المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : إجتماع الجيوش الاسلامية في الرد على النصرانية


ابو اسامة سمير الجزائري
18th December 2008, 09:34 AM
بسم لله و الصلاة والسلام على رسول الله أما بعد كنت فيما مضى قد طالعت العشرات من الكتب و البحوث في الرد على النصرانية و من أفضل هذه الكتب و أعظمها على الاطلاق كتاب (إظهار الحق) للشيخ رحمة الله الهندي لانه رد عليهم من كتبهم و من أقوال علماءهم ثم و قع بين يدي كتاب مختصر اظهار الحق فإستخرت الله في إختصاره لنفاسته ثم إستخرت الله في إنزاله إلى الانترنت راجيا منه سبحانه أن يكتب له القبول بكرمه و منه وفضله و ستكون لي مع النصارى جولات أخرى إن شاء الله فلتقر أعينهم و الله الموفق لا رب سواه.

بيان الأمور التي يجب التنبيه عليها
*النقول عن كتب البروتستانت في كثير من المواضع وردت بطريق الإلزام لا على سبيل الاعتقاد
* البروتستانت يغيرون كتبهم بتبديل بعض المضامين بالزيادة أو بالنقص ويقع الاختلاف الكبير بين الطبعات اللاحقة والسابقة.
* لا حرج في إطلاق لفظ الغلط أو الخطأ أو الكذب على كثير من المضامين المفتراة على الأنبياء لأنها من التحريف وليست من كلام الله ولا يعد إساءة أدب إلى الكتب السماوية. * علماء النصارى يأخذون الأقوال الضعيفة القليلة في كتب المسلمين ويشهرونها ثم يردون عليها ويوهمون أن كتب المسلمين مليئة بالأقوال الضعيفة ويتركون الأقوال القوية ولا يشيرون إليها وإذا نقلوا قولا فتصدر عنهم الخيانة في النقل بتحريفه أو بالنقص منه * الدكتور القسيس فندر في المناظرة الكبرى التي جرت بينه وبين الشيخ رحمت الله في الهند عام 1270 هـ 1854م طبعها بالإنجليزية بعد التحريف التام لأقوال الفريقين وفي بعض كتبه كان يترجم الآيات القرآنية ويفسرها برأيه ثم يعترض عليها ويدَّعِي أن التفسير الصحيح تفسيره لا تفسير علماء المسلمين وهو جاهل باللغة العربية وبالعلوم القرآنية جهلا تاما.
بيان أسماء كتب العهد العتيق والجديد وإثبات تحريفها ونسخها
بيان أسمائها وتعدادها
*النصارى يقسمون كتبهم إلى قسمين:
الأول: يدعون أنه كتب بواسطة الذين كانوا قبل عيسى r ويسمونه العهد العتيق أو العهد القديم.
الثاني: يدعون أنه كتب بالإلهام بعد عيسى r ويسمونه العهد الجديد.
*يطلقون على مجموع العهدين القديم والجديد اسم بيبل هو لفظ يوناني معناه الكتاب ويكتبون على الغلاف الذي يضم كتب العهدين اسم الكتاب المقدس.
*العهد القديم هو القسم الأول من بيبل كتابهم المقدس فيحتوي الآن على تسعة وثلاثين سفرا:
1 - سفر التكوين( سفر الخليقة). 2 - سفر الخروج.
3 - سفر الأحبار( سفر اللاويين) 4 - سفر العدد.
5 - سفر التثنية.
*مجموع هذه الخمسة يطلقون عليه اسم أسفار موسى الخمسة وتسمى بالتوراة وهي كلمة عبرية بمعنى القانون والشريعة لكنهم الآن يطلقون التوراة إطلاقا مجازيا على مجموع كتب العهد القديم أي على أسفار موسى الخمسة التوراة وملحقاتها الآتية:
6 - سفر يشوع ( يوشع بن نون ) . 7 - سفر القضاة .
8 - سفر راعوث . 9 - سفر صموئيل الأول .
10 - سفر صموئيل الثاني . 11 - سفر الملوك الأول.
12 - سفر الملوك الثاني. 13 - سفر أخبار الأيام الأول.
14 - سفر أخبار الأيام الثاني. 15 - سفر عزرا الأول.
16 - سفر عزرا الثاني ( سفر نحميا ). 17 - سفر أستير.
18 - سفر أيوب. 19 - سفر الزبور( المزامير).
20 - سفر الأمثال( أمثال سليمان ). 21 - سفر الجامعة.
22 - سفر نشيد الأنشاد. 23 - سفر إشعياء.
24 - سفر إرميا. 25 - سفر مراثي إرميا .
26 - سفر حزقيال . 27 - سفر دانيال .
28 - سفر هوشع . 29 - سفر يوئيل .
30 - سفر عاموس . 31 - سفر عوبديا .
32 - سفر يونان ( يونس ) . 33 - سفر ميخا . 34 - سفر ناحوم . 35 - سفر حبقوق .
36 - سفر صفنيا . 37 - سفر حجي .
38 - سفر زكريا .
39 - سفر ملاخي وكان ملاخي قبل ميلاد المسيح r بنحو أربعمائة وعشرين سنة.
* السامريون لا يعترفون إلا بسبعة منها الأسفار الخمسة المنسوبة لموسى r وسفري يوشع والقضاة وتخالف نسخة التوراة السامرية نسخة التوراة العبرانية التي لليهود وهما تخالفان نسخة التوراة اليونانية قلت (أبو جهاد كان الله له) وهذه هي الضربة القاضية الأولى و هي أن نسخ التوراة ثلاث نسخ متضاربة متناقضة سامرية و عبرانية و يونانية بل فيها أكثر من مئتي ألف خطأ فأيها المنزلة على موسى عليه الصلاة و السلام ؟؟؟؟. وتوجد في نسخة التوراة اليونانية سبعة أسفار زائدة عما في العبرانية يطلق عليها أسفار الأبوكريفا وأسماؤها كما يلي:
1 - سفر باروخ . 2 - سفر طوبيا .
3 - سفر يهوديت . 4 - سفر وزدم ( حكمة سليمان ) .
5 - سفر إيكليزيا ستيكس ( يشوع بن سيراخ ) . 6 - سفر المكابيين الأول .
7 - سفر المكابيين الثاني .
* التوراة اليونانية محتوية على ستة وأربعين سفرا.
* العهد الجديد الذي هو القسم الثاني من بيبل كتابهم المقدس فيحتوي الآن على سبعة وعشرين سفرا فيما يلي أسماؤها:
1 - إنجيل متى . 2 - إنجيل مرقس .
3 - إنجيل لوقا . 4 - إنجيل يوحنا . *لفظ الإنجيل مختص بهذه الأسفار الأربعة فيقال لها الأناجيل الأربعة هو لفظ معرب أصله في اليوناني إنكليوس ومعناه البشارة والتعليم والخبر السار لكنهم الآن يطلقون لفظ الإنجيل إطلاقا مجازيا على مجموع كتب العهد الجديد أي على الأناجيل الأربعة وملحقاتها الآتي ذكرها:
5 - سفر أعمال الرسل الإبركسيس. 6 - رسالة بولس إلى أهل رومية .
7 - رسالة بولس الأولى إلى أهل كورنثوس . 8 - رسالة بولس الثانية إلى أهل كورنثوس.
9 - رسالة بولس إلى أهل غلاطية. 10 - رسالة بولس إلى أهل أفسس .
11 - رسالة بولس إلى أهل فيلبي . 12 - رسالة بولس إلى أهل كولوسي .
13 - رسالة بولس الأول إلى أهل تسالونيكي . 14 - رسالة بولس الثاني إلى أهل تسالونيكي .
15 - رسالة بولس الأولى إلى تيموثاوس . 16 - رسالة بولس الثانية إلى تيموثاوس .
17 - رسالة بولس إلى تيطس . 18 - رسالة بولس إلى فليمون .
19 - الرسالة إلى العبرانيين وتنسب إلى بولس.20 - رسالة يعقوب .
21 - رسالة بطرس الأولى . 22 - رسالة بطرس الثانية .
23 - رسالة يوحنا الأولى 24 - رسالة يوحنا الثانية .
25 - رسالة يوحنا الثالثة . 26 - رسالة يهوذا .
27 - رؤيا يوحنا اللاهوتي ( المشاهدات) .
* مجموع أسفار بيبل الكتاب المقدس عند النصارى كما يأتي :
على حسب التوراة العبرانية العهد القديم39 + العهد الجديد27 = 66 سفرا.
على حسب التوراة اليونانية العهد القديم46 + العهد الجديد27 = 73 سفرا.
* انعقد مجمع لعلماء النصارى بأمر قسطنطين الأول سنة (325م) في بلدة نائس ( نيقية) لإصدار حكم في الأسفار المشكوكة فحكم بعد المشاورة والتحقيق بوجوب تسليم سفر يهوديت فقط وبرفض أربعة عشر سفرا واعتبارها مشكوكة ومكذوبة لا يجوز التسليم بصحتها وهي :
1 - سفر أستير. 2 - رسالة يعقوب .
3 - رسالة بطرس الثانية . 4 - رسالة يوحنا الثانية .
5 - رسالة يوحنا الثالثة . 6 - رسالة يهوذا .
7 - الرسالة إلى العبرانيين. 8 - سفر وزدم ( حكمة سليمان ) .
9 - سفر طوبيا . 10 - سفر باروخ .
11 - سفر إيكليزيا ستيكس. 12 - سفر المكابيين الأول .
13 - سفر المكابيين الثاني . 14 - سفر مشاهدات يوحنا ( رؤيا يوحنا اللاهوتي ) . *يظهر ذلك جليا من المقدمة التي كتبها جيروم ( المتوفى سنة 420م) على سفر يهوديت.
*بعد تسع وثلاثين سنة فقط انعقد مجمع لعلماء النصارى سنة ( 364م) في بلدة لوديسيا (لاودكية) وحكم بوجوب التسليم بالأسفار السبعة الأولى من الأسفار التي رفضها مجمع نيقية واعتبار هذه السبعة صحيحة غير مكذوبة وإبقاء السبعة الأخرى مشكوكة مكذوبة لا يجوز التسليم بصحتها وأكد المجمع هذا الحكم بالرسالة العامة *بعد ثلاث وثلاثين سنة انعقد مجمع لعلماء النصارى سنة 397م في بلدة كارتهيج ( قرطاجة على خليج تونس) حكم بوجوب التسليم بالأسفار السبعة الأخرى التي رفضها المجمعان السابقان وأن جميع الأسفار المشكوكة المكذوبة هي صحيحة واجبة التسليم ومقبولة عند جمهور النصارى *بقي الأمر على هذا القبول مدة اثني عشر قرنا إلى أن ظهرت فرقة البروتستانت في أواسط القرن السادس عشر الميلادي فرفضت هذه الفرقة سفر يهوديت وسفر وزدم وسفر طوبيا وسفر باروخ وسفر إيكليزيا ستيكس وسفري المكابيين الأول والثاني وكان سفر أستير ستة عشر (16) بابا ( أصحاحا) فقبلت منه هذه الفرقة البروتستانتية الإصحاحات التسعة الأولى إلى نهاية الفقرة الثالثة من الإصحاح العاشر ورفضت منه من الفقرة الرابعة إلى نهاية الإصحاح السادس عشر واحتجت هذه الفرقة في رفضها الأسفار السابقة بما يلي :
1 - الأصل العبراني لهذه الأسفار مفقود والموجود هو ترجمة لها. 2 - اليهود العبرانيين لا يعترفون بهذه الأسفار ( أسفار أبو كريفا العهد القديم ).
3 - هذه الأسفار مرفوضة من قبل كثير من النصارى ولم يحصل الإجماع على قبولها.
4 - جيروم ( المتوفى 420م) قال بأن هذه الأسفار ليست كافية لتقرير المسائل الدينية وإثباتها.
5 - كلوس صرح بأن هذه الأسفار لا تقرأ في كل موضع منها.
6 - المؤرخ يوسي بيس صرح بأن هذه الأسفار محرفة ولا سيما سفر المكابيين الثاني.
*فأنظر رعاك الله إلى الكتب التي أجمع على رفضها ألوف الأسلاف لفقدان أصولها وتحريفها وكانت مردودة عند اليهود وفاقدة لصفة الوحي والإلهام صارت عند الخلف إلهامية مقبولة واجبة التسليم وفرقة الكاثوليك إلى الآن تسلم بجميع كتب الأبوكريفا المشكوكة المكذوبة سواء منها أبوكريفا العهد القديم أو أبوكريفا العهد الجديد تقليدا لمجمع كارتهيج ( قرطاجة)
إذن حكم تلك المجامع يعد حجة قوية لخصوم النصارى الطاعنين في صحة كتبهم وإلهاميتها. قلت أبوجهاد بل هي الضربة القاضية الثانية لأي مناظر نصراني مهما كانت قوته فعض عليها بالنواجذ.
* أهل الكتاب لا يوجد عندهم سند متصل لكتاب من كتب العهد العتيق والجديد ولا مجال لهم أن يدعوا أن هذه الكتب المشتهرة الآن مكتوبة بالإلهام قلت(أبو جهاد) و قد تحداهم الشيخ رحمةالله الهندي أن ياتوه باسانيد لكتبهم فلم يأتوا ولن يأتوا بها إلى يوم الدين و هذه هي الضربة القاضية الثالثة فإحفظها جيدا.
*الكتاب السماوي الواجب التسليم هو الكتاب الذي يكتب بواسطة نبي من الأنبياء ويصل بالسند المتصل بلا تغيير أما أن ينسب الكتاب إلى شخص ذي إلهام بمجرد الظن فلا يكفي لإثبات أنه من تصنيفه حتى لو ادعت تلك النسبة فرقة أو عدة فرق ألا ترى أن كتبا من العهد القديم منسوبة إلى موسى وعزرا وإشعياء وإرميا وحبقوق وسليمان r ولم يثبت بدليل ما صحة نسبتها إليهم بسبب فقدان السند المتصل لتلك الكتب ؟!
* كتب من العهد الجديد جاوزت السبعين منسوبة إلى عيسى ومريم والحواريين وتابعيهم وتجمع فرق النصارى الآن على عدم صحة نسبتها إليهم وعلى أنها من الأكاذيب المختلقة.
* أسفار الأبوكريفا واجبة التسليم عند الكاثوليك وواجبة الرد عند اليهود والبروتستانت ؟! * طلب الشيخ رحمت الله (رحمه الله) مرارا من علماء النصارى في مناظراته لهم بيان السند المتصل لأي كتاب من كتب العهدين فاعتذروا بأن سبب فقدان السند المتصل هو وقوع المصائب على النصارى إلى مدة ثلاثمائة وثلاث عشرة سنة؟؟؟.
* التوراة الحالية المنسوبة لموسى r ليست من تصنيفه ويدل على ذلك عدة أمور : 1-هذه التوراة انقطع تواترها قبل زمان الملك يوشيا بن آمون الذي تولى الملك سنة 638ق.م والنسخة التي وجدت بعد 18 سنة من توليه الحكم فلا اعتماد عليها لأن الكاهن حلقيا هو اخترعها فالغالب أنها ضاعت قبل أن يكتسح بختنصر بلاد فلسطين عام 587 ق.م ولو فرضنا عدم ضياعها ففي اكتساحه بلاد فلسطين انعدمت التوراة وسائر كتب العهد العتيق ولم يبق لها أثر ويزعمون أن عزرا كتب بعض الأسفار في بابل لكن ما كتبه عزرا ضاع في اكتساح أنتيوكس ( أنطيوخس الرابع ) بلاد فلسطين فقد حكم سوريا ما بين سنتي 175 - 163 ق.م وأراد أن يمحق ديانة اليهود ويصبغ فلسطين بالصبغة الهيلينية فباع مناصب أحبار اليهود بالثمن وقتل منهم ما بين 80 ألفا ونهب أمتعة الهيكل وقرب خنزيرة وقودا على مذبح اليهود وأمر عشرين ألف جندي بمحاصرة القدس فانقضوا عليها يوم السبت أثناء اجتماع اليهود للصلاة فنهبوها وأشعلوا فيها النيران وقتلوا كل إنسان فيها ولم ينج إلا من فر إلى الجبال أو اختفى في المغائر والكهوف. 2- اختلافات وتناقضات كبيرة جدا وقعت بين أسفار التوراة الحالية وبين سفري أخبار الأيام الأول والثاني اللذين صنفهما عزرا بمعاونة حجي وزكريا r وأجمع علماء أهل الكتاب على أن عزرا غلط لاعتماده على أوراق ناقصة فلم يميز بين الأبناء وأبناء الأبناء وهؤلاء الأنبياء الثلاثة كانوا متبعين للتوراة فلو كانت توراة موسى هي هذه الموجودة الآن ما خالفوها وما وقعوا في الغلط الفاحش باعتمادهم على أوراق ناقصة ولو كانت التوراة التي كتبها عزرا مكتوبة بالإلهام كما يزعمون ما وقع الاختلاف الفاحش بينها وبين سفري أخبار الأيام الأول والثاني وبهذا ظهر جليا أن التوراة الحالية ليست هي المكتوبة في زمان موسى r ولا هي التي كتبها عزرا والحق الذي لا شك فيه أن هذه التوراة الحالية مجموعة من الروايات والقصص التي اشتهرت بين اليهود ثم جمعها أحبارهم بلا تمحيص للروايات ووضعوها في هذا المجموع المسمى بكتب العهد القديم الذي يضم الأسفار الخمسة المنسوبة لموسى r والأسفار الملحقة بها وهذا الرأي منتشر الآن في أوربا وبخاصة بين علماء الألمان.
3- اختلافات وتناقضات صريحة في الأحكام وقعت بين أسفار التوراة الحالية وبين سفر حزقيال فلو كانت التوراة الصحيحة هذه الآن ما خالفها حزقيال في الأحكام.
4- لا يظهر من أي موضع في التوراة الحالية أن كاتبها كان يكتب حالات نفسه أو المعاملات التي رآها بعينه بل جميع عبارات التوراة الحالية تشهد أن كاتبها غير موسى r وهذا الكاتب جمع الروايات والقصص المشتهرة بين اليهود وميز بين الأقوال فما كان في زعمه من كلام الله أدرجه تحت قوله قال الله وما كان في زعمه من كلام موسى أدرجت تحت قوله قال موسى وعبر الكاتب عن موسى في جميع المواضع بصيغة الغائب مثل قوله: وصعد موسى فلو كانت التوراة الحالية من تصنيف موسى r لعبر عن نفسه بصيغة المتكلم ولو في موضع واحد لأن التعبير بصيغة المتكلم يقتضي زيادة الاعتبار وهذا وحده دليل كامل على أن الحالية ليست من تصنيف موسى r. 5- قال الدكتور سكندر كيدس الذي هو من علماء النصارى المعتمدين في مقدمة البيبل الجديد بأنه ثبت له بالأدلة ثلاثة أمور جزما:
- التوراة الحالية ليست من تصنيف موسى r.
- التوراة الحالية مكتوبة في فلسطين وليست في عهد موسى عندما كان بنو إسرائيل في التيه في صحراء سيناء.
- التوراة الحالية إما أن تكون ألفت في زمان سليمان r أي في القرن العاشر قبل الميلاد أو بعده إلى القرن الثامن قبل الميلاد فالحاصل بين تأليف هذه التوراة الحالية وبين وفاة موسىr أكثر من 500 عام. 6- علم بالتجربة أن الفرق يقع في اللسان الواحد بحسب اختلاف الزمان فمثلا لو لاحظت لسان الإنجليز قبل400 سنة لوجدت تفاوتا فاحشا بينه وبينه الآن وقد قال نورتن من كبار علماء النصارى بأنه لا يوجد فرق معتد به في محاورة التوراة ومحاورات سائر الكتب من العهد العتيق التي كتبت بعدما أطلق بنو إسرائيل من أسر بابل علما أن المدة الواقعة بين وفاة موسى r وبين إطلاقهم من الأسر حوالي تسعمائة عام ولأجل انعدام الفرق المعتد بين أسلوب التوراة وبين أسلوب سائر كتب العهد العتيق فإن العالم ليوسدن الذي هو ماهر جدا باللسان العبراني اعتقد أن هذه الكتب جميعها صنفت في زمان واحد.
7- ورد في سفر التثنية 27 / 5 و8: وتبني هناك مذبحا للرب إلهك مذبحا من حجارة لا ترفع عليها حديدا وتكتب على الحجارة جميع كلمات هذا الناموس نقشا جيدا) وورد في سفر يشوع ( يوشع بن نون ) 8 / 30 و32: حينئذ بنى يوشع مذبحا للرب إله إسرائيل في جبل عيبال وكتب هناك على الحجارة نسخة توراة موسى التي كتبها أمام بني إسرائيل) فحجارة المذبح كانت كافية لأن تكتب عليها توراة موسى فلو كانت توراة موسى هي هذه الحالية التي تضم الأسفار الخمسة بحجمها الحالي ما أمكن كتابتها على حجارة المذبح.
8 - الأغلاط الكثيرة الواقعة في التوراة والاختلافات الكثيرة بين أسفارها تنفي أن تكون هذه التوراة هي التي جاء بها موسى r لأن الكلام الذي أوحي إلى موسى أو الذي كتبه موسى أرفع من أن تقع فيه الأغلاط والاختلافات. *حال كتاب يشوع ( يوشع بن نون) هو في المنزلة الثانية بعد التوراة فعلماء أهل الكتاب لم يظهر لهم إلى الآن بطريق اليقين اسم مصنفه ولا زمان تصنيفه وافترقوا فيه على 5 أقوال:
1 - إنه تصنيف يوشع بن نون فتى موسى r.
2 - إنه تصنيف ألعازار بن هارون r.
3 - إنه تصنيف فينحاص بن ألعازار بن هارون r.
4 - وبعضهم قال : إنه تصنيف صموئيل r.
5 - وبعضهم قال : إنه تصنيف إرميا r وبين يوشع وإرميا أكثر من8 قرون فالاختلاف الفاحش دليل انعدام إسناد هذا الكتاب عندهم وأنهم يقولون بالظن وهذا الظن هو السند عندهم.
*توجد في كتاب يوشع فقرات كثيرة لا يمكن أن تكون من كلام يوشع قطعا كما فيه فقرات تدل على أن كاتبه يكون معاصرا لداود أو بعده فالكتاب ليس من تصنيف يوشع r. *يوجد بين التوراة الحالية وبين كتاب يوشع مخالفة صريحة وتناقض في بعض الأحكام فلو كانت هذه الحالية من تصنيف موسى r كما يزعمون أو كان كتاب يوشع من تصنيفه فلا يتصور أن يخالفها يوشع ويناقضها في بعض الأحكام إذ كيف يغلط يوشع فتى موسى وخليفته في معاملات كانت تجري في حضوره
*إذا عرفت حال التوراة وحال كتاب يوشع خليفة موسى r فحال بقية كتب العهد القديم ليست بأحسن من حالهما فالخلاف فيها أشد بل بعض المحققين أنكروا كتبا برمتها من كتب العهد القديم وعدوها حكايات باطلة لأن القدماء أدخلوا كتبا جعلية كثيرة في الكتب القانونية هي في الأصل كانت مردودة ومرفوضة وهذا دليل كاف على أن أهل الكتاب لا يوجد عندهم سند متصل لكتاب من كتبهم وأنهم يقولون بالظن والكتاب لا يكون إلهاميا بمجرد نسبته إلى شخص ذي إلهام. *حال الأناجيل : قدماء النصارى كافة وغير المحصورين من المتأخرين متفقون أن الإنجيل المنسوب إلى متى كان باللغة العبرانية وفقد بسبب تحريف الفرق النصرانية والفتن التي مرت على النصارى في القرون الثلاثة الأولى أما نسخة إنجيل متى الموجودة الآن باللغة العبرانية فمترجمة عن الترجمة اليونانية ولا يوجد عندهم سند هذه الترجمة ولا يعرفون اسم المترجم ولا أحواله كما اعترف به جيروم ولكنهم يقولون بالظن لعل فلانا أو فلانا ترجمه وبمثل هذا الظن لا يثبت استناد الكتاب إلى مصنفه وتوجد نصوص لأكثر من خمسين عالما تجمع على أن هذا الإنجيل المنسوب إلى متى والذي هو أول الأناجيل وأقدمها عندهم ليس من تصنيفه يقينا لأن جميع كتب العهد الجديد ألفت باللغة اليونانية ماعدا إنجيل متى والرسالة العبرانية فتأليفها بالعبرانية أمر يقيني بالأدلة القاطعة ومتى الوحيد الذي انفرد من بين كتاب الأناجيل باستعمال اللغة العبرانية فكتب إنجيله بها في فلسطين لليهود العبرانيين الذين كانوا ينتظرون شخصا موعودا من نسل إبراهيم وداود ثم ترجمه المترجمون كل واحد على قدر فهمه واستطاعته وأما متى فهو لم يترجم إنجيله لليونانية والمترجم غير معروف من هو أما باقي كتاب الأناجيل فكتبوا باللغة اليونانية ومن قال إن متى كتب إنجيله باللغة اليونانية فقد غلط . *المحقق نورتن كتب كتابا ضخما أثبت أن التوراة جعلية وليست من تصنيف موسى r وأثبت فيه تحريفات كثيرة وقعت في الأناجيل وذكر أنه يعتقد أن متى كتب إنجيله باللغة العبرانية لأن القدماء الذين أشاروا إلى هذا الأمر قولهم واحد بالاتفاق ولم يقل أحد من القدماء بخلافهم فهذه الشهادة مقبولة ولا يوجد عليها اعتراض يحتاج إلى تحقيق بل شهد القدماء على أن النسخة العبرانية لهذا الإنجيل كانت موجودة عند النصارى الذين كانوا من قوم اليهود وهذه النسخة العبرانية كانت موجودة ومستعملة إلى عهد جيروم فالموجود الآن من إنجيل متى هو ترجمة لم يعرف اسم مترجمها ولا بقية أحواله على وجه التحقيق ويقوي قول القدماء أن متى كان من الحواريين ورأى أكثر أحوال المسيح r بعينيه وسمع أكثرها بأذنيه فلو كان هو مؤلف هذا الإنجيل لظهر من كلامه ولو في موضع واحد من المواضع أنه يكتب الأحوال التي رآها ولعبر عن نفسه بصيغة المتكلم كما جرت به العادة سلفا وخلفا فالإنجيل المنسوب إلى متى ليس من تصنيفه قطعا. *قال فاستس كبير علماء فرقة ماني كيز وبروفسر الجرمني هذا الإنجيل كله كاذب والبابان الأولان منه إلحاقيان مردودان عند الفرقة المارسيونية والأبيونية وتيرين والقسيس وليمس.
*صرح جيروم أن بعض العلماء المتقدمين كانوا يشكون في الإصحاح 16 الذي هو آخر إصحاحات إنجيل مرقس ويشكون في الأول والثاني وبعض الفقرات من الإصحاح 22من إنجيل لوقا والإصحاحان الأول والثاني لم يكونا في نسخة فرقة مارسيوني.
*قال المحقق نورتن الفقرة 9إلى الفقرة20 من الإصحاح 16 من إنجيل مرقس فقرات إلحاقية والعادة الجبلية للكاتبين أنهم كانوا أشد رغبة في إدخال العبارات من إخراجها .
* الإنجيل المنسوب إلى يوحنا عدة أمور تدل على أنه ليس من تصنيفه وهي: 1 - لا يظهر من أي موضع في هذا الإنجيل أن كاتبه كتب الحالات التي رآها بعينه أو الحوادث التي وقعت بحضوره بل تشهد عباراته أن كاتبه غير يوحنا الحواري فهو يقول في ختام هذا الإنجيل 21 / 24: ( هذا هو التلميذ الذي يشهد بهذا وكتب هذا ونعلم أن شهادته حق).
2 - أرينيوس الذي عاش في القرن الميلادي الثاني تتلمذ على بوليكارب وهذا تتلمذ على يوحنا الحواري وفي حياة أرينيوس أنكر جماعة نسبة هذا الإنجيل إلى يوحنا الحواري وسكت أرينيوس ولم يرد على المنكرين فلو كان من تصنيف يوحنا الحواري لعلم به تلميذه بوليكارب وهذا أخبر تلميذه أرينيوس علما أن أرينيوس كان مجتهدا في حفظ الروايات اللسانية ونقل عن بوليكارب أمورا كثيرة أقل شأنا من هذا الأمر الخطير وهو أول من ذكر الإناجيل الثلاثة متى ومرقس ولوقا حوالي سنة 200م ولم يذكر إنجيل يوحنا ثم تبعه في ذكرها كليمنس إسكندر يانوس سنة 216م فهذا ثاني من ذكر الأناجيل الثلاثة وأول من ذكر الأناجيل الأربعة فالمعتقدون أن الإنجيل تصنيف يوحنا الحواري لم يستطيعوا أن يأتوا بدليل واحد ضد المنكرين ولا شهد أرينيوس بصحته .
3 - إنكار نسبة هذا الإنجيل إلى يوحنا الحواري ليس بمختص بأهل الإسلام لما يلي :
أ - العالم الوثني سلسوس كان يصيح في ق.م الثاني أن النصارى بدلوا أناجيلهم 3 مرات أو 4 مرات تبديلا غير مضامينها. ب - العالم فاستس كان يصيح في القرن الميلادي الرابع أنه متأكد أن هذا العهد الجديد ما صنفه المسيح ولا الحواريون بل صنفه رجل مجهول الاسم ونسبه إلى الحواريين ورفقائهم ليأخذ به الناس ويكون قد آذى أتباع عيسى إيذاء بليغا لأنه ألف الكتب التي فيها الأغلاط والتناقضات
ج - استادلن كتب أن مؤلف إنجيل يوحنا هو طالب من طلاب مدرسة الإسكندرية بلا ريب.
د- المحقق برطشنيدر قال إن هذا الإنجيل وكذا رسائل يوحنا الثلاث ليست من تصنيف يوحنا الحواري وأنها مع الإنجيل ألفت في ابتداء القرن الميلادي الثاني.
هـ - المحقق كروتيس قال إن كنيسة أفسس ألحقت الباب الحادي والعشرين.
و- فرقة ألوجين في القرن الميلادي الثاني رفضت هذا الإنجيل وجميع تصانيف يوحنا وأنكرت أن يكون من تصنيف يوحنا الحواري.

* ذكر المحقق هورن في تفسيره أن الحالات التي وصلت إليهم بخصوص زمان تأليف الأناجيل من قدماء مؤرخي الكنيسة ناقصة ولا توصل إلى أمر معين لأن المشايخ القدماء الأولين صدقوا الروايات الواهية والكاذبة وكتبوها في كتبهم والذين جاءوا من بعدهم قبلوها تعظيما لهم ثم وصلت الروايات الصادقة والكاذبة من كاتب إلى آخر فتعذر تنقيحها لطول الزمان.
*ذكر هورن أن الاختلاف حاصل في زمان تأليف الأناجيل حسب السنوات التالية:
- إنجيل متى سنة 37م أو 38م أو 41م أو 43م أو 48م أو 61م أو 62م أو 63م أو 64م .
- إنجيل مرقس سنة 56 م أو ما بعدها إلى سنة 65م .
- إنجيل لوقا سنة 53م أو 63م أو 64م .
- إنجيل يوحنا سنة 68م أو 69م أو 70م أو 97م أو 98م .
* أهل الكتاب لا يوجد عندهم سند متصل لكتاب من العهد القديم ولا من العهد الجديد فلا مجال لهم أن يدعوا أن كتبهم مكتوبة بالوحي لأنه ادعاء باطل قطعا ويدل على بطلانه ما يلي
أ - هذه الكتب مليئة بالأغلاط والتحريفات المقصودة المتعمدة وغير المتعمدة وبالاختلافات المعنوية في مواضع غير محصورة بحيث لا مجال لعلماء أهل الكتاب أن ينكروها حتى اضطر محققوهم ومفسروهم للتسليم بالأغلاط والتحريفات الكثيرة وسلموا أيضا في الاختلافات بأن إحدى العبارات تكون صادقة وغيرها كاذبة جعلية وحاولوا توجيه بعض الاختلافات والاعتذار عنها بتوجيهات ركيكة لا يقبلها العقل السليم لأن الكلام الإلهامي يستحيل أن تقع فيه الأغلاط والاختلاف وإذا حرف خرج عن كونه إلهاميا وقد قال المحقق هورن إن الكاتبين كان يجوز لهم أن يكتبوا على حسب طبائعهم وعاداتهم وفهومهم ولا يتخيل أنهم كانوا يلهمون في كل أمر يكتبونه أو في كل حكم يحكمون به.
*قال جامعو تفسير هنري وإسكات ليس بضروري أن يكون كل ما كتب النبي إلهاميا أو قانونيا. *جاء في دائرة المعارف البريطانية أن كثيرين من العلماء قالوا: ليس كل قول مندرج في الكتب المقدسة ولا كل حال من الحالات الواردة فيها إلهاميا والذين يقولون بأن كل قول مندرج فيها إلهامي لا يقدرون أن يثبتوا دعواهم بسهولة.
*جاء في دائرة معارف ريس التي كتبها العلماء المحققون قولهم : يوجد في أفعال مؤلفي هذه الكتب وأقوالهم أغلاط واختلافات والحواريين ما كان يرى بعضهم بعضا صاحب وحي وإلهام وقدماء النصارى ما كانوا يعتقدون أن الحواريين مصونون عن الخطأ لأنه كان يحصل الاعتراض على أفعالهم أحيانا والكتب التي كتبها تلاميذ الحواريين مثل إنجيل مرقس ولوقا توقف العلماء في كونها إلهامية وأقر كبار العلماء من البروتستانت على عدم كون كل كلام في العهد الجديد إلهاميا وعلى غلط الحواريين. ب - المحقق نورتن نقل عن أكهارن قوله: كان في ابتداء الملة المسيحية رسالة مختصرة في بيان أحوال المسيح يجوز أن يقال هي الإنجيل الأصلي الذي كتب للمريدين الذين لم يسمعوا أقوال المسيح بآذانهم ولم يروا أحواله بأعينهم وكان هذا الإنجيل مرجعا لجميع الأناجيل التي كثرت في القرنين الأول والثاني ومنها أناجيل متى ومرقس ولوقا ولكنها وقعت في أيدي الذين جبروا نقصانها فضموا إليها أحوالا أخر ووقعت فيها الزيادة تدريجيا وصارت النتيجة أن اختلطت الأحوال الصادقة والحكايات الكاذبة واجتمعت في رواية طويلة فصارت قبيحة الشكل وكلما انتقلت هذه الروايات من فم إلى فم صارت كريهة غير محققة حتى اضطرت الكنيسة في آخر القرن الثاني أو ابتداء القرن الثالث إلى اختيار الأناجيل الأربعة من بين الأناجيل الكثيرة الرائجة التي زادت على السبعين فأرادت أن يتمسك الناس بها ويتركوا غيرها ولو أنها حافظت على الإنجيل الأصلي من الإلحاقات لكانت مشكورة لكن الأمر كان صعبا بسبب الإلحاقات في النسخ الكثيرة فلم تكن هناك نسخة تخلو من الإلحاق حتى تعذر التمييز بين الأصل والملحق وكان أكثر القدماء شاكين في الأجزاء الكثيرة من الأناجيل وما قدروا على أن يفصلوا الأمر ولم تكن المطابع في ذلك الزمان فكان ملاك النسخ كل واحد يدخل في نسخته ما يشاء من الحكايات فإذا نقلت عن هذه النسخة نسخ متعددة وانتشرت تعذر التحقيق في أن هذه النسخة هل هي مشتملة على كلام المصنف فقط أم لا وصار المرشدون يشكون شكاية عظيمة من أن الكاتبين وملاك النسخ حرفوا مصنفاتهم بعد مدة قليلة من تصنيفها وتلامذة الشيطان أدخلوا فيها نجاسة بإخراج بعض الأشياء وزيادة بعضها من جانبهم والكتب المقدسة ما بقيت محفوظة وزالت عنها صفة الإلهام
* المصنفون صاروا يكتبون في آخر كتبهم اللعن والأيمان الغليظة لئلا يحرف أحد كلامهم ولكن التحريف وقع في سيرة عيسى أيضا واشتهر لدرجة أن العالم الوثني سلسوس اعترض على النصارى بأن أناجيلهم بدلت ثلاث أو أربع مرات بل أزيد ولا عجب في ذلك لأن الناس الذين لم يكن لهم استعداد للتحقيق اشتغلوا من وقت ظهور الأناجيل بالزيادة والنقصان منها وتبديل لفظ بمرادف له فكانوا يبدلون عبارات الوعظ حسب ما يشتهون وعادة التحريف التي أجراها أهل الطبقة الأولى استمرت في أهل الطبقة الثانية والثالثة وانتشرت بحيث كان المخالفون للدين النصراني مطلعين على هذه العادة وذكر كليمنس إسكندر يانوس في آخر القرن الميلادي الثاني أن أناسا كانت مهمتهم تحريف الأناجيل.
*علق نورتن على كلام أكهارن السابق بأن هذا ليس رأي أكهارن فقط بل هو رأي كثير من علماء الجرمن ورغم أن نورتن محام عن الإنجيل لكنه ذكر سبعة مواضع بالتفصيل في هذه الأناجيل الأربعة واعترف بأنها إلحاقية محرفة وأن الكذب اختلط ببيان المعجزات وتمييز الصدق عن الكذب عسير في هذا الزمان.
* شاول بولس رسائله مردودة لأنه من الكذابين الذين ظهروا في القرن الأول لإفساد دين المسيح r وأما الحواريون أصحاب عيسى وخلصاؤه فنعتقد في حقهم الصلاح ولا نعتقد فيهم النبوة أقوالهم كأقوال المجتهدين الصالحين محتملة للخطأ وفقدان السند المتصل خلال القرنين الأول والثاني وفقدان الإنجيل الأصلي يرفع الأمان عن أقوال الحواريين خاصة في كثير من الأوقات ما كانوا يفهمون مراد المسيح من أقواله كما يظهر من الأناجيل الحالية لأن الإجمال يوجد كثيرا في كلامه * مرقس ولوقا ليسا من الحواريين ولم يثبت بدليل ما أنهما من ذوي الإلهام بل ولم يحظيا برؤية المسيح لحظة واحدة.
* التواريخ والرسائل المدونة ضمن كتب العهدين القديم والجديد المعروفة باسم الكتاب المقدس ليست هي التوراة والإنجيل المذكورين في القرآن ولا يجب التسليم بصحتها بل حكم كتب العهدين جميعها أن كل رواية أن صدقها القرآن فمقبولة يقينا وإن كذبها فمردودة يقينا وإن سكت عن التصديق أو التكذيب لا نصدقها ولا نكذبها قال تعالى:{ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ}. *أجمع أهل الإسلام قاطبة على أن هذا المجموع المشتهر الآن باسم العهدين القديم والجديد ليس هو الذي جاء ذكره في القرآن لأن للتوراة الآن ثلاث نسخ مختلفة والأناجيل أربعة مختلفة أيضا والله أنزل توراة واحدة على موسى وإنجيلا واحدا على عيسى فمن أنكر التوراة والإنجيل الوارد ذكرهما في القرآن فهو كافر ومن أنكر القصص الكاذبة على الله وعلى أنبيائه والموجودة فيما يسمى بكتب العهدين فلا يكفر بل يعد ذلك الإنكار وإظهار ما فيها من التحريف والكذب واجبا *النسخ الثلاث للتوراة مختلفة فيما بينها ووقعت فيها الأغلاط والتناقضات وفيها قصة موسى ودفنه في أرض موآب فنجزم أنها ليست هي التوراة الصحيحة المنزلة على موسى r.
*الأناجيل الأربعة مختلفة فيما بينها ووقعت فيها الأغلاط والتناقضات وفيها قصة صلب المسيح وأنه صلب ومات يوم كذا ودفن في القبر فليست هي الإنجيل المنزل علي عيسى r .
بيان أن هذه الكتب مملوءة من الاختلافات والأغلاط والتحريف
بيان بعض الاختلافات قلت (أبو جهاد): فاقت أخطاء كتب العهد الجديد خمسين ألف خطأ وقد اعترف القسيس فندر في مناظرته للشيخ رحمة الله الهندي بالتحريف بل صرحت به جريدة من أكبر جرائدهم و هي ( شهود يهوه) و صورة المقال موجودة في أحد كتب العلامة أحمد ديدات رحمه الله.
1- الاختلاف في أسماء أولاد بنيامين وفي عددهم في سفر أخبار الأيام الأول 7 / 6: ( لبنيامين بالع وباكر ويديعئيل ثلاثة) .
في سفر أخبار الأيام الأول 8 / 1-2 :وبنيامين ولد بالع بكره وأشبيل الثاني وأخرخ الثالث ونوحة الرابع ورافا الخامس).
في سفر التكوين 46 :( وبنو بنيامين بالع وباكر وأشبيل وجيرا ونعمان وإيحي وروش ومفيم وحفيم وأرد ).
