المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ذكر القول الراجح من أقوال أهل العلم في حكم القنوت في صلاة الصبح


أحمد بن إبراهيم بن علي
20th April 2008, 07:19 AM
بسم الله الرحمن الرحيم



وقفت على كلام لشيخ الاسلام بن تيمية رحمه الله في مجموع الفتاوى الجزء الثالث و العشرون باب صلاة التطوع سأل عن سنية المداومة على القنوت في الصبح دائما فأجاب رحمه الله كعادته جوابا مفصلا شافيا كافيا في هذه المسألة ذكر فيه جميع الأقوال و رجح فيه القول الصواب

و يتلخص جوابه في أن القنوت في الصبح ليس بسنة دائما كما هو مذهب الإمام مالك رحمه الله و انما هو سنة عند النوازل فقط و هو القول الذي عليه فقهاء أهل الحديث و الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم


و بما أن العمل بقنوت الصبح معمول به في بلدان المغرب العربي بصفة عامة أحببت أن أنقل لكم كلامه رحمه منبها على أن هذه المسألة هي من المسائل الخلافية التي يسوغ فيها الإجتهاد كما نبه على هذا الشيخ رحمه الله في نفس الجواب و كذالك في كتابه رفع الملام عن الائمة الأعلام و أنه ينبغي للمؤموم أن يتبع امامه في المسائل التي يسوغ فيها الاجتهاد فاذا قنت امامه قنت و ان ترك الامام القنوت ترك تبعا للادلة الواردة في متابعة الإمام و التي سيذكرها في آخر جوابه

و ذكر الشيخ ايضا في كتابه رفع الملام عن الأئمة الاعلام أن هذه مسألة اجتهادية مما اختلف فيها السلف فمن ترجح عنده تقليد الإمام مالك لم يُنكر عليه من ترجح عنده تقليد الإمام أحمد و هكذا


ــــــــــــ

وسئل‏:‏

هل قنوت الصبح دائماً سنة‏؟‏ ومن يقول‏:‏ إنه من أبعاض الصلاة التي تجبر بالسجود، وما يجبر إلا الناقص‏.‏ والحديث ‏"‏ما زال رسول الله صلى الله عليه وسلم يقنت حتى فارق الحياة‏"‏‏:‏ فهل هذا الحديث من الأحاديث الصحاح‏؟‏ وهل هو هذا القنوت‏؟‏ وما أقوال العلماء في ذلك‏؟‏ وما حجة كل منهم‏؟‏ وإن قنت لنازلة‏:‏ فهل يتعين قوله، أو يدعو بما شاء‏؟‏

فأجاب‏:‏

الحمد للَّه رب العالمين، قد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ أنه قنت شهراً يدعو على رَعْل وذَكْوان وعصية، ثم تركه‏.‏ وكان ذلك لما قتلوا القراء من الصحابة‏.‏
وثبت عنه أنه قنت بعد ذلك بمدة بعد صلح الحديبية، وفتح خيبر، يدعو للمستضعفين من أصحابه الذين كانوا بمكة‏.‏ ويقول في قنوته‏:‏ ‏"‏اللهم، انج الوليد بن الوليد، وعياش بن أبي ربيعة، وسلمة بن هشام، والمستضعفين من المؤمنين‏.‏ اللهم، اشدد وطأتك على مضر واجعلها عليهم سنين كسني يوسف‏"‏‏.‏ وكان يقنت يدعو للمؤمنين، ويلعن الكفار، وكان قنوته في الفجر‏.‏

وثبت عنه في الصحيح أنه قنت في المغرب والعشاء، وفي الظهر، وفي السنن أنه قنت في العصر أيضاً?‏.‏ فتنازع المسلمون في القنوت على ثلاثة أقوال‏:‏


أحدها‏:‏ أنه منسوخ، فلا يشرع بحال، بناء على أن النبي صلى الله عليه وسلم قنت، ثم ترك، والترك نسخ للفعل، كما أنه لما كان يقوم للجنازة، ثم قعد‏.‏ جعل القعود ناسخاً للقيام، وهذا قول طائفة من أهل العراق كأبي حنيفة وغيره‏.‏

والثاني‏:‏ أن القنوت مشروع دائماً، وأن المداومة عليه سنة، وأن ذلك يكون في الفجر‏.‏
ثم من هؤلاء من يقول‏:‏ السنة أن يكون قبل الركوع بعد القراءة سراً، وألا يقنت بسوي‏:‏ اللهم، إنا نستعينك‏.‏‏.‏‏.‏ إلى آخرها، واللهم، إياك نعبد، إلى آخرها، كما يقول‏:‏ مالك‏.‏
ومنهم من يقول‏:‏ السنة أن يكون بعد الركوع جهراً‏.‏ ويستحب أن يقنت بدعاء الحسن بن على الذي رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم قي قنوته‏:‏ ‏"‏اللهم اهدني فيمن هديت‏.‏‏.‏‏.‏‏"‏ إلى آخره‏.‏ وإن كانوا قد يجوزون القنوت قبل وبعد‏.‏ وهؤلاء قد يحتجون بقوله تعالى‏:‏ ‏{حَافِظُواْ على الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَي وَقُومُواْ لِلّهِ قَانِتِينَ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 238‏]‏، ويقولون‏:‏ الوسطى‏:‏ هي الفجر، والقنوت فيها‏.‏ وكلتا المقدمتين ضعيفة‏:‏
أما الأولى‏:‏ فقد ثبت بالنصوص الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الصلاة الوسطي هي العصر، وهذا أمر لا يشك فيه من عرف الأحاديث المأثورة‏.‏ ولهذا اتفق على ذلك علماء الحديث وغيرهم‏.‏ وإن كان للصحابة والعلماء في ذلك مقالات متعددة، فإنهم تكلموا بحسب اجتهادهم‏.‏

وأما الثانية‏:‏ فالقنوت هو المداومة على الطاعة، وهذا يكون في القيام، والسجود‏.‏ كما قال تعالى‏:‏ ‏{أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاء اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ‏}‏ ‏[‏الزمر‏:‏ 9‏]‏‏.‏ ولو أريد به إدامة القيام كما قيل في قوله‏:‏ ‏{يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 43‏]‏، فحمل ذلك على إطالته القيام للدعاء، دون غيره، لا يجوز؛ لأن الله أمر بالقيام له قانتين، والأمر يقتضي الوجوب، وقيام الدعاء المتنازع فيه لا يجب بالإجماع؛ ولأن القائم في حال قراءته هو قانت للَّه أيضاً ولأنه قد ثبت في الصحيح‏:‏ أن هذه الآية لما نزلت أمروا بالسكوت، ونهوا عن الكلام‏.‏ فعلم أن السكوت هو من تمام القنوت المأمور به‏.‏
ومعلوم أن ذلك واجب في جميع أجزاء القيام؛ ولأن قوله‏:‏ ‏{وَقُومُواْ لِلّهِ قَانِتِينَ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 238‏]‏، لا يختص بالصلاة الوسطي‏.‏ سواء كانت الفجر أو العصر؛ بل هو معطوف على قوله‏:‏ ‏{حَافِظُواْ على الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَي وَقُومُواْ لِلّهِ قَانِتِينَ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 238‏]‏، فيكون أمرا بالقنوت مع الأمر بالمحافظة، والمحافظة تتناول الجميع، فالقيام يتناول الجميع‏.‏
واحتجوا أيضاً بما رواه الإمام أحمد في مسنده، والحاكم في صحيحه، عن أبي جعفر الرازي عن الربيع بن أنس، عن أنس‏:‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم ما زال يقنت حتى فارق الدنيا قالوا‏:‏ وقوله في الحديث الآخر‏:‏ ثم تركه، أراد ترك الدعاء على تلك
القبائل، لم يترك نفس القنوت‏.‏
وهذا بمجرده لا يثبت به سنة راتبة في الصلاة، وتصحيح الحاكم دون تحسين الترمذي‏.‏ وكثيراً ما يصحح الموضوعات، فإنه معروف بالتسامح في ذلك، ونفس هذا الحديث لا يخص القنوت قبل الركوع أو بعده، فقال‏:‏ ما قنت رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الركوع إلا شهراً ?، فهذا حديث صحيح صريح عن أنس أنه لم يقنت بعد الركوع إلا شهراً، فبطل ذلك التأويل‏.‏
والقنوت قبل الركوع قد يراد به طول القيام قبل الركوع، سواء كان هناك دعاء زائد، أو لم يكن‏.‏ فحينئذ، فلا يكون اللفظ دالا على قنوت الدعاء، وقد ذهب طائفة إلى أنه يستحب القنوت الدائم في الصلوات الخمس، محتجين بأن النبي صلى الله عليه وسلم قنت فيها ولم يفرق بين الراتب والعارض، وهذا قول شاذ‏.‏

والقول الثالث‏:‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم قنت لسبب نزل به ثم تركه عند عدم ذلك السبب النازل به، فيكون القنوت مسنوناً عند النوازل، وهذا القول هو الذي عليه فقهاء أهل الحديث، وهو المأثور عن الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم‏.‏

فإن عمر رضي الله عنه لما حارب النصاري قنت عليهم القنوت المشهور‏:‏ اللهم عذب كفرة أهل الكتاب‏.‏‏.‏‏.‏ إلى آخره‏.‏ وهو الذي جعله بعض الناس سنة في قنوت رمضان، وليس هذا القنوت سنة راتبة، لا في رمضان ولا غيره، بل عمر قنت لما نزل بالمسلمين من النازلة، ودعا في قنوته دعاء يناسب تلك النازلة، كما أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قنت أولا على قبائل بني سليم الذين قتلوا القراء، دعا عليهم بالذي يناسب مقصوده ثم لما قنت يدعو للمستضعفين من أصحابه دعا بدعاء يناسب مقصوده‏.‏ فسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين تدل على شيئين‏:‏

أحدهما‏:‏ أن دعاء القنوت مشروع عند السبب الذي يقتضيه،ليس بسنة دائمة في الصلاة‏.‏

الثاني‏:‏ أن الدعاء فيه ليس دعاء راتباً، بل يدعو في كل قنوت بالذي يناسبه، كما دعا النبي صلى الله عليه وسلم أولا، وثانياً‏.‏ وكما دعا عمر‏.‏ وعلى رضي الله عنهم لما حارب من حاربه في الفتنة، فقنت ودعا بدعاء يناسب مقصوده، والذي يبين هذا أنه لو كان النبي صلى الله عليه وسلم يقنت دائماً، ويدعو بدعاء راتب، لكان المسلمون ينقلون هذا عن نبيهم، فإن هذا من الأمور التي تتوفر الهمم والدواعي على نقلها، وهم الذين نقلوا عنه في قنوته ما لم يداوم عليه، وليس بسنة راتبة، كدعائه على الذين قتلوا أصحابه، ودعائه للمستضعفين من أصحابه، ونقلوا قنوت عمر وعلي على من كانوا يحاربونهم‏.‏

فكيف يكون النبي صلى الله عليه وسلم يقنت دائما في الفجر أو غيرها، ويدعو بدعاء راتب، ولم ينقل هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم لا في خبر صحيح، ولا ضعيف‏؟‏‏!‏ بل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الذين هم أعلم الناس بسنته، وأرغب الناس في اتباعها، كابن عمر وغيره، أنكروا، حتى قال ابن عمر‏:‏ ما رأينا ولا سمعنا‏.‏ وفي رواية‏:‏ أرأيتكم قيامكم هذا‏:‏ تدَّعون‏.‏ ما رأينا ولا سمعنا‏.‏ أفيقول مسلم‏:‏ إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقنت دائما‏؟‏‏!‏ وابن عمر يقول‏:‏ ما رأينا، ولا سمعنا‏.‏ وكذلك غير ابن عمر من الصحابة، عدوا ذلك من الأحداث المبتدعة‏.‏

ومن تدبر هذه الأحاديث في هذا الباب، علم علماً يقيناً قطعياً أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يقنت دائماً في شيءٍ من الصلوات، كما يعلم علماً يقينياً أنه لم يكن يداوم على القنوت في الظهر والعشاء والمغرب، فإن من جعل القنوت في هذه الصلوات سنة راتبة يحتج بما هو من جنس حجة الجاهلين له في الفجر سنة راتبة‏.‏ ولا ريب أنه قد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قنت في هذه الصلوات؛ لكن الصحابة بينوا الدعاء الذي كان يدعو به، والسبب الذي قنت له، وأنه ترك ذلك عند حصول المقصود، نقلوا ذلك في قنوت الفجر، وفي قنوت العشاء أيضاً‏.‏

والذي يوضح ذلك، أن الذين جعلوا من سنة الصلاة أن يقنت دائماً بقنوت الحسن بن على، أو بسورتي أُبي، ليس معهم إلا دعاء عارض، والقنوت فيها إذا كان مشروعاً، كان مشروعاً للإمام والمأموم والمنفرد، بل وأوضح من هذا أنه لو جعل جاعل قنوت الحسن، أو سورتي أبي سنة راتبة في المغرب والعشاء، لكان حاله شبيهاً بحال من جعل ذلك سنة راتبة في الفجر؛ إذ هؤلاء ليس معهم في الفجر إلا قنوت عارض بدعاء يناسب ذلك العارض، ولم ينقل مسلم دعاء في قنوت غير هذا، كما لم ينقل ذلك في المغرب والعشاء‏.‏ وإنما وقعت الشبهة لبعض العلماء في الفجر؛ لأن القنوت فيها كان أكثر، وهي أطول‏.‏ والقنوت يتبع الصلاة، وبلغهم أنه داوم عليه، فظنوا أن السنة المداومة عليه، ثم لم يجدوا معهم سنة بدعائه‏.‏ فسنوا هذه الأدعية المأثورة في الوتر، مع أنهم لا يرون ذلك سنة راتبة في الوتر‏.

أحمد بن إبراهيم بن علي
20th April 2008, 07:20 AM
وهذا النزاع الذي وقع في القنوت له نظائر كثيرة في الشريعة‏:‏ فكثيراً ما يفعل النبي صلى الله عليه وسلم لسبب، فيجعله بعض الناس سنة، ولا يميز بين السنة الدائمة والعارضة‏.‏ وبعض الناس يري أنه لم يكن يفعله في أغلب الأوقات، فيراه بدعة، ويجعل فعله في بعض الأوقات مخصوصاً أو منسوخا، إن كان قد بلغه ذلك، مثل صلاة التطوع في جماعة‏.‏ فإنه قد ثبت عنه في الصحيح‏:‏ أنه صلى بالليل وخلفه ابن عباس مرة، وحذيفة بن اليمان مرة، وكذلك غيرهما‏.‏ وكذلك صلى بعتبان بن مالك في بيته التطوع جماعة، وصلى بأنس ابن مالك وأمه واليتيم في داره، فمن الناس من يجعل هذا فيما يحدث من ‏[‏صلاة الألفية‏]‏ ليلة نصف شعبان، والرغائب، ونحوهما مما يداومون فيه على الجماعات‏.‏

ومن الناس من يكره التطوع؛ لأنه رأي أن الجماعة إنما سنت في الخمس، كما أن الأذان إنما سن في الخمس‏.‏ ومعلوم أن الصواب هو ما جاءت به السنة، فلا يكره أن يتطوع في جماعة‏.‏ كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏ ولا يجعل ذلك سنة راتبة‏.‏ كمن يقيم للمسجد إمامًا راتباً يصلي بالناس بين العشائين، أو في جوف الليل، كما يصلي بهم الصلوات الخمس، كما ليس له أن يجعل للعيدين وغيرهما أذاناً كأذان الخمس؛ ولهذا أنكر الصحابة على من فعل هذا من ولاة الأمور إذ ذاك‏.‏

ويشبه ذلك من بعض الوجوه تنازع العلماء في مقدار القيام في رمضان، فإنه قد ثبت أن أبي بن كعب كان يقوم بالناس عشرين ركعة في قيام رمضان، ويوتر بثلاث‏.‏ فرأي كثير من العلماء أن ذلك هو السنة؛ لأنه أقامه بين المهاجرين والأنصار، ولم ينكره منكر‏.‏ واستحب آخرون تسعة وثلاثين ركعة؛ بناء على أنه عمل أهل المدينة القديم‏.‏

وقالت طائفة‏:‏ قد ثبت في الصحيح عن عائشة‏:‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يزيد في رمضان ولا غيره على ثلاث عشرة ركعة، واضطرب قوم في هذا الأصل، لما ظنوه من معارضة الحديث الصحيح لما ثبت من سنة الخلفاء الراشدين، وعمل المسلمين‏.‏

والصواب أن ذلك جميعه حسن، كما قد نص على ذلك الإمام أحمد رضي الله عنه وأنه لا يتوقت في قيام رمضان عدد، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يوقت فيها عدداً‏.‏ وحينئذ، فيكون تكثير الركعات وتقليلها، بحسب طول القيام وقصره‏.‏
فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يطيل القيام بالليل، حتى إنه قد ثبت عنه في الصحيح من حديث حذيفة أنه كان يقرأ في الركعة بالبقرة، والنساء، وآل عمران فكان طول القيام يغني عن تكثير الركعات‏.‏ وأبي بن كعب لما قام بهم وهم جماعة واحدة لم يمكن أن يطيل بهم القيام‏.‏ فكثر الركعات ليكون ذلك عوضاً عن طول القيام، وجعلوا ذلك ضعف عدد ركعاته، فإنه كان يقوم بالليل إحدي عشرة ركعة، أو ثلاث عشرة، ثم بعد ذلك كان الناس بالمدينة ضعفوا عن طول القيام فكثروا الركعات حتى بلغت تسعاً وثلاثين‏.‏

ومما يناسب هذا أن الله تعالى لما فرض الصلوات الخمس بمكة، فرضها ركعتين ركعتين، ثم أقرت في السفر، وزيد في صلاة الحضر، كما ثبت ذلك في الصحيح عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت‏:‏ لما هاجر إلى المدينة زيد في صلاة الحضر، وجعلت صلاة المغرب ثلاثا؛ لأنها وتر النهار، وأما صلاة الفجر فأقرت ركعتين لأجل تطويل القراءة فيها، فأغني ذلك عن تكثير الركعات‏.‏
وقد تنازع العلماء‏:‏ أيما أفضل‏:‏ إطالة القيام أم تكثير الركوع والسجود أم هما سواء‏؟‏ على ثلاثة أقوال‏:‏ وهي ثلاث روايات عن أحمد‏.‏
وقد ثبت عنه في الصحيح أي الصلاة أفضل‏؟‏ قال‏:‏ ‏[‏طول القنوت‏]‏‏.‏ وثبت عنه أنه قال‏:‏ ‏"‏إنك لن تسجد للَّه سجدة إلا رفعك الله بها درجة، وحط عنك بها خطيئة‏"‏‏.‏ وقال لربيعة بن كعب‏:‏ ‏"‏أعني على نفسك بكثرة السجود‏"‏‏.‏
ومعلوم أن السجود في نفسه أفضل من القيام، ولكن ذكر القيام أفضل، وهو القراءة، وتحقيق الأمر أن الأفضل في الصلاة أن تكون معتدلة‏.‏ فإذا أطال القيام يطيل الركوع والسجود، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي بالليل، كما رواه حذيفة وغيره‏.‏ وهكذا كانت صلاته الفريضة، وصلاة الكسوف، وغيرهما‏:‏ كانت صلاته معتدلة، فإن فضل مفضل إطالة القيام والركوع والسجود مع تقليل الركعات وتخفيف القيام والركوع والسجود مع تكثير الركعات، فهذان متقاربان‏.‏ وقد يكون هذا أفضل في حال، كما أنه لما صلى الضحي يوم الفتح صلى ثماني ركعات يخففهن، ولم يقتصر على ركعتين طويلتين‏.‏ وكما فعل الصحابة في قيام رمضان لما شق على المأمومين إطالة القيام‏.‏
وقد تبين بما ذكرناه أن القنوت يكون عند النوازل، وأن الدعاء في القنوت ليس شيئاً معيناً، ولا يدعو بما خطر له، بل يدعو من الدعاء المشروع بما يناسب سبب القنوت، كما إنه إذا دعا في الاستسقاء دعا بما يناسب المقصود، فكذلك إذا دعا في الاستنصار دعا بما يناسب المقصود، كما لو دعا خارج الصلاة لذلك السبب؛ فإنه كان يدعو بما يناسب المقصود، فهذا هو الذي جاءت به سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنة خلفائه الراشدين‏.‏
ومن قال‏:‏ إنه من أبعاض الصلاة التي يجبر بسجود السهو، فإنه بني ذلك على أنه سنة يسن المداومة عليه، بمنزلة التشهد الأول، ونحوه‏.‏ وقد تبين أن الأمر ليس كذلك، فليس بسنة راتبة، ولا يسجد له، لكن من اعتقد ذلك متأولاً في ذلك له تأويله، كسائر موارد الاجتهاد‏.‏

ولهذا ينبغي للمأموم أن يتبع إمامه فيما يسوغ فيه الاجتهاد،

فإذا قَنَتَ قَنَتَ معه، وإن ترك القنوت لم يقنت، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏إنما جعل الإمام ليؤتم به‏"‏‏.‏ وقال‏:‏ ‏"‏لا تختلفوا على أئمتكم‏"‏، وثبت عنه في الصحيح أنه قال‏:‏ ‏"‏يُصَلُّون لكم، فإن أصابوا فلكم ولهم، وإن أخطأوا فلكم وعليهم‏"‏‏.‏ ألا تري أن الإمام لو قرأ في الأخيرتين بسورة مع الفاتحة وطولهما على الأوليين‏:‏ لوجبت متابعته في ذلك‏.‏ أما مسابقة الإمام، فإنها لا تجوز‏.‏
فإذا قنت لم يكن للمأموم أن يسابقه، فلابد من متابعته، ولهذا كان عبد الله بن مسعود قد أنكر على عثمان التربيع بمني، ثم إنه صلى خلفه أربعاً، فقيل له‏:‏ في ذلك‏؟‏‏!‏ فقال‏:‏ الخلاف شر‏.‏ وكذلك أنس بن مالك لما سأله رجل عن وقت الرمي، فأخبره، ثم قال‏:‏ افعل كما يفعل إمامك‏.‏ والله أعلم‏ . انتهى كلامه رحمه الله.

شاكر بن زكريا
29th April 2008, 11:21 PM
جزي الله خيرا أخانا الفاضل أحمد بن إبراهيم على طرحه لهذا الموضوع المهم
ومن باب الفائدة هذه فتاوي لبعض أهل العلم حتى يكتمل الموضوع ويظهر القول الراجح المؤيد بالأدلة الساطعة إن شاء الله تعالى
1ـ فتوى للمفتى الأسبق للمملكة الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله تعالى
((ص-ف-3626-1 في 21-11-1388 هـ)
(604- القنوت في الفرائض مكروه)قوله: ويكره قنوته في غير الوتر ... إِلخ.
مكروه ذلك، وبدعة. وذهب طائفة من أَهل العلم إِلى أَن القنوت في الفجر سنة، وهذا القول مشهور من قال به(1)، وفيه أَحاديث استدلوا بها عليه. إِلا أَن القول الآخر أَصح وأَظهر، وأَدلته لا تحتمل التأْويل بخلاف الأَول فهي غير صريحة أَو غير صحيحة وقد بسط ابن القيم ذلك في ((زاد المعاد)) ووضح ضعف القول الآخر ووجه دلالة الأَحاديث وأَن ما استدلوا به لا استقامة له أَبدا(2). الحاصل أَن الراجح أَنه لا يقنت في الفرائض إِلا في النوازل مثل دعائه صلى الله عليه وسلم على رعل وذكوان وعصية، ومثل دعائه على صفوان بن أُمية وسهيل، وكدعوته لواحد معين كقوله ((الَّلهُمَّ أَنج الْوَلِيْدَ ... )) فهذا ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ويقول به الأَصحاب مذهب أَحمد وغيره. وأَما اتخاذ ذلك في الفجر كل يوم فهذا لا أَصل له ولا يصح عن النبي أَبدا.………(تقرير)
(605- منع الأَئمة من المداومة على القنوت في صلاة الصبح)
من محمد بن إبراهيم إِلى حضرة فضيلة رئيس عام هيئات الأَمر بالمعروف بالحجاز………الموقر
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد:
لقد وردنا من فضيلة نائبنا بالمنطقة الغربية خطابًا برقم 2552 في 2-3-81 هـ حول المكاتبة بشأْن ما لاحظه رئيس هيئة الأَمر بالمعروف بالليث عن مداومة أَهالي تلك الجهة على القنوت في صلاة الصبح، وأَنه إِذا سها أَحدهم عن ذلك سجد للسهو. وكذلك تعليق التمائم والحروز ومبالغتهم في ذلك.
وحيث أَن النبي عليه الصلاة والسلام لم يقنت إِلا في النوازل، ولم يداوم على القنوت ولا أَحد من خلفائه الراشدين رضي الله عنهم فقد أَبلغنا فضيلة نائبنا بالمنطقة الغربية بوجوب منعهم عن القنوت والسجود له؛ لأَن هذا السجود مبطل للصلاة، واقتضاء منعهم عن التمائم منعًا باتًا، وتحذيرهم عن كل ما ذكر، فلذا نلفت نظركم ابذال الوسع في تغيير هذه الأَفعال. والله يحفظكم.
رئيس القضاة
__________
(1) هذا قول الشافعي حيث ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أَنه قنت وروي عنه ((أنه مازال يقنت حتى فارق الدنيا)).
(2) انظر جزء (1) ص 69، 70 وبسط ابن تيمية ذلك جـ 23 ص 98- 112 .


2 ـ فتوي اللجنة الدائمة
السؤال الثالث من الفتوى رقم ( 15391 )
س 3 : ما حكم قراءة القنوت في صلاة الصبح يوميا ؟
ج 3 : القنوت في الفجر غير مشروع إلا في حالة النوازل كحلول الوباء أو حصار العدو للبلاد أو تسلطه على المسلمين ، ففي هذه الحال يشرع القنوت في صلاة الفجر وغيرها كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك .
وبالله التوفيق ، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم .

اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... عضو ... عضو ... نائب الرئيس ... الرئيس
عبد العزيز آل الشيخ ... صالح الفوزان ... عبد الله بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز


قلت : ومن عنده زيادة بيان فليفدنا مع التنبيه على أن الشيخ الألبانى وابن عثيمين على رأى الإمام أحمد وشيخ الإسلام ابن تيمية في متابعة الإمام الذى يقنت مراعاة لعدم الفرقة بين المسلمين وهذا ما ادى إليه إجتهادهم رحم الله الجميع ، ولكن هدى النبى وصحابته الكرام أولى بالإتباع وكل يؤخذ من قوله ويرد عليه والله تعالى أعلم

أبو عبد الوهاب الجزائري
24th September 2008, 02:49 AM
بارك الله تعالى فيكم

إبراهيم عباس الهيازعي
30th March 2011, 07:44 PM
عندي مقاطع صوتية لمشايخنا ابن باز وابن عثيمين والألباني رحمهم الله والشيخ الفوزان حفظه الله ولكن لا أعرف طريقة الرفع اليكم وجزاكم الله خير