أحمد بن إبراهيم بن علي
20th April 2008, 06:19 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
وقفت على كلام لشيخ الاسلام بن تيمية رحمه الله في مجموع الفتاوى الجزء الثالث و العشرون باب صلاة التطوع سأل عن سنية المداومة على القنوت في الصبح دائما فأجاب رحمه الله كعادته جوابا مفصلا شافيا كافيا في هذه المسألة ذكر فيه جميع الأقوال و رجح فيه القول الصواب
و يتلخص جوابه في أن القنوت في الصبح ليس بسنة دائما كما هو مذهب الإمام مالك رحمه الله و انما هو سنة عند النوازل فقط و هو القول الذي عليه فقهاء أهل الحديث و الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم
و بما أن العمل بقنوت الصبح معمول به في بلدان المغرب العربي بصفة عامة أحببت أن أنقل لكم كلامه رحمه منبها على أن هذه المسألة هي من المسائل الخلافية التي يسوغ فيها الإجتهاد كما نبه على هذا الشيخ رحمه الله في نفس الجواب و كذالك في كتابه رفع الملام عن الائمة الأعلام و أنه ينبغي للمؤموم أن يتبع امامه في المسائل التي يسوغ فيها الاجتهاد فاذا قنت امامه قنت و ان ترك الامام القنوت ترك تبعا للادلة الواردة في متابعة الإمام و التي سيذكرها في آخر جوابه
و ذكر الشيخ ايضا في كتابه رفع الملام عن الأئمة الاعلام أن هذه مسألة اجتهادية مما اختلف فيها السلف فمن ترجح عنده تقليد الإمام مالك لم يُنكر عليه من ترجح عنده تقليد الإمام أحمد و هكذا
ــــــــــــ
وسئل:
هل قنوت الصبح دائماً سنة؟ ومن يقول: إنه من أبعاض الصلاة التي تجبر بالسجود، وما يجبر إلا الناقص. والحديث "ما زال رسول الله صلى الله عليه وسلم يقنت حتى فارق الحياة": فهل هذا الحديث من الأحاديث الصحاح؟ وهل هو هذا القنوت؟ وما أقوال العلماء في ذلك؟ وما حجة كل منهم؟ وإن قنت لنازلة: فهل يتعين قوله، أو يدعو بما شاء؟
فأجاب:
الحمد للَّه رب العالمين، قد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه قنت شهراً يدعو على رَعْل وذَكْوان وعصية، ثم تركه. وكان ذلك لما قتلوا القراء من الصحابة.
وثبت عنه أنه قنت بعد ذلك بمدة بعد صلح الحديبية، وفتح خيبر، يدعو للمستضعفين من أصحابه الذين كانوا بمكة. ويقول في قنوته: "اللهم، انج الوليد بن الوليد، وعياش بن أبي ربيعة، وسلمة بن هشام، والمستضعفين من المؤمنين. اللهم، اشدد وطأتك على مضر واجعلها عليهم سنين كسني يوسف". وكان يقنت يدعو للمؤمنين، ويلعن الكفار، وكان قنوته في الفجر.
وثبت عنه في الصحيح أنه قنت في المغرب والعشاء، وفي الظهر، وفي السنن أنه قنت في العصر أيضاً?. فتنازع المسلمون في القنوت على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه منسوخ، فلا يشرع بحال، بناء على أن النبي صلى الله عليه وسلم قنت، ثم ترك، والترك نسخ للفعل، كما أنه لما كان يقوم للجنازة، ثم قعد. جعل القعود ناسخاً للقيام، وهذا قول طائفة من أهل العراق كأبي حنيفة وغيره.
والثاني: أن القنوت مشروع دائماً، وأن المداومة عليه سنة، وأن ذلك يكون في الفجر.
ثم من هؤلاء من يقول: السنة أن يكون قبل الركوع بعد القراءة سراً، وألا يقنت بسوي: اللهم، إنا نستعينك... إلى آخرها، واللهم، إياك نعبد، إلى آخرها، كما يقول: مالك.
ومنهم من يقول: السنة أن يكون بعد الركوع جهراً. ويستحب أن يقنت بدعاء الحسن بن على الذي رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم قي قنوته: "اللهم اهدني فيمن هديت..." إلى آخره. وإن كانوا قد يجوزون القنوت قبل وبعد. وهؤلاء قد يحتجون بقوله تعالى: {حَافِظُواْ على الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَي وَقُومُواْ لِلّهِ قَانِتِينَ} [البقرة: 238]، ويقولون: الوسطى: هي الفجر، والقنوت فيها. وكلتا المقدمتين ضعيفة:
أما الأولى: فقد ثبت بالنصوص الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الصلاة الوسطي هي العصر، وهذا أمر لا يشك فيه من عرف الأحاديث المأثورة. ولهذا اتفق على ذلك علماء الحديث وغيرهم. وإن كان للصحابة والعلماء في ذلك مقالات متعددة، فإنهم تكلموا بحسب اجتهادهم.
وأما الثانية: فالقنوت هو المداومة على الطاعة، وهذا يكون في القيام، والسجود. كما قال تعالى: {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاء اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ} [الزمر: 9]. ولو أريد به إدامة القيام كما قيل في قوله: {يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي} [آل عمران: 43]، فحمل ذلك على إطالته القيام للدعاء، دون غيره، لا يجوز؛ لأن الله أمر بالقيام له قانتين، والأمر يقتضي الوجوب، وقيام الدعاء المتنازع فيه لا يجب بالإجماع؛ ولأن القائم في حال قراءته هو قانت للَّه أيضاً ولأنه قد ثبت في الصحيح: أن هذه الآية لما نزلت أمروا بالسكوت، ونهوا عن الكلام. فعلم أن السكوت هو من تمام القنوت المأمور به.
ومعلوم أن ذلك واجب في جميع أجزاء القيام؛ ولأن قوله: {وَقُومُواْ لِلّهِ قَانِتِينَ} [البقرة: 238]، لا يختص بالصلاة الوسطي. سواء كانت الفجر أو العصر؛ بل هو معطوف على قوله: {حَافِظُواْ على الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَي وَقُومُواْ لِلّهِ قَانِتِينَ} [البقرة: 238]، فيكون أمرا بالقنوت مع الأمر بالمحافظة، والمحافظة تتناول الجميع، فالقيام يتناول الجميع.
واحتجوا أيضاً بما رواه الإمام أحمد في مسنده، والحاكم في صحيحه، عن أبي جعفر الرازي عن الربيع بن أنس، عن أنس: أن النبي صلى الله عليه وسلم ما زال يقنت حتى فارق الدنيا قالوا: وقوله في الحديث الآخر: ثم تركه، أراد ترك الدعاء على تلك
القبائل، لم يترك نفس القنوت.
وهذا بمجرده لا يثبت به سنة راتبة في الصلاة، وتصحيح الحاكم دون تحسين الترمذي. وكثيراً ما يصحح الموضوعات، فإنه معروف بالتسامح في ذلك، ونفس هذا الحديث لا يخص القنوت قبل الركوع أو بعده، فقال: ما قنت رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الركوع إلا شهراً ?، فهذا حديث صحيح صريح عن أنس أنه لم يقنت بعد الركوع إلا شهراً، فبطل ذلك التأويل.
والقنوت قبل الركوع قد يراد به طول القيام قبل الركوع، سواء كان هناك دعاء زائد، أو لم يكن. فحينئذ، فلا يكون اللفظ دالا على قنوت الدعاء، وقد ذهب طائفة إلى أنه يستحب القنوت الدائم في الصلوات الخمس، محتجين بأن النبي صلى الله عليه وسلم قنت فيها ولم يفرق بين الراتب والعارض، وهذا قول شاذ.
والقول الثالث: أن النبي صلى الله عليه وسلم قنت لسبب نزل به ثم تركه عند عدم ذلك السبب النازل به، فيكون القنوت مسنوناً عند النوازل، وهذا القول هو الذي عليه فقهاء أهل الحديث، وهو المأثور عن الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم.
فإن عمر رضي الله عنه لما حارب النصاري قنت عليهم القنوت المشهور: اللهم عذب كفرة أهل الكتاب... إلى آخره. وهو الذي جعله بعض الناس سنة في قنوت رمضان، وليس هذا القنوت سنة راتبة، لا في رمضان ولا غيره، بل عمر قنت لما نزل بالمسلمين من النازلة، ودعا في قنوته دعاء يناسب تلك النازلة، كما أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قنت أولا على قبائل بني سليم الذين قتلوا القراء، دعا عليهم بالذي يناسب مقصوده ثم لما قنت يدعو للمستضعفين من أصحابه دعا بدعاء يناسب مقصوده. فسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين تدل على شيئين:
أحدهما: أن دعاء القنوت مشروع عند السبب الذي يقتضيه،ليس بسنة دائمة في الصلاة.
الثاني: أن الدعاء فيه ليس دعاء راتباً، بل يدعو في كل قنوت بالذي يناسبه، كما دعا النبي صلى الله عليه وسلم أولا، وثانياً. وكما دعا عمر. وعلى رضي الله عنهم لما حارب من حاربه في الفتنة، فقنت ودعا بدعاء يناسب مقصوده، والذي يبين هذا أنه لو كان النبي صلى الله عليه وسلم يقنت دائماً، ويدعو بدعاء راتب، لكان المسلمون ينقلون هذا عن نبيهم، فإن هذا من الأمور التي تتوفر الهمم والدواعي على نقلها، وهم الذين نقلوا عنه في قنوته ما لم يداوم عليه، وليس بسنة راتبة، كدعائه على الذين قتلوا أصحابه، ودعائه للمستضعفين من أصحابه، ونقلوا قنوت عمر وعلي على من كانوا يحاربونهم.
فكيف يكون النبي صلى الله عليه وسلم يقنت دائما في الفجر أو غيرها، ويدعو بدعاء راتب، ولم ينقل هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم لا في خبر صحيح، ولا ضعيف؟! بل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الذين هم أعلم الناس بسنته، وأرغب الناس في اتباعها، كابن عمر وغيره، أنكروا، حتى قال ابن عمر: ما رأينا ولا سمعنا. وفي رواية: أرأيتكم قيامكم هذا: تدَّعون. ما رأينا ولا سمعنا. أفيقول مسلم: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقنت دائما؟! وابن عمر يقول: ما رأينا، ولا سمعنا. وكذلك غير ابن عمر من الصحابة، عدوا ذلك من الأحداث المبتدعة.
ومن تدبر هذه الأحاديث في هذا الباب، علم علماً يقيناً قطعياً أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يقنت دائماً في شيءٍ من الصلوات، كما يعلم علماً يقينياً أنه لم يكن يداوم على القنوت في الظهر والعشاء والمغرب، فإن من جعل القنوت في هذه الصلوات سنة راتبة يحتج بما هو من جنس حجة الجاهلين له في الفجر سنة راتبة. ولا ريب أنه قد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قنت في هذه الصلوات؛ لكن الصحابة بينوا الدعاء الذي كان يدعو به، والسبب الذي قنت له، وأنه ترك ذلك عند حصول المقصود، نقلوا ذلك في قنوت الفجر، وفي قنوت العشاء أيضاً.
والذي يوضح ذلك، أن الذين جعلوا من سنة الصلاة أن يقنت دائماً بقنوت الحسن بن على، أو بسورتي أُبي، ليس معهم إلا دعاء عارض، والقنوت فيها إذا كان مشروعاً، كان مشروعاً للإمام والمأموم والمنفرد، بل وأوضح من هذا أنه لو جعل جاعل قنوت الحسن، أو سورتي أبي سنة راتبة في المغرب والعشاء، لكان حاله شبيهاً بحال من جعل ذلك سنة راتبة في الفجر؛ إذ هؤلاء ليس معهم في الفجر إلا قنوت عارض بدعاء يناسب ذلك العارض، ولم ينقل مسلم دعاء في قنوت غير هذا، كما لم ينقل ذلك في المغرب والعشاء. وإنما وقعت الشبهة لبعض العلماء في الفجر؛ لأن القنوت فيها كان أكثر، وهي أطول. والقنوت يتبع الصلاة، وبلغهم أنه داوم عليه، فظنوا أن السنة المداومة عليه، ثم لم يجدوا معهم سنة بدعائه. فسنوا هذه الأدعية المأثورة في الوتر، مع أنهم لا يرون ذلك سنة راتبة في الوتر.
وقفت على كلام لشيخ الاسلام بن تيمية رحمه الله في مجموع الفتاوى الجزء الثالث و العشرون باب صلاة التطوع سأل عن سنية المداومة على القنوت في الصبح دائما فأجاب رحمه الله كعادته جوابا مفصلا شافيا كافيا في هذه المسألة ذكر فيه جميع الأقوال و رجح فيه القول الصواب
و يتلخص جوابه في أن القنوت في الصبح ليس بسنة دائما كما هو مذهب الإمام مالك رحمه الله و انما هو سنة عند النوازل فقط و هو القول الذي عليه فقهاء أهل الحديث و الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم
و بما أن العمل بقنوت الصبح معمول به في بلدان المغرب العربي بصفة عامة أحببت أن أنقل لكم كلامه رحمه منبها على أن هذه المسألة هي من المسائل الخلافية التي يسوغ فيها الإجتهاد كما نبه على هذا الشيخ رحمه الله في نفس الجواب و كذالك في كتابه رفع الملام عن الائمة الأعلام و أنه ينبغي للمؤموم أن يتبع امامه في المسائل التي يسوغ فيها الاجتهاد فاذا قنت امامه قنت و ان ترك الامام القنوت ترك تبعا للادلة الواردة في متابعة الإمام و التي سيذكرها في آخر جوابه
و ذكر الشيخ ايضا في كتابه رفع الملام عن الأئمة الاعلام أن هذه مسألة اجتهادية مما اختلف فيها السلف فمن ترجح عنده تقليد الإمام مالك لم يُنكر عليه من ترجح عنده تقليد الإمام أحمد و هكذا
ــــــــــــ
وسئل:
هل قنوت الصبح دائماً سنة؟ ومن يقول: إنه من أبعاض الصلاة التي تجبر بالسجود، وما يجبر إلا الناقص. والحديث "ما زال رسول الله صلى الله عليه وسلم يقنت حتى فارق الحياة": فهل هذا الحديث من الأحاديث الصحاح؟ وهل هو هذا القنوت؟ وما أقوال العلماء في ذلك؟ وما حجة كل منهم؟ وإن قنت لنازلة: فهل يتعين قوله، أو يدعو بما شاء؟
فأجاب:
الحمد للَّه رب العالمين، قد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه قنت شهراً يدعو على رَعْل وذَكْوان وعصية، ثم تركه. وكان ذلك لما قتلوا القراء من الصحابة.
وثبت عنه أنه قنت بعد ذلك بمدة بعد صلح الحديبية، وفتح خيبر، يدعو للمستضعفين من أصحابه الذين كانوا بمكة. ويقول في قنوته: "اللهم، انج الوليد بن الوليد، وعياش بن أبي ربيعة، وسلمة بن هشام، والمستضعفين من المؤمنين. اللهم، اشدد وطأتك على مضر واجعلها عليهم سنين كسني يوسف". وكان يقنت يدعو للمؤمنين، ويلعن الكفار، وكان قنوته في الفجر.
وثبت عنه في الصحيح أنه قنت في المغرب والعشاء، وفي الظهر، وفي السنن أنه قنت في العصر أيضاً?. فتنازع المسلمون في القنوت على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه منسوخ، فلا يشرع بحال، بناء على أن النبي صلى الله عليه وسلم قنت، ثم ترك، والترك نسخ للفعل، كما أنه لما كان يقوم للجنازة، ثم قعد. جعل القعود ناسخاً للقيام، وهذا قول طائفة من أهل العراق كأبي حنيفة وغيره.
والثاني: أن القنوت مشروع دائماً، وأن المداومة عليه سنة، وأن ذلك يكون في الفجر.
ثم من هؤلاء من يقول: السنة أن يكون قبل الركوع بعد القراءة سراً، وألا يقنت بسوي: اللهم، إنا نستعينك... إلى آخرها، واللهم، إياك نعبد، إلى آخرها، كما يقول: مالك.
ومنهم من يقول: السنة أن يكون بعد الركوع جهراً. ويستحب أن يقنت بدعاء الحسن بن على الذي رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم قي قنوته: "اللهم اهدني فيمن هديت..." إلى آخره. وإن كانوا قد يجوزون القنوت قبل وبعد. وهؤلاء قد يحتجون بقوله تعالى: {حَافِظُواْ على الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَي وَقُومُواْ لِلّهِ قَانِتِينَ} [البقرة: 238]، ويقولون: الوسطى: هي الفجر، والقنوت فيها. وكلتا المقدمتين ضعيفة:
أما الأولى: فقد ثبت بالنصوص الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الصلاة الوسطي هي العصر، وهذا أمر لا يشك فيه من عرف الأحاديث المأثورة. ولهذا اتفق على ذلك علماء الحديث وغيرهم. وإن كان للصحابة والعلماء في ذلك مقالات متعددة، فإنهم تكلموا بحسب اجتهادهم.
وأما الثانية: فالقنوت هو المداومة على الطاعة، وهذا يكون في القيام، والسجود. كما قال تعالى: {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاء اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ} [الزمر: 9]. ولو أريد به إدامة القيام كما قيل في قوله: {يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي} [آل عمران: 43]، فحمل ذلك على إطالته القيام للدعاء، دون غيره، لا يجوز؛ لأن الله أمر بالقيام له قانتين، والأمر يقتضي الوجوب، وقيام الدعاء المتنازع فيه لا يجب بالإجماع؛ ولأن القائم في حال قراءته هو قانت للَّه أيضاً ولأنه قد ثبت في الصحيح: أن هذه الآية لما نزلت أمروا بالسكوت، ونهوا عن الكلام. فعلم أن السكوت هو من تمام القنوت المأمور به.
ومعلوم أن ذلك واجب في جميع أجزاء القيام؛ ولأن قوله: {وَقُومُواْ لِلّهِ قَانِتِينَ} [البقرة: 238]، لا يختص بالصلاة الوسطي. سواء كانت الفجر أو العصر؛ بل هو معطوف على قوله: {حَافِظُواْ على الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَي وَقُومُواْ لِلّهِ قَانِتِينَ} [البقرة: 238]، فيكون أمرا بالقنوت مع الأمر بالمحافظة، والمحافظة تتناول الجميع، فالقيام يتناول الجميع.
واحتجوا أيضاً بما رواه الإمام أحمد في مسنده، والحاكم في صحيحه، عن أبي جعفر الرازي عن الربيع بن أنس، عن أنس: أن النبي صلى الله عليه وسلم ما زال يقنت حتى فارق الدنيا قالوا: وقوله في الحديث الآخر: ثم تركه، أراد ترك الدعاء على تلك
القبائل، لم يترك نفس القنوت.
وهذا بمجرده لا يثبت به سنة راتبة في الصلاة، وتصحيح الحاكم دون تحسين الترمذي. وكثيراً ما يصحح الموضوعات، فإنه معروف بالتسامح في ذلك، ونفس هذا الحديث لا يخص القنوت قبل الركوع أو بعده، فقال: ما قنت رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الركوع إلا شهراً ?، فهذا حديث صحيح صريح عن أنس أنه لم يقنت بعد الركوع إلا شهراً، فبطل ذلك التأويل.
والقنوت قبل الركوع قد يراد به طول القيام قبل الركوع، سواء كان هناك دعاء زائد، أو لم يكن. فحينئذ، فلا يكون اللفظ دالا على قنوت الدعاء، وقد ذهب طائفة إلى أنه يستحب القنوت الدائم في الصلوات الخمس، محتجين بأن النبي صلى الله عليه وسلم قنت فيها ولم يفرق بين الراتب والعارض، وهذا قول شاذ.
والقول الثالث: أن النبي صلى الله عليه وسلم قنت لسبب نزل به ثم تركه عند عدم ذلك السبب النازل به، فيكون القنوت مسنوناً عند النوازل، وهذا القول هو الذي عليه فقهاء أهل الحديث، وهو المأثور عن الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم.
فإن عمر رضي الله عنه لما حارب النصاري قنت عليهم القنوت المشهور: اللهم عذب كفرة أهل الكتاب... إلى آخره. وهو الذي جعله بعض الناس سنة في قنوت رمضان، وليس هذا القنوت سنة راتبة، لا في رمضان ولا غيره، بل عمر قنت لما نزل بالمسلمين من النازلة، ودعا في قنوته دعاء يناسب تلك النازلة، كما أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قنت أولا على قبائل بني سليم الذين قتلوا القراء، دعا عليهم بالذي يناسب مقصوده ثم لما قنت يدعو للمستضعفين من أصحابه دعا بدعاء يناسب مقصوده. فسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين تدل على شيئين:
أحدهما: أن دعاء القنوت مشروع عند السبب الذي يقتضيه،ليس بسنة دائمة في الصلاة.
الثاني: أن الدعاء فيه ليس دعاء راتباً، بل يدعو في كل قنوت بالذي يناسبه، كما دعا النبي صلى الله عليه وسلم أولا، وثانياً. وكما دعا عمر. وعلى رضي الله عنهم لما حارب من حاربه في الفتنة، فقنت ودعا بدعاء يناسب مقصوده، والذي يبين هذا أنه لو كان النبي صلى الله عليه وسلم يقنت دائماً، ويدعو بدعاء راتب، لكان المسلمون ينقلون هذا عن نبيهم، فإن هذا من الأمور التي تتوفر الهمم والدواعي على نقلها، وهم الذين نقلوا عنه في قنوته ما لم يداوم عليه، وليس بسنة راتبة، كدعائه على الذين قتلوا أصحابه، ودعائه للمستضعفين من أصحابه، ونقلوا قنوت عمر وعلي على من كانوا يحاربونهم.
فكيف يكون النبي صلى الله عليه وسلم يقنت دائما في الفجر أو غيرها، ويدعو بدعاء راتب، ولم ينقل هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم لا في خبر صحيح، ولا ضعيف؟! بل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الذين هم أعلم الناس بسنته، وأرغب الناس في اتباعها، كابن عمر وغيره، أنكروا، حتى قال ابن عمر: ما رأينا ولا سمعنا. وفي رواية: أرأيتكم قيامكم هذا: تدَّعون. ما رأينا ولا سمعنا. أفيقول مسلم: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقنت دائما؟! وابن عمر يقول: ما رأينا، ولا سمعنا. وكذلك غير ابن عمر من الصحابة، عدوا ذلك من الأحداث المبتدعة.
ومن تدبر هذه الأحاديث في هذا الباب، علم علماً يقيناً قطعياً أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يقنت دائماً في شيءٍ من الصلوات، كما يعلم علماً يقينياً أنه لم يكن يداوم على القنوت في الظهر والعشاء والمغرب، فإن من جعل القنوت في هذه الصلوات سنة راتبة يحتج بما هو من جنس حجة الجاهلين له في الفجر سنة راتبة. ولا ريب أنه قد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قنت في هذه الصلوات؛ لكن الصحابة بينوا الدعاء الذي كان يدعو به، والسبب الذي قنت له، وأنه ترك ذلك عند حصول المقصود، نقلوا ذلك في قنوت الفجر، وفي قنوت العشاء أيضاً.
والذي يوضح ذلك، أن الذين جعلوا من سنة الصلاة أن يقنت دائماً بقنوت الحسن بن على، أو بسورتي أُبي، ليس معهم إلا دعاء عارض، والقنوت فيها إذا كان مشروعاً، كان مشروعاً للإمام والمأموم والمنفرد، بل وأوضح من هذا أنه لو جعل جاعل قنوت الحسن، أو سورتي أبي سنة راتبة في المغرب والعشاء، لكان حاله شبيهاً بحال من جعل ذلك سنة راتبة في الفجر؛ إذ هؤلاء ليس معهم في الفجر إلا قنوت عارض بدعاء يناسب ذلك العارض، ولم ينقل مسلم دعاء في قنوت غير هذا، كما لم ينقل ذلك في المغرب والعشاء. وإنما وقعت الشبهة لبعض العلماء في الفجر؛ لأن القنوت فيها كان أكثر، وهي أطول. والقنوت يتبع الصلاة، وبلغهم أنه داوم عليه، فظنوا أن السنة المداومة عليه، ثم لم يجدوا معهم سنة بدعائه. فسنوا هذه الأدعية المأثورة في الوتر، مع أنهم لا يرون ذلك سنة راتبة في الوتر.