2- الاختلاف في عدد المقاتلين في إسرائيل ويهوذا : في سفر صموئيل الثاني 24 / 9 :( فدفع يوآب جملة عدد الشعب إلى الملك فكان إسرائيل ثمانمائة ألف رجل ذي بأس مستل السيف ورجال يهوذا خمس مئة ألف رجل) .
في سفر أخبار الأيام الأول 21 / 5:(فدفع يوآب جملة عدد الشعب إلى داود فكان كل إسرائيل ألف ألف ومائة ألف رجل مستلي السيف ويهوذا أربع مائة وسبعين ألف رجل مستلي السيف) .
3- الاختلاف في خبر جاد الرائي : في سفر صموئيل الثاني 24 / 13 :( فأتى جاد إلى داود وأخبره وقال له أتأتي عليك سبع سني جوع في أرضك أم تهرب ثلاثة أشهر أمام أعدائك وهم يتبعونك ؟).
في سفر أخبار الأيام الأول 21 / 11 - 12 : فجاء جاد إلى داود وقال له هكذا قال الرب : اقبل لنفسك إما ثلاث سنين جوع أو ثلاثة أشهر هلاك أمام مضايقيك وسيف أعدائك يدركك ) .
4- الاختلاف في عمر الملك أخزيا عندما ملك: في سفر الملوك الثاني ( 8 / 26 :( كان أخزيا ابن اثنتين وعشرين سنة حين ملك) .
في سفر أخبار الأيام الثاني 22 / 2:(كان أخزيا ابن اثنتين وأربعين سنة حين ملك) .
5- الاختلاف في عمر الملك يهوياكين عندما ملك : في سفر الملوك الثاني 24 / 8-9 :(8) كان يهوياكين ابن ثماني عشرة سنة حين ملك) .
وفي سفر أخبار الأيام الثاني 36 / 9 :( كان يهوياكين ابن ثماني سنين حين ملك) .
6 - الاختلاف في عدد الذين قتلهم أحد أبطال داود بالرمح دفعة واحدة : في سفر صموئيل الثاني 23 :( هو هز رمحه على ثمانمائة قتلهم دفعة واحدة) .
في سفر أخبار الأيام الأول 11 / 11 : ( هو هز رمحه على ثلاثمائة فقتلهم دفعة واحدة) . قلت أبو جهاد : الخلاف بين النصين ليس خمسة أشخاص أو عشرة أو عشرين بل خمسمائة فهل هذا دين !!! كلا والله .
7 - الاختلاف في عدد ما يؤخذ من الطير والبهائم في سفينة نوح r: في سفر التكوين 6 / 19-20 : ومن كل حي من كل ذي جسد اثنين من كل تدخل إلى الفلك لاستبقائها معك تكون ذكرا وأنثى من الطيور كأجناسها ومن البهائم كأجناسها ومن كل دبابات الأرض كأجناسها اثنين من كل تدخل إليك لاستبقائها ).
في سفر التكوين 7 / 2-3 : من جميع البهائم الطاهرة تأخذ معك سبعة سبعة ذكرا وأنثى ومن البهائم التي ليست بطاهرة اثنين ذكرا وأنثى ومن طيور السماء أيضا سبعة ذكرا وأنثى لاستبقاء نسل على وجه كل الأرض ).
8 - الاختلاف في عدد الأسرى الذين أسرهم داود r: في سفر صموئيل الثاني 8 / 4 :( فأخذ داود منه ألفا وسبعمائة فارس وعشرين ألف راجل) .
في سفر أخبار الأيام الأول 18 / 4:( وأخذ داود منه ألف مركبة وسبعة آلاف فارس وعشرين ألف راجل) .
9 - الاختلاف في عدد الذين قتلهم داود r من أرام : في سفر صموئيل الثاني 10 / 18 :( وقتل داود من أرام سبعمائة مركبة وأربعين ألف فارس) .
في سفر أخبار الأيام الأول19 / 18:( وقتل داود من أرام سبعة آلاف مركبة وأربعين ألف راجل
10 - الاختلاف في عدد مذاود خيل سليمان r: في سفر الملوك الأول 4/26:(وكان لسليمان أربعون ألف مذود لخيل) .
في سفر أخبار الأيام الثاني 9 / 25 :(وكان لسليمان أربعة آلاف مذود خيل) .
11 - الاختلاف في بيان نسب المسيح r :
* في إنجيل متى1/16:رجل مريم هو يوسف بن يعقوب وفي إنجيل لوقا 3 أنه يوسف بن هالي.
* في إنجيل متى1/6: المسيح من نسل سليمان r وفي إنجيل لوقا 3 / 31: من نسل داود r..
* في إنجيل متى1/12:شألتئيل ابن يكنيا وفي إنجيل لوقا3/27: أن شألتئيل ابن نيري.
* في إنجيل متى1/13: ابن زربابل اسمه أبيهود وفي إنجيل لوقا3/27:ابن زربابل اسمه ريسا.
* يعلم من سياق النسب في إنجيل متى أن عدد الأجيال بين داود والمسيح r ستة وعشرون جيلا ويعلم من سياق نفس النسب في إنجيل لوقا أن عدد الأجيال بينهما واحد وأربعون جيلا
12 - الاختلاف في عدد الذين شفاهم المسيح r: وردت قصة الأعميين في إنجيل متى 20 / 29-34 ...وإذا أعميان جالسان على الطريق... فتحنن يسوع ولمس أعينهما فللوقت أبصرت أعينهما فتبعاه)
وردت في إنجيل مرقس 10 / 46-52 أن الجالس على الطريق أعمى واحد اسمه بارتيماوس .
13 - الاختلاف في العصا الواردة في وصية المسيح لتلاميذه الاثني عشر : في إنجيل متى 10 / 9-10 :لا تقتنوا ذهبا ولا فضة ولا نحاسا في مناطقكم ولا مزودا للطريق ولا ثوبين ولا أحذية ولا عصا.
في إنجيل مرقس 6 / 8-9 : أوصاهم أن لا يحملوا شيئا للطريق غير عصا فقط لا مزودا ولا خبزا ولا نحاسا في المنطقة بل يكونوا مشدودين بنعال ولا يلبسوا ثوبين.
14 - الاختلاف في شهادة المسيح لنفسه: في إنجيل يوحنا 5 / 31 قول المسيح : ( إن كنت أشهد لنفسي فشهادتي ليست حقا) .
في إنجيل يوحنا 8 / 14 قول المسيح : ( وإن كنت أشهد لنفسي فشهادتي حق ) .
15 - الاختلاف في حامل الصليب إلى مكان الصلب: في إنجيل متى 27:(وفيما هم خارجون وجدوا إنسانا قيروانيا اسمه سمعان فسخروه ليحمل صليبه) .
في إنجيل يوحنا 19 / 17 :( فأخذوا يسوع ومضوا به فخرج وهو حامل صليبه إلى الموضع الذي يقال به موضع الجمجمة ويقال له بالعبرانية جلجثة).
16 - هل المسيح صانع سلام أم ضده ؟ في إنجيل متى 5 / 9:( طوبى لصانعي السلام لأنهم أبناء الله يدعون).
في إنجيل متى 10 / 34 :( لا تظنوا أني جئت لألقي سلاما على الأرض ما جئت لألقي سلاما بل سيفا ).
بيان بعض الأغلاط
1 - الغلط في مدة إقامة بني إسرائيل في مصر : ورد في سفر الخروج 12 / 40-41 : وأما إقامة بني إسرائيل التي أقاموها في مصر فكانت أربع مائة وثلاثين سنة وكان عند نهاية أربع مائة وثلاثين سنة في ذلك اليوم عينه أن جميع أجناد الرب خرجت من أرض مصر ) .
*الزمان من دخول إبراهيم r أرض كنعان فلسطين إلى ولادة ابنه إسحاق r 25 سنة ومن ولادة إسحاق إلى ولادة يعقوب r60 سنة وكان عمر يعقوب r عندما دخل أرض مصر 130 سنة فيكون مجموع السنوات من دخول إبراهيم r أرض كنعان إلى دخول حفيده يعقوب r أرض مصر مائتين وخمس عشرة سنة .25+ 60+ 130 = 215 سنة . *مدة إقامة بني إسرائيل في أرض مصر منذ دخلها يعقوب r إلى خروجهم مع موسى r 215 سنة فيكون مجموع الإقامتين في أرض كنعان وأرض مصر430 سنة وأقر أهل الكتاب من المفسرين والمؤرخين بهذا الغلط وقالوا عبارة نسخة التوراة السامرية التي تجمع بين الإقامتين صحيحة وتزيل الغلط الواقع في غيرها.
2 - الغلط في عدد بني إسرائيل حينما خرجوا مع موسى من أرض مصر : في سفر العدد 1 / 44-47فكان جميع المعدودين من بني إسرائيل حسب بيوت آبائهم من ابن عشرين سنة فصاعدا كل خارج للحرب في إسرائيل كان جميع المعدودين ستمائة ألف وثلاثة آلاف وخمسمائة وخمسين وأما اللاويون حسب سبط آبائهم فلم يعدوا بينهم ) .
*يفهم أن عدد القادرين على القتال ممن هم في سن العشرين سنة فما فوق من بني إسرائيل الخارجين من مصر مع موسى وهارون r كان603550 وجميع أفراد سبط اللاويين ذكورا وإناثا غير داخلين في هذا العدد و جميع إناث بني إسرائيل و الذكور الذين هم دون سن العشرين غير داخلين في هذا العدد فلو ضممنا إلى هذا العدد جميع المتروكين لا يكون الكل أقل من مليونين ونصف مليون نفس وهذا غير صحيح لعدة أمور :
أ - ورد في سفر التكوين 46 / 27 وفي سفر الخروج 1 / 5 وفي سفر التثنية 10 أن جميع نفوس بيت يعقوب التي جاءت إلى مصر سبعون70 نفسا. ب - مدة إقامة بني إسرائيل في مصر كانت مائتين وخمس عشرة (215) سنة فقط.
ج- ورد في سفر الخروج 1 / 15-22 أن بني إسرائيل قبل خروجهم من مصر بمقدار ثمانين (80) سنة كان مواليدهم الذكور يقتلون وتستحيا الإناث .
* يجزم العقل بالغلط في العدد المذكور (603550) بل لو قطعنا النظر عن قتل مواليدهم الذكور وفرضنا أن عددهم كان يتضاعف في كل خمس وعشرين سنة فإن عدد (70) سيتضاعف في مدة (215) سنة تسع مرات فلا يبلغ عددهم أكثر من ستة وثلاثين ألفا (36000) فكيف يكون عدد المقاتلين منهم (603550)وإذا كان مقاتلوهم أكثر من نصف مليون فوجب أن لا يقل عدد جميع بني إسرائيل عن مليونين ونصف وهذا ممتنع جدا وإلى إنكار هذا العدد (603550) مال ابن خلدون في مقدمة تاريخه لأن الذي بين يعقوب وموسى إنما هو ثلاثة آباء أي أربعة أجيال فهو على حسب ما في سفر الخروج 6 / 16-20 وسفر العدد 3 / 17-19 :( موسى بن عمران بن قهات بن لاوي بن يعقوب )ويبعد أن يتشعب النسل من سبعين نفسا في أربعة أجيال إلى هذا العدد *هناك أمران أيضا يؤيدان وقوع الغلط في هذا العدد :
أ - ورد في سفر الخروج 12 / 38-42 خرج معهم من مصر غنم وبقر ومواش وافرة جدا وأنهم عبروا البحر ليلة واحدة وأنهم كانوا يرتحلون كل يوم وكان يكفي لارتحالهم الأمر اللساني الذي يصدر عن موسى مباشرة بدون واسطة وقد نزل بنو إسرائيل بعد عبورهم البحر حول طور سيناء عند الاثنتي عشرة عينا ولو كانوا بنو إسرائيل بالعدد المذكور فيستحيل أن يعبروا البحر مع مواشيهم في ليلة واحدة ويستحيل أن يرتحلوا كل يوم ولا يكفي لارتحالهم الأمر اللساني الصادر من موسى وأن المكان حول سيناء لا يتسع لكثرتهم ومواشيهم .
ب - ورد في سفر الخروج 1 / 15-22 أنه كان لبني إسرائيل في مصر قابلتان فقط لتوليد نسائهم وإليهما صدر الأمر الفرعوني بقتل كل مولود ذكر من أبنائهم فلو كان عدد بني إسرائيل بالقدر المذكور يستحيل أن تكفي قابلتان. 3 - الغلط الذي يلزم منه نفي نبوة داود عليه السلام : في سفر التثنية 23 / 2:( لا يدخل ابن زنى في جماعة الرب حتى الجيل العاشر لا يدخل منه أحد في جماعة الرب).
فهذا غلط لأنه يلزم منه أن لا يدخل داود r في جماعة الرب ولا يكون نبيا لأن فارص ولد زنا زنى أبوه يهوذا بكنته ثامار فولدته كما هو مذكور في سفر التكوين 38 / 12-30 وداود هو البطن التاسع بعد فارص وإذا ابتدأنا بفارص فهو البطن العاشر لأن نسب داود كما ورد في إنجيل متى 1 / 1-6 وفي إنجيل لوقا 3 / 31-33:داود بن يسى بن عوبيد بن بوعز بن سلمون بن نحشون بن عميناداب بن أرام بن حصرون بن فارص بن يهوذا بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم r ويعد داود رئيس جماعة الرب وأعلى من كل ملوك الأرض على حسب ما ورد في سفر المزامير 89 / 26-27 وفي طبعة رجارد واطس في لندن سنة 1825م وطبعة كلكتا سنة1826م زيد في نسب داود الوارد في إنجيل لوقا اسم يورام بين أرام وحصرون كما يلي :( أرام بن يورام بن حصرون بن فارص ) ليكون داود هو البطن الحادي عشر ولكن المحرفين بزيادة هذا الاسم نسوا أن يضيفوا اسم يورام في النسب في إنجيل متى من نفس الطبعتين فافتضح أمرهم ووقع الاختلاف في نسب داود بين الإنجيلين في الطبعتين المذكورتين 3- الغلط في عدد المضروبين من أهل بيتشمس : في سفر صموئيل الأول 6 / 13 و19 : وكان أهل بيتشمس يحصدون حصاد الحنطة في الوادي فرفعوا أعينهم ورأوا التابوت وفرحوا برؤيته وضرب أهل بيتشمس لأنهم نظروا إلى تابوت الرب وضرب من الشعب خمسين ألف رجل وسبعين رجلا فناح الشعب لأن الرب ضرب الشعب ضربة عظيمة).
*قال آدم كلارك بعد الطعن فيه الغالب أن المتن العبري محرف إما سقط منه بعض الألفاظ وإما زيد فيه لفظ :( خمسون ألف) جهلا أو قصدا لأنه لا يمكن أن يكون أهل تلك القرية الصغيرة بهذا العدد ولا يمكن أن يكون هذا العدد مشتغلا بحصاد الزرع وقت واحد وأبعد منه أن يري دفعة واحدة خمسون ألفا التابوت موضوعا على حجر في وسط حقل. * وردت في النسخة اللاتينية :( سبعون رئيسا وخمسون ألفا من العوام ) وفي النسخة اليونانية كالعبرية( خمسون ألفا وسبعون إنسانا) وفي الترجمة السريانية والعربية( خمسة آلاف وسبعون إنسانا) وعند المؤرخ بوسيفس :( سبعون إنسانا) فقط وكتب بعض الأحبار أعدادا أخرى.
4 - الغلط في ارتفاع الرواق الذي بناه سليمان r: في سفر أخبار الأيام الثاني 3 / 4:(والرواق الذي قدام الطول حسب عرض البيت عشرون ذراعا وارتفاعه مئة وعشرون) .
ورد في سفر الملوك الأول 6 / 2 أن ارتفاع البيت الذي بناه سليمان r ثلاثون ذراعا فإذا ثلاثين ذراعا فكيف يكون ارتفاع الرواق مائة وعشرين ذراعا ؟!
*حرف مترجمو الترجمة السريانية والعربية فأسقطوا لفظ المائة وقالوا: ارتفاعه عشرون ذراعا ، وصحح هذا الغلط في الطبعة العربية المطبوعة سنة 1844م فوردت فيها كما يلي :( والرواق الذي أمام البيت طوله كقدر عرض البيت عشرين ذراعا وارتفاعه عشرين ذراعا) . 5 - الغلط في عدد جيش أبيا ويربعام : في سفر أخبار الأيام الثاني 13 / 3 و17 : وابتدأ أبيا في الحرب بجيش من جبابرة القتال أربع مائة ألف رجل مختار ويربعام اصطف لمحاربته بثمانمائة ألف رجل مختار جبابرة بأس وضربهم أبيا وقومه ضربة عظيمة فسقط قتلى من إسرائيل خمسمائة ألف رجل مختار) وأقر مفسروهم بالغلط في هذه الأعداد الواقعة في هاتين الفقرتين لأنها مخالفة للقياس بالنسبة لهؤلاء الملوك فهم لم يبلغوا هذا العدد لقلتهم في تلك الأيام ولذلك غيرت في أكثر نسخ الترجمة اللاتينية إلى :( أربعين ألفا) في الموضع الأول و( ثمانين ألفا) في الموضع الثاني و( خمسين ألفا) في الموضع الثالث ورضي المفسرون بهذا التغيير وأيده هورن وآدم كلارك وكان آدم كلارك يعلن كثيرا في تفسيره ويصرح بوقوع التحريف في كتب التواريخ . 6 - الغلط بخصوص الأكل من الشجرة وبخصوص عمر الإنسان : *في سفر التكوين2/17:(وأما شجرة معرفة الخير والشر فلا تأكل منها لأنك يوم تأكل منها موتا تموت) وهذا غلط لأن آدم r أكل منها ولم يمت في يومه بل عاش أكثر من 900سنة
*في سفر التكوين 6 / 3 :( فقال الرب لا يدين روحي في الإنسان إلى الأبد لزيغانه هو بشر وتكون أيامه مائة وعشرين سنة )وهذا غلط فأعمار الذين كانوا في سالف الزمن طويلة جدا *على حسب ما ورد في سفر التكوين 5 / 1-31 : عاش آدم (930) سنة وعاش شيث (912) سنة وعاش أنوش (905) سنين وعاش قينان (910) سنين وعاش مهللئيل (895) سنة وعاش يارد (962) سنة وعاش أخنوخ ( إدريس عليه السلام ) (365) سنة وعاش متوشالح (969) سنة وعاش لامك (777) سنة وعلى ما ورد في سفر التكوين 9 / 29 فإن نوحا عاش (950) سنة .
7 - الغلط في عدد الأجيال الواردة في نسب المسيح r:
ورد سياق نسب المسيح إلى إبراهيم r في إنجيل متى 1 / 1-17: ( فجميع الأجيال من إبراهيم إلى داود أربعة عشر جيلا ومن داود إلى سبي بابل أربعة عشر جيلا ومن سبي بابل إلى المسيح أربعة عشر جيلا) يعلم أن سلسلة نسب المسيح إلى إبراهيم مشتملة على ثلاثة أقسام كل قسم منها مشتمل على أربعة عشر جيلا فيكون مجموع الأجيال من المسيح إلى إبراهيم 42 جيلا وهو غلط صريح لأن عدد الأجيال 41 جيلا فقط فالقسم الأول من إبراهيم إلى داود فيه 14 جيلا والقسم الثاني من سليمان إلى يكنيا فيه 14 جيلا والقسم الثالث من شألتئيل إلى المسيح فيه 13 جيلا وكان بورفري يعترض على هذا الغلط في القرن الميلادي الثالث ولم يجد له جوابا. 8 - الغلط في جعل رفقاء لداود عند رئيس الكهنة : في إنجيل متى 12 / 3-4 :( فقال لهم : أما قرأتم ما فعله داود حين جاع هو والذين معه كيف دخل بيت الله وأكل خبز التقدمة الذي لم يحل أكله له ولا للذين معه بل للكهنة فقط) ومثلها في إنجيل لوقا 6 / 3-4 .
قوله ( والذين معه)( ولا للذين معه) غلط لأن داود r كان منفردا ولم يكن معه أحد في هذا.
قوله ( في أيام أبيأثار رئيس الكهنة) غلط لأن رئيس الكهنة الذي فر إليه داود هو أخيمالك وتعرف هذه الأغلاط بالرجوع إلى سفر صموئيل الأول 21 / 1-9 ، و22 / 9-23 9 - الغلط في كتابة أحداث لم تقع عند حادثة الصلب : في إنجيل متى 27 / 50-53 : فصرخ يسوع أيضا بصوت عظيم وأسلم الروح وإذا حجاب الهيكل قد انشق إلى اثنين من فوق إلى أسفل والأرض تزلزلت والصخور تشققت والقبور تفتحت وقام كثير من أجساد القديسين الراقدين وخرجوا من القبور بعد قيامه ودخلوا المدينة المقدسة وظهروا لكثيرين.
ذكر انشقاق حجاب الهيكل في إنجيل مرقس 15 / 38 وفي إنجيل لوقا 23 / 45 ولم تذكر فيهما الأمور الأخرى المذكورة في إنجيل متى من تزلزل الأرض وتشقق الصخور وتفتح القبور وقيام القديسين الميتين ودخولهم المدينة المقدسة وظهورهم لكثيرين وهذه الأمور العظيمة لم يكتبها أحد من مؤرخي ذلك الزمان غير متى ولا يحتج هنا بالنسيان لأنه مهما نسي فلن ينسى مثل هذه العجائب العظيمة وخاصة لوقا الذي كان أحرص الناس في كتابة الأمور العجيبة مع أن المحقق نورتن متعصب للإنجيل ومحام عنه لكنه أورد عدة دلائل على بطلانها وقال إن مثل هذه الحكايات كانت رائجة في اليهود بعد خراب أورشليم فلعل أحدا كتبها في حاشية إنجيل متى ثم أدخلها الكاتب أو المترجم في المتن.
10 - الغلط في اسم والد شالح : في إنجيل لوقا 3 / 36:( شالح بن قينان بن أرفكشاد ) فورد اسم قينان بين شالح وأرفكشاد غلط في سفر التكوين 10 :( وأرفكشاد ولد شالح ) وفيه 11 / 12-13 : وعاش أرفكشاد خمسا وثلاثين سنة وولد شالح وعاش أرفكشاد بعدما ولد شالح أربع مائة وثلاث سنين) اتفقت في هذا النص النسختان العبرانية والسامرية ومثلهما عبارة سفر أخبار الأيام الأول 1 / 18 ففيها كلها أن شالح ابن أرفكشاد لا ابن ابنه وبهذا ثبت أن ما كتبه لوقا غلط ولم يرد اسم قينان إلا في الترجمة اليونانية (السبعينية) فالاحتمال الراجح أن يكون بعض النصارى المحرفين حرف الترجمة اليونانية في هذا الموضع لكي تطابق الإنجيل ولئلا ينسب الغلط إلى إنجيلهم .
إثبات التحريف اللفظي بالتبديل وبالزيادة وبالنقصان
3 - التحريف في اسم الجبل المخصص لنصب الحجارة : في سفر التثنية 27 / 4 في النسخة العبرانية :( حين تعبرون الأردن تقيمون هذه الحجارة التي أنا أوصيكم بها اليوم في جبل عيبال وتكلسها بالكلس) .
وردت في التوراة السامرية كما يلي: ( ويكون عند عبوركم الأردن تقيمون الحجارة هذه التي أنا موصيكم اليوم في جبل جرزيم وتشيدها بشيد) .
ويفهم من سفر التثنية 27 / 12-13 و11 / 29 أن جرزيم وعيبال جبلان متقابلان في مدينة نص فقرة سفر التثنية 11 / 29: ( وإذا جاء بك الرب إلهك إلى الأرض التي أنت داخل إليها لكي تمتلكها فاجعل البركة على جبل جرزيم واللعنة على جبل عيبال ) . 4 - التحريف في اسم المملكة : في سفر أخبار الأيام الثاني 28 / 19 من النسخة العبرانية :( لأن الرب ذلل يهوذا بسبب آحاز ملك إسرائيل ) فلفظ إسرائيل في هذا النص غلط يقينا وهو من التحريف بالتبديل لآن آحاز ملك يهوذا ( المملكة الجنوبية وعاصمتها أورشليم ) وليس ملك إسرائيل ( المملكة الشمالية وعاصمتها نابلس ) والصواب أن توضع كلمة يهوذا مكان كلمة إسرائيل كما وقع في النسختين اليونانية واللاتينية أن الرب أذل يهوذا بسبب آحاز ملك يهوذا فالنسخة العبرانية محرفة في هذا الموضع 5 - التحير بين النفي والإثبات : في المزمور 105 / 28 من النسخة العبرانية : ( ولم يعصوا كلامه) وفي النسخة اليونانية : ( وهم عصوا قوله) .
6 - دليل على أن التوراة الحالية مكتوبة بعد موسى r: *في سفر التكوين 36 / 31 :( وهؤلاء هم الملوك الذين ملكوا أرض أدوم قبلما ملك ملك لبني إسرائيل ) ثم شرعت الفقرات في ذكر أسماء ملوك أدوم الذين حكموا قبل أن يحكم طالوت ( شاول ) أول ملوك بني إسرائيل وقد خلفه في الحكم داود r فقبل حكمهما كان بنو إسرائيل في عهد القضاة وهذه الفقرات من سفر التكوين 36 / 31-39 هي عينها فقرات سفر أخبار الأيام الأول 1 / 43-50 ومناسبتها لسفر الأخبار ظاهرة ولا اعتراض لأنها تدل على أن المتكلم بها موجود بعد زمن قيام سلطنة بني إسرائيل في فلسطين وكان أول ملوكهم طالوت ( شاول ) وكان هذا بعد موسى r بـ 356 سنة لكن لا مناسبة بتاتا لوجود هذه الفقرات في سفر التكوين الذي هو أسفار التوراة فكيف دخلت في المتن؟!
*الصواب ما رجحه المفسر آدم كلارك أن الفقرات ليست من كلام موسى قطعا وأنها كانت مكتوبة على حاشية سفر التكوين في بعض النسخ فظن الناقل فيما بعد أنها جزء من المتن فأدخلها فيه فانظر كيف اعترف هذا المفسر بأن هذه الفقرات التسع الخارجة عن التوراة قد ألحقت في المتن بإحدى نسخها ثم شاعت بعد ذلك ودخلت في جميع النسخ وعلى اعترافه يلزم أن كتبهم كانت صالحة للتحريف بالزيادة . 7- التحريف بإضافة مقدمات لبعض الأبواب : الذي يقرأ بداية سفر التثنية 1 / 1-5 يجزم بأن هذه الفقرات الخمس ليست من كلام موسى r لأن الكاتب تكلم به موسى بصيغة الغائب كقوله هذا هو الكلام الذي كلم به موسى جميع إسرائيل كلم موسى بني إسرائيل حسب كل ما أوصاه الرب إليهم في عبر الأردن في أرض موآب ابتدأ موسى يشرح هذه الشريعة قائلا) وقد اعترف آدم كلارك بزيادة هذه الفقرات الخمس لتكون مقدمة لباقي سفر التثنية وقال : إن الإصحاح 34 من سفر التثنية ليس من كلام موسى أيضا لأن كلامه تم على الإصحاح 33ولا يجوز أن يقال إن موسى كتب هذا الباب لأن هذا الاحتمال بعيد من الصدق وجزم آدم كلارك بأن هذا الباب 34 كان أول أبواب كتاب يوشع وقال كثير من المفسرين : إن هذا الباب كتبه المشايخ السبعون بعد مدة من موت موسى وكان هو أول أبواب كتاب يوشع ثم انتقل إلى سفر التثنية ولكن هذا الجزم بلا دليل فقال جامعو تفسير هنري وإسكات وتفسير دوالي ورجردمينت : إن هذا الملحق لهذا الباب إما يوشع أو صموئيل أو عزرا أو أحد آخر لا يعلم اسمه بالجزم وربما ألحق بعد رجوع بني إسرائيل من سبي بابل .
*فيما يلي بعض الفقرات من الباب الرابع والثلاثين من سفر التثنية :وصعد موسى من عربات موآب إلى جبل نبو فأراه الرب جميع الأرض من جلعاد إلى دان وقال له الرب فمات هناك موسى عبد الرب في أرض موآب حسب قول الرب ودفنه في الجواء في أرض موآب مقابل بيت فغور ولم يعرف إنسان قبره إلى هذا اليوم وكان موسى ابن 120 سنة حين مات فبكي بنو إسرائيل موسى ولم يقم بعد نبي في إسرائيل مثل موسى) فهل الكتاب المنزل على موسى r يكون فيه موته ودفنه والبكاء عليه واندثار قبره إلى هذا اليوم وعدم قيام نبي مثله 9 - التحريف للانتصار لعقيدة التثليث : *في رسالة يوحنا الأولى 5 / 7-8 : فإن الذين يشهدون في السماء هم ثلاثة الآب والكلمة والروح القدس وهؤلاء الثلاثة هم واحد والذين يشهدون في الأرض هم ثلاثة الروح والماء والدم والثلاثة هم في الواحد وقد كان أصل العبارة على ما قال محققوهم هكذا : ( فإن الذين يشهدون هم ثلاثة الروح والماء والدم والثلاثة هم في الواحد) وهذا نص طبعة سنة 1865م أي بدون الزيادة التي بين القوسين المعقوفتين .
*نص طبعة سنة 1825م و1826م : ( لأن الشهود الذين يشهدون ثلاثة وهم الروح والماء والدم وهؤلاء الثلاثة تتحد في واحد) .
*النصان متقاربان فزاد معتقدوا التثليث في المتن فيما بين أصل العبارة العبارة التالية : ( في السماء هم ثلاثة الآب والكلمة والروح القدس وهؤلاء الثلاثة هم واحد والذين يشهدون في الأرض ) التي هي مستند أهل التثليث إلحاقية يقينا وقال كثير من المحققين المتعصبين بأنها إلحاقية واجبة الإخراج مثل كريسباخ وهورن وآدم كلارك وجامعو تفسير هنري وإسكات * العالم أكستاين الذي هو أعلم علماء النصارى في القرن الرابع الميلادي والذي إلى الآن عمدة أهل التثليث وكان يناظر فرقة إيرين التي تنكر التثليث فقد كتب عشر رسائل في شرح رسالة يوحنا الأولى ولم ينقل هذه العبارة في رسالة من رسائله العشر ولم يستدل بها على منكري التثليث وراح يرتكب التكلف البعيد فكتب في الحاشية أن المراد بالماء الآب وبالدم الابن وبالروح الروح القدس ولو كانت هذه العبارة الإلحاقية موجودة في عهده لتمسك بها ولنقلها في رسائله للاستدلال بها ضد المنكرين للتثليث ولكن يظهر أن معتقدي التثليث بعد أكستاين استفادوا من هذا التكلف البعيد والتفسير الغريب فاخترعوا العبارة التي هي مفيدة لعقيدتهم الباطلة وأدخلوها في رسالة يوحنا الأولى وجعلوها جزءا من المتن .
*في المناظرة الكبرى التي تمت في الهند سنة 1270هـ 1854 م بين الشيخ رحمت الله الكيرانوي وبين القسيسين فندر وشريكه فرنج أقر القسيسان بأن هذه العبارة محرفة وسلما بالتحريف في سبعة مواضع أخرى . * كتب هورن 12 ورقة في تحقيق هذه العبارة فقام بتلخيصها جامعو تفسير هنري وإسكات وفي تلخيصهم ذكروا أدلة الذين يثبتون أن هذه العبارة كاذبة كما يلي :
1- العبارة لا توجد في نسخة من النسخ اليونانية المكتوبة قبل القرن السادس عشر الميلادي .
2 - العبارة لا توجد في النسخ المطبوعة التي طبعت بالجد والتحقيق التام في الزمان الأول .
3 - العبارة لا توجد في أكثر النسخ القديمة اللاتينية ولا في التراجم القديمة غير الترجمة اللاتينية
4 - العبارة لم يتمسك بها أحد من القدماء ولا مؤرخو الكنيسة .
5- العبارة أسقطها من المتن أئمة فرقة البروتستانت وبعضهم وضع عليها علامة الشك . * لوثر الإمام الأول لفرقة البروتستانت والرئيس الأقدم ترجم الكتب المقدسة باللسان الجرمني ليستفيد منها أتباعه وطبعت الترجمة مرارا في حياته ولم يكتب هذه العبارة في ترجمته ولا ظهرت في الطبعات المتكررة أثناء حياته وفي آخر حياته أعاد طباعتها سنة 1456م فأوصى في مقدمة هذه الطبعة: ( أن لا يحرف أحد ترجمتي) لكن هذه الوصية لما كانت مخالفة لعادة أهل الكتاب عموما ولعادة النصارى خصوصا لم يلتزموا بها وعملوا بعكسها فلم يمضي على موته ثلاثون سنة حتى قام أهل مدينة فرانكفورت بألمانيا سنة 1574م بطباعة ترجمة لوثر فأدخلوا فيها هذه العبارة الكاذبة ثم أعيدت طباعتها بعد ذلك عدة مرات فأسقطوها من الطبعات اللاحقة خوفا من طعن الخلق عليهم ثم قام أهل مدينة وتنبرغ بألمانيا بإعادة طباعة ترجمة لوثر سنة 1596م و1599م فأدخلوا فيها هذه العبارة ومثلهم كذلك أهل مدينة هامبورغ حيث طبعوا ترجمة لوثر سنة 1596م فأدخلوا فيها هذه العبارة ثم خاف أهل مدينة وتنبرغ من اختلاف الطبعات للترجمة الواحدة أن يجر ذلك طعن الخلق عليهم فأعادوا طباعتها مرة أخرى فأسقطوا منها هذه العبارة ثم ما رضي النصارى البروتستانت بهذا التردد بين الإدخال والإسقاط فأجمعوا على إدخالها في ترجمة لوثر في جميع الطبعات اللاحقة على خلاف وصية إمامهم فمن كانت هذه عادتهم بعد انتشار المطابع فكيف يرجى منهم عدم التحريف في النسخ القليلة المحصورة بأيدي أناس معدودين قبل ظهور المطابع ؟!
*كتب الفيلسوف المشهور إسحاق نيوتن رسالة حجمها بقدر خمسين صفحة أثبت فيها أن هذه العبارة وعبارات أخرى جعلية محرفة والعبارة المحرفة وردت في طبعتي سنة 1865 م و1983م بين قوسين هلاليين كبيرين كما يلي: فإن الذين يشهدون ( في السماء هم ثلاثة الآب والكلمة والروح القدس وهؤلاء الثلاثة هم واحد والذين يشهدون في الأرض) هم ثلاثة الروح والماء والدم والثلاثة هم في الواحد .
*قال الطابعون والمصححون لهاتين الطبعتين في الصفحة 1 منهما : إن الكلمات والعبارات التي ليس لها وجود في أقدم النسخ وأصحها جعلوها بين قوسين هلاليين والعبارة لم ترد في طبعة العهد الجديد للآتين التي نشرتها دار المشرق في بيروت في المطبعة الكاثوليكية سنة 1982م ولم ترد في طبعة مطابع الحرية في بيروت سنة 1983م بإشراف جان عون . 10 - التحريف لإظهار أن عيسى ابن الله : في سفر أعمال الرسل 8 / 37:( فقال فيلبس إن كنت تؤمن من كل قلبك يجوز فأجاب وقال أنا أومن أن يسوع المسيح هو ابن الله) فالفقرة أن يسوع المسيح هو ابن الله إلحاقية زادها أحد من أهل التثليث واتفق كريسباخ وشولز على أنها إلحاقية جعلية كاذبة . 11- التحريف في حادثة زنا رأوبين بسرية أبيه : في سفر التكوين 35 من النسخة العبرانية: ( وحدث إذ كان إسرائيل ساكنا في تلك الأرض أن رأوبين ذهب واضطجع مع بلهة سرية أبيه وسمع إسرائيل ) في الفقرة تحريف بالنقصان واليهود معترفون بسقوط عبارة هاهنا قال جامعو تفسير هنري وإسكات : إن اليهود يسلمون أن شيئا سقط من هذه الفقرة وتتمته من الترجمة اليونانية هكذا ( وكان قبيحا في نظره) .
فلماذا أسقط اليهود العبرانيون هذه العبارة من نسختهم ؟! 12- التحريف في حادثة سرقة الصواع : في سفر التكوين 44 / 5 من النسخة العبرانية: ( أليس هذا هو الذي يشرب سيدي فيه) لاشك أن في الفقرة تحريفا بالنقصان وأقر المفسر هارسلي بالنقصان هاهنا وأمر بزيادته على حسب ما في الترجمة اليونانية لتصبح الفقرة: ( لم سرقتم صواعي أليس هذا هو الذي يشرب سيدي فيه) . 13- التحريف بإسقاط اسم مريم ابنة عمران أخت موسى : في سفر الخروج 6 من النسخة العبرانية:( وأخذ عمرام يوكابد عمته زوجة له فولدت له هارون وموسى ) لاشك أن في الفقرة تحريفا بالنقصان يظهر من النسخة السامرية والترجمة اليونانية هكذا: فولدت له هارون وموسى ومريم أختهما قال آدم كلارك : إن كبار المحققين يعتقدوم أن هذا اللفظ ومريم أختهما كان موجودا في المتن العبري ومعنى كلامه أن اللفظ أسقطه اليهود العبرانيون إما عنادا للسامريين المعتمدين على التوراة السامرية وإما عنادا للنصارى المعتمدين على التوراة اليونانية وشيء آخر يفهم هنا وهو أن عمران بن قهات بن لاوي قد تزوج يوكابد بنت لاوي فهي عمته أخت أبيه قهات وورد لفظ العمة في التوراة السامرية والعبرانية وفي التراجم العربية المطبوعة سنة 1811م و1865 م و1970 -1983م وفي التراجم الفارسية المطبوعة سنة 1839م و1845م و1856م وفي التراجم الهندية المطبوعة سنة 1822م و1829م و1842م وبما أن نكاح العمة حرام في التوراة كما في سفر الأحبار (اللاوين) 18 / 12 و20 / 19 فلما طبعت الترجمة العربية في عهد البابا أربانوس الثامن (المتوفى سنة 1644م) حرف لفظ العمة بابنة العم كما يلي: ( فتزوج عمران يوكابد ابنة عمه) فالفقرة وردت بلفظ ابنة العم في الطبعات العربية المطبوعة سنة 1625م و1671م و1844م و1848م فلزمهم التحريف بالتبديل.
14 - التحريف في الزبور إما بالزيادة وإما بالنقصان :
وقعت فقرات بين الفقرتين الثالثة والرابعة من المزمور الرابع عشر والفقرات توجد في الترجمة اللاتينية والترجمة العربية ونسخة واتيكانوس إحدى نسخ الترجمة اليونانية ونصها:( فحلقومهم قبر مفتوح وهم يغدرون بألسنتهم وسم الثعابين تحت شفاهم وأفواهمم مملؤة من اللعن والمرورة وأقدامهم مسرعة لسفك الدم والتهلكة والشقاء في طرقهم ولم يعرفوا طريق السلامة وخوف الله ليس بموجود أمام أعينهم ) والفقرات لا توجد في النسخة العبرانية ولكنها توجد في رسالة بولس إلى أهل رومية 3 / 13-18 فإما أن اليهود أسقطوها من نسختها العبرانية عنادا للنصارى الذين كانوا يعتمدون على نسخة التوراة اليونانية وهذا هو التحريف بالنقصان وإما أن النصارى زادوها في التراجم المذكورة انتصارا لبولس وهذا هو التحريف بالزيادة فالتحريف لازم قطعا لأحد الفريقين . 15 - التحريف في إنجيل لوقا بالنقصان : في إنجيل لوقا 21 / 32-34 : الحق أقول لكم إنه لا يمضي هذا الجيل حتى يكون الكل السماء والأرض تزولان ولكن كلامي لا يزول فاحترز لأنفسكم لئلا تثقل قلوبكم قال هورن : إن فقرة تامة ما بين الفقرتين33 و34 قد أسقطت من إنجيل لوقا وإن المحققين والمفسرين كلهم قد أغمضوا عيونهم عن هذا النقصان الواقع في متن إنجيل لوقا حتى قام المحقق هيلز بالتنبيه عليه وتجاسر هورن فأمر بزيادة هذه الفقرة في إنجيل لوقا بالرجوع إلى إنجيل متى وإنجيل مرقس ليكون موافقا لهما .
*فيما يلي نقل هذه الفقرة مع الفقرات السابقة لها ليظهر التحريف القصدي في إنجيل لوقا بإسقاط هذه الفقرة منه :
في إنجيل متى 24 / 34-36 : الحق أقول لكم لا يمضي هذا الجيل حتى يكون هذا كله السماء والأرض تزولان ولكن كلامي لا يزول وأما ذلك اليوم وتلك الساعة فلا يعلم بهما أحد ولا ملائكة السماوات إلا أبي وحده) . في إنجيل مرقس 13 / 30-32: الحق أقول لكم لا يمضي هذا الجيل حتى يكون هذا كله السماء والأرض تزولان ولكن كلامي لا يزول وأما ذلك اليوم وتلك الساعة فلا يعلم بهما أحد ولا الملائكة الذين في السماء ولا الابن إلا الآب) على اعتراف هورن وهيلز أن الفقرة الواردة في إنجيل متى 24 / 36 وفي إنجيل مرقس 13 ساقطة من إنجيل لوقا ويجب زيادتها فيه . 16 - التحريف لعناد اليهود والنصارى بعضهم بعضا : *في إنجيل متى 2:( وأتى وسكن في مدينة يقال لها ناصرة لكي يتم ما قيل بالأنبياء إنه سيدعى ناصريا) قوله :( لكي يتم ما قيل بالأنبياء إنه سيدعى ناصريا) من الأغلاط المشهورة في هذا الإنجيل لأنه لا يوجد هذا القول في كتاب من الكتب المعروفة المنسوبة للأنبياء فإما أن يكون النصارى أدخلوا هذا القول في كتبهم عنادا لليهود وهو من التحريف بالزيادة وإما أن يكون اليهود أسقطوا هذا القول من كتبهم عنادا للنصارى وهو من التحريف بالنقصان .
*المحقق كريزاستم وعلماء الكاثوليك يعتقدون أن القول كان في كتب الأنبياء لكن هذه الكتب انمحت وضيعها اليهود لغفلتهم وعدم ديانتهم فمزقوا بعضها وأحرقوا بعضها لأنهم لما رأوا أن الحواريين يتمسكون بهذه الكتب في إثبات عقائد ملتهم ضيعوها قصدا لإنكار نبوة المسيح r ويعلم هذا من إعدامهم كتبا نقل عنها متى .
* قال جستن في مناظرته لطريفون اليهودي : إن اليهود حرفوا كتبا كثيرة وأخرجوها من العهد العتيق ليظهر أن العهد الجديد مخالف للعهد القديم وهذا يدل على أن التحريف في سالف الزمان كان سهلا ألا ترى كيف انمحت عن صفحة العالم كتب كثيرة بإعدامهم لها لعناد بعضهم بعضا ؟! مغالطات نصرانية والرد عليها
المغالطة الأولى : يزعم النصارى لتغليط الجاهلين بحقيقة كتبهم أن المسلمين هم الذين يدعون أن كتب العهدين محرفة وللرد على هذه المغالطة تكون الشواهد في ثلاثة مسالك :
المسلك الأول : في نقل أقوال المخالفين للنصارى :
أ - العالم سلسوس كتب في القرن الثاني للميلاد كتابا في الرد على النصارى ونقل العالم الجرمني أكهارن عن كتاب سلسوس: بدل المسيحيون أناجيلهم 3مرات أو 4 مرات بل أزيد
ب - القس والمصلح الأمريكي باركر المتوفى سنة 1860م وهو في نظر النصارى ملحد قال : إن اختلاف العبارات في كتب النصارى ثلاثون ألفا وهذا العدد هو على تحقيق ميل . ج - عمل أحد الملاحدة جدولا للأسفار المنسوبة إلى عيسى والحواريين والتي يرفضها النصارى الآن فكان عددها 74 سفرا ثم قال كيف نعرف أن الكتب الإلهامية هي المسلمة الآن ضمن العهد الجديد أو هذه المرفوضة وإذا لاحظنا أن هذه الكتب المسلمة أيضا قبل إيجاد المطابع كانت قابلة للإلحاق والتبديل يقع الإشكال .
المسلك الثاني : في نقل أقوال الفرق النصرانية القديمة التي يعدها النصارى الآن من المبتدعين :
أ - الفرقة الأبيونية : ظهرت هذه الفرقة في القرن الميلادي الأول وكانت معاصرة لبولس أنكرت عليه إنكارا شديدا وعدته مرتدا وكانت تسلم من كتب العهد القديم بالتوراة فقط وتسلم من كتب العهد الجديد بإنجيل متى فقط لكن نسخته التي عند هذه الفرقة مخالفة لنسخة الإنجيل المنسوب إلى متى الآن التي يسلم بها أتباع بولس ولم يكن البابان الأولان موجودين في إنجيلها لأنها تعتقد أن هذين البابين ومواضع أخرى كثيرة محرفة وكانت تنكر ألوهية المسيح وتعتقد أنه إنسان فقط . ب- الفرقة المارسيونية : من فرق النصارى القديمة وكانت تنكر جميع كتب العهد القديم وتقول إنها ليست إلهامية وتنكر جميع كتب العهد الجديد إلا إنجيل لوقا وعشر رسائل من رسائل بولس وهذه الرسائل العشر المسلمة عندها مخالفة للرسائل الموجودة الآن وأما إنجيل لوقا فكانت الفرقة تنكر البابين الأولين منه وتنكر مواضع أخرى كثيرة منه ذكر منها لاردنر في تفسيره 14 موضعا وذكر بل في تاريخه أن هذه الفرقة المارسيونية تعتقد أنه يوجد إلهان أحدهما خالق الخير وثانيهما خالق الشر وتقول إن التوراة وسائر كتب العهد العتيق من عند إله الشر لأنها مخالفة للعهد الجديد
ج - فرقة ماني كيز أعظم علماء هذه الفرقة هو فاستس الذي عاش في القرن الرابع الميلادي وقد نقل لاردنر في تفسيره عن أكستاين ما يلي : قال فاستس : أنا أنكر الأشياء التي ألحقها في العهد الجديد آباؤكم وأجدادكم بالمكر وعيبوا صورته الحسنة وأفضليته لأن هذا الأمر محقق أن هذا العهد الجديد ما صنفه المسيح ولا الحواريون بل صنفه رجل مجهول الاسم ونسبه إلى الحواريين ورفقاء الحواريين خوفا عن أن لا يعتبر الناس تحريره ظانين أنه غير واقف على الحالات التي كتبها وآذى المريدين لعيسى إيذاء بليغا بأن ألف الكتب التي توجد فيها الأغلاط والتناقضات زعيم هذه الفرقة كان ينادي بعدة أشياء أبرزها :
النصارى أدخلوا في العهد الجديد أشياء خارجة عنه .
العهد الجديد المعروف الآن ليس من كتابة المسيح ولا الحواريين ولا تابعيهم وإنما من كتابة رجل مجهول الاسم .
العهد الجديد وقعت فيه الأغلاط والتناقضات .
المسلك الثالث : نقل أقوال المفسرين والمؤرخين المتعصبين للنصرانية والمقبولين عند كافة النصارى :
أ - قال آدم كلارك في تفسيره: أكثر البيانات التي كتبها المؤرخون للرب يقصد عيسى غير صحيحة لأنهم كتبوا الأشياء التي لم تقع بأنها وقعت يقينا وغلطوا في الحالات الأخر عمدا أو سهوا والأمر محقق أن الأناجيل الكثيرة الكاذبة كانت رائجة في القرون المسيحية الأولى وبلغت هذه الأناجيل أكثر من سبعين إنجيلا وكان فابري سيوس جمع هذه الأناجيل الكاذبة وطبعها في ثلاثة مجلدات .
ب- نسبت إلى موسى r غير الكتب الخمسة (التكوين والخروج والأحبار والعدد والتثنية) والمشهورة الآن بالتوراة ستة كتب هي :
1- كتاب المشاهدات 2- كتاب التكوين الصغير
3- كتاب المعراج 4- كتاب الأسرار
5- كتاب تستمنت ( العهد أو الميثاق) 6- كتاب الإقرار *قال هورن : المظنون أن هذه الكتب الجعلية اخترعت في ابتداء الملة المسيحية أي في القرن الميلادي الأول .
*قال المؤرخ موشيم : تعلم يهود مصر قبل المسيح مقولة مشهورة عند الفلاسفة هي أن الكذب والخداع لأجل أن يزداد الصدق وعبادة الله ليسا بجائزين فقط بل قابلان للتحسين وعملوا بهذه المقولة كما يظهر هذا جزما من كثير من الكتب القديمة وانتقل وباء هذه المقولة السيئة إلى النصارى كما يظهر هذا الأمر من الكتب الكثيرة التي نسبوها إلى الكبار كذبا .
د- قال لاردنر في تفسيره : حكم على الأناجيل المقدسة لأجل جهالة مصنفيها بأنها ليست حسنة بأمر السلطان أناسطيثوس ( الذي حكم ما بين سنتي 491-518م) فصححت مرة أخرى فلو كان للأناجيل إسناد ثابت في عهد ذلك السلطان ما أمر بتصحيحها ولكن لأن مصنفيها كانوا مجهولين أمر بتصحيحها والمصححون إنما صححوا الأغلاط والتناقضات على قدر الإمكان فثبت التحريف فيها يقينا من جميع الوجوه وثبت أنها فاقدة الإسناد . هـ - أكستاين وهيلز وقدماء النصارى كانوا يقولون إن اليهود في سنة 130م حرفوا التوراة العبرانية قصدا لعناد النصارى الذين كانوا يعتمدون على الترجمة اليونانية ولتصير هذه الترجمة غير معتبرة وأثبت كني كات بأدلة قوية لا جواب عليها بأن اليهود حرفوا توراتهم العبرانية لأجل عداوة السامريين الذين كان لهم توراة خاصة بهم غير توراة العبرانيين .
و- قال المفسر هارسلي : لا ريب في أن المتن المقدس قد حرف وهذا ظاهر من اختلاف النسخ وتناقض العبارات والأمر قريب من اليقين أن العبارات القبيحة جدا دخلت في المتن المطبوع وأن المتن العبري في النقول التي كانت عند الناس كان في أشنع حالة التحريف .
ز- قال واتسن : إن أوريجن كان يشكو من الاختلافات وينسبها إلى أسباب مختلفة مثل غفلة الكاتبين وشرارتهم وعدم مبالاتهم ولما أراد جيروم ترجمة العهد الجديد قابل النسخ التي كانت عنده فوجد اختلافا عظيما .
ط - وصل عرضحال (معروض) من فرقة البروتستانت إلى السلطان جيمس الأول (المتوفى سنة 1625 م) يقولون فيه: إن الزبورات ( المزامير) التي هي داخلة في كتاب صلاتنا مخالفة للنص العبري بالزيادة والنقصان والتبديل في مائتي (200) موضع تخمينا .
ي- قال المؤرخ الإنكليزي مستر توماس كارلايل (المتوفى سنة 1881م) : المترجمون الإنكليزيون أفسدوا المطلب وأخفوا الحق وخدعوا الجهال ومطلب الإنجيل الذي كان مستقيما جعلوه معوجا وعندهم الظلمة أحب من النور والكذب أحق من الصدق .
ك- مستر بروتن كان كبير المسؤولين عن مجلس الترجمة الجديدة في بريطانية فقال للقسيسين: إن الترجمة السائدة في إنكلترة مملوءة من الأغلاط وإن ترجمتكم الإنكليزية المشهورة حرفت عبارات كتب العهد القديم في ثمانمائة وثمانية وأربعين (848) موضعا وصارت سببا لرد كتب العهد الجديد من قبل أناس غير محصورين . أسباب وقوع اختلاف العبارة في كتب العهدين
قال هورن في تفسيره : لوقوع اختلاف العبارة أربعة أسباب :
السبب الأول : ( غفلة الكاتب وسهوه) وهو يتصور على وجوه *الذي كان يملي العبارة على الكاتب حرف في الإملاء فألقى ما ألقى أو أن الكاتب لم يفهم قوله حين أملاه عليه فكتب ما كتب
*الحروف العبرانية واليونانية بعضها متشابهة فكتب أحدها بدل الآخر .
*الكاتب ظن الإعراب خطأ أو ظن الخط الذي كان يكتب عليه جزءا من الحرف أو أن الكاتب لم يفهم أصل المطلب فأصلح العبارة باجتهاده وغلط .
*الكاتب انتقل من موضع إلى موضع آخر سهوا فلما تنبه لم يمح ما كتب وبدأ الكتابة مرة أخرى من الموضع الذي تركه فبقي ما كتبه من قبل بلا محو .
*الكاتب نسي شيئا فبعدما كتب شيئا آخر تنبه فكتب العبارة المتروكة بعده مباشرة فانتقلت العبارة من موضعها الصحيح إلى موضع آخر .
* الكاتب نظر أثناء الكتابة أخطأ ووقع على سطر آخر فسقطت عبارة أو عبارات ولم يعلم بها .
*الكاتب غلط في فهم بعض الألفاظ فكتبها على حسب فهمه فوقع الغلط . *جهل الكاتبين وغفلتهم سبب عظيم لوقوع اختلاف العبارة فهموا عبارة الحاشية أو التفسير جزءا من المتن فأدخلوها فيه .
السبب الثاني : ( نقصان النسخة المنقول عنها) وهو يتصور على وجوه : *انمحاء إعراب الحروف .
*الإعراب الذي كان في صفحة ظهر في صفحة أخرى وامتزج بحروف الصفحة الأخرى ففهمه الكاتب جزءا منها فكتبه كما يفهم .
*الفقرة المتروكة كانت مكتوبة على الحاشية بلا علامة تدل على موضع نقصانها فلم يعلم الكاتب الثاني أين موضع نقصانها الذي نكتب فيه ، فاجتهد فغلط في موضعها .
السبب الثالث : ( التصحيح الخيالي والإصلاح) وهو يتصور على وجوه : *الكاتب فهم العبارة الصحيحة أنها ناقصة أو غلط في فهم المطلب أو ظن أن العبارة غلط ولم تكن غلطا .
*بعض المحققين لم يكتفوا على إصلاح الغلط بل بدلوا العبارات غير الفصيحة بعبارات فصيحة وأسقطوا الفضول من الكلام والألفاظ المترادفة التي لم يظهر لهم فرق فيها سووا الفقرات المتقابلة باعتبار المعاني فجعلوها متساوية فالزائد نقصوه إلى القليل أو القليل زادوه وهذا التصرف وقع في الأناجيل خصوصا ولأجل ذلك كثر الإلحاق في رسائل بولس لتكون العبارات التي نقلها عن العهد القديم مطابقة للترجمة اليونانية وهذا أكثر الوجوه وقوعا .
السبب الرابع : التحريف القصدي وهذا التحريف صدر من المتشددين في الدين والمبتدعين وأعظمهم مارسيون وأما المتشددين فكانوا يحرفون قصدا لتأييد مسألة مقبولة أو لدفع الاعتراضات الواردة ثم ترجح هذه التحريفات بعدهم وضرب هورن أمثلة كثيرة لهذه التحريفات القصدية الصادرة عن المتشددين الذين هم عند قومهم من أهل الديانة والدين . المغالطة الثانية : يزعم النصارى أن المسيح r شهد بحقية كتب العهد العتيق ولو كانت محرفة ما شهد بها بل كان عليه أن يلزم اليهود بالتحريف .
الرد: إنه لما لم يثبت التواتر اللفظي لكتاب من كتب العهدين العتيق والجديد ولا يوجد لها سند متصل إلى مصنفيها وثبت وقوع جميع أنواع التحريف في هذه الكتب وثبت أن المتشددين من أهل الدين والديانة كانوا يحرفون قصدا لتأييد المسائل أو لدفع الاعتراضات الواردة فصارت هذه الكتب جميعها مشكوكة عندنا ولا يجوز الاحتجاج علينا ببعض فقراتها لاحتمال أن تكون الفقرات إلحاقية أدخلها المتشددون من النصارى في القرن الثاني أو في القرن الثالث ضد الفرقة الأبيونية والمارسيونية وماني كيز ثم رجحت هذه التحريفات بعدهم لكونها مؤيدة لمسائلهم كما فعلوا ضد فرقة إيرين وكانت الفرق الثلاث المذكورة تنكر كتب العهد العتيق إما كلها أو أكثرها ثم لو قطعنا النظر عن كون هذه الفقرات إلحاقية فلا يثبت منها سند هذه الكتب لأنه لم يبين فيها أعداد هذه الكتب ولا أسماؤها فكيف يعلم أن كتب العهد العتيق 39 كما هي الآن عند البروتستانت أو ستة وأربعون كما هي الآن عند الكاثوليك ؟!
*المؤرخ اليهودي يوسيفس متعصب جدا وعاش بعد المسيح r والنصارى يحترمونه ويقبلون كتبه كتب في تاريخه يقول: نحن اليهود ليس عندنا ألوف من الكتب يناقض بعضها بعضا بل عندنا 22 كتابا منها خمسة لموسى فبين غير أسفار موسى الخمسة سبعة عشر كتابا من ملحقات التوراة والحال أن هذه الملحقات للتوراة عند البروتستانت أربعة وثلاثون كتابا وعند الكاثوليك واحد وأربعون كتابا فأي كتاب من هذه الكتب الملحقات يكون داخلا في السبعة عشر وأي كتاب منها يكون خارجا عنها ؟!.قال طامس إنكلس : اتفق العالم على أن الكتب المفقودة من الكتب المقدسة ليست بأقل من عشرين .
*لو سلمنا أن هذه الكتب من العهد القديم التي كانت متداولة في عهد المسيح وشهد المسيح والحواريون لها فمقتضى الشهادة أن الكتب كانت موجودة عند اليهود في ذلك الوقت سواء كانت من تصنيف الأشخاص المنسوبة إليهم أو لم تكن وسواء كانت الحالات المندرجة فيها صادقة أو بعضها صادقة وبعضها كاذبة ولا يفهم من هذه الشهادة أن كل كتاب منها هو من تصنيف الشخص المنسوب إليه ولا أن كل حال من الحالات المذكورة فيها صادقة قطعا ولو نقل المسيح والحواريون من هذه الكتب شيئا فلا يلزم من مجرد النقل صدق الكتاب المنقول منه بحيث إنه لا يحتاج إلى تحقيق نعم لو أن المسيح صرح في كل جزء من أجزاء هذا الكتاب وفي كل حكم من أحكامه أنه من عند الله وثبت تصريح المسيح بالتواتر فيكون هذا الكتاب صادقا قطعا وما سواه يكون مشكوكا يحتاج إلى تحقيق ولكن لم يثبت هذا التصريح من المسيح r بخصوص أي كتاب من كتب العهد القديم .
*المحقق بيلي ذكر في كتابه أن المسيح قال بأن التوراة من عند الله وقوله ذلك لا يعني أن العهد العتيق كله أو كل فقرة منه صحيحة ولا أن كل كتاب منه أصلي ولا أن تحقيق مؤلفيه واجب نعم لقد كان الحواريون واليهود المعاصرون للمسيح يرجعون إليها ويستعملونها فيثبت من هذا الرجوع والاستعمال أنها كانت مشهورة ومسلمة في ذلك الوقت ولا يلزم من نقل فقرة في العهد الجديد عن العهد العتيق صدق تلك الفقرة بحيث لا تحتاج إلى تحقيق .
*لو فرضنا أن المسيح شهد لكتب العهد القديم فشهادة المسيح لا تنافي التحريف الواقع بعدها فكما حرف اليهود قبل المسيح حرفوا بعده أيضا وقد مر أن مذهب الجمهور من العلماء والمحققين والمفسرين والمؤرخين أن اليهود حرفوا قصدا بعد المسيح سنة 130 م عنادا للنصارى فشهادة المسيح لا تنفي أن يكون التحريف قد وقع بعدها في هذه الكتب . المغالطة الثالثة :
يزعم النصارى أن وقوع التحريف مستبعد لأن نسخ الكتب المقدسة كانت منتشرة شرقا وغربا فلا يمكن لأحد تحريفها .
وللرد فيما يلي إيراد أمور يزول بها استبعاد وقوع التحريف في كتبهم : *موسى r كتب نسخة التوراة وسلمها إلى الأحبار وأوصاهم بالمحافظة عليها بوضعها داخل صندوق الشهادة أي التابوت الذي صنعه موسى فكانت توراة موسى في الصندوق وكانت الطبقة الأولى محافظة عليها فلما انقرضت تغير حال بني إسرائيل فكانوا يرتدون تارة ويسلمون أخرى وبقي حالهم هكذا إلى سلطنة داود وسليمان r فحسنت حالهم واستقامت عقيدتهم أما التوراة الموضوعة في التابوت فضاعت قبل عهد سليمان بسبب الارتدادات الكثيرة ولا يعلم جزما متى ضاعت لأن سليمان r عندما فتح الصندوق لم يجد فيه سوى اللوحين اللذين كانت الأحكام الوصايا العشرة فقط مكتوبة فيهما كما هو مصرح به في سفر الملوك الأول 8 / 9 ثم وقع الارتداد العظيم في آخر حكم سليمان على ما تشهد به كتبهم المقدسة ولا شك أنه إفك مفترى على سليمان فيقولون إن سليمان ارتد في آخر عمره وعبد الأصنام وبنى لها المعابد الكثيرة إرضاء لأزواجه (سفر الملوك الأول 11/ 1-11) فإذا صار سليمان في آخر عمره مرتدا وثنيا بشهادتهم القبيحة فما بقي له غرض بالتوراة
*بعد موت سليمان r سنة 931ق.م وقع الارتداد الأعظم انقسم أسباط بني إسرائيل فصارت المملكة الواحدة مملكتين وصار يربعام بن ناباط ملكا على عشرة أسباط في شمال فلسطين وسميت مملكته بمملكة إسرائيل وعاصمتها ترصة قرب شكيم ( نابلس) وصار رحبعام بن سليمان ملكا على سبطين في جنوب فلسطين وسميت مملكته بمملكة يهوذا وعاصمتها أورشليم (القدس) وشاع الكفر والارتداد في المملكتين وكان في مملكة إسرائيل أسرع وأشد لأن يربعام بعدما تولى الحكم ارتد ونصب عجول الذهب وأمر بعبادتها فارتدت معه الأسباط العشرة وعبدوا الأصنام ومن بقي منهم على التوحيد هاجر إلى مملكة يهوذا وتعاقب على حكم مملكة إسرائيل19 ملكا ولم يتغير حالهم فهؤلاء الأسباط العشرة من عهد أول ملوكهم إلى آخرهم كانوا كافرين بالله عابدين للأصنام نابذين للتوراة فأبادهم الله بأن سلط عليهم الأشوريين بقيادة سرجون الثاني سنة 722ق.م فأسروا وقتلوا القسم الأكبر منهم وفرقوا قسما آخر في الممالك ولم يبق منهم في هذه المملكة إلا شرذمة قليلة فجلبوا الوثنيين وأسكنوهم في مملكة إسرائيل فاختلطت هذه الشرذمة الإسرائيلية القليلة بالوثنيين اختلاطا شديدا فتزاوجوا وتوالدوا فسميت أولادهم بالسامريين فمن عهد يربعام أول ملوك المملكة الإسرائيلية وإلى اندثارها بعد مدة تزيد عن قرنين من الزمان ما كان لهؤلاء الأسباط العشرة غرض بالتوراة وكان وجود نسخ التوراة في هذه المملكة كوجود العنقاء يسمع بها ولا أصل لها أما مملكة يهوذا التي تضم سبطين من أسباط بني إسرائيل فجلس على سرير الحكم فيها بعد موت سليمان r عشرون ملكا وكان المرتدون من هؤلاء الملوك أكثر من المؤمنين الموحدين فمن عهد رحبعام بن سليمان شاعت عبادة الأصنام ووضعت تحت كل شجرة وعبدت فسلط الله عليه شيشق ملك مصر فغزا مملكة يهوذا ونهب جميع أثاث الهيكل وأثاث بيت السلطان ثم سلط الله على آسا ثالث ملوكها بعشا بن أخيا ثالث ملوك مملكة إسرائيل وكان بعشا وثنيا مرتدا فجاء إلى القدس ونهب الهيكل وبيت السلطان نهبا شديدا وفي عهد أخزيا سادس ملوك يهوذا بنيت المذابح للبعل في كل جانب من مدينة أورشليم حتى سدت أبواب بيت المقدس ثم في عهد منسي ملكها الرابع عشر اشتد الكفر حتى صار أكثر أهل المملكة وثنيين فبني مذابح الأوثان في فناء بيت المقدس ووضع الوثن الذي كان يعبده في بيت المقدس وهكذا كان حال الكفر والارتداد في عهد ابنه آمون . *لما تولى الحكم يوشيا بن آمون سنة 638ق .م تاب إلى الله توبة نصوحا وأمر أركان دولته بنشر الملة الموسوية وهدم رسوم الكفر والوثنية في غاية الجد والاجتهاد واتخذ الكاهن حلقيا مرشدا له وعين الكاتب شافان لجمع الضرائب من الشعب لإصلاح الهيكل وكان بحاجة شديدة إلى التوراة ومع ذلك ما رأى أحد ولا سمع بوجود نسخة التوراة إلى سنة 621 ق .م أي بعد سبعة عشر عاما من حكمه ثم في العام الثامن عشر ادعى مرشده الكاهن حلقيا أنه وجد مخطوطة لسفر التثنية ومجموعة من الشرائع في بيت المقدس عندما كان يحسب الفضة الواردة إلى الهيكل فأعطى هذا السفر لشافان فقرأه على الملك يوشيا فلما سمع يوشيا مضمونه شق ثيابه حزنا على عصيان بني إسرائيل (سفر الملوك الثاني 22 / 1-11 وسفر أخبار الأيام الثاني 34 / 1-19) ولكن النسخة لا اعتماد عليها ولا على قول حلقيا لأن الهيكل نهب مرتين قبل عهد الملك أخزيا وفي عهده جعل بيتا للأصنام وكان سدنتها يدخلون البيت كل يوم ففي خلال أكثر من قرنين من الزمان (منذ بداية حكم أخزيا سنة 843 ق .م إلى سنة 621 ق .م التي هي العام السابع عشر لحكم يوشيا) ما سمع أحد اسم التوراة ولا رآها علما أن يوشيا وأركان دولته وجميع رعيته كانوا في غاية الاجتهاد لإحياء شريعة موسى وكان الكهنة يدخلون كل يوم إلى الهيكل فالعجب أن يكون سفر التثنية في الهيكل ولا يراه أحد طيلة سبعة عشر عاما والحق اخترعه الكاهن حلقيا فإنه لما رأى أن الملك يوشيا وأركان دولته متوجهون بشدة إلى اتباع شريعة موسى قام بجمع هذا السفر من الروايات اللسانية غير المدونة التي كان يتناقلها الأحبار أو وصلت إليه من أفواه الناس سواء كانت صادقة أو كاذبة وكان طيلة سبعة عشر عاما في جمعها وتأليفها فبعدما أتم جمعها نسبها إلى موسى وادعى أنه وجد هذا السفر في الهيكل ومثل هذا الافتراء والكذب لترويج الملة كان من المستحبات الدينية عند متأخري اليهود وقدماء النصارى وبقطع النظر عما فعله حلقيا فسفر الشريعة الذي سلمه للملك يوشيا سنة 620 ق .م في العام الثامن عشر من حكمه بقي العمل به طيلة حياته أي لمدة ثلاثة عشر عاما ولما مات يوشيا سنة 608 ق .م جلس ابنه يهوآحاز على سرير الملك فارتد وأشاع الكفر في المملكة فسلط الله عليه نخو ملك مصر فأسره وأجلس مكانه أخاه يهوياقيم بن يوشيا وكان مرتدا وثنيا كأخيه وبعد موته جلس على سرير الملك ابنه يهوياكين بن يهوياقيم وكان مرتدا وثنيا كأبيه وعمه فسلط الله عليه بختنصر ملك بابل فأسره مع جم غفير من بني إسرائيل ونهب الهيكل والقدس وكنز بيت الملك وأجلس مكانه على السرير عمه صدقيا بن يوشيا وكان وثنيا كأخويه فحكم أحد عشر عاما كان خلالها ذليلا لنبوخذ نصر وفي سنة 587ق .م جاء نبوخذ نصر فقبض على صدقيا وقتل أولاده أمام عينه ثم قلع عينيه وربطه بالسلاسل وأرسله مع سائر بني إسرائيل أسرى إلى بابل وأشعل النار في الهيكل وفي بيوت الملك وجميع بيوت أورشليم فدمرها تدميرا كليا وهدم أسوارها وقضي نهائيا على مملكة يهوذا سنة 587 ق .م ، أي بعد أن قضى سرجون الثاني الأشوري على مملكة إسرائيل بـ 135 سنة.
*فيكون تواتر التوراة في اليهود منقطعا قبل زمان يوشيا (638-608 ق .م) والسفر الذي وجد في عهده لا يثبت به التواتر وما عمل به إلا ثلاثة عشر عاما وبعدها اندثر ولم يعلم حاله والظاهر أنه لما رجع الكفر والارتداد والوثنية في أولاد يوشيا زال هذا السفر قبل حادثة بختنصر ولو فرض بقاؤه فزواله في حادثة بختنصر أمر مقطوع به لأن جميع كتب العهد العتيق التي كانت مصنفة قبل هذه الحادثة انعدمت عن صفحة العالم رأسا وهذا الأمر مسلم عند أهل الكتاب لذلك يضطرون للقول إن عزرا كتب العهد العتيق مرة أخرى في بابل .
*ذكر كتاب قاموس الكتاب المقدس أنه مما لا شك فيه أن معظم الأسفار المقدسة أتلفت أو فقدت في عصر الارتداد والاضطهاد وبخاصة في مدة حكم منسى الطويل (55 سنة ما بين 693-639 ق .م) ورجحوا أن مخطوطة نسخة الشريعة التي عثر عليها حلقيا قد عبث بها عند تدنيس الهيكل لما كتب عزرا كتب العهد القديم مرة أخرى على زعمهم وقعت حادثة أخرى مروعة جاء ذكرها في كتاب المكابيين الأول وفي تاريخ يوسيفس وفي كتب أخرى هي أنه لما فتح أنطيوخس الرابع ( أنتيوكس ابيفانيس ) أورشليم أراد أن يمحق الديانة اليهودية فأحرق جميع نسخ كتب العهد القديم التي حصلت له من أي مكان بعدما قطعها ، وأمر بقتل كل من توجد عنده نسخة من نسخ كتب العهد القديم أو من يؤدي رسم الشريعة وكان يفعل هذا الأمر في كل شهر ولمدة ثلاث سنوات ونصف ، وكانت هذه الحادثة حوالي سنة 161 ق .م فقتل خلق كثير من اليهود وأعدمت فيها جميع النسخ التي كتبها عزرا ولذلك قال جان ملنر اتفق أهل العلم على أن نسخة التوراة ونسخ كتب العهد العتيق ضاعت من أيدي عسكر بختنصر ولما ظهرت نقولها بواسطة عزرا ضاعت تلك النقول أيضا في حادثة أنتيوكس ثم وقعت على اليهود بعد حادثة أنتيوكس حوادث أخرى انعدمت فيها نقول عزرا ونسخ لا تحصى ومنها حادثة تيطس الرومي سنة 70م وهي مكتوبة بالتفصيل في تاريخ يوسيفس وتواريخ أخرى وقد أهلك في هذه الحادثة من اليهود في القدس ونواحيها مليون ومائة ألف بالسيف والصلب والنار والجوع وأسر سبعة وتسعين ألفا وباعهم في الأقاليم المختلفة وأهلك جموعا كثيرة في أقطار أرض فلسطين وسوريا فلو أن شيئا من كتب العهد القديم نجا من إحراق أنتيوكس فمن المحقق أنه أحرق وأعدم في هذه الحادثة .. *قدماء النصارى لم يكونوا معترفين بالنسخة العبرانية من العهد القديم وكانوا يعتقدون أنها محرفة وكانوا يستعملون الترجمة اليونانية إلى آخر القرن الميلادي الثاني وأما في معابد اليهود فكانت الترجمة اليونانية مستعملة إلى نهاية القرن الميلادي الأول وكانت نسخ العبرانية قليلة جدا عند الطرفين وقد أعدم اليهود بأمر محفل الشورى نسخا كتبت في القرنين 7 و8 الميلادي لأنها كانت تخالف النسخ المعتمدة عندهم مخالفة كبيرة ولذلك لم تصل إلى أيدي المصححين أية نسخة مكتوبة في هذين القرنين ، فإذا أعدموا النسخ المخالفة لنسخهم ، وأبقوا النسخ التي يرضون بها صار لهم مجال واسع للتحريف . 4 - الحوادث التي مرت على النصارى في القرون الثلاثة الأولى كانت سببا لقلة النسخ عندهم ولسهولة التحريف فيها لأن تواريخهم تشهد بأنهم طيلة هذه القرون الثلاثة ابتلوا بأنواع المحن والبلايا فقد وقعت عليهم اضطهادات عظيمة كانت كافية لضياع الإنجيل الصحيح وسائر أسفارهم المقدسة وأبرزها عشرة اضطهادات كما يلي :
الأول : في عهد السلطان نيرون سنة 64م كان مشهورا بالظلم والقسوة حتى إنه أحرق مدينة روما وألقى تبعة ذلك على النصارى فاضطهدهم بعنف وكان الإقرار بالنصرانية يعد جرما عظيما فقتل بطرس وزوجته وأناسا كثيرين وكان هذا القتل في العاصمة وفي سائر الولايات مستمرا إلى نهاية حياة هذا السلطان سنة 68م .
الثاني : في عهد السلطان دومشيان ( دوميتيانوس )الذي صار إمبراطور روما عام 81م أخو تيطس الذي ذبح اليهود سنة 70م وكان طاغية جبارا وعدوا للنصارى مثل نيرون فأجلى يوحنا الحواري وأمر بالقتل وأسرف في قتل الكبراء ومصادرة أموالهم ونكل بالنصارى فاق ما فعله أسلافه وكان أن يستأصل النصرانية وبقي الحال هكذا إلى أن قتل سنة 96م . الثالث : في عهد السلطان تراجان ( ترايانوس )الذي صار امبراطور روما عام 98م بدأ اضطهاده للنصارى سنة 101م واشتد جدا سنة 108م حيث أمر بقتل كل من بقي من ذرية داود فقام الضباط بالتفتيش وبقتل كل من وجدوه منهم وأعدم الأساقفة بالصلب أو بالضرب أو بالإغراق في البحر وبقي الحال هكذا طيلة حياته إلى أن فاجأه الموت سنة 117م .
الرابع : في عهد السلطان مرقس أنتيونينس ( أنطيونينوس ماركوس ) الذي صار إمبراطور روما عام 161م وكان فيلسوفا رواقيا ووثنيا متعصبا بدأ اضطهاده للنصارى عام 161م ولمدة تزيد على 10 فبلغ القتل شرقا وغربا وكان يطلب من الأساقفة أن يكونوا مع جملة سدنة الأوثان ومن أبى يجلسونه على كرسي حديد تحته نار ثم يمزق لحمه بكلاليب من حديد .
الخامس : في عهد السلطان سويرس ( سيفيروس ) الذي صار إمبراطور روما عام 193م وابتدأ اضطهاده للنصارى عام 202م فأمر بالقتل في كل ناحية وكان القتل على أشده في مصر وقرطاجة وفرنسا حيث قتل الألوف في غاية الشدة فظن النصارى أن هذا الزمان هو زمن الدجال السادس : في عهد السلطان مكسيمن ( ماكسيمينيوس ) الذي صار إمبراطور روما سنة 235م فأحيا رسوم الوثنية وبدأ اضطهاده للنصارى عام 237م فأصدر أمره بقتل جميع العلماء لأنه ظن أنه إذا قتل العلماء جعل العوام مطيعين له في غاية السهولة ثم أمر بقتل كل نصراني بلا فحص ولا محاكمة فكثيرا ما كان يطرح منهم في جب واحد خمسون أو ستون قتيلا معا ثم هم بقتل جميع سكان روما فقتله أحد الجند سنة 238م .
السابع : في عهد السلطان دي شس ( دنيس ) الذي بدأ اضطهاده للنصارى سنة 253م وقد أراد هذا السلطان استئصال الملة النصرانية فأصدر أوامره بذلك إلى حكام الولايات ونفذ الولاة أوامره بقسوة فبحثوا عن النصارى وقتلوهم في كل مكان بعد التعذيب الشديد وكان ظلمه وقهره شديدا في مصر وأفريقيا وإيطاليا والمشرق (آسيا الصغرى وبلاد الشام) حتى ارتد في زمنه كثيرون من النصرانية إلى الوثنية . الثامن : في عهد السلطان ولريان( والريانوس )( فالريان )الذي بدأ اضطهاده للنصارى سنة 257م عندما أصدر أمره الشديد بقتل جميع الأساقفة وخدام الدين وإذلال الأعزة ومصادرة أموالهم وسلب حلي نسائهم وإجلائهن من الأوطان ومن بقي منهم بعد ذلك نصرانيا ورفض تقديم قربان للإله جوبيتر يقتل أو يحرق أو يلقى للنمور تفترسه فقتل بضعة ألوف وأخذ الباقون عبيدا مقيدين بالسلاسل لاستعمالهم في أمور الدولة .
التاسع : في عهد السلطان أريلين بدأ اضطهاده للنصارى بأوامر مشددة ضدهم سنة 274م لكن لم يقتل فيه كثير لأن السلطان قتل .
العاشر : في عهد السلطان ديوكليشين ( دقلديانوس ) الذي صار إمبراطور روما عام 284م وبدأ اضطهاده للنصارى سنة 286م بقتل 6600 من النصارى وكانت ذروته سنة 302م واستمر إلى سنة 313م ففي سنة 302م أحرق بلدة فريجيا كلها دفعة واحدة بحيث لم يبق فيها أحد من النصارى وأراد هذا السلطان أن يمحو الكتب المقدسة من الوجود واجتهد في هذا الأمر اجتهادا عظيما فأصدر أمره في شهر آذار ( مارس) سنة 303م بهدم جميع الكنائس وإحراق الكتب وعدم اجتماع النصارى للعبادة فنفذ الولاة أمره بصرامة شديدة فهدمت الكنائس في كل مكان وأحرق كل كتاب عثروا عليه بالجد التام وعذب عذابا شديدا كل من ظن أنه أخفى كتابا وامتنع النصارى عن الاجتماع للعبادة قال يوسي بيس إنه رأى بعينيه تهديم الكنائس وإحراق الكتب المقدسة في الأسواق وأصدر أمره لعامله على مصر أن يجبر الأقباط على عبادة الأصنام وأن يذبح بالسيف كل من يأبى فقتل منهم (000ر800) فسمي عصره بعصر الشهداء وكان يقتل من النصارى في كل يوم ما بين 30-80 نفسا واستمر اضطهاده للنصارى عشر سنين حتى ملأ الأرض قتلا شرقا وغربا فهذا الاضطهاد أعنف من كل الاضطهادات السابقة وأطولها أمدا .
*هذه الوقائع العظيمة التي يكتبونها في تواريخهم لا يتصور فيها كثرة النسخ وانتشارها شرقا وغربا كما يزعمون بل لا يتصور فيها إمكانية المحافظة على سلامة النسخ الموجودة بين أيديهم ولا تصحيحها ولا تحقيقها لأن النسخ الصحيحة تضيع في مثل هذه الأحداث ويكون للمحرفين مجال كبير للتحريف المناسب لأهوائهم وبسبب الحوادث المذكورة فقدت الأسانيد المتصلة لكتب العهدين وصار الموجود باسم كتب العهدين جعليا مختلقا فلا يوجد عند اليهود ولا عند النصارى سند متصل لكتاب من كتبهم وقد طلب الشيخ رحمت الله في مناظرته للقسيسين فندر وفرنج السند المتصل لأي كتاب من كتبهم فاعتذرا بأن سبب فقدان الإسناد هو وقوع المصائب والفتن على النصارى إلى مدة ثلاثمائة وثلاث عشرة سنة (313م) .
إثبات وقوع النسخ في كتب العهدين
النسخ في الاصطلاح الإسلامي : بيان مدة انتهاء الحكم العملي الجامع للشروط ويعرف أيضا بأنه رفع الحكم الشرعي بدليل شرعي متأخر والنسخ عندنا نحن المسلمين لا يطرأ على القصص والأخبار ولا على الأمور العقلية القطعية مثل أن الله موجود وأنه واحد ولا على العقائد مثل وجوب الإيمان وحرمة الكفر والشرك ولا على الأحكام المؤبدة كقوله تعالى: { وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا } ولا على الأحكام المؤقتة قبل وقتها المعين ولا على الأدعية وإنما يطرأ النسخ على الأحكام العملية المحتملة للوجود والعدم وأن تكون غير مؤبدة ولا مؤقتة وتسمى الأحكام المطلقة . ولا يقصد المسلمون بالنسخ المصطلح عندهم ما يقصده اليهود الذين يجوزون البداء على الله لأن معنى البداء ظهور الشيء بعد خفائه أي أن الله أمر بشيء أو نهى عن شيء دون أن يعلم عاقبة الأمر والنهي ثم بدا له رأي فنسخ الحكم الأول وهذا فيه لزوم الجهل على الله والعياذ بالله من هذه العقيدة الفاسدة وتعالى الله عن ذلك علوا كبيرا لكن معنى النسخ المصطلح عند المسلمين أن الله تعالى كان يعلم أن هذا الحكم من الأمر أو النهي يكون باقيا على المكلفين به إلى وقت معين في علم الله ثم ينسخه أي إذا جاء الوقت المعين في علم الله يعطي الله المكلفين حكما آخر يظهر منه للمكلفين الزيادة على الحكم الأول أو النقصان منه أو رفعه نهائيا فهذا الحكم الآخر هو في الحقيقة بيان انتهاء العمل بالحكم الأول ولكننا نحن المكلفين لأننا لم نكن نعلم بالحكم الآخر ولا بوقت وروده ولأن الحكم الأول لم يكن مؤقتا وكنا نظن دوامه فعند ورود الحكم الآخر نظن لقصور علمنا أن هذا تبديل وتغيير للحكم الأول ولكن هو بالنسبة إلى الله ليس تبديلا ولا تغييرا وإنما هو بيان انتهاء العمل بالحكم الأول ولكن هو بالنسبة إلى الله ليس تبديلا ولا تغييرا وإنما هو بيان انتهاء العمل بالحكم الأول وفي هذا حكم ومصالح للعباد يعلمها الله وسواء ظهرت لنا أو لم تظهر لأن جميع الأحكام التي يشرعها الله لعباده فيها مصلحتهم إما في جلب منفعة أو تكميلها وإما في درء مفسدة أو تقليلها والحكم والمصالح تكون نظرا إلى حال المكلفين والزمان والمكان وهذا لا يعلمه أحد إلا الله لذلك كان نسخ الأحكام حقا لله وحده وليس البداء من هذا القبيل وهو ممتنع في حق الله لأن علم الله أزلي أبدي يعلم الأشياء قبل وقوعها أما البداء فجائز في حقنا نحن البشر *بعد بيان معنى النسخ المصطلح عندنا نحن نقول ليس هناك قصة من القصص الموجودة في كتب العهدين القديم والجديد منسوخة عندنا لكن بعضها كاذب قطعا مثل
- لوطا r زنى بابنتيه وحملنا منه بهذا الزنا (سفر التكوين19 / 30-38) .
- يهوذا بن يعقوب r زنى بثامار زوجة ابنه وحملت منه بهذا الزنا توأمين فارص وزارح سفر التكوين 38 / 12-30) وأن الأنبياء داود وسليمان وعيسى r كلهم من أولاد ولد الزنا فارص (إنجيل متى 1 / 3-16) .
- داود r زنى بامرأة أوريا وحملت منه بهذا الزنا ثم أهلك زوجها بالمكر وأخذها زوجة له (سفر صموئيل الثاني 11 / 2-27) .
- سليمان r ارتد في آخر عمره وعبد الأصنام وبنى المعابد لها(سفر الملوك الأول 11/1-13).
- هارون r صنع العجل لبني إسرائيل وعبده وأمرهم بعبادته (سفر الخروج 32 / 1-6).
*نقول في هذه القصص وأمثالها إنها كاذبة مفتراه على أنبياء الله وباطلة يقينا ولا نقول إنها منسوخة . *بهذا المعنى المصطلح عندنا للنسخ لا يكون الزبور ناسخا للتوراة ولا يكون منسوخا بالإنجيل لأن الزبور أدعية والأدعية لا تنسخ وإنما منعنا عن استعمال الزبور والكتب الأخرى التي في العهدين القديم والجديد لأنها كلها مشكوكة يقينا وفاقدة لأسانيدها المتصلة وثبت وقوع التحريف اللفظي فيها بجميع أقسامه أما الأحكام المطلقة الصالحة للنسخ فنعترف أن بعض الأحكام في التوراة هي الصالحة للنسخ ونسخت الشريعة الإسلامية بعضها ولا نقول إن كل حكم وارد في التوراة منسوخ فبعض أحكام التوراة لم تنسخ مثل حرمة اليمين الكاذبة والقتل والزنا واللواط والسرقة وشهادة الزور والخيانة في مال الجار وعرضه ونكاح المحارم وعقوق الوالدين فهذه الأحكام ما زالت حرمتها باقية في شريعة الإسلام ولم تنسخ .
*قد يكون الحكم الناسخ في شريعة نبي لاحق والحكم المنسوخ في شريعة نبي سابق وقد يكون الحكمان الناسخ والمنسوخ في شريعة النبي نفسه والأمثلة من كتب العهدين العتيق والجديد غير محصورة . بعض الأمثلة على وجود الحكم الناسخ في شريعة نبي سابق وبعض هذه الأمثلة يكون إيرادها من قبيل الإلزام فقط :
*الزواج بالأخت كان جائزا في شريعة آدم r وقد تزوج أولاده بأخواتهم ثم نسخ وصار محرما في شريعة موسى r:في سفر الأحبار (اللاويين) 18 / 9 : (عورة أختك بنت أبيك أو بنت أمك المولودة في البيت أو المولودة خارجا لا تكشف عورتها)
*جميع الحيوانات كانت حلالا في شريعة نوح في سفر التكوين9 / 3: (كل دابة حية تكون لكم طعاما كالعشب الأخضر دفعت إليكم الجميع) فجميع الحيوانات في شريعة نوح r كانت حلالا كالبقولات ونسخت شريعة موسى حلية بعضها فصارت حراما كما في سفر الأحبار (اللاويين) 11 / 4-8 وسفر التثنية 14 / 7-8 وفيما يلي نص فقرتي سفر التثنية : إلا هذه فلا تأكلوها مما يجتر ومما يشق الظلف المنقسم الجمل والأرنب والوبر لأنها تجتر لكنها لا تشق ظلفا فهي نجسة لكم والخنزير لأنه يشق الظلف لكنه لا يجتر فهو نجس لكم فمن لحومها لا تأكلوا وجثثها لا تلمسوا) .
*الجمع بين الأختين كان جائزا في شريعة يعقوب r وقد جمع يعقوب بين الأختين ( ليئة وراحيل ) كما في سفر التكوين 29 / 15-35 ثم نسخت شريعة موسى r حليته وصار الجمع بين الأٍختين حراما ففي سفر الأحبار (اللاويين) 18 / 18: ( ولا تأخذ امرأة على أختها للضرر لتكشف عورتها معها في حياتها) .
* الزواج بالمطلقة في شريعة موسى r يجوز أن يطلق الرجل امرأته لأي سبب وبعد خروجها من بيته يجوز لأي رجل آخر أن يتزوجها كما ورد في سفر التثنية 24 / 1-4 وفي شريعة عيسى r لا يجوز الطلاق إلا بسبب الزنا ولا يجوز لرجل آخر أن يتزوج هذه المطلقة والزواج بالمطلقة بمنزلة الزنا ففي إنجيل متى 5 / 31-32 : وقيل من طلق امرأته فليعطها كتاب طلاق وأما أنا فأقول لكم إن من طلق امرأته إلا لعلة الزنا يجعلها تزني ومن يتزوج مطلقة فإنه يزني) .
وفي إنجيل متى 19 / 8-9 جواب عيسى للفريسيين : قال لهم إن موسى من أجل قساوة قلوبكم أذن لكم أن تطلقوا نساءكم ولكن من البدء لم يكن هكذا وأقول لكم إن من طلق امرأته إلا بسبب الزنا وتزوج بأخرى يزني والذي يتزوج بمطلقة يزني ) فثبت من هذا النص أن النسخ وقع مرتين ويفهم ذلك من الفقرة الثامنة أي كان الطلاق قبل موسى حراما ثم نسخت حرمته وأبيح في شريعة موسى ثم نسخت الإباحة وصار حراما في شريعة عيسى بل هو بمنزلة الزنا .
نسخ جميع أحكام التوراة :
توراة موسى r فيها جميع أحكام شريعة بني إسرائيل وكل أنبيائهم مأمورون بالعمل بأحكامها ومنها أحكام الحلال والحرام من الحيوانات فيما يحل أكله أو يحرم منها وعيسى r من بني إسرائيل وتابع لشريعة موسى r وليس بناسخ لها فقد ورد على لسانه كما في إنجيل متى 5 / 17-18 : لا تظنوا أني جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء ما جئت لأنقض بل لأكمل فإني الحق أقول لكم إلى أن تزول السماء والأرض لا يزول حرف واحد أو نقطة واحدة من الناموس حتى يكون الكل) وقد تمسك الدكتور القسيس فندر بهاتين الفقرتين في الصفحة (24) من كتابه ميزان الحق على أن أحكام التوراة لا تنسخ ونفى أن يكون المسيح قد نسخ شيئا من أحكام التوراة لأنه ما جاء لينقضها بل ليكملها ولكن جميع المحرمات في التوراة أصبحت حلالا بفتوى بولس ولا يوجد في شريعته شيء حرام إلا للنجسين فالأشياء الطاهرة هي للنجسين نجسة والأشياء النجسة هي للطاهرين طاهرة وهذه من أعجب الفتاوى ففي رسالة بولس إلى أهل رومية 14 / 14 :( إني عالم ومتيقن في الرب يسوع أن ليس شيء نجسا بذاته إلا من يحسب شيئا نجسا فله هو نجس) وفي رسالة بولس إلى تيطس 1 / 15 :( كل شيء طاهر للطاهرين وأما للنجسين وغير المؤمنين فليس شيء طاهرا بل قد تنجس ذهنهم أيضا وضميرهم ) *يفهم من النصين السابقين أن موسى وسائر أنبياء بني إسرائيل إلى عيسى r وأتباعهم لم يكونوا طاهرين فلم تحصل لهم هذه الإباحة العامة لجميع المحرمات ولم يستطع عيسى r أن ينسخ شريعة موسى ولما كان أتباع بولس طاهرين حصلت لهم هذه الإباحة العامة لجميع المحرمات والمطعومات النجسة وصار كل شيء طاهرا وحلالا لهم واستطاع رئيسهم بولس أن ينسخ شريعة موسى كلها واجتهد كثيرا في إشاعة حكم الإباحة العامة وفي إقناع أتباعه بأن أحكام التوراة كلها صارت منسوخة ولذلك كتب إلى تيموثاوس في رسالته الأولى 1 / 1-7 : إنه في الأزمنة الأخيرة يرتد قوم عن الإيمان تابعين أرواحا مضلة وتعاليم شياطين وآمرين أن يمتنع عن أطعمة قد خلقها الله لتتناول بالشكر من المؤمنين وعار في الحق لأن كل خليقة الله جيدة ولا يرفض شيء إذا أخذ مع الشكر لأنه يقدس بكلمة الله والصلاة إن فكرت الإخوة بهذا تكون خادما صالحا ليسوع المسيح متربيا بكلام الإيمان والتعليم الحسن الذي تتبعته وأما الخرافات الدنسة العجائزية فارفضها) .
نسخ الأعياد الإسرائيلية والسبت :
وردت أحكام الأعياد والسبت مفصلة في سفر الأحبار ( اللاويين) 23 / 1-44 وورد في الفقرات 14 و21 و31 و41 أنها فريضة دهرية في جميع أجيال بني إسرائيل وفي جميع مساكنهم وكان تعظيم السبت حكما أبديا في شريعة موسى وكل من عمل فيه عملا يقتل وتكرر تعظيم السبت في مواضع من كتب العهد العتيق منها سفر التكوين 2 / 2-3 وسفر الخروج 20 / 8-11 و23 / 12 و34 وسفر الأحبار ( اللاويين) 19 / 3 و23 / 3 وسفر التثنية 5 / 12-15 سفر إرميا 17 / 19-27 وسفر إشعياء 56 / 1-8 و58 / 13-14 وسفر نحميا 9 / 14 وسفر حزقيال 20 / 12-24 .
*أما قتل كل من عمل عملا يوم السبت فقد ورد في سفر الخروج 31 / 12-17 ، و35 / 1-3 وفي زمان موسى r وجدوا رجلا يحتطب يوم السبت فأخرجوه خارج المحلة ورجموه بالحجارة فمات كما ورد في سفر العدد 15 / 32-36 وقد نسخ بولس جميع أحكام الأعياد بما فيها حكم تعظيم السبت فقال في رسالته إلى أهل كولوسي 2 / 16 :( فلا يحكم عليكم أحد في أكل أو شرب أو من جهة عيد أو هلال أو سبت) ونقل في تفسير دوالي ورجردمينت عن اثنين من العلماء المفسرين قولهما :كانت الأعياد في اليهود على ثلاثة أقسام في كل سنة سنة وفي كل شهر شهر وفي كل أسبوع أسبوع فنسخت هذه الأعياد كلها بل ونسخ يوم السبت أيضا وأقيم سبت النصارى مقامه أي يوم الأحد بدل يوم السبت .
نسخ حكم الختان :
حكم الختان كان في شريعة إبراهيم r حكما أبديا كما هو مصرح به في سفر التكوين 17 / 9-14 وأكتفي بنقل بعض الفقرات : ابن ثمانية أيام يختن منكم كل ذكر في أجيالكم فيكون عهدي في لحمكم عهدا أبديا) وبقي هذا الحكم مستمرا في أولاد إسماعيل وإسحاق r وبقي كذلك في شريعة موسى r ففي سفر الأحبار ( اللاويين) 12 / 3 بخصوص المولود الذكر (وفي اليوم الثامن يختن لحم غرلته) وقد ختن عيسى r ففي إنجيل لوقا 2 :( ولما تمت ثمانية أيام ليختنوا الصبي سمي يسوع ) وفي عبادة النصارى إلى هذا الحين صلاة معينة يؤدونها في يوم ختان عيسى تذكرة لهذا اليوم وبقي حكم الختان في عهده r ولم ينسخه ولكن بولس شدد تشديدا بليغا في نسخ هذا الحكم كما يظهر من رسالته إلى أهل رومية 2 / 25-29 ورسالته إلى أهل غلاطية 2 / 3-5 ، و5 / 1-6 و6 / 11-16 ورسالته إلى أهل فيلبي 3 / 3 ورسالته إلى أهل كولوسي 2 / 11 وأكتفي بنقل فقرتين من رسالته إلى أهل غلاطية 5 / 2و6 : ها أنا بولس أقول لكم إنه إن اختتنتم لا ينفعكم المسيح شيئا لأنه في المسيح يسوع لا الختان ينفع شيئا ولا الغرلة ) والنصارى تركوا الحكم الذي هو حكم أبدي ولم ينقضه عيسى r وصدقوا أن بولس نسخه لهم .
*ورد قول بولس في الرسالة إلى العبرانيين 7 / 18 :( فإنه يصير إبطال الوصية السابقة من أجل ضعفها وعدم نفعها ) ونص الفقرة في طبعتي سنة 1825م و1826 م ( لأن نسخ ما تقدم من الحكم قد عرض لما فيه من الضعف وعدم الفائدة ) ونص هذه الفقرة أيضا في طبعات سنة 1671م و1823م و1844م ( وإنما كان رذالة الوصية الأولى لضعفها وأنه لم يكن فيها منفعة) ونصها في طبعة سنة 1882م كما يلي : ( إذن نرفض الوصية السابقة لضعفها وعدم نفعها ) وفي الرسالة العبرانية 8 / 7و13 : فإنه لو كان ذلك الأول بلا عيب لما طلب موضع لثان فإذ قال جديدا عتق الأول وأما ما عتق وشاخ فهو قريب من الاضمحلال ونص هاتين الفقرتين في طبعتي سنة 1823م و1844م: (ولو أن الأول كان بلا لوم لم يطلب للثاني موضع وإذا قال جديدا فعتق الأول والذي عتق وشاخ فهو قريب من الفساد) ونصهما في طبعتي سنة 1825م و1826م: (فلو كان العهد الأول غير معترض عليه لم يوجد للثاني موضع فبقوله عهدا جديدا صير الأول عتيقا والشيء العتيق والبالي قريب من الفناء) وفي الرسالة إلى العبرانيين 10 / 9 : ( ينزع الأول لكي يثبت الثاني ) ففي الفقرات السابقة أطلق بولس على التوراة أنها ضعيفة وعديمة النفع وعديمة الفائدة ورذيلة ومعابة وعتيقة وشاخت وقريبة من الاضمحلال ومرفوضة وملومة وقريبة من الفساد ومعترض عليها وبالية وقريبة من الفناء ومنزوعة ومنسوخة نقل في تفسير دوالي ورجردمينت قول بايل : هذا ظاهر جدا أن الله يريد أن ينسخ العتيق الأنقص بالرسالة الجديدة الحسنة فلذلك يرفع المذهب الرسومي اليهودي ويقوم المذهب النصراني مقامه وفيه إشعار بكون ذبائح اليهود غير كافية ولذا تحمل المسيح على نفسه الموت ليجبر نقصانها ونسخ بفعل أحدهما استعمال الآخر .
*ظهر من الأمثلة السابقة ما يلي :
-وجود بعض الأحكام المنسوخة في شرائع سابقة والأحكام الناسخة في شرائع لاحقة ليس مختصا بشريعة الإسلام بل وجد في الشرائع السابقة أيضا .
- جميع أحكام التوراة العملية أبدية كانت أو غير أبدية وجميع الفرائض والمحرمات نسخها بولس حسب ما ورد في رسائله وجعل أتباعه غير مطالبين بها .
- لفظ النسخ أيضا وجد في كلام بولس بالنسبة إلى التوراة وأحكامها وورد في كلام المفسرين والمحققين منهم . - بولس ادعى أن الشيء العتيق البالي قريب من الفناء والفساد وضعيف وعديم النفع وعديم الفائدة ورذيل ومعاب ومضمحل ومرفوض وملوم ومعترض عليه ومنزوع ومنسوخ إذن لا استبعاد في نسخ شريعة أهل الكتاب بشريعة الإسلام ، بل هذا ضروري على وفق كلام بولس ؛ لأن شريعة أهل الكتاب تعد قديمة بالنسبة إلى شريعة الإسلام الجديدة ، كيف لا يكون ذلك ضروريا ورسولهم بولس والمفسرون أطلقوا على التوراة ألفاظا غير ملائمة ، مع أنهم يقولون إنها كلام الله ؟!
*نسخ الأمر بالذبح :ورد في سفر التكوين 22 / 1-14 أن الله أمر إبراهيم r بذبح ولده إسحاق r (والصواب أنه إسماعيل r) فلما استجابا للأمر نسخ الله هذا الحكم قبل العمل به وفدى الذبيح بكبش من السماء .
*أمر حزقيال ثم نسخ الأمر قبل العمل به :في سفر حزقيال 4 / 10و12 و14 و15 : وطعامك الذي تأكله يكون بالوزن كل يوم عشرين شاقلا من وقت إلى وقت تأكله وتأكل كعكا من الشعير على الخرء الذي يخرج من الإنسان تخبزه أمام عيونهم فقلت آه يا سيد الرب ها نفسي لم تتنجس ومن صباي إلى الآن لم آكل ميتة أو فريسة ولا دخل فمي لحم نجس فقال لي انظر قد جعلت لك خثي البقر بدل خرء الإنسان فتصنع خبزك عليه ) .
*نسخ الأمر بالذبح في المذبح المخصص :ورد في سفر الأحبار ( اللاويين) 17 / 1-6 أن الله أمر موسى وبني إسرائيل أن تذبح الذبائح التي تكون من البقر أو الغنم أو المعز في المذبح المخصص لذلك القريب من خيمة الاجتماع وتسمى قبة الزمان قبة العهد قبة الشهادة لتكون الذبائح قربانا للرب والإنسان الذي يذبح خارج المذبح المخصص يهلك من شعبه أي يقتل ثم نسخ هذا الحكم بما في سفر التثنية 12 / 15-22 وصار يجوز لهم الذبح في كل مكان وعدم الاقتصار على المذبح المخصص قال هورن في تفسيره بعد أن نقل الفقرات المشار إليها من سفر الأحبار وسفر التثنية في هذين الموضعين تناقض في الظاهر لكن إذا لوحظ أن الشريعة الموسوية كانت تزاد وتنقص على وفق حال بني إسرائيل وكانت قابلة للتبديل فالتوجيه في غاية السهولة فقد نسيخ موسى في السنة الأربعين من التيه قبل دخولهم فلسطين حكم سفر الأحبار بحكم سفر التثنية نسخا صريحا فيجوز لهم بعد دخول فلسطين أن يذبحوا البقر والغنم والمعز في أي موضع شاؤوا ويأكلوا فاعترف بوقوع النسخ في شريعة موسى وأنها كانت تزاد وتنقص على وفق حال بني إسرائيل
*الحكم في عمر اللاوي (الحبر) المخصص للخدمة :ورد في سفر العدد 4 / 3و23و30 و 35و 39و43و46 أن الحبر اللاوي المخصص للخدمة في خيمة الاجتماع لا يكون عمره أنقص من ثلاثين سنة ولا يزيد عن خمسين ( من ابن ثلاثين سنة فصاعدا إلى ابن خمسين سنة ) ورد في سفر العدد 8 / 24 و 25 أن عمر الحبر اللاوي المخصص للخدمة لا يكون أنقص من خمس وعشرين سنة ولا يزيد عن خمسين (هذا ما للاويين من ابن خمس وعشرين سنة فصاعدا)فإما أن يكون هذا الفرق من التناقض والاختلاف الواقع بالتحريف وإما أن يكون هذا الحكم الثاني ناسخا للأول فيجب الإقرار بأحد الأمرين .
*الزيادة في عمر حزقيا :ورد في سفر الملوك الثاني 20 / 1-6 أن الله أمر النبي إشعياء بن آموص أن يذهب إلى حزقيا ملك مملكة يهوذا فيخبره بانتهاء أجله لكي يوصي على بيته فأقبل الملك حزقيا بوجهه إلى الحائط وصلى وبكى بكاء عظيما فلما خرج إشعياء نسخ الله هذا الحكم بعد تبليغه وأوحى إليه قبل أن يصل إلى وسط الدار أن يرجع إلى حزقيا ويقول له إن الله قد سمع صلاتك ورأى دموعك وشفاك وزاد في عمرك خمس عشرة سنة فالحكم المنسوخ والناسخ بلغا بواسطة النبي إشعياء بوحي الله إليه .
*الرسالة العيسوية بين الخصوص والعموم :ورد في إنجيل متى 10 / 5-6 : هؤلاء الاثنا عشر أرسلهم يسوع وأوصاهم قائلا إلى طريق أمم لا تمضوا إلى مدينة للسامريين لا تدخلوا بل اذهبوا بالحري إلى خراف بيت إسرائيل الضالة ) وفي إنجيل متى 15 :( فأجاب وقال لم أرسل إلا إلى خراف بيت إسرائيل الضالة) ففي هذين النصين خصص عيسى r رسالته ببني إسرائيل وورد في إنجيل مرقس 16 / 15 أن عيسى r قال للحواريين : (اذهبوا إلى العالم أجمع واكرزوا بالإنجيل للخليقة كلها ) ويزعم النصارى أن هذا النص دال على عموم الرسالة فيكون هذا النص ناسخا للخصوصية وصار الحكم الأول منسوخا أي إن المسيح أولا خصص رسالته ببني إسرائيل فقط ثم نسخ التخصيص وأمر بدعوة العالم أجمع فإن أقروا بالنسخ حصل ما أردنا من إمكانية وقوع النسخ في كتبهم وأن كتبهم غير ممنوعة من النسخ بل هو واقع فيها وإن لم يقروا بالنسخ حصل ما أردنا من وجود التناقض والتحريف في أناجيلهم والصواب أن عبارة إنجيل مرقس لم يقلها المسيح r.
إبطال التثليث
بيان أمور تفيد الناظر بصيرة
الأمر الأول : كتب العهد القديم ناطقة بأن الله واحد أحد منزه عن الصاحبة والولد حي لا يموت قادر يفعل ما يشاء ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته والأمر لشهرته وكثرته في تلك الكتب غير محتاج إلى نقل الشواهد .
الأمر الثاني : عبادة غير الله حرام وحرمتها التوراة في فقرات كثيرة منها سفر الخروج 20 / 3 و4 و5 و23 و34 / 14 و17 وسفر التثنية 13/ 1-11 و17 / 2-7 وصرحت التوراة بوجوب قتل من دعا إلى عبادة غير الله ولو كان هذا الداعي نبيا ذا معجزات عظيمة وصرحت التوراة بوجوب رجم كل من عبد غير الله أو رغب في عبادة غير الله سواء كان هذا العابد رجلا أو امرأة وسواء كان المرغب من الأقرباء أو الأصدقاء . الأمر الثالث : وردت في التوراة فقرات تفيد التنزيه لله وأنه ليس له شبيه ففي سفر التثنية 4 / 12 و15 :فكلمكم الرب من وسط النار وأنتم سامعون صوت كلام ولكن لم تروا صورة بل صوتا فاحتفظوا جدا لأنفسكم فإنكم لم تروا صورة ما يوم كلمكم الرب في حوريب من وسط النار ووردت في العهد الجديد فقرات تفيد أن رؤية الله ممتنعة في الدنيا ففي إنجيل يوحنا 1 / 18 :(الله لم يره أحد قط) وفي رسالة بولس الأول إلى تيموثاوس 6 / 16 : (لم يره أحد من الناس ولا يقدر أن يراه) وفي رسالة يوحنا الأولى 4 / 12 : (الله لم ينظره أحد قط) فثبت أن الله ليس له شبيه ورؤيته في الدنيا غير واقعة ومن كان مرئيا لا يكون إلها قط ولو أطلق عليه في كلام الله أو الأنبياء أو الحواريين لفظ الله أو رب لأنه لا يجوز الأخذ بالفقرات المخالفة للبرهان العقلي وترك الفقرات السابقة التي مضمونها مطابق للبرهان العقلي فقد ورد في مواضع غير محصورة من كتب العهدين إطلاق لفظ إله على الملك وعلى موسى وعلى قضاة بني إسرائيل وعلى الإنسان الكامل بل وعلى آحاد الناس وعلى الشيطان الرجيم لأنه يكون لإطلاق مثل هذا اللفظ على غير الله وجه مناسب لكل محل ويدل سوق الكلام على ذلك الوجه بحيث لا يشتبه على الناظر في بادي الرأي فلا يجوز لعاقل أن يستدل بإطلاق هذا اللفظ على بعض بني آدم أنه إله أو ابن الله وينبذ وراءه جميع البراهين العقلية القطعية وكذلك البراهين النقلية الصحيحة . الأمر الرابع : عقيدة التثليث لم يأت بها نبي من الأنبياء ولا نزلت في كتاب من الكتب السماوية ، وعدم ورودها في التوراة غير محتاج إلى بيان لأن من طالع التوراة الحالية لا يجد فيها ذكرا صريحا ولا إشارة أو تلميحا لهذا الأمر وعلماء اليهود من عهد موسى r إلى هذا الزمان لا يعترفون بعقيدة التثليث ولا يرضون بنسبتها إلى كتبهم فلو كانت عقيدة التثليث حقا لوجب على موسى وسائر أنبياء بني إسرائيل وآخرهم عيسى r أن يبينوها حق التبيين فقد كانوا مأمورين بالعمل بجميع أحكام التوراة في الشريعة والعقيدة وأهل التثليث يعتقدون أن عقيدتهم هذه هي مدار النجاة ولا يمكن نجاة أحد بدونها نبيا كان أو غير نبي فكيف فارق أنبياء بني إسرائيل كلهم الدنيا دون أن يبينوا هذه العقيدة بيانا واضحا وصريحا وهم في نفس الوقت بينوا أمورا وأحكاما أقل أهمية من هذه العقيدة وكرروا البيان لبعض الأحكام مرة بعد أخرى وأكدوا على المحافظة عليها والعمل بها تأكيدا بليغا وأوجبوا القتل على تارك بعضها فالعجب كل العجب أن عيسى r الذي هو خاتم أنبياء بني إسرائيل والذي هو أحد أركان الثالوث عند النصارى عرج إلى السماء دون أن يبين لأتباعه هذه العقيدة بكلام واضح غير محتاج إلى التأويل كأن يقول مثلا إن الله ثلاثة أقانيم الآب والابن والروح القدس وإن أقنوم الابن الإله الثاني متعلق بي بالعلاقة الفلانية أو بعلاقة فهمها خارج عن إدراك عقولكم أو أن يقول أي كلام آخر صريح في بيان هذه العقيدة والصواب أن أهل التثليث ليس في أيديهم أي دليل على عقيدتهم وأنهم يأتون بتأويلات بعيدة لأقوال ظاهرة لا تحتمل التأويل وصاحب كتاب ميزان الحق الدكتور القسيس فندر سأل سؤالا في كتابه المسمى مفتاح الأسرار وهو: لم لم يبين المسيح ألوهيته ببيان واضح ؟! ولم لم يقل باختصار إني أنا الله ؟ ثم أجاب نفسه على هذا السؤال بقوله إنه ما كان أحد يقدر على فهم هذه العلاقة والوحدانية قبل قيامه من الأموات وعروجه إلى السماء فلو قال صراحة إني أنا الله لفهموا أنه إله بحسب الجسم الإنساني وهذا باطل وهناك أمور كثيرة قال في حقها لتلاميذه كما في إنجيل يوحنا 16 / 12 :(إن لي أمورا كثيرة أيضا لأقول لكم ولكن لا تستطيعون أن تحتملوا الآن) فعلماء اليهود أرادوا مرارا أن يأخذوه ويرجموه وهو ما كان يبين لهم ألوهيته بين أيديهم إلا على طريق الألغاز *في الرد على جواب الدكتور فندر نقول أولا : إن هذا جواب ضعيف غاية الضعف لأن زعمه عدم قدرة أحد أن يفهم عقيدة التثليث وعقيدة ألوهية المسيح قبل قيامه وعروجه فلأن بإمكان المسيح أن يقول لأتباعه ولليهود إن علاقة الاتحاد التي بين جسمي وبين الأقنوم الثاني ( أقنوم الابن) فهمها خارج عن وسعكم ، فاتركوا البحث فيها واعتقدوا بأني إله ، وأني لست إلها باعتبار الجسم بل بعلاقة الاتحاد التي فهمها خارج عن إدراك عقولكم .
* عدم القدرة على فهم علاقة الاتحاد المذكور باقية بعد عروج المسيح أيضا وإلى الآن لا يستطيع عالم من علماء النصارى أن يبين كيفية هذه العلاقة وكتبهم مليئة بالاعترافات في عدة مواضع أن هذا الأمر من الأسرار الخارجة عن إدراك العقل ومن أراد التأكد فليرجع إلى قاموس الكتاب المقدس الذي اشترك في تأليفه أكثر من عشرين عالما لاهوتيا من علمائهم ، ولينظر بنفسه كيف تخبطوا تخبطا واضحا في شرح كلمة تثليث . * لماذا خاف المسيح من اليهود فلم يبين لهم ألوهيته إلا بطريق الألغاز وأنتم تزعمون أن المسيح ما جاء إلا ليكون كفارة لذنوب الخلق بأن يصلبه اليهود وأنه كان يعلم يقينا أنهم يصلبونه فأي محل للخوف من اليهود في بيان هذه العقيدة الضرورية للنجاة وكيف يخاف الإله العظيم خالق السماوات والأرضين من أذل أقوام الدنيا والحال أن بعض الأنبياء بينوا الحق لبني إسرائيل دون خوف منهم فأوذي بعضهم إيذاء شديدا وقتل بعضهم ثم إن المسيح r شدد في الإنكار على الكتبة والفريسيين ووصفهم بأنهم مراءون وقادة عميان وجهال وحيات وأفاع وأظهر قبائحهم على رؤوس الأشهاد حتى شكا بعضهم بأنك تشتمنا ( إنجيل متى 23 13 - 37 وإنجيل لوقا 11 37 - 54 ) فالمسيح الذي بين لعلماء اليهود بعض مخالفاتهم وعنفهم عليها تعنيفا شديدا ووصفهم بأوصاف قاسية دون خوف منهم فكيف يظن به أن يحمله الخوف منهم على أن يترك بيان العقيدة الضرورية للنجاة حاشا وكلا أن يكون جنابه الشريف عند هذا الظن الفاسد . إبطال التثليث بالبرهان العقلي
*النصارى يعتقدون أن التثليث حقيقي والتوحيد حقيقي ولكن إذا وجد التثليث الحقيقي وجدت الكثرة الحقيقية أيضا وإذا ثبت التثليث والكثرة الحقيقيان انتفى التوحيد الحقيقي ولا يمكن ثبوته وإلا يلزم اجتماع الضدين الحقيقيين وهو محال ويلزم تعدد واجبي الوجود وهو محال أيضا فالقائل بالتثليث لا يمكن أن يكون موحدا لله توحيدا حقيقيا لأن الواحد الحقيقي ليس له ثلث صحيح وليس هو مجموع آحاد أما الثلاثة فلها ثلث صحيح هو واحد وهي مجموع آحاد ثلاثة فالواحد الحقيقي جزء الثلاثة فلو اجتمعا في محل واحد يلزم منه كون الجزء كلا والكل جزءا ويلزم منه أيضا كون الواحد ثلث نفسه وهو ثلاثة أميال الثلاثة والثلاثة ثلث الواحد وهي ثلاثة أمثال نفسها وكلها لوازم يرفضها العقل بالبداهة وبناء على ذلك فالتثليث الحقيقي ممتنع في ذات الله فلو وجد قول في كتب النصارى يدل على التثليث بحسب الظاهر فيجب تأويله ليطابق العقل والنقل فالعقل والنقل يدلان على امتناع التثليث في ذات الله.
* قام جرجيس صال بترجمة معاني القرآن إلى اللغة الإنكليزية وطبعت هذه الترجمة سنة 1836م وكان قد وصى قومه بوصايا منها قوله لا تعلموا المسلمين المسائل التي هي مخالفة للعقل لأنهم ليسوا حمقى حتى نغلب عليهم في هذه المسائل كعبادة الصنم والعشاء الرباني لأنهم يعثرون كثيرا من هذه المسائل وكل كنيسة فيها هذه المسائل لا تقدر أن تجذبهم إليها
*قال علماء الإسلام : لا نرى مذهبا في الدنيا أشد ركاكة وبعدا عن العقل من مذهب النصارى ولا نرى في الدنيا مقالة أشد فسادا وأظهر بطلانا من مقالتهم .
إبطال التثليث بأقوال المسيح عليه السلام
القول الأول : ورد في إنجيل يوحنا 17 / 3 قول عيسى r مخاطبا الله: ( وهذه هي الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك ويسوع المسيح الذي أرسلته ) فبين عيسى r أن الحياة الأبدية تنال بالإيمان بتوحيد الله وبرسالة رسوله عيسى ولم يقل إن الحياة الأبدية تنال بالإيمان بتثليث الأقانيم الإلهية ولا بالإيمان بأن عيسى إله وابن الله ولما كان قول عيسى هنا في خطاب الله فلا احتمال هنا لخوفه من اليهود فلو كان اعتقاد التثليث وألوهية عيسى مدار النجاة لبينه ولكن مدار النجاة والحياة الأبدية باعتقاد التوحيد الحقيقي لله وبأن المسيح رسوله والاعتقاد بعكس ذلك هو الهلاك الأبدي والضلال المبين لأن كون الله واحدا ضد لكونه ثلاثة وكون المسيح رسولا ضد لكونه إلها والمرسل غير الرسول المرسل . القول الثاني : ورد في إنجيل مرقس 12 / 28-34 : فجاء واحد من الكتبة وسمعهم يتحاورون فلما رأى أنه أجابهم حسنا سأله أية وصية هي أول الكل فأجابه يسوع إن أول كل الوصايا هي اسمع يا إسرائيل : الرب إلهنا رب واحد وتحب الرب إلهك من كل قلبك ومن كل نفسك ومن كل فكرك ومن كل قدرتك . هذه هي الوصية الأولى وثانية مثلها هي تحب قريبك كنفسك . ليس وصية أخرى أعظم من هاتين فقال له الكاتب جيدا يا معلم بالحق قلت لأنه الله واحد وليس آخر سواه ومحبته من كل القلب ومن كل الفهم ومن كل النفس ومن كل القدرة ومحبة القريب كالنفس هي أفضل من جميع المحرقات والذبائح فلما رآه يسوع أنه أجاب بعقل قال له لست بعيدا عن ملكوت الله ) والفقرات وردت في إنجيل متى 22 / 34-40 وأكتفي بنقل الفقرة (40) وهي قول عيسى r: (بهاتين الوصيتين يتعلق الناموس كله والأنبياء ) فأكدت الفقرات السابقة على أن أول الوصايا الموصي بها في التوراة وفي سائر كتب الأنبياء والتي هي مدار النجاة الاعتقاد بأن الله واحد لا إله غيره ولو كان اعتقاد التثليث وألوهية المسيح حقا لكان مبينا في التوراة وفي جميع كتب الأنبياء ولقال عيسى في جواب السائل إن أول الوصايا هي الاعتقاد بأن الله واحد ذو أقانيم ثلاثة وأني الإله الثاني وابن الله وبما أن عيسى لم يقل ذلك ولم ترد إشارة له لا في التوراة ولا في كتب الأنبياء ثبت أن النجاة تكون باعتقاد التوحيد الحقيقي لله المناقض لاعتقاد التثليث ولاعتقاد الشريك والولد وكتب العهد القديم مليئة بالنصوص المصرحة بتوحيد الله وعلى سبيل المثال انظر (سفر التثنية 4 / 35 و39 و6 / 4-5 وسفر إشعياء 45 / 5-6 ، و46 / 9) .
القول الثالث : ورد في إنجيل مرقس 13 :( وأما ذلك اليوم وتلك الساعة فلا يعلم بهما أحد ولا الملائكة الذين في السماء ولا الابن إلا الآب ) فالقول ينادي على بطلان التثليث وألوهية المسيح لأنه r خصص علم ساعة القيامة بالله وحده ونفى عن نفسه علمها كما نفاه عن عباد الله الآخرين وسوى بين نفسه وبينهم في عدم العلم ولو كان إلها لكان يعلم وقت القيامة ولما نفى عن نفسه العلم بها .
القول الرابع : ورد في إنجيل متى 27 / 46و50 : ونحو الساعة التاسعة صرخ يسوع بصوت عظيم قائلا إيلي إيلي لما شبقتني أي إلهي إلهي لماذا تركتني فصرخ يسوع أيضا بصوت عظيم وأسلم الروح ) وهذا القول الذي صدر عن المسيح في آخر حياته بزعمهم ينفي ألوهيته لأنه لو كان إلها لما استغاث بإله آخر فالإله الحقيقي يمتنع عليه صفات النقص كالضعف والإعياء والاستغاثة والعجز والموت وهو حي قدوس ففي سفر إشعياء 40 / 28 :(أما عرفت أم لم تسمع إله الدهر الرب خالق أطراف الأرض لا يكل ولا يعيا) ومثل فقرة سفر إشعياء فقرات كثيرة في كتب العهدين (انظر : سفر إشعياء 44 / 6 ، وسفر إرميا 10 / 10 ، وسفر حبقوق 1 / 12 ، ورسالة بولس الأولى إلى تيموثاوس 1 / 17) وكلها تدل على أن الإله الحقيقي هو إله سرمدي حي قدوس لا يموت ولا إله غيره بريء من الضعف فهل يكون العاجز الفاني الميت إلها ؟! لا شك أن الإله الحقيقي هو الذي استغاث به عيسى في هذا الوقت على زعمهم فقرة سفر حبقوق 1 / 12 في الطبعات القديمة كما يلي :(يارب إلهي قدوسي لا تموت) فوردت فيها كلمة (تموت) بتاءين أي تنفي الموت عن الله وفي الطبعات الحديثة حرفت التاء الأولى وكتبت نون فوردت فيها هذه الكلمة بالنون أي (لا نموت) .
القول الخامس : ورد في إنجيل يوحنا 20 / 17 أن عيسى r قال لمريم المجدلية :(ولكن اذهبي إلى إخوتي وقولي لهم إني أصعد إلى أبي وأبيكم وإلهي وإلهكم) ففي هذا القول سوى المسيح r بينه وبين سائر الناس في أن الله أبوه وأبوهم وإلهه وإلههم لكيلا يتقولوا عليه الباطل فيقولوا إنه إله وابن الله فكما أن تلاميذه هم عبادُ الله وليسوا أبناء الله على الحقيقة بل بالمعنى المجازي فكذلك عيسى هو عبد الله وليس ابن الله على الحقيقة وكما لم يلزم من بنوتهم لله كونهم آلهة فكذلك لا يلزم من بنوته لله كونه إلها ولما كان هذا القول صدر عن المسيح بعد قيامه من الأموات على زعمهم أي قبل العروج بقليل ثبت أنه كان يصرح بأنه عبد الله وأن الله إلهه وإلههم إلى آخر لحظة من وجوده على الأرض وهذا مطابق لأقوال المسيح الواردة في قوله تعالى عنه في سورة آل عمران آية 51 : { إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ } فالقول بالتثليