا لخوف غرق أو ظلمة) فالضمان : أي : لا إن قدروا على الصرف فلم يصرفوا خوفا من غرق أو نهب أو أسر أو وقوع في ظلمة حتى تلفتا أو إحداهما أو ما فيهما من آدمي أو متاع فضمان الأموال في أموالهم ، والدية على عواقلهم ؛ لأن هذا ليس من العجز الحقيقي لقدرتهم على الصرف ، وليس لهم أن يسلموا من الهلاك بهلاك غيرهم ، (وإلا) يكن التصادم في غير السفينتين أو فيهما أو التجاذب قصدا ، بل خطأ (فدية كل) من الآدميين (على عاقلة الآخر) للخطأ ، وقيمة فرسه مثلا ، وإنما خص الفرس ؛ لأن التصادم غالبا يكون في ركوب الخيل (في مال الآخر) لا على عاقلته ؛ لأن العاقلة لا تحمل غير الدية (كثمن العبد) أي : قيمته لا يكون على عاقلة ؛ لأنه مال ، بل في مال الحر ، ودية الحر في رقبة العبد حالة ، فإن تصادما فماتا فإن زادت دية الحر على قيمة العبد لم يضمن سيده الزائد ، لأنها تعلقت برقبة العبد ، ورقبته زالت ولو زادت قيمة العبد على دية الحر أخذ سيده الزائد من مال الحر حالا . اهـ .
قال محمد بن يوسف العبدري الشهير بالمواق في شرحه [التاج والإكليل لمختصر خليل] [التاج والإكليل لمختصر خليل] (6 / 243) . : (وإن تصادما أو تجاذبا مطلقا قصدا فماتا أو أحدهما فالقود ) .
قال مالك : إذا اصطدم فارسان فمات الفرسان والراكبان فدية كل واحد على عاقلة الآخر وقيمة فرس كل واحد في مال الآخر .
قال مالك : ولو أن حرا وعبدا اصطدما فماتا جميعا فقيمة العبد في مال الحر ، ودية الحر في رقبة العبد يتقاصان ، فإن كان ثمن العبد أكثر من دية الحر كان الزائد لسيد العبد في مال الحر ، وإن كانت دية الحر أكثر لم يكن على السيد من ذلك شيء .
وقال في رجلين اصطدما وهما يحملان جرتين فانكسرتا غرم كل واحد ما كان على صاحبه ، وإن انكسرت إحداهما غرم ذلك له صاحبه . قال مالك في السفينتين تصطدمان فتغرق إحداهما بما فيها فلا شيء في ذلك على أحد ؛ لأن الريح تغلبهم إلا أن يعلم أن النواتية لو أرادوا صرفها قدروا فيضمنوا وإلا فلا شيء عليهم .
قال ابن القاسم : ولو قدروا على حبسها إلا أن فيها هلاكهم وغرقهم فلم يفعلوا فليضمن عواقلهم دياتهم ويضمنوا الأموال في أموالهم ، وليس لهم أن يطلبوا نجاتهم بغرق غيرهم ، وكذلك لو لم يروهم في ظلمة الليل وهم لو رأوهم لقدروا على صرفها فهم ضامنون لما في السفينة ودية من مات على عواقلهم ، ولكن لو غلبتهم الريح أو غفلوا لم يكن عليهم شيء . انتهى . من ابن يونس بن عرفة . قال ابن شاس : وسواء كان المصطدمون راكبين أو ماشين أو بصيرين أو ضريرين أو أحدهما ضريرا وبيده عصا ، وإن تعمد الاصطدام فهو عمد محض فيه حكم القصاص ، ولو كانا صبيين ركبا بأنفسهما أو أركبهما أولياؤهما فالحكم فيهما كما في البالغين إلا في القصاص ، ولو جذبا حبلا فانقطع فتلف فكاصطدامهما ، وإن وقع أحدهما على شيء فأتلفه ضمناه .
ابن عرفة يؤيد هذا ما في [المدونة] و[المجموعة] إن اصطدم فرسان فمر أحدهما على صبي فقطع إصبعه ضمناه . انظر هنا في ابن عرفة القصاص . من قتل خارجة ولم يتلفت لإثبات قوله : أردت عمرا وأراد الله خارجة ، ومن قتل رجلا عمدا يظنه غيره ممن لو قتله لم يكن فيه قصاص ، ومن رمى رجلا بحجر فاتقاها المرمي عليه فقتلت آخر كما لو هرب أمام القاتل فسقط على طفل فقتله كالأربعة الذين تعلق بعضهم ببعض وسقطوا على الأسد فقتلهم (وحملا عليه عكس السفينتين إلا لعجز حقيقي إلا كخوف غرق أو ظلمة) قد تقدم جميع ما نقل ابن يونس عن ابن القاسم في اصطدام السفينتين والراكبين .
وقال ابن الحاجب : لو اصطدم فارسان عمدا فإحكام القصاص وإلا فعلى عاقلة كل واحد دية الآخر ، ثم قال : فإن اصطدم سفينتان فلا ضمان بشرط العجز عن الصرف والمعتبر العجز حقيقة لا لخوف غرق أو ظلمة ، ابن عبد السلام : قول ابن الحاجب يوهم أن حكم الفارسين مخالف لحكم السفينتين وليس كذلك ؛ لأن الفارسين إذا جمح بهما فرساهما فكان تلف لم يضمنا إلا أن الفرسين إذا جهل أمرهما حمل على أنهما قادران على إمساكهما وفي السفينتين على العجز .
ابن عرفة قوله : إذا جمح الفرس ولم يقدر راكبه على صرفه أنه لا يضمن يرد بقولها إن جمحت دابة براكبها فوطئت إنسانا فهو ضامن وبقولها إن كان في رأس الفرس اعتزام فحمل بصاحبه فاصطدم فصاحبه ضامن ؛ لأن سبب جمحه من راكبه وفعله به إلا أن يكون إنما نفر من شيء مر به في الطريق من غير سبب راكبه فلا ضمان عليه (وإلا فدية كل على عاقلة الآخر وفرسه في مال الآخر كثمن العبد) .
وقال أبو إسحاق الشيرازي في [المهذب] [المهذب] (2 / 195) . :
(فصل) : وإن اصطدم فارسان أو راجلان وماتا وجب على كل واحد منهما نصف دية الآخر .
وقال المزني : إن استلقى أحدهما فانكب الآخر على وجهه وجب على المنكب دية المستلقي وهدر دمه ؛ لأن الظاهر أن المنكب هو القاتل والمستلقي هو المقتول ، وهذا خطأ ؛ لأن كل واحد منهما هلك بفعله وفعل صاحبه ، فهدر النصف بفعله ووجب النصف بفعل صاحبه ، كما لو جرح كل واحد منهما نفسه وجرحه صاحبه .
ووجه قول المزني : لا يصح ؛ لأنه يجوز أن يكون المستلقي صدم صدمة شديدة فوقع مستلقيا من شدة صدمته . وإن ركب صبيان أو أركبهما وليهما واصطدما وماتا فهما كالبالغين ، وإن أركبهما من لا ولاية له عليهما فاصطدما ماتا وجب على الذي أركبهما دية كل واحد منهما النصف بسبب ما جنى كل واحد من الصبيين على نفسه والنصف بسبب ما جناه الآخر عليه .
وإن اصطدمت امرأتان حاملان فماتتا ومات جنيناهما كان حكمهما في ضمانهما حكم الرجلين ، فأما الحمل فإنه يجب على كل واحدة منهما نصف دية جنينها ونصف دية جنين الأخرى لجنايتهما عليهما .
(فصل) : وإن وقف رجل في ملكه أو في طريق واسع فصدمه رجل فماتا هدر دم الصادم ؛ لأنه هالك بفعل هو مفرط فيه فسقط ضمانه ، كما لو دخل دار رجل فيها بئر فوقع فيها . وتجب دية المصدوم على عاقلة الصادم ؛ لأنه قتله بصدمة هو متعد فيها ، وإن وقف في طريق ضيق فصدمه رجل وماتا وجب على عاقلة كل واحد منهما دية الآخر ؛ لأن الصادم قتل الواقف بصدمة هو مفرط فيها والمصدوم قتل الصادم بسبب هو مفرط فيه وهو وقوفه في الطريق الضيق . وإن قعد في طريق ضيق فعثر به رجل فماتا كان الحكم فيه كالحكم في الصادم ، والمصدوم وقد بيناه .
(فصل) فإن اصطدمت سفينتان وهلكتا وما فيهما " ؛ فإن كان بتفريط من القيمين بأن قصرا في آلتهما أو قدرا على ضبطها فلم يضبطا أو سيرا في ريح شديدة لا تسير السفن في مثلها ، فإن كانت السفينتان وما فيهما لهما وجب على كل واحد منهما نصف قيمة سفينة صاحبه ونصف قيمة ما فيها ويهدر النصف ، وإن كانت لغيرهما وجب على كل واحد منهما نصف قيمة سفينته ونصف قيمة ما فيها ونصف قيمة سفينة صاحبه ، ونصف قيمة ما فيها ، لما بيناه في الفارسين ، فإن كان في السفن رجال فهلكوا ضمن عاقلة كل واحد منهما نصف ديات ركاب سفينته وركاب سفينة صاحبه ، فإن قصدا الاصطدام وشهد أهل الخبرة أن مثل هذا يوجب التلف وجب على كل واحد منهما القصاص لركاب سفينته وركاب سفينة صاحبه ، وإن لم يفرطا ففي الضمان قولان :
أحدهما : يجب كما يجب في اصطدام الفارسين إذا عجزا عن ضبط الفرسين .
والثاني : لا يجب ؛ لأنها تلفت من غير تفريط منهما فأشبه إذا تلفت بضاعة ، واختلف أصحابنا في موضع القولين ، فمنهم من قال : القولان إذا لم يكن من جهتهما فعل بأن كانت السفن واقفة فجاءت الريح فقلعتها ، فأما إذا سيرا ثم جاءت الريح فغلبتهما ثم اصطدما وجب الضمان قولا واحدا ؛ لأن ابتداء السير كان منهما فلزمهما الضمان كالفارسين .
وقال أبو إسحاق وأبو سعيد : القولان في الحالين ، وفرقوا بينهما وبين الفارسين بأن الفارس يمكنه ضبط الفرس باللجام ، والقيم لا يمكنه ضبط السفينة ، فإن قلنا : إنه يجب الضمان كان الحكم فيه كالحكم فيه إذا فرط إلا في القصاص ، فإنه لا يجب مع عدم التفريط ، وإن قلنا : إنه لا يجب الضمان نظرت ، فإن كانت السفن وما فيها لهما لم يجب على كل واحد منهما ضمان ، وإن كانت السفن مستأجرة والمتاع الذي فيها أمانة كالوديعة ومال المضاربة لم يضمن ، لأن الجميع أمانة فلا تضمن مع عدم التفريط ، وإن كانت السفن مستأجرة والمتاع الذي فيها يحمله بأجرة لم يجب ضمان السفن ؛ لأنها أمانة ، وأما المال فهو مال في يد أجير مشترك ، فإن كان مع صاحبه لم يضمن ، وإن لم يكن معه صاحبه فعلى القولين في الأجير
المشترك وإن كان أحدهما مفرطا والآخر غير مفرط كان الحكم في المفرط ما ذكرناه إذا كانا مفرطين ، والحكم في غير المفرط ما ذكرناه إذا كانا غير مفرطين .
وقال الشيخ محمد الشربيني الخطيب في [شرح المنهاج] :
(فصل) فيما يوجب الشركة في الضمان وما يذكر معه ، إذا (اصطدما) أي : حران كاملان راكبان أو ماشيان أو راكب وماش طويل ، سواء أكانا مقبلين أو مدبرين أم أحدهما مقبلا والآخر مدبرا كما يشعر به إطلاقه ، وإن قيد الرافعي بالمدبرين وقيد المصنف الاصطدام بقوله (بلا قصد) كاصطدام أعميين ، أو غافلين ، أو كانا في ظلمة ليشمل ما إذا غلبتهما الدابتان ، وسيأتي محترزه في كلامه ، واستفيد تقييد الاصطدام بالحرين من قوله (فعلى عاقلة كل) منهما (نصف دية مخففة) أما كونه نصف دية ؛ فلأن كل واحد هلك بفعله وفعل صاحبه فيهدر النصف ، كما لو جرحه مع جراحة نفسه ، وأما كونها مخففة على العاقلة ، فلأنه خطأ محض ، ولا فرق في ذلك بين أن يقعا منكبين أو مستلقيين ، أو أحدهما منكبا والآخر مستلقيا اتفق المركوبان كفرسين أو لا كفرس وبعير وبغل اتفق سيرهما أو اختلف كأن كان أحدهما يعدو والآخر يمشي على هينته (وإن قصدا) جميعا الاصطدام (فنصفها مغلظة) على عاقلة كل منهما لورثة الآخر ، أما كونها نصف دية فلما مر .
وأما كونها مغلظة على العاقلة ؛ فلأن القتل حينئذ شبه عمد ؛ لأن الغالب أن الاصطدام لا يفضي إلى الموت فلا يتحقق فيه العمد المحض ، ولذلك لا يتعلق به القصاص إذا مات أحدهما دون الآخر (أو) قصد (أحدهما) الاصطدام دون الآخر وماتا (فلكل) منهما (حكمه) من التخفيف والتغليظ .
(تنبيه) : محل ذلك ما إذا لم تكن إحدى الدابتين ضعيفة بحيث قطع بأنه لا أثر لحركتها ، فإن كانت كذلك لم يتعلق بحركتها حكم كغرز الإبرة في جلدة العقب مع الجراحات العظيمة نقله في [الروضة] ، عن الإمام وأقره : وجزم به ابن عبد السلام ، ولا ينافيه قول الشافعي رضي الله تعالى عنه ، سواء أكان أحد الراكبين على فيل والآخر على كبش ، لأنا لا نقطع بأنه لا أثر لحركة الكبش مع حركة الفيل ، ومثل ذلك يأتي في الماشيين ، كما قاله ابن الرفعة وغيره ، والصحيح : أن على كل منهما في تركته (كفارتين) :
إحداهما : لقتل نفسه ، والأخرى لقتل صاحبه ؛ لاشتراكهما في إهلاك نفسين بناء على أن الكفارة لا تتجزأ وأن قاتل نفسه عليه كفارة ، وهو الأظهر .
والثاني : على كل كفارة بناء على أنها تتجزأ (وإن ماتا مع مركوبهما فكذلك الحكم دية وكفارة (و) يزاد على ذلك أن (في تركة كل) منهما (نصف قيمة دابة الآخر) أي : مركوبه ؛ لاشتراكهما في الإتلاف مع هدر فعل كل منهما في حق نفسه ، وقد يجيء التقاص في ذلك ولا يجيء في الدية إلا أن يكون عاقلة كل منهما ورثته وعدمت الإبل .
(فروع) لو كان مع كل من المصطدمين بيضة ، وهي ما تجعل على الرأس فكسرت ففي [البحر] ، : أن الشافعي رضي الله تعالى عنه قال : على كل منهما نصف قيمة بيضة الآخر ، ولو تجاذبا حبلا لهما أو لغيرهما فانقطع وسقطا وماتا فعلى عاقلة كل منهما نصف دية الآخر وهدر الباقي ؛ لأن كلا منهما مات بفعله وفعل الآخر ، سواء أسقطا منكبين أم مستلقيين أم أحدهما منكبا والآخر مستلقيا ، فإن قطعه غيرهما فماتا فديتهما على عاقلته ؛ لأنه القاتل لهما ، وان مات أحدهما بإرخاء الآخر الحبل فنصف ديته على عاقلته وهدر الباقي ؛ لأنه مات بفعلها ، وإن كان الحبل لأحدهما والآخر ظالم فالظالم هدر وعلى عاقلته نصف دية المالك ، ولو كان شخص يمشي فوقع مداسه على مؤخر مداس غيره وتمزق لزمه نصف الضمان ؛ لأنه تمزق بفعله وفعل صاحبه (وصبيان أو مجنونان) أو صبي ومجنون في اصطدامهما (ككاملين) فيما سبق فيهما ومنه التغليظ بناء على أن عمدهما عمد ، وهو الأصح إن كانا مميزين ، هذا إن ركبا بأنفسهما ، وكذا إن أركبهما وليهما لمصلحتهما وكانا ممن يضبط المركوب (وقيل) ونص عليه في [الأم] ، (إن أركبهما الولي تعلق به الضمان) ؛ لما فيه من الخطر وجوازه مشروط بسلامة العاقبة ، والأصح المنع كما لو ركبا بأنفسهما .
(تنبيه) : محل الخلاف كما نقلاه عن الإمام وأقراه ما إذا أركبهما لزينة أو لحاجة غير مهمة ، فإن أرهقت إلى إركابهما حاجة كنقلهما من مكان إلى مكان فلا ضمان عليه قطعا ، قالا : ومحله أيضا عند ظن السلامة فإن أركبهما الولي دابة شرسة جموحا ضمن الولي لتعديه .
قال الأذرعي : ومحله أيضا فيمن يستمسك على الدابة فلو أركبه دابة هادية وهو لا يستمسك عليها تعلق به الضمان .
قال ابن الرفعة : ويستثنى من عدم تضمين الولي ما إذا كانا غير مميزين كابن سنة وسنتين فأركبهما الولي فيجب على عاقلته دية كل منهما .
قال البلقيني : وينبغي أن يضاف إلى ما ذكره الإمام أن لا ينسب الولي إلى تقصيره في ترك من يكون معهما ممن جرت العادة بإرساله معهما .
قال : والمراد بالولي هنا ولي الحضانة الذكر لا ولي المال ، وذلك ظاهر من قول الشافعي رضي الله تعالى عنه ، وبسط ذلك .
ثم قال : ولم أر من تعرض له .
وقال الزركشي في [التكملة] ، : يشبه أنه من له ولاية التأديب من أب وغيره خاص وغيره .
وقال في [الخادم] ، ظاهر كلامهم والي المال . اهـ .
والأوجه كلام البلقيني (ولو أركبهما أجنبي) بغير إذن الولي ولو لمصلحتهما (ضمنهما ودابتيهما) ؛ لتعديه بإركابهما ، وحكى ابن المنذر فيه الإجماع .
(تنبيه) شمل إطلاقه تضمين الأجنبي ما لو تعمد الصبيان الاصطدام وهو كذلك ، وإن قال في [الوسيط] : يحتمل إحالة الهلاك عليهما بناء على أن عمدهما عمد ، واستحسنه الشيخان ؛ لأن هذه المباشرة ضعيفة فلا يعول عليها كما قاله شيخي ، وقوله : ضمنهما ودابتيهما ليس على إطلاقه ، بل الضمان الأول على عاقلته ، والثاني عليه ، وقضية كلام الجمهور : إن ضمان المركب بذلك ثابت ، وإن كان الصبيان ممن يضبطان الركوب وهو كذلك وإن كان قضية نص الأم أنهما إن كانا كذلك فهما كما لو ركبا بأنفسهما ، وجزم به البلقيني أخذا من النص المشار إليه ، وإن وقع الصبي فمات ضمنه المركب ، كما قاله الشيخان ، وظاهره : أنه لا فرق بين أن يكون إركابه لغرض من فروسية ونحوها أو لا ، وهو كذلك في الأجنبي ، بخلاف الولي فإنه إذا أركبه لهذا الغرض وكان ممن يستمسك على الدابة فإنه لا يضمنه ، وقول المتولي : لا فرق فيه بين الولي والأجنبي خصه ابن الرفعة في الأجنبي على ما إذا أركب بإذن- معتبر . أو اصطدم (حاملان وأسقطتا) بأن ألقتا جنينيهما وماتتا (فالدية كما سبق) من وجوب نصفها على عاقلة كل منهما وإهدار النصف الآخر ، لأن الهلاك منسوب إلى فعلهما (وعلى) أي : ويجب في تركة (كل) من الحاملين (أربع كفارات على الصحيح) بناء على الصحيح : أن الكفارة تجب على قاتل نفسه ، وأنها لا تتجزأ ؛ فيجب كفارة لنفسها ، وثانية : لجنينها ، وثالثة : لصاحبتها ، ورابعة : لجنينها ؛ لأنهما اشتركا في إهلاك أربعة أنفس .
والثاني : تجب كفارتان بناء على عدم الوجوب وعلى التجزي (و) يجب (على عاقلة كل) منهما (نصف غرتي جنينيهما) نصف غرة لجنينها ونصف غرة لجنين الأخرى ؛ لأن الحامل إذا جنت على نفسها فألقت جنينا وجبت الغرة على عاقلتها ، كما لو جنت على حامل أخرى ولا يهدر من الغرة شيء بخلاف الدية فإنه يجب نصفها ويهدر نصفها كما مر ؛ لأن الجنين أجنبي عنهما بخلاف أنفسهما .
(تنبيه) : كلامه قد يوهم وجوب رقيق واحد نصفه لهذا ونصفه لذلك ، وعبارة ابن يونس له أن يسلم نصف رقيق عن واحد ونصف رقيق عن الآخر ، وعلى هذا فكان الأولى للمنصف أن يقول : نصف غرة لهذه ونصف غرة للأخرى (أو) اصطدم (عبدان) وماتا (فهدر) سواء ماتا معا بهذا الاصطدام أم أحدهما بعد الآخر قبل إمكان بيعه ، وسواء اتفقت قيمتهما أم اختلفت ؛ لأن جناية العبد تتعلق برقبته وقد فاتت .
(أو) اصطدم سفينتان وغرقتا (فكدابتين) اصطدمتا وماتتا في حكمهم السابق (والملاحان) فيهما تثنية ملاح ، وهو النوتي صاحب السفينة سمي بذلك لإجرائه السفينة على الماء المالح حكمهما (كراكبين) ماتا باصطدام في حكمهما السابق (وإن كانتا) أي : السفينتان وما فيهما (لهما) فيهدر نصف قيمة كل سفينة ونصف بدل ما فيها ، فإن ماتا بذلك لزم كلا منهما كفارتان كما سبق ولزم عاقلة كل منهما نصف دية الآخر .
(تنبيه) يستثنى من كون الملاحين كالراكبين ما إذا قصد الملاحان الاصطدام بما يعده أهل الخبرة مهلكا مغرقا فإنه يجب نصف دية كل منهما في تركة الآخر ، بخلاف المصطدمين فإنها على العاقلة ، ولو مات أحدهما بما صدر من المتعمد دون الآخر وجب القصاص على الحي بناء على إيجاب القصاص على شريك جارح نفسه ولو كان في السفينة من يقتلان به فعليهما القصاص إذا مات بذلك ، فلو تعدد الغرقى قتل بواحد ووجب في مال كل واحد نصف ديات الباقين وضمان الكفارات بعدد من أهلكا ، وإن كان الاصطدام لا يعد مهلكا غالبا وقد يهلك فشبه عمد فتجب الدية مغلظة على العاقلة ولو كان الملاحان صبيين وأقامهما الولي أو أجنبي فالظاهر كما قال الزركشي إنه لا يتعلق به ضمان ؛ لأن الوضع في السفينة ليس بشرط ؛ لأن العمد من الصبيين هنا هو المهلك (فإن) كانت السفينتان لهما (وكان فيهما مال أجنبي لزم كلا) منهما (نصف ضمانه) سواء أكان المال في يد مالكه وهو السفينة أم لا ، لتعديهما ويتخير الأجنبي بين أخذ جميع بدل ماله من أحد الملاحين ثم هو يرجع على الآخر . وبين أن يأخذ نصفه منه ونصفه من الآخر ، فإن كان الملاحان رقيقين تعلق الضمان برقبتيهما (وإن كانتا لأجنبي) والملاحان فيهما أمينين أو أجيرين للمالك (لزم كلا نصف قيمتهما) ؛ لأن مال الأجنبي لا يهدر منه شيء ، ويتخير كل من المالكين بين أن يأخذ جميع قيمة سفينته من ملاحه ثم يرجع هو بنصفهما على الملاح الآخر . أو يأخذه نصفها منه ونصفهما من الملاح الآخر ، فلو كان الملاحان رقيقين تعلق الضمان برقبتيهما .
(تنبيه) : محل هذا التفصيل : إذا كان الاصطدام بفعلهما أو لم يكن ، وقصرا في الضبط ، أو سيرا في ريح شديدة فإن حصل الاصطدام بغلبة الريح فلا ضمان على الأظهر بخلاف غلبة الدابة فإن الضبط ثم ممكن باللجام ونحوه فالقول قولهما بيمينهما عند التنازع في أنهما غلبا ؛ لأن الأصل براءة ذمتهما وإن تعمد أحدهما أو فرط دون الآخر فلكل حكمه وإن كانت إحداهما مربوطة فالضمان على مجري السائرة .
وفي [المغني] ، لابن قدامة [المغني] (4/89) . رحمه الله :
(مسألة) قال : (وإذا اصطدم الفارسان فماتت الدابتان ضمن كل واحد منهما قيمة دابة الآخر) .
وجملته : أن على كل واحد من المصطدمين ضمان ما تلف من الآخر من نفس أو دابة أو مال سواء كانت الدابتان فرسين أو بغلين أو حمارين أو جملين ، أو كان أحدهما فرسا والآخر غيره سواء كانا مقبلين أو مدبرين ، وبهذا قال أبو حنيفة وصاحباه وإسحاق .
وقال مالك والشافعي : على كل واحد منهما نصف قيمة ما تلف من الآخر ؛ لأن التلف حصل بفعلهما ، فكان الضمان منقسما عليهما كما لو جرح إنسان نفسه وجرحه غيره فمات منهما ، ولنا أن كل واحد منهما مات من صدمة صاحبه وإنما هو قربها إلى محل الجناية فلزم الآخر ضمانها ، كما لو كانت واقفة بخلاف الجراحة .
إذا ثبت هذا فإن قيمة الدابتين إن تساوتا تقاصا وسقطتا ، وإن كانت إحداهما أكثر من الأخرى فلصاحبها الزيادة ، وإن ماتت إحدى الدابتين فعلى الآخر قيمتها وإن نقصت فعليه نقصها .
(فصل) : فإن كان أحدهما يسير بين يدي الآخر فأدركه الثاني فصدمه فماتت الدابتان أو إحداهما فالضمان على اللاحق ؛ لأنه الصادم والآخر مصدوم فهو بمنزلة الواقف .
(مسألة) : قال : (وإن كان أحدهما يسير والآخر واقفا فعلى السائر قيمة دابة الواقف) نص أحمد على هذا ؛ لأن السائر هو الصادم المتلف فكان الضمان عليه ، وإن مات هو أو دابته فهو هدر ؛ لأنه أتلف نفسه ودابته ، وإن انحرف الواقف فصادفت الصدمة انحرافه فهما كالسائرين ؛ لأن التلف حصل من فعلهما ، وإن كان الواقف متعديا بوقوفه مثل أن يقف في طريق ضيق فالضمان عليه دون السائر ؛ لأن التلف حصل بتعديه فكان الضمان عليه ، كما لو وضع حجرا في الطريق أو جلس في طريق ضيق فعثر به إنسان .
(مسألة) : قال : (وإن تصادم نفسان يمشيان فماتا فعلى عاقلة كل واحد منهما دية الآخر) روي هذا عن علي رضي الله عنه والخلاف فيها في الضمان ، كما الخلاف فيما إذا اصطدم الفارسان إلا أنه لا تقاص هاهنا في الضمان ؛ لأنه على غير من له الحق لكون الضمان على عاقلة كل واحد منهما . إن اتفق أن يكون الضمان على من له الحق مثل أن تكون العاقلة هي الوارثة أو يكون الضمان على المتصادمين تقاصا ، ولا يجب القصاص سواء كان تصادمهما عمدا أو خطأ ؛ لأن الصدمة لا تقتل غالبا فالقتل الحاصل بها مع العمد عمد الخطأ ، ولا فرق بين البصيرين والأعميين والبصير والأعمى ، فإن كانتا امرأتين حاملتين فهما كالرجلين فإن أسقطت كل واحدة منهما جنينا فعلى كل واحدة نصف ضمان جنينها ونصف ضمان جنين صاحبتها ؛ لأنهما اشتركتا في قتله ، وعلى كل واحدة منهما عتق ثلاث رقاب واحدة لقتل صاحبتها واثنتان لمشاركتهما في الجنين ، وإن أسقطت إحداهما دون الأخرى اشتركتا في ضمانه وعلى كل واحدة عتق رقبتين .
وإن أسقطتا معا ولم تمت المرأتان ففي مال كل واحدة ضمان نصف الجنينين بغرة إذا سقطا ميتين وعتق رقبتين ، وإن اصطدم راكب وماش فهو كما لو كانا ماشيين ، وإن اصطدم راكبان فماتا فهو كما لو كانا ماشيين .
(فصل) وإن اصطدم عبدان فماتا هدرت قيمتهما ؛ لأن قيمة كل واحد منهما تعلقت برقبة الآخر فسقطت بتلف ، وإن مات أحدهما تعلقت قيمته برقبة الحي ، فإن هلك قبل استيفاء القيمة سقطت لفوات محلها ، وإن تصادم حر وعبد فماتا تعلقت دية الحر برقبة العبد ، ثم انتقلت إلى قيمة العبد ووجبت قيمة العبد في تركة الحر ، فيتقاصان ، فإن كانت دية الحر أكثر من قيمة العبد سقطت الزيادة ؛ لأنها لا متعلق لها ، وإن كانت قيمة العبد أكثر أخذ الفضل من تركة الجاني وفي مال الحر عتق رقبة ولا شيء كلى العبد ؛ لأن تكفيره بالصوم فيفوت بفواته ، وإن مات العبد وحده
فقيمته في ذمة الحر ؛ لأن العاقلة لا تحمل العبد وإن مات الحر وحده تعلق ديته برقبة العبد وعليه صيام شهرين متتابعين ، وإن مات العبد قبل استيفاء الدية سقطت ، وإن قتله أجنبي فعليه قيمته ويتحول ما كان متعلقا برقبته إلى قيمته ، لأنها بدله وقائمة مقامه وتستوفى ممن وجبت عليه .
(مسألة) : قال : (وإذا وقعت السفينة المنحدرة على الصاعدة فغرقتا فعلى المنحدرة قيمة السفينة الصاعدة أو أرش ما نقصت إن أخرجت إلا أن يكون قيم المنحدرة غلبته الريح فلم يقدر على ضبطها) .
وجملته : أن السفينتين إذا اصطدمتا لم تخلو من حالين : أحدهما : أن تكونا متساويتين كاللتين في بحر أو ماء واقف ، أو كانت إحداهما منحدرة والأخرى صاعدة فنبدأ بما إذا كانت إحداهما منحدرة والأخرى صاعدة ؛ لأنها مسألة الكتاب ، ولا يخلوان من حالين : أحدهما : أن يكون القيم بها مفرطا بأن يكون قادرا على ضبطها أو ردها عن الأخرى فلم يفعل أو أمكنه أن يعدلها إلى ناحية أخرى فلم يفعل أو لم يكمل آلتها من الحبال والرجال وغيرهما ، فعلى المنحدر ضمان الصاعدة ؛ لأنها تنحط عليها من علو ، فيكون ذلك سببا لغرقها فتنزل المنحدرة بمنزلة السائر والصاعدة بمنزلة الواقف ، وإن غرقتا جميعا فلا شيء على المصعد وعلى المنحدر قيمة المصعد أو أرش ما نقصت إن لم تتلف كلها إلا أن يكون التفريط من المصعد بأن يمكنه العدول بسفينته والمنحدر غير قادر ولا مفرط ، فيكون الضمان على المصعد ؛ لأنه المفرط وإن لم يكن من واحد منهما تفريط لكن هاجت ريح أو كان الماء شديد الجرية فلم يمكنه ضبطها فلا ضمان عليه ؛ لأنه لا يدخل في وسعه ضبطها ، ولا يكلف الله
نفسا إلا سعها .
الحال الثاني : أن يكونا متساويتين فإن كان القيمان مفرطين ضمن كل واحد منهما سفينة الآخر بما فيها من نفس ومال كما قلنا في الفارسين يصطدمان ، وإن لم يكونا مفرطين فلا ضمان عليهما ، وللشافعي في حال عدم التفريط قولان : أحدهما : عليهما الضمان ؛ لأنهما في أيديهما فلزمهما الضمان كما لو اصطدم الفارسان لغلبة الفرسين لهما .
ولنا أن الملاحين لا يسيران السفينتين بفعلهما ولا يمكنهما ضبطهما في الغالب ولا الاحتراز من ذلك فأشبه ما لو نزلت صاعقة أحرقت السفينة ويخالفان الفرسين فإنه ممكن ضبطهما والاحتراز من طردهما وان كان أحدهما مفرطا وحده فعليه الضمان وحده ، فإن اختلفا في تفريط القيم فالقول قوله مع يمينه ؛ لأن الأصل عدم التفريط وهو أمين فهو كالمودع وعند الشافعي أنهما إن كانا مفرطين فعلى كل واحد من القيمين ضمان نصف سفينته ونصف سفينة صاحبه كقوله في اصطدام الفارسين على ما مضى .
(فصل) : فإن كان القيمان مالكين للسفينتين بما فيهما تقاصا وأخذ ذو الفضل فضله وإن كانا أجيرين ضمنا ولا تقاص هاهنا ؛ لأن من يجب به غير من يجب عليه ، وإن كان في السفينتين أحرار فهلكوا وكانا قد تعمدا المصادمة وذلك مما يقتل غالبا فعليهما القصاص ، وإن كانوا عبيدا فلا ضمان على القيمين إذا كانا حرين وإن لم يتعمدا المصادمة أو كان ذلك مما لا يقتل غالبا وجبت دية الأحرار على عاقلة القيمين وقيمة العبيد في أموالهما وإن كان القيمان عبدين تعلق الضمان برقبتيهما فإن تلفا جميعا سقط الضمان ، وأما مع عدم التفريط فلا ضمان على أحد ، وإن كان في السفينتين ودائع ومضاربات لم تضمن ؛ لأن الأمين لا يضمن ما لم يوجد منه تفريط أو عدوان وإن كانت السفينتان بأجرة فهما أمانة أيضا لا ضمان فيهما وإن كان فيهما مال يحملانه بأجرة إلى بلد آخر فلا ضمان ؛ لأن الهلاك بأمر غير مستطاع .
(فصل) وإن كانت إحدى السفينتين قائمة والأخرى سائرة فلا ضمان على الواقفة ، وعلى السائرة ضمان الواقفة إن كان مفرطا ، ولا ضمان عليه إن لم يفرط على ما قدمنا . اهـ .
وذكر أبو الفرج في [شرحه الكبير للمقنع] ، نحو ما تقدم .
وفي [الفروع] ، لابن مفلح [الفروع] (6 / 6-8) . رحمه الله :
وإن اصطدم راجلان أو راكبان أو ماش وراكب - قال في [ الروضة] : بصيران أو ضريران أو أحدهما- فماتا أو دابتاهما ضمن كل واحد متلف الآخر ، وقيل : نصفه ، وقدم في [الرعاية] : وإن غلبت الدابة راكبها بلا تفريط لم يضمن وجزم به في [الترغيب] ، وإن اصطدما عمدا ويقتل غالبا فهدر ، وإلا شبه عمد ، وما تلف للسائر منهما لا يضمنه واقف وقاعد ، في المنصوص ، وقيل : بلى مع ضيق الطرق ، وفي ضمان سائر ما أتلف لواقف وقاعد في طريق ضيق وجهان : وإن اصطدم قنان ماشيان فهدر ، لا حر وقن فقيمة قن .
وقيل : نصفها في تركة حر ، ودية حر ويتوجه الوجه أو نصفها في تلك القيمة ، اصطدمت سفينتان فغرقتا ضمن كل واحد متلف الآخر وفي [المغني] : إن فرطا ، وقاله في [المنتخب] ، وأنه ظاهر كلامه ولا يضمن المصعد منهما ، بل المنحدر إن لم يغلبه ريح نص عليه .
وفي [الواضح] وجه لا يضمن منحدر .
وفي [الترغيب] السفينة كدابة والملاح كراكب ويصدق ملاح في إن تلف مال بغلبة ريح ، ولو تعمدا الصدم فشريكان في إتلاف كل منهما ومن فيهما ، فإن قتل غالبا فالقود إلا شبه عمد ولا يسقط فعل المصادم في حق نفسه مع عمد ولو خرقها عمدا أو شبه عمد أو خطأ عمل على ذلك ، وهل يضمن من ألقى عدلا مملوءا بسفينة ما فيها أو نصفه أو بحصته ؟ يحتمل أوجها وإن أركب صبيين غير وليهما فاصطدما ضمن .
وفي [الترغيب] : تضمن عاقلته ديتهما وإن ركباها فكبالغين مخطئين وكذا إن أركبهما ولي لمصلحة ، قال ابن عقيل : ويثبتان بأنفسهما .
وفي [الترغيب] : إن صلحا للمركوب وأركبهما ما يصلح لركوب مثلهما ، وإلا ضمن ويضمن كبير صدم الصغير ، وإن مات الكبير ضمنه من أركب الصغير ، نقل حرب : إن حمل رجل صبيا على دابة فسقط ضمنه إلا أن يأمره أهله بحمله . اهـ . وفي [الإنصاف على المقنع] [الإنصاف على المقنع] (10 / 35) . :
قوله : ( وإن اصطدم نفسان ) قال في [الروضة] : بصيران أو ضريران أو أحدهما ، قلت : وكذا قال المصنف والشارح : (فماتا فعلى عاقلة كل واحد (منهما دية الآخر) هذا المذهب جزم به الخرقي و[المحرر] و[المفتي] ، و[الشرح] والزركشي و[النظم] و[الوجيز] و[المنور] و[منتخب الأدمي] ، وغيرهم وقدمه في [الرعايتين] و[الحاوي الصغير] ، و[ الفروع] وقيل : يجب على عاقلة كل منهما نصف الدية وهو تخريج لبعضهم .
(تنبيه) ظاهر كلام المصنف أنه سواء كان تصادمهما عمدا أو خطأ وهو صحيح وهو المذهب وعليه أكثر الأصحاب ، وقيل : إذا كان عمدا يضمنان دون عاقلتهما ، وقال في [الرعاية] ، : وهو أظهر (قوله : وإن كانا راكبين فماتت الدابتان فعلى كل واحد منهما قيمة دابة الآخر) ، وهذا المذهب جزم به في [المغني] ، و[الشرح الكبير] ، و[المحرر] ، وغيرهم وقدمه في [الفروع] ، وغيره ، وقيل : على كل واحد منهما نصف قيمة دابة الآخر ، وقدم في [الرعايتين] ، إن غلبت الدابة راكبها بلا تفريط لم يضمن ، وجزم به في [الترغيب] ، و[الوجيز] و[الحاوي الصغير] .
قوله : (وإن كان أحدهما يسير والآخر واقفا فعلى السائر ضمان الواقف ودابته إلا أن يكون في طريق ضيق قاعدا أو واقفا فلا ضمان عليه . وعليه ضمان ما تلف به) ذكر المصنف هنا مسألتين :
إحداهما : ما يتلف السائر إذا كان الآخر واقفا أو قاعدا فقطع بضمان الواقف ودابته على السائر إلا أن يكون في طريق ضيق قاعدا أو واقفا فلا ضمان عليه وهو أحد الوجهين وهو المذهب منهما ، ونص عليه وجزم به في [المغني] ، و[الشرح] ، و[الوجيز] ، وهو ظاهر ما جزم به في [الرعاية] ، و[الحاوي] وقيل : يضمنه السائر سواء كان الواقف في طريق ضيق أو واسع وقدمه في [المحرر] ، و[النظم] ، والزركشي ، وهو ظاهر كلام الخرقي وأطلقهما في [الفروع] .
المسألة الثانية : ما يتلفه الواقف أو القاعد للسائر في الطريق الضيق فجزم المصنف هنا أنه يضمنه وجزم به في [الشرح] ، و[شرح ابن منجا] واختاره المصنف ، والصحيح من المذهب : أنه لا يضمن ، نص عليه وقدمه في [المحرر] و[النظم] ، و[الرعايتين] ، و[الحاوي الصغير] ، و[الفروع] ، وأما ما يتلف للسائر إذا كان الطريق واسعا فلا ضمان على الواقف والقاعد على الصحيح من المذهب ، وقطع به كثير منهم وقدمه في [المحرر] و[النظم] ، و[الرعايتين] و[الحاوي] و[الفروع] وغيرهم ، وقيل : يضمنه ، ذكره الزركشي وغيره .
تنبيهان : أحدهما : قوله : (فعلى السائر ودابته ضمان الواقف يكون على عاقلة السائر ، وضمان دابة الواقف يكون على نفس السائر صرح به الأصحاب فظاهر كلام المصنف غير مراد .
الثاني : قوله : (إلا أن يكون في طريق ضيق قاعدا أو واقفا) قال ابن منجا : لا بد أن يلحظ أن الطريق الضيق غير مملوك للواقف أو القاعد ؛ لأنه إذا كان مملوكا لم يكن متعديا بوقوفه فيه ، بل السائر هو المتعدي بسلوكه ملك غيره بغير إذنه . انتهى .
قال أبو محمد ابن حزم [المحلى] لابن حزم ، ص (502- 504) طبع منير . رحمه الله [المحلى] لابن حزم ، (12 / 283- 286) مكتبة الجمهورية العربية 1391 هـ . :
وأما المصطدمان راجلين أو على دابتين أو السفينتين يصطدمان فروي عن الشعبي في السفينتين يصطدمان لا ضمان في شيء من ذلك .
وقال الشافعي : لا يجوز فيه إلا أحد قولين : إما أنه يضمن مدير السفينة نصف ما أصابت سفينته لغيره أو أنه لا يضمن البتة إلا أن يكون قادرا على صرفها بنفسه أو بمن يطيعه فلا يفعل فيضمن ، والقول قوله مع يمينه أنه ما قدر على صرفها ، وضمان الأموال إذا ضمن في ذمته ، وضمان النفوس على عاقلته . قال أبو محمد : وقال بعض أصحابنا : إذا اصطدمت السفينتان بغير قصد من ركابهما لكن بغلبة أو غفلة فلا ضمان في ذلك أصلا ، فإن حملا سفينتهما على التصادم فهلكتا ضمن كل واحد نصف قيمة السفينة الأخرى ؛ لأنها هلكت من فعلها ومن فعل ركابها ، وأما الفارسان يصطدمان فإن أبا حنيفة ومالكا والأوزاعي والحسن بن حيي قالوا : إن ماتا فعلى عاقلة كل واحد منهما دية الآخر كاملة ، وقال عثمان البستي وزفر والشافعي : على كل واحد منهما نصف في دية صاحبه .
وقال بعض أصحابنا : بمثل قول الشافعي في ذلك ، وكذلك أوجبوا إن هلكت الدابتان أو إحداهما فنصف قيمتها أيضا ، وكذلك لو رموا بالمنجنيق فعاد الحجر على أحدهم فمات فإن الدية على عواقلهم وتسقط منها حصة المقتول ؛ لأنه مات من فعله وفعل غيره ، قالوا : فلو صدم أحدهما الآخر فقط فمات المصدوم فديته على عاقلة الصادم إن كان خطأ ، وفي مال القاتل إن قتلت في العمد .
قال أبو محمد : والقول في ذلك وبالله تعالى التوفيق أن السفينتين إذا اصطدمتا بغلبة ريح أو غفلة فلا شيء في ذلك ؛ لأنه لم يكن من الركبان في ذلك عمل أصلا ولم يكسبوا على أنفسهم شيئا وأموالهم وأموال عواقلهم محرمة إلا بنص أو إجماع ، فإن كانوا تصادموا وحملوا وكل أهل سفينة غير عارفة بمكان الأخرى لكن في ظلمة لم يروا شيئا فهذه جناية ، والأموال مضمونة ؛ لأنهم تولوا إفسادها وقال تعالى : سورة الشورى الآية 40 وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا وأما الأنفس فعلى عواقلهم كلهم ؛ لأنه قتل خطأ وإن كانوا تعمدوا فالأموال مضمونة كما ذكرنا وعلى من سلم منهم القود أو الدية كاملة والقول في الفارسين أو الرجلين يصطدمان كذلك وكذلك أيضا الرماة بالمنجنيق تقسم الدية عليه وعليهم وتؤدي عاقلته وعاقلتهم ديته سواء ، برهان ذلك : أنه في الخطأ قاتل نفسه مع من قتلها وقد ذكرنا قبل أن في قاتل نفسه الدية بنص قول الله تعالى في قاتل الخطأ فعم تعالى كل مقتول ولم يخص خطأ ، سورة مريم الآية 64 وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا
قال أبو محمد : ثم نرجع إلى مسألتنا فنقول : أما قولهم في المصطدمين أن الميت مات منهما من فعل نفسه ومن فعل غيره فهو خطأ ، والفعل إنما هو مباشرته الفاعل وما يفعله فيه وهو لم يباشره بصدمة غيره في نفسه شيئا ولا يختلفون فيمن دفع ظالما إلى ظالم آخر ليقاتله فقتل أحدهما الآخر أن على القاتل منهما القود أو الدية ، كلها إن فات القود ببعض العوارض وهو قد تسبب في موت نفسه بابتداء القتال كما تسبب في موت نفسه بالصدم ولا فرق وهذا تناقض منهم .
قال أبو محمد : وكذلك القول في المتصارعين ولا فرق ، وما أباح الله تعالى في اللعب شيئا حظره في الجد ، وأما من سقط من علو على إنسان فماتا جميعا أو مات الواقع أو الموقوع عليه فإن الواقع هو المباشر لإتلاف الموقوع عليه بلا شك وبالمشاهدة ؛ لأن الوقعة قتلت الموقوع عليه ولم يعمل الموقوع عليه شيئا فدية الموقوع عليه إن هلك على عاقلة الواقع إن لم يتعمد الوقوع عليه ؛ لأنه قاتل خطأ ، فإن تعمد فالقود واقع عليه إن سلم أو الدية ، وكذلك الدية في ماله إن مات الموقوع عليه قبله فإن ماتا معا أو مات الواقع قبل فلا شيء في ذلك ، لما ذكرنا من أن الدية إنما تجب بموت المقتول المجني عليه لا قبل ذلك ، فإذا مات في حياة قاتله فقد وجبت الدية أو القود في مال القاتل وإذا مات مع قاتله أو بعد قاتله فلم يجب له بعد شيء لا قود ولا دية في حياة القاتل فإذا مات فالقاتل غير موجود والمال قد صار للورثة وهذا لا حق له عندهم وليس هكذا قتل الخطأ ؛ لأن الدية لا تجب في مال الجاني وإنما تجب على عاقلته ، فسواء مات القاتل قبل المقتول أو معه أو بعده لا يسقط بذلك وجوب الدية : إما على العاقلة إن علمت ، وإما في كل مال المسلمين ، كما جاء في سهم الغارمين ، وبالله تعالى التوفيق .
لا شيء لوارث الواقع إن مات في جميع هذه الوجوه لا دية ولا غيرها ؛ لأنه لم يجن أحد عليه شيئا وسواء وقع على سكين بيد الموقوع عليه أو على رمح أو غير ذلك لا شيء في ذلك أصلا ؛ لأنه إن عمد فهو قاتل نفسه عمدا ولا شيء في ذلك بلا خلاف ، وإن كان لم يعمد فلم يباشر في نفسه جناية وإنما هو قتيل حجر أو حديدة أو نحو ذلك وما كان هكذا فلا شيء في ذلك كله .
وبالله تعالى التوفيق .
مما تقدم تتبين أحكام حوادث آلات النقل والمواصلات في نظر فقهاء الإسلام السابقين بالنسبة لما كان مستعملا منها في زمنهم كالسفن والدواب وأحكام حوادث المصارعة والتجاذب وما إليهما مع اختلاف وجهة نظرهم في بعض المسائل ولا يزال الكثير من هذه الآلات والوسائل وأحداثها قائما ، وجد إلى جانبها وسائل أخرى للنقل والمواصلات كالسيارات والطيارات والدبابات والدراجات ولا غنى للناس عن استعمالها ، بل صارت من ضرورات الحياة ، ولذا كثر استعمال الناس لها في تحقيق مصالحهم وقضاء حاجاتهم ونشأ عن ذلك كثير من الحوادث فوجب على علماء هذا العصر أن يتبينوا حكمها على ضوء الأصول الشرعية وما سبق من النظائر التي حكم فيها أئمة الفقه الإسلامي باجتهادهم وذلك بتخريج حوادث الوسائل الجديدة على نظائرها من حوادث الوسائل القديمة ، ليعرف الحكم فيها بتحقيق المناط وتطبيق القواعد الشرعية عليها ، كما فعل المجتهدون السابقون في بناء الأحكام على أصولها واستنباطها منه وتخريجها على نظائرها ، وعلى هذا يمكن أن يقال :
أولا : إن تصادمت سيارتان وكان ذلك من السائقين عمدا فإن ماتا فلا قصاص لفوات المحل وتجب دية كل منهما ودية من هلك معه من النفوس وما تلف معه من السيارة والمتاع في مال صاحبه بناء على عدم اعتبار اعتدائه وفعله في نفسه ومن هلك معه واعتبار ذلك بالنسبة لصاحبه ومن هلك أو تلف معه ، أو يجب نصف دية كل منهما ونصف دية من هلك معه ونصف قيمة ما تلف معه في مال صاحبه ، بناء على اعتبار اعتدائه وفعله في حق نفسه وحق صاحبه ، وإن مات أحدهما دون الآخر اقتص منه لمن مات بالصدمة ، لأنها مما يغلب على الظن القتل به ، وإن كان التصادم منهما خطأ وجبت الدية أو نصفها لكل منهما ولمن مات معه على عاقلة صاحبه ، وتجب قيمة ما تلف من سيارة كل منهما أو متاعه أو نصفها في مال صاحبه بناء على ما تقدم من الاعتبارين ، وإن كان أحدهما عامدا والآخر مخطئا فلكل حكمه على ما تقدم ، ومن كان منهما مغلوبا على أمره فلا ضمان عليه إلا إذا كان ذلك بسبب تفريط منه سابق .
ثانيا : إذا صدمت سيارة سائرة سيارة واقفة في ملك صاحبها أو خارج طريق السيارات أو على جانب طريق واسع ضمن سائق السائرة ما تلف في الواقفة من نفس ومال بصدمته ، لأنه المتعدي ، فإن انحرفت الواقفة فصادف ذلك الصدمة فالضمان بينهما على ما تقدم في تصادم سيارتين ، وإن كانت واقفة في طريق ضيق غير مملوك لصاحبها فالضمان على صاحب الواقفة ، لتعديه بوقوفه ، ويحتمل أن يكون الضمان بينهما لتفريط كل منهما وتعديه .
وإن صدمت سيارة نازلة من عقبة مثلا سيارة صاعدة فالضمان على سائق المنحدرة إلا إذا كان مغلوبا على أمره فلا ضمان عليه أو كان سائق الصاعدة يمكنه العدول عن طريق النازلة فلم يفعل فالضمان بينهما ، وإن أدركت سيارة سيارة أمامها فصدمتها ضمن سائق اللاحقة ما تلف من النفوس والأموال في سيارته والسيارة المصدومة ؛ لأنه متعد بصدمه لما أمامه والأمامية بمنزلة الواقفة بطريق واسع إلا إذا حصل من سائق الأمامية فعل يعتبر سببا أيضا في الحادث ، كأن يوقف سيارته فجأة أو يرجع بها إلى الخلف أو ينحرف بها إلى ممر اللاحقة ليعترض طريقها فالضمان بينهما على ما تقدم من الخلاف في حكم تصادم سيارتين .
ثالثا : وإذا وقف سائق سيارة بسيارته أمام إشارة المرور مثلا ينتظر فتح الطريق فصدمت سيارة مؤخر سيارته صدمة دفعتها إلى الأمام فصدمت بعض المشاة مثلا فمات أو أصيب بكسور - ضمن من صدمت سيارته مؤخر السيارة الأخرى كل ما تلف من نفس ومال ؛ لأنه متعد بصدمه ، والسيارة الأمامية بمنزلة الآلة بالنسبة للخلفية فلا ضمان على سائقها ؛ لعدم تعديه .
الموضوع الثاني :
حوادث دهس السيارات وانقلابها ، أو سقوط شيء منها على أحد
أو قفز أحد ركابها أو تعلق أحد بها وما يترتب على ذلك من أحكام
:
يعتبر ما تقدم في التمهيد أمام النقول في الموضوع الأول من بيان مبنى الأحكام في الحوادث ومنشأ الخلاف فيها ؛ تمهيدا للنقول عن فقهاء الإسلام في الموضوع الثاني يقصد به هنا ما قصد به هناك .
وعلى هذا نبدأ في ذكر النقول عن الفقهاء ، ثم نتبعها تخريج الأحكام في موضوع البحث إن شاء الله .
قال شمس الدين المعروف بقاضي زاده في [تكملة فتح القدير على الهداية] [التكلمة] (8 / 344-354) . : (الراكب ضامن لما أوطأت الدابة ما أصابت بيدها أو رجلها أو رأسها أو كدمت أو خبطت ، وكذا إذا صدمت ولا يضمن ما نفحت برجلها أو ذنبها) والأصل أن المرور في طريق المسلمين مباح مقيد بشرط السلامة ؛ لأنه يتصرف في حق نفسه من وجه وفي حق غيره من وجه ؛لكونه مشتركا بين كل الناس ، فقلنا بالإباحة مقيدا بما ذكرنا ليعتدل النظر من الجانبين ، ثم إنما يتقيد بشرط السلامة فيما يمكن الاحتراز عنه ، ولم يتقيد بها فيما لا يمكن الاحتراز عنه ؛ لما فيه من المنع من التصرف وسد بابه وهو مفتوح والاحتراز عن الإبطاء وما يضاهيه ممكن ، فإنه ليس من ضرورات التسيير فقيدناه بشرط السلامة عنه ، والنفحة بالرجل والذنب ليس يمكنه الاحتراز عنه مع السير على الدابة فلم يتقيد به (فإن أوقفها في الطريق ضمن النفحة أيضا) ؛ لأنه يمكنه التحرز عن الإيقاف ، وإن لم يمكنه عن النفحة فصار متعديا في الإيقاف وشغل به فيضمنه .
قال : (وإن أصابت بيدها أو برجلها ، حصاة أو نواة أو أثارت غبارا أو حجرا صغيرا ففقأ عين إنسان أو أفسد ثوبه لم يضمن ، وإن كان حجرا كبيرا ضمن) ؛ لأنه في الوجه الأول لا يمكن التحرز عنه ، إذ سير الدواب لا يعرى عنه- وفي الثاني ممكن ؛ لأنه ينفك عن السير عادة وإنما ذلك عن تعنيف الراكب ، والرديف فيما ذكرنا كالراكب ؛ لأن المعنى لا يختلف ، قال : (فإن راثت أو بالت في الطريق وهي تسير فعطب به إنسان لم يضمن) ؛ لأنه من ضرورات السير فلا يمكن الاحتراز عنه ، (وكذا إن أوقفها لذلك) ؛ لأن من الدواب ما لا يفعل ذلك إلا بالإيقاف ، وإن أوقفها لغير ذلك فعطب إنسان بروثها أو بولها ضمن ؛ لأنه متعد بهذا الإيقاف ؛ لأنه ليس من ضرورات السير ، ثم هو أكثر ضررا بالمارة من السير ؛ لأنه أدوم مدة ، فلا يلحق به (والسائق ضامن لما أصابت بيدها أو رجلها والقائد ضامن لما أصابت بيدها دون رجلها) . والمراد : النفحة قال رضي الله عنه : هكذا ذكره القدوري في [المختصر] ، وإليه مال بعض المشايخ ، ووجهه أن النفحة بمرأى عين السائق فيمكنه الاحتراز عنه وغائب عن بصر القائد فلا يمكنه الاحتراز عنه .
وقال بعض المشايخ : إن السائق لا يضمن النفحة أيضا وإن كان يراها ، إذ ليس على رجلها ما يمنعها به فلا يمكنه التحرز عنه بخلاف الكدم لإمكانه كبحها بلجامها ، وبهذا ينطق أكثر النسخ وهو الأصح .
وقال الشافعي : يضمنون النفحة كلهم ، لأن فعلها مضاف إليهم ، والحجة عليه ما ذكرناه ، وقوله عليه الصلاة والسلام : سنن أبو داود الديات (4592). الرجل جبار ، ومعناه النفحة بالرجل وانتقال الفعل بتخويف القتل كما في المكره ، وهذا تخويف بالضرب (قال : وفي [الجامع الصغير] : وكل شيء ضمنه الراكب ضمنه السائق والقائد) ؛ لأنهما مسببان بمباشرتها شرط التلف وهو تقريبها إلى مكان الجناية فيتقيد بشرط السلامة فيما يمكن الاحتراز عنه كالراكب (إلا أن على الراكب الكفارة فيما أوطأته بيدها أو برجلها (ولا كفارة عليهما) ولا على الراكب فيما وراء الإيطاء ، لأن الراكب مباشر فيه ؛ لأن التلف بثقله وثقل الدابة تبع له ؛ لأن سير الدابة مضاف إليه وهي آلة له ، وهما مسببان ؛ لأنه لا يتصل منهما إلى المحل شيء ، وكذا الراكب في غير الإيطاء ، والكفارة حكم المباشرة لا حكم التسبب ، وكذا يتعلق بالإيطاء في حق الراكب حرمان الميراث والوضعية دون السائق والقائد ؛ لأنه يختص بالمباشرة (ولو كان راكب وسائق قيل : لا يضمن السائق ما أوطأت الدابة) ؛ لأن الراكب مباشر فيه لما ذكرناه والسائق مسبب والإضافة إلى المباشر أولى ، وقيل : الضمان عليهما ؛ لأن كل ذلك سبب الضمان .
ثم قال [ التكملة] ( 8/349-354 ) . ( ومن ساق دابة فوقع السرج على رجل فقتله ضمن ، وكذا على هذا سائر أدواته كاللجام ونحوه ، وكذا ما يحمل عليها ) ؛ لأنه متعد في هذا التسبب ؛ لأن الوقوع بتقصير منه وهو ترك الشد أو الإحكام بخلاف الرداء ؛ لأنه لا يشد في العادة ، ولأنه قاصد لحفظ هذه الأشياء كما في المحمول على عاتقه دون اللباس على ما مر من قبل فيقيد بشرط السلامة .
قال : ( ومن قاد قطارا فهو ضامن لما أوطأ فإن وطئ بعير إنسانا ضمن به القائد والدية على العاقلة ) ؛ لأن القائد عليه حفظ القطار كالسائق وقد أمكنه ذلك ، وقد صار متعديا بالتقصير فيه والتسبب بوصف التعدي سبب للضمان إلا أن ضمان النفس على العاقلة فيه ، وضمان المال في ماله ( وإن كان معه سائق فالضمان عليهما ) ؛ لأن قائد الواحد قائد للكل وكذا سائقه لاتصال الأزمة ، وهذا إذا كان السائق في جانب من الإبل ، أما إذا كان توسطها وأخذ بزمام واحد يضمن ما عطب بما هو خلفه ، ويضمنان ما تلف بما بين يديه ؛ لأن القائد لا يقود ما خلف السائق لانفصام الزمام والسائق يسوق ما يكون قدامه ، ثم قال : ( ومن سار على دابة في الطريق فضربها رجل أو نخسها فنفحت رجلا أو ضربته بيدها أو نفرت فصدمته فقتلته كان ذلك على الناخس دون الراكب ) هو المروي عن عمر وابن مسعود - رضي الله عنهما - ولأن الراكب والمركوب مدفوعان بدفع الناخس فأضيف فعل الدابة إليه كأنه فعله بيده ، ولأن الناخس متعد في تسبيبه والراكب في فعله غير متعد فيترجح جانبه في التغريم للتعدي حتى لو كان واقفا دابته على الطريق يكون الضمان على الراكب والناخس نصفين ؛ لأنه متعد في الإيقاف أيضا .
قال : ( وإن نفحت الناخس كان دمه هدرا ) ؛ لأنه بمنزلة الجاني على نفسه ( وإن ألقت الراكب أيضا فقتلته كانت ديته على عاقلة الناخس ) ؛ لأنه متعد في تسببه وفيه الدية على العاقلة .
قال : ( ولو وثبت بنخسه على رجل أو وطئته فقتلته كان ذلك على الناخس دون الراكب ) لما بيناه والواقف في ملكه والذي يسير في ذلك سواء ، وعن أبي يوسف أنه يجب الضمان على الناخس والراكب نصفين ؛ لأن التلف حصل بثقل الراكب ووطء الدابة ، والثاني مضاف إلى الناخس فيجب الضمان عليهما ، وإن نخسها بإذن الراكب كان ذلك بمنزلة فعل الراكب لو نخسها ولا ضمان عليه في نفحتها ؛ لأنه أمره بما يملكه إذ النخس في معنى السوق فصح أمره فانتقل إليه معنى الأمر .
قال : ( ولو وطئت رجلا في سيرها وقد نخسها بإذن الراكب ؛ فالدية عليهما نصفين جميعا إذا كانت في ثؤرها الذي نخسها ) ، لأن سيرها في تلك الحالة مضاف إليهما والأذن يتناول فعلة السوق ولا يتناوله من حيث إنه إتلاف .
فمن هذا الوجه يقتصر عليه ، والركوب وإن كان علمه للوطء فالنخس ليس بشرط لهذه العلة ، بل هو شرط أو علة للسير والسير علة للوطء ، وبهذا لا يترجح صاحب العلة كمن جرح إنسانا فوقع في بئر حفرها غيره على قارعة الطريق فمات ؛ فالدية عليهما لما أن الحفر شرط علة أخرى دون علة الجرح كذا هذا . . إلى أن قال : ( ومن قاد دابة فنخسها رجل فانفلتت من يد القائد فأصابت في فورها فهو على الناخس ، وكذا إذا كان لها سائق فنخسها غيره ) لأنه مضاف إليه . . ثم قال : ( ولو نخسها شيء منصوب في الطريق فنفحت إنسانا فقتلته ؛ فالضمان على من نصب ذلك الشيء ) ؛ لأنه متعد بشغل الطريق فأضيف إليه كأنه نخسها بفعله : اهـ بتصرف .
وفي [ المدونة] [ المدونة] ص ( 505) . :
قلت : أرأيت الرجلان يترادفان على الدابة فوطئت الدابة رجلا بيديها أو رجليها فقتلته ؟
قال مالك : أراه على المقدم إلا أن يعلم أن ذلك كان من الدابة بسبب المؤخر مثل أن يكون حركها أو ضربها فيكون عليهما جميعا ؛ لأن المقدم بيده لجامها ، أو يأتي من سبب فعلها أمر يكون من المؤخر لم يكن المقدم يقدر على دفع شيء منه فيكون على المؤخر بمنزلة ما لو ضربها المؤخر ، فرمحت لضربه فقتلت إنسانا ، فهذا وما أشبهه على عاقلة المؤخر ؛ لأنه يعلم أن المقدم لم يعنتها شيئا ، ولم يمسك لها لجاما ولا تحريكا من رجل ولا غيرها ، فيكون شريكا فيما فعل .
قلت : أرأيت إن كان الرجل راكبا على دابته فكدمت إنسانا فأعطبته أيكون على الراكب شيء أم لا ؛ قال : سمعت مالكا يقول في الرجل يكون على الدابة راكبا فتضرب برجلها رجلا فتعطبه قال : لا شيء على الراكب إلا أن يكون ضربها فنفحت برجليها فيكون عليه ما أصابت ، وأرى الفم عندي بمنزلة الرجل إن كدمت من شيء فعله بها الراكب فعليه وإلا فلا شيء عليه . قلت : أرأيت ما وطئت بيديها أو رجليها ؟ قال : هو ضامن ما وطئت بيديها أو رجليها عند مالك ؛ لأنه هو يسيرها . قال ابن القاسم : وإن كانت قد ضربت من فعل الرديف برجلها فأصابت إنسانا فلا شيء على المقدم من ذلك ؛ لأن المقدم لا يضمن النفحة بالرجل إلا أن يكون ذلك من فعله عند مالك ، قال ابن القاسم : وأرى إن كان فعل الرديف بها شيئا فوثبت الدابة من غير أن يعلم المقدم بذلك فوطئت إنسانا ؛ فالضمان على الرديف إذا كان يعلم أن المقدم لم يكن يستطيع حبسها فهو على الرديف . قلت : أرأيت حين قلت : إن اللجام بيد المقدم فلم لا تضمنه ما كدمت الدابة ؟ قال : لأن الدابة تكدم وهو غافل لا يعلم بذلك ، فإذا كان شيئا يستيقن أنه من غير سببه فليس عليه شيء ، وإن كان يعلم أنه من سببه فهو له ضامن ) .
قلت [ المدونة] ص ( 506 ) . : أرأيت إن أوقف دابة في سبيل المسلمين حيث لا يجوز له أيضمن ما أصابت في قول مالك ؟ قال : نعم ، قلت : أرأيت من قاد دابة فوطئت بيديها أو رجليها أيضمن القائد ما أصابت في قول مالك ؟ قال : نعم ، قلت : فإن ضربت برجلها فنفحت الدابة ، فأصابت رجلا فأعطبته أيضمن القائد ما أصابت أم لا في قول مالك ؟ قال : لا يضمن في رأي إلا أن تكون نفحت من شيء صنع بها . قلت : أرأيت السائق أيضمن ما أصابت الدابة في قول مالك ؟ قال : نعم يضمن ما وطئت بيديها أو رجليها بحال ما وصفت لك في قائد الدابة . . ) .
قلت : أرأيت إن نخس رجل دابة فوثبت الدابة على رجل فقتلته على من تكون دية هذا المقتول ؛ قال : على عاقلة الناخس . قلت : وهو قول مالك ؟ قال : هو قوله . قلت : أرأيت الدابة إذا جمحت براكبها فوطئت إنسانا فعطبت أيضمن ذلك أم لا في قول مالك ؟ قال : قال : هو ضامن . قلت : هل كان مالك يضمن القائد والسائق والراكب إذا اجتمعوا : أحدهم سائق والآخر راكب والآخر قائد ؟ قال : ما سمعت من مالك فيه شيئا إذا اجتمعوا جميعا ، وما أقوم لك على حفظه ، وأرى أن ما أصابت الدابة على القائد والسائق إلا أن يكون الذي فعلت الدابة من شيء كان من سبب الراكب ، ولم يكن من القائد والسائق عون في ذلك فهو له ضامن . قلت : أرأيت الرجل يقود القطار فيطأ البعير من أول القطار أو من آخره على رجل فيعطب أيضمن القائد ؟ قال : ما سمعت من مالك فيه شيئا وأراه ضامنا . اهـ .
وفي [المهذب] للشيرازي [المهذب] ص ( 195 ) . :
( فصل ) وإن كان معه دابة فأتلفت إنسانا أو مالا بيدها أو رجلها أو نابها أو بالتبول في الطريق فزلق ببولها إنسان فوقع ومات ضمنه ، لأنها في يده وتصرفه فكانت جنايتها كجنايته .
وفيه أيضا [المهذب] ص ( 193 ) . : وإن كان صبي على طرف سطح فصاح رجل ففزع فوقع من السطح ومات ضمن ؛ لأن الصياح سبب لوقوعه ، وإن كان صياحه عليه فهو عمد خطأ ، وإن لم يكن صياحه عليه فهو خطأ ، وإن كان بالغ على طرف سطح فسمع الصيحة في حال غفلته فخر ميتا ، ففيه وجهان : أحدهما : أنه كالصبي ؛ لأن البالغ في حال غفلته يفزع من الصيحة كما يفزع الصبي ، والثاني : لا يضمن ؛ لأن معه من الضبط ما لا يقع به مع الغفلة .
وفي [المغني] لابن قدامة ( 9/171 ) مطبعة الإمام . :
( مسألة ) قال : وما جنت الدابة بيدها ضمن راكبها ما أصابت من نفس أو جرح أو مال ، وكذلك إن قادها أو ساقها ) وهذا قول شريح وأبي حنيفة والشافعي ، وقال مالك : لا ضمان عليه لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : صحيح البخاري الديات (6514),صحيح مسلم الحدود (1710),سنن الترمذي الزكاة (642),سنن النسائي الزكاة (2495),سنن أبو داود الديات (4593),سنن ابن ماجه الديات (2673),مسند أحمد بن حنبل (2/454),موطأ مالك العقول (1622),سنن الدارمي الديات (2377). العجماء جرحها جبار ، ولأنه جناية بهيمة فلم يضمنها كما لو لم تكن يده عليها . ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم : سنن أبو داود الديات (4592). الرجل جبار رواه سعيد بإسناده عن هزيل بن شرحبيل عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وروي عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وتخصيص الرجل بكونها جبارا دليل على وجوب الضمان في جناية غيرها ، ولأنه يمكنه حفظها عن الجناية إذا كان راكبها أو يده عليها بخلاف من لا يد له عليها وحديثه محمول على من لا يد له عليها .
( مسألة ) قال : ( وما جنت برجلها فلا ضمان عليه ) وبهذا قال أبو حنيفة ، وفي رواية أخرى أنه يضمنها وهو قول شريح والشافعي ؛ لأنه من جناية بهيمة يده عليها فيضمنها كجناية يده ، ولنا قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : سنن أبو داود الديات (4592). الرجل جبار ولأنه لا يمكنه حفظ رجلها عن الجناية فلم يضمنها كما لو لم تكن يده عليها ، فأما إن كانت جنايتها بفعله مثل أن كبحها بلجامها أو ضربها في وجهها ونحو ذلك ضمن جناية رجلها ؛ لأنه السبب في جنايتها فكان ضمانها عليه ولو كان السبب في جنايتها غيره مثل أن نخسها أو نفرها ، فالضمان على من فعل ذلك دون راكبها وسائقها وقائدها ؛ لأن ذلك هو السبب في جنايتها .
( فصل ) فإن كان على الدابة راكبان فالضمان على الأول منهما ؛ لأنه المتصرف فيها القادر على كفها إلا أن يكون الأول صغيرا أو مريضا أو نحوهما ، ويكون الثاني هو المتولي لتدبيرها فيكون الضمان عليه ، وإن كان مع الدابة قائد وسائق فالضمان عليهما ، لأن كل واحد منهما لو انفرد لضمن فإذا اجتمعا ضمنا وإن كان معهما أو مع أحدهما راكب ففيه وجهان : أحدهما : الضمان عليهم جميعا لذلك ، والثاني : على الراكب ؛ لأنه أقوى يدا وتصرفا ، ويحتمل أن يكون على القائد ؛ لأنه لا حكم للراكب مع القائد .
( فصل ) والجمل المقطور على الجمل الذي عليه راكب يضمن جنايته ؛ لأنه في حكم القائد ، فأما الجمل المقطور على الجمل الثاني فينبغي أن لا تضمن جنايته إلا أن يكون له سائق ؛ لأن الراكب الأول لا يمكنه حفظه عن الجناية ولو كان مع الدابة ولدها لم تضمن جنايته ؛ لأنه لا يمكنه حفظه .
( فصل ) وإن وقفت الدابة في طريق ضيق ضمن ما جنت بيد أو رجل أو فم ؛ لأنه متعد بوقفها فيه ، وإن كان الطريق واسعا ففيه روايتان : إحداهما : يضمن وهو مذهب الشافعي ؛ لأن انتفاعه بالطريق مشروط بالسلامة ، وكذلك لو ترك في الطريق طينا فزلق به إنسان ضمنه . والثانية : لا يضمن ؛ لأنه غير متعد بوقفها في الطريق الواسع فلم يضمن ، كما لو وقفها في موات وفارق الطين ؛ لأنه متعد بتركه في الطريق .
بناء على ما تقدم في التمهيد من القواعد الشرعية والعلل التي بنيت عليها أحكام حوادث وسائل النقل القديمة وعلى ما ذكر بعد ذلك من المسائل يمكن تخريج أحكام حوادث السيارات في الموضوع الثاني من البحث عليها ، فيقال :
أولا : إذا ساق إنسان سيارة في شارع عام ملتزما السرعة المقررة ومتبعا خط السير حسب النظام فقفز رجل فجأة أمامه فصدمته السيارة ومات أو أصيب بجروح أو كسور رغم قيام السائق بما وجب عليه من الفرملة ونحوها أمكن أن يقال : بتضمين السائق من مات بالصدم أو كسر مثلا بناء على ما تقدم من تضمين الراكب أو القائد أو السائق ما وطئت الدابة بيديها ، وقد يناقش بأن كبح الدابة وضبطها أيسر من ضبط السيارة ، ويمكن أن يقال بضمان كل منهما ما تلف عند الآخر من نفس ومال ، بناء على ما تقدم عن الحنفية والمالكية والحنابلة ومن وافقهم في تضمين المتصادمين ، ويمكن أن يقال بضمان السائق ما تلف من نصف الدية أو نصف الكسور لتفريطه بعدم احتياطه بالنظر لما أمامه من بعيد وبضمان المصدوم نصف ذلك ؛ لاعتدائه بالمرور فجأة أمام السيارة دون الاحتياط لنفسه ، بناء على ما ذكره الشافعي وزفر وعثمان البتي ومن وافقهم في تضمين المتصادمين ، ويحتمل أن يقال : أنه هدر لانفراده بالتعدي . ولو قدر أنه اصطدم بجانب السيارة فمات أو كسر والسيارة على ما ذكر من الحال كان الضمان بينهما على ما تقدم من الاحتمالات .
ثانيا : إذا مر إنسان أو حيوان أمام سيارة ( ونيت ) مثلا فاستعمل سائق السيارة الفرملة تفاديا للحادث فسقط أحد الركاب وقفز آخر فماتا أو أصيبا بكسور علما بأن باب السيارة قد أحكم إغلاقه ضمن السائق دية من سقط أو أرش إصابته ؛ لأن سقوطه كان بعنفة الفرملة ، وقد كان عليه أن يعمل لذلك احتياطا من قبل فيهدئ من السرعة ، وليس له أن يتسبب في قتل شخص ليسلم آخر ، ويحتمل ألا يضمن إذا كان متبعا للنظام في سرعته وخط سيره ؛ لأنه مأمور بالفرملة تفاديا للحادث .
أما من قفز فهو كاسر نفسه أو قاتلها فلا يضمنه السائق .
ثالثا : إذا تعهد السائق سيارته قبل السير بها ثم طرأ عليها خلل مفاجئ في جهاز من أجهزتها مع مراعاته النظام في سرعته وخط سيره وغلب على أمره فصدمت إنسانا أو حيوانا أو وطئته فمات أو كسر مثلا لم يضمن السائق دية ولا قيمة ولو انقلبت بسبب ذلك فمات أو كسر من فيها أو تلف ما فيها لم يضمن ، وكذا لو انقلبت بسبب ذلك على أحد أو شيء فمات أو تلف فلا ضمان عليه ؛ لعدم تعديه وتفريطه ، قال الله تعالى : سورة البقرة الآية 286 لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا
وإن فرط السائق في تعهد سيارته أو زاد في السرعة أو في حمولتها أو نحو ذلك - ضمن ما أصاب من نفس ومال . وإن سقط شيء من السيارة ضمنه إن كان في حفظه بأن كان موكولا إليه ، إلا أن عليه شده بما يصونه ويضبطه ، وإن سقط أحد منها لصغره وليس معه قيم فأصيب ضمن ذلك لتفريطه .
رابعا : إن سقط شيء من السيارة فأصاب أحدا فمات أو كسر أو أصاب شيئا فتلف - ضمن ما أصاب من نفس أو مال لتفريطه ، وإن سقط منها مكلف لازدحام يخالف نظام المرور فمات ضمن السائق لتعديه ، ويحتمل أن يكون الضمان على السائق ومن هلك بالسقوط مناصفة ؛ لاشتراكهما في الاعتداء .
الموضوع الثالث :
بيان ما يترتب على حوادث السيارات من العقوبات لمخالفة نظام المرور ونحوه مما يسبب وقوع الحوادث :
من الواجب على ولي الأمر العام النصح لأمته ، والمحافظة على رعيته والسعي في تحقيق ما فيه صلاحهم وما به دفع الضرر عنهم معتصما في ذلك بكتاب الله تعالى وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - وهدي الخلفاء الراشدين - رضي الله عنهم - وعلى الأمة النصح له ، وإعانته على شئون الدولة ، وحفظ كيانها ، وطاعته في المعروف ، وعلى هذا إذا رأى باجتهاده في أمور الناس ومعاملاتهم المباحة وشئون حياتهم التي ليس فيها نص شرعي بأمر أو نهي إنما وكلت إلى اختيارهم أن يلزمهم بأحد طرفي المباح تحقيقا للمصلحة ، ودفعا لمضرة الفوضى عنهم ، وجب عليهم أن يطيعوه واعتبر من عصاه في ذلك من المعتدين .
من ذلك : تنظيم العمل في الوزارات والدوائر والمؤسسات والمدارس بتحديد زمان العمل ومكانه ووضع اللوائح ومناهج العلوم وجداول الدراسة ، ونحو ذلك مما يضبط العمل ويساعد على الاستفادة منه على أكمل الوجوه ، فإذا فعل ذلك أو نائبه وجبت طاعته وحق له تعزير من يعصيه ويخالفه بما يراه مكافئا لمخالفته .
ومنه : تنظيم خط السير في الطرق برا وبحرا وجوا ، وإلزام قادة السيارات والبواخر والطائرات ونحوها خطوطا محدودة وسرعة مقدرة ومواعيد مؤقتة ، وأن يحملوا بطاقات تثبت الإذن لهم في القيادة وتدل على صلاحيتهم لها ، فيجب على قادة وسائل النقل والمواصلات أن يلتزموا بما وضع لهم ؛ محافظة على الأمن والدماء وسائر المصالح ، ودفعا للفوضى والاضطراب وما ينجم عنهما من الحوادث والأخطار وفوات الكثير من المصالح ، ومن خالف في ذلك كان من المعتدين ، وحق لولي الأمر أو نائبه أن يعزره بما يردعه ويحفظ الأمن والمصلحة والاطمئنان من حبس وسحب بطاقة القيادة وغرامة مالية في قول بعض العلماء وحرمانه من القيادة ونحو ذلك ، ومن جنى على غيره ، وهو مخالف للنظام ضمن ما أصاب من نفس ومال على ما تقدم بيانه في مسائل الموضوع الأول والثاني من هذا البحث .
الموضوع الرابع :
توزيع الجزاء على من اشتركوا
في وقوع حادث بنسبة اعتدائهم أو خطئهم
:
إن لاشتراك جماعة في وقوع حادث صورا كثيرة ومتنوعة يختلف الحكم فيهم باختلافها في وحدة موضع جنايتهم في البدن أو العضو وتعدده وفي اتفاق زمن حصول الحادث منهم وتتابعه ، وفي تساوي مبلغ الإصابة وما ترتب عليها من الآثار والتفاوت في ذلك وفي المباشرة للحادث والتسبب فيه إلى غير هذا مما يختلف باختلافه الحكم على من اشترك في الحادث أو يوجب تساويهم في الحكم عليهم ، كما يختلف الحكم باختلاف الجناية إذا وقعت من واحد .
ونذكر فيما يلي نقولا عن بعض فقهاء الإسلام يتبين منها ذلك ، ثم نتبعها بالكلام عن توزيع الجزاء على المشتركين في حادث بنسب متساوية أو متفاوتة .
في [المدونة] ج 4 ط الخشاب . :
قلت : أرأيت لو أن رجلا جرح رجلا جرحين خطأ ، وجرحه آخر جرحا واحدا خطأ فمات من ذلك فأقسمت الورثة عليهما كيف تكون الدية على عاقلتهما ، أنصفين أم الثلث والثلثين ؟ قال : ما سمعت من مالك فيه شيئا إلا ما أخبرتك أن الدية على عواقلهما ، فلو كانت الدية عند مالك الثلث والثلثين لقال لنا ذلك ولكنا لا نشك أن الدية عليهما نصفان . اهـ . قلت : أرأيت العينين أو الأذنين كيف يعرف ذهاب السمع والبصر منهما في قول مالك ؟ قال : قال لي مالك : في العين إذا أصيبت فنقص بصرها أن تغلق الصحيحة وتقاس له التي أصيبت بأمكنة يختبر بها ، فإذا اتفق قوله في تلك الأمكنة قيست الصحيحة ثم نظر كم نقصت هذه المصابة من الصحيحة فيعقل له قدر ذلك ، قال : قال مالك : والسمع كذلك . قلت : فكيف يقيسون بصره ؟ قال : سمعت أنه توضع له البيضة أو الشيء في مكان فإن أبصرها حولت إلى موضع آخر ثم إلى موضع آخر ، فإن كان قياس ذلك سواء أو يشبه بعضه بعضا صدق ، وكذلك قال لي مالك : قلت : فالسمع كيف يقاس ؟ قال : يختبر بالأمكنة أيضا حتى يعرف صدقه من كذبه . اهـ .

وقال الشيرازي في [المهذب] ( 2/201 ) . :
( فصل ) وإن خاط الجائفة فجاء رجل وفتق الخياطة نظرت ، فإن كان قبل الالتحام لم يلزمه أرش ؛ لأنه لم توجد منه جناية ويلزمه قيمة الخيط وأجرة المثل للخياطة ، وإن كان بعد التحام الجميع لزمه أرش جائفة ؛ لأنه بالالتحام عاد إلى ما كان قبل الجناية ويلزمه قيمة الخيط لا أجرة الخياطة ؛ لأنها دخلت في أرش الجائفة ، وإن كان بعد التحام بعضها لزمه حكومة ، لجنايته على ما التحم ، ولزمه قيمة الخيط ولا تلزمه أجرة الخياطة ؛ لأنها دخلت في الحكومة . ثم قال : ( فصل ) فإن جنى على عينيه فنقص الضوء منها فإن عرف مقدار النقصان بأن كان يرى الشخص من مسافة فصار لا يراه إلا من نصف تلك المسافة وجب من الدية بقسطها ؛ لأنه عرف مقدار ما نقص فوجب بقسطه ، وإن لم يعرف مقدار النقصان بأن ساء إدراكه وجبت من الحكومة ؛ لأنه تعذر التقدير فوجبت فيه الحكومة ، وإن نقص الضوء في إحدى العينين عصبت القليلة وأطلقت الصحيحة ووقف له شخص في موقف يراه ثم لا يزال يبعد الشخص ويسأل عنه إلى أن يقول : لا أراه ويمسح قدر المسافة ، ثم تطلق العليلة وتعصب الصحيحة ولا يزال يقرب الشخص حتى يراه ، ثم ينظر ما بين المسافتين فيجب من الدية بقسطها . . إلخ . ثم قال مثل ذلك في نقصان السمع والشم والذوق والكلام والعقل غير أن المقياس لمعرفة مقدار النقص فيها يكون في كل منها بحسبه . اهـ .
وقال الشربيني في [مغني المحتاج ] ( 4 /88 ) . :
لو وضع رجل حجرا في طريق عدوانا وآخران حجرا كذلك فعثر بهما آخر فمات فالضمان عليهم للعاثر أثلاثا وإن تفاوت فعلهم نظرا لعدد رءوس الجناة ، كما لو مات بجراحة ثلاثة واختلفت الجراحات ، وقيل : الضمان نصفان على الأول نصف وعلى الآخرين نصف نظرا إلى عدد الموضوع ، ورجحه البلقيني إذ ليس هذا كالجراحات التي لها نكاية في الباطن ، بل هو إلى صورة الضربات أقرب ، بل أولى في الحكم . اهـ .
وقال الشيرازي في [المهذب ] ( 2/192 ) . :
وتجب على الجماعة إذا اشتركوا في القتل وتقسم بينهم على عددهم ؛ لأنه بدل متلف يتجزأ فقسم بين الجماعة على عددهم كغرامة المال ، فإن اشترك في القتل اثنان ، وهما من أهل القود فللولي أن يقتص من أحدهما ويأخذ من الآخر نصف الدية ، وإن كان أحدهما من أهل القود والآخر من أهل الدية فله أن يقتص ممن عليه القود ويأخذ من الآخر نصف الدية .
وفي [المغني] لابن قدامة [المغني ] ( 8/348، 349 ) ط الإمام . :
( مسألة ) قال : ( وإذا أمسك رجلا وقتله آخر قتل القاتل وحبس الماسك حتى يموت ) يقال : أمسك ومسك ومسك ، وقد جمع الخرقي بين اللغتين فقال : إذا أمسك وحبس الماسك وهو اسم الفاعل من مسك مخففا ، ولا خلاف في أن القاتل يقتل ؛ لأنه قتل من يكافئه عمدا بغير حق ، وأما الممسك فإن لم يعلم أن القاتل يقتله فلا شيء عليه ؛ لأنه متسبب والقاتل مباشر فسقط حكم المتسبب به ، وإن أمسكه له ليقتله مثل أن ضبطه له حتى ذبحه له ، فاختلفت الرواية فيه عن أحمد فروي عنه أنه يحبس حتى يموت . وهذا قول عطاء وربيعة ، وروي ذلك عن علي ، وروي عن أحمد أنه يقتل أيضا . وهو قول مالك . قال سليمان بن أبي موسى : الاجتماع فينا أن يقتل ؛ لأنه لو لم يمسكه ما قدر على قتله وبإمساكه تمكن من قتله ، فالقتل حاصل بفعلهما فيكونان شريكين فيه فيجب عليهما القصاص كما لو جرحاه ، وقال أبو حنيفة والشافعي وأبو ثور وابن المنذر : يعاقب ويأثم ولا يقتل ، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : مسند أحمد بن حنبل (2/187). إن أعتى الناس على الله من قتل غير قاتله ، والممسك غير قاتل ، ولأن الإمساك سبب غير ملجئ ، فإذا اجتمعت معه المباشرة كان الضمان على المباشر كما لو لم يعلم الممسك أنه يقتله .
ولنا ما روى الدارقطني بإسناده عن ابن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : إذا أمسك الرجل الرجل وقتله الآخر يقتل الذي قتل ويحبس الذي أمسك ، ولأنه حبسه إلى الموت فيحبس الآخر إلى الموت كما لو حبسه عن الطعام والشراب حتى مات فإننا نفعل به ذلك حتى يموت .
( فصل ) وإن اتبع رجلا ليقتله فهرب منه فأدركه آخر فقطع رجله ثم أدركه الثاني فقتله نظرت ، فإن كان قصد الأول حبسه بالقطع ليقتله الثاني فعليه القصاص في القطع وحكمه في القصاص في النفس حكم الممسك ؛ لأنه حبسه على القتل ، وإن لم يقصد حبسه فعليه القطع دون القتل كالذي أمسكه غير عالم ، ومنه وجه آخر ليس عليه إلا القطع بكل حال ، والأول أصح ؛ لأنه الحابس له بفعله فأشبه الحابس بإمساكه ، فإن قيل : لم اعتبرتم قصد الإمساك هاهنا وأنتم لا تعتبرون إرادة القتل في الخارج ؟
قلنا : إذا مات من الجرح فقد مات من سرايته وأثره فنعتبر قصد الجرح
الذي هو السبب دون قصد الأثر ، وفي مسألتنا إنما كان موته بأمر غير السراية والفعل ممكن له عليه فاعتبر قصده لذلك الفعل كما لو أمسكه .
وفي [المغني] أيضا لابن قدامة [ المغني] ( 8/269 ) ط الإمام . :
( فصل ) ولا يعتبر في وجوب القصاص على المشتركين التساوي في سببه ، فلو جرحه رجل جرحا والآخر مائة أو جرحه أحدهما موضحة والآخر آمة ، أو أحدهما جائفة والآخر غير جائفة ، فمات كانا سواء في القصاص والدية ؛ لأن اعتبار التساوي يفضي إلى سقوط القصاص عن المشتركين ، إذ لا يكاد جرحان يتساويان من كل وجه .
ولو احتمل التساوي لم يثبت الحكم ؛ لأن الشرط يعتبر العلم بوجوده ولا يكتفي باحتمال الوجود ، بل الجهل بوجوده كالعلم بعدمه في انتفاء الحكم ، ولأن الجرح الواحد يحتمل أن يموت منه دون المائة ، كما يحتمل أن يموت من الموضحة دون الأمة ومن غير الجائفة دودن الجائفة ، ولأن الجراح إذا صارت نفسا سقط اعتبارها فكان حكم الجماعة كحكم الواحد ، ألا ترى أنه لو قطع أطرافه كلها فمات وجبت فيه دية واحدة كما لو قطع طرفه فمات .
( فصل ) إذا اشترك ثلاثة في قتل رجل فقطع أحدهم يده والآخر رجله وأوضحه الثالث فمات ، فللولي قتل جميعهم والعفو عنهم إلى الدية فيأخذ من كل واحد ثلثها ، وله أن يعفو عن واحد فيأخذ منه ثلث الدية ويقتل الآخرين ، وله أن يعفو عن اثنين فيأخذ منهما ثلثي الدية ويقتل الثالث . اهـ .
وفي [المقنع] مع حاشيته ( 3/ 338- 339 ) :
( وإن جرحه أحدهما جرحا والآخر مائة فهما سواء في القصاص والدية ) قال في الحاشية : هذا بلا نزاع بشرطه المتقدم ( يعني : إذا كان فعل كل منهما صالحا للقتل ) أي : لو انفرد لقتل . في الحاشية : إذا اشترك ثلاثة فقطع أحدهم يده والآخر رجله والثالث أوضحه فمات ، فللولي قتل جميعهم والعفو عنهم إلى الدية ، فيأخذ من كل واحد ثلثها ، وله أن يعفو عن واحد فيأخذ منه ثلث الدية ويقتل الآخرين ، وله أن يعفو عن اثنين فيأخذ منهما ثلثي الدية ويقتل الثالث . ( وإن فعل أحدهما فعلا لا تبقى معه الحياة كقطع حشوشه أو مريئه أو ودجيه ثم قطع عنقه آخر فالقاتل هو الأول وعزر الثاني ) .
وإن شق الأول بطنه أو قطع يده ثم ضرب الثاني عنقه فالثاني هو القاتل ، وعلى الأول ضمان ما أتلف بالقصاص أو الدية .
( وإن رماه من شاهق فتلقاه آخر بسيف فقده فالقاتل الثاني ) قال في الحاشية : لأنه فوت حياته قبل المصير إلى حالة ييأس فيها من حياته ، وبه قال الشافعي : إن كان مما يجوز أن يسلم منه ، وإن رماه من شاهق لا يسلم منه الواقع ففيه وجهان : أحدهما : كقولنا . والثاني : الضمان عليهما بالقصاص ؛ لأن كل واحد منهما سبب الإتلاف .
( وإن أمسك إنسانا لآخر ليقتله فقتله قتل القاتل وحبس الممسك حتى يموت في إحدى الروايتين والأخرى يقتل أيضا ) .
وفي الحاشية : وقال أبو حنيفة والشافعي وأبو ثور وابن المنذر يعاقب ويأثم ولا يقتل ، وفيها أيضا فائدة مثل هذه المسألة في الحكم لو أمسكه ليقطع طرفه ، ذكره في [ الانتصار] ، وكذا إن فتح فمه وسقاه آخر سما وكذا لو اتبع رجلا ليقتله فهرب فأدركه آخر فقطع رجله ثم أدركه الثاني فقتله ، فإن كان الأول حبسه بالقطع فعليه القصاص في القطع وحكمه في القصاص في النفس حكم الممسك على الصحيح من المذهب ، وفيه وجه ليس عليه إلا القطع .
وفي [المغني] لابن قدامة [ المغني] ( 8/439 ) ط الإمام . :
( فصل ) وإن ذهب بعض الكلام وجب من الدية بقدر ما ذهب ، يعتبر ذلك بحروف المعجم وهي ثمانية وعشرون حرفا سوى لا ، فإن مخرجها مخرج اللام والألف فمهما نقص من الحروف وجب من الدية بقدره ؛ لأن الكلام يتم بجميعها ، فالذاهب يجب أن يكون عوضه من الدية كقدره من الكلام ، ففي الحرف الواحد ربع سبع الدية وفي الحرفين نصف سبعها ، وفي الأربعة سبعها ، ولا فرق بين ما خف من الحروف على اللسان وما ثقل ؛ لأن كل ما وجب فيه المقدر لم يختلف لاختلاف قدره كالأصابع ، ويحتمل أن قسم الدية على الحروف التي للسان فيها عمل دون الشفة ، وهي أربعة : الباء والميم والفاء والواو ودون حروف الحلق الستة : الهمزة والهاء والحاء والخاء والعين والغين ، فهذه عشرة بقي ثمانية عشر حرفا ، للسان تنقسم ديته عليها ؛ لأن الدية تجب بقطع اللسان وذهاب هذه الحروف وحدها مع بقائه ، فإذا وجبت الدية فيها بمفردها وجب في بعضها بقسطه منها ، ففي الواحد نصف تسع الدية وفي الاثنين تسعها في الثلاثة سدسها ، وهذا قول بعض أصحاب الشافعي .
وإن جنى على شفته فذهب بعض الحروف وجب فيه بقدره ، وكذلك إن ذهب بعض حروف الحلق بجنايته وينبغي أن تجب بقدره من الثمانية والعشرين وجها واحدا ، وإن ذهب حرف فعجز عن كلمة لم يجب غير أرش الحرف ؛ لأن الضمان إنما يجب لما تلف ، وإن ذهب حرف فأبدل مكانه حرفا آخر كأن يقول : درهم فصار يقول : دلهم أودغهم أوديهم ، فعليه ضمان الحرف الذاهب ؛ لأن ما تبدل لا يقوم مقام الذاهب في القراءة ولا غيرها ، فإن جنى عليه فذهب البدل وجبت ديته أيضا ؛ لأنه أصل إن لم يذهب شيء من الكلام لكن حصلت فيه عجلة أو تمتمة أو فأفأة فعليه حكومة ، لما حصل من النقص والشين ولم تجب الدية ، لأن المنفعة باقية .
وإن جنى عليه جان آخر فأذهب كلامه ففيه الدية كاملة ، كما لو جنى على عينه جان فعمشت ثم جنى عليها آخر فذهب بصرها ، وإن أذهب الأول بعض الحروف وأذهب الثاني بقية الكلام فعلى كل واحد منهما بقسطه كما لو ذهب الأول ببصر إحدى العينين وذهب الآخر ببصر الأخرى ، وإن كان ألثغ من غير جناية عليه فذهب إنسان بكلامه كله . فإن كان ميئوسا من زوال لثغته ففيه بقسط ما ذهب من الحروف ، وإن كان غير ميئوس من زوالها كالصبي ففيه الدية كاملة ؛ لأن الظاهر زوالها وكذلك الكبير إذا أمكن إزالة لثغته بالتعليم .
( فصل ) إذا قطع بعض لسانه فذهب بعض كلامه : فإن استويا مثل أن يقطع ربع لسانه فيذهب ربع كلامه وجب ربع الدية بقدر الذاهب منهما كما لو قلع إحدى عينيه فذهب بصرها .
وإن ذهب من أحدهما أكثر من الآخر كأن قطع ربع لسانه فذهب نصف كلامه أو قطع نصف لسانه فذهب ربع كلامه وجب بقدر الأكثر وهو نصف الدية في الحالين ؛ لأن كل واحد من اللسان والكلام مضمون بالدية منفردا ، فإذا انفرد نصفه بالذهاب وجب النصف ، ألا ترى أنه لو ذهب نصف الكلام ولم يذهب من اللسان شيء وجب نصف الدية ولو ذهب نصف اللسان ولم يذهب من الكلام شيء وجب نصف الدية ، وإن قطع ربع اللسان فذهب نصف الكلام وجب نصف الدية فإن قطع آخر بقية اللسان فذهبت بقية الكلام ففيه ثلاثة أوجه :
أحدها : عليه نصف الدية هذا قول القاضي وهو أحد الوجهين لأصحاب الشافعي ؛ لأن السالم نصف اللسان وباقيه أشل بدليل ذهاب نصف الكلام .
والثاني : عليه نصف الدية وحكومة للربع الأكمل ؛ لأنه لو كان جميعه أشل لكانت فيه حكومة أو ثلث الدية ، فإذا كان بعضه أشل ففي ذلك البعض حكومة أيضا .
الثالث : عليه ثلاثة أرباع الدية ، وهذا الوجه الثاني لأصحاب الشافعي ؛ لأنه قطع ثلاثة أرباع لسانه فذهب ربع كلامه فوجبت عليه ثلاثة أرباع الدية كما لو قطعه أولا ، ولا يصح القول بأن بعضه أشل ؛ لأن العضو متى كان فيه بعض النفع لم يكن بعضه أشل كالعين إذا كان بصرها ضعيفا واليد إذا كان بطشها ناقصا ، وإن قطع نصف لسانه فذهب ربع كلامه فعليه ديته ، فإن قطع الآخر بقيته فعليه ثلاثة أرباع الدية ، وهذا أحد الوجهين لأصحاب الشافعي والآخر عليه نصف الدية ؛ لأنه لم يقطع إلا نصف لسانه .
ولنا أنه ذهب ثلاثة أرباع الكلام فلزمه ثلاثة أرباع ديته ، كما لو ذهب ثلاثة أرباع الكلام بقطع نصف اللسان الأول ، ولأنه لو أذهب ثلاثة أرباع الكلام مع بقاء اللسان لزمه ثلاثة أرباع الدية فلأن تجب بقطع نصف اللسان في الأول أولى ولو لم يقطع الثاني نصف اللسان لكن جنى عليه جناية أذهب بقية كلامه مع بقاء لسانه لكان عليه ثلاثة أرباع ديته ؛ لأنه ذهب بثلاثة أرباع ما فيه الدية فكان عليه ثلاثة أرباع الدية ، كما لو جنى على صحيح فذهب بثلاثة أرباع كلامه مع بقاء لسانه .
( فصل ) وإذا قطع بعض لسانه عمدا فاقتص المجني عليه من مثل ما جني عليه به ، فذهب من كلام الجاني مثل ما ذهب من كلام المجني عليه وأكثر فقد استوفى حقه ، ولا شيء في الزائد ؛ لأنه من سراية القود وسراية القود غير مضمونة وإن ذهب أقل ، فللمقتص دية ما بقي ؛ لأنه لم يستوف بدله .
بناء على ما تقدم من أقوال الفقهاء في مسائل الموضوع الرابع من الإعداد ، وما بنيت عليه من العلل أو اندرجت تحته من القواعد الشرعية يمكن أن يخرج توزيع المسئولية في حوادث السيارات على الطريقة الآتية :
أولا : إذا صدمت سيارة إنسانا عمدا أو خطأ فرمته إلى جانب وأصابته سيارة أخرى مارة في نفس الوقت فمات :
أ- فإن كانت إصابة كل منهما تقتله لو انفردت وجب القصاص منهما له ، أو الدية عليهما مناصفة على ما تقدم من الخلاف والشروط في مسألة اشتراك جماعة في قتل إنسان سواء تساوت الإصابتان أو كانت إحداهما أبلغ من أخرى ما دامت الدنيا منهما لو انفرد قتلت يرجع في ذلك إلى ما نقل عن الشيرازي ص ( 516 ) ، [والمغني] و[المقنع] ص ( 520 ، 521 ) من الإعداد . .
ب- وان تتابعت الإصابتان وكانت الأولى منهما تقتل وجب القصاص أو الدية على سائق الأولى ، ويعزر سائق الثانية ، وإن كانت الأولى لا تقتل ومات بإصابة الثانية فالقصاص أو الدية على سائق الثانية ، ويجب على سائق الأولى جزاء ما أصاب من قصاص أو دية أو حكومة يرجع إلى آخر ص ( 521 ) وأول ص ( 522 ) من الإعداد . .
ثانيا : إذا أصابت سيارة إنسانا بجروح أو كسور وأصابته أخرى بجروح أو كسور أقل أو أكثر من الأولى وكل من الإصابتين لا تقتل إذا انفردت فمات المصاب من مجموع الإصابتين وجب القصاص أو الدية على السائقين مناصفة .
ثالثا : إذا دفع إنسان آخر فسقط أو أوثقه في طريق فأدركته سيارة ووطئته فقتلته أو كسرته مثلا فقد يقال : على السائق ضمن ما أصاب من نفس أو كسر ، ويعزر الدافع أو الموثق بعقوبة دون الموت أو يحبس حتى يموت ؛ لأن السائق مباشر والموثق أو الدافع متسبب ، ويحتمل أن يكون الضمان عليهما قصاصا أو دية أو حكومة ؛ لأن كليهما مشترك مع السائق في ذلك .
رابعا : إذا أصابت سيارة إنسانا أو مالا وأصابته أخرى في نفس الوقت أو بعده ولم يمت وتمايزت الكسور أو الجروح أو التلف فعلى كل من السائقين ضمان ما تلف أو أصيب بسيارته قل أو كثر يرجع إلى ما نقل عن [المغني] ، ص ( 494 ) ، وعن الشيرازي ص ( 494 ، 495 ) من الإعداد . .
خامسا : إذا أصابت سيارتان إنسانا بجروح أو كسور ولم تتمايز ولم يمت أو أصابتا شيئا أو أتلفته فعليهما القصاص في العمد وضمان الدية والمال بينهما مناصفة ص ( 497 ) من الإعداد . .
سادسا : إن استعمل السائق المنبه ( البوري ) من أجل إنسان أمام سيارته أو يريد العبور فسقط من قوة الصوت أمام سيارته ووطئته سيارته فمات أو كسر مثلا ضمنه السائق وإن سقط تحت سيارة أخرى ضمنه سائقها ؛ لأنه مباشر ومستعمل المنبه متسبب ، ويحتمل أن يكون بينهما لاشتراكهما كالممسك مع القاتل ، وإن سقط فمات أو كسر مثلا بمجرد سماعه الصوت ضمنه مستعمل المنبه .
سابعا : إذا خالف سائق نظام السير المقرر من جهة السرعة أو عكس خط السير وأصاب إنسانا أو سيارة أو أتلف شيئا عمدا أو خطأ ضمنه .
وإن خرج إليه إنسان أو سيارة من منفذ فحصل الحادث ففي من يكون عليه الضمان احتمالات : الأول : أن يكون على السائق المخالف للنظام لاعتدائه ومباشرته ، ويحتمل أن يكون على من خرج من المنفذ فجأة ؛ لأنه لم يثبت ولم يحتط لنفسه ولغيره ، وعلى من خالف نظام المرور التعزير بما يراه الحاكم أو نائبه ، ويحتمل أن يكون الضمان عليهما للاشتراك في الحادث ، وإن اعترضته سيارة تسير في خطها النظامي أو زحمته فإن كان ذلك عمدا منه فالضمان عليه وإن كان خطأ فالضمان عليهما وعلى المخالف للنظام الحق العام وهو التعزير بما يراه الإمام .
والله الموفق . وصلى الله على نبينا محمد ، وآله وصحبه وسلم .
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... نائب رئيس اللجنة ... الرئيس
عبد الله بن عبد الرحمن الغديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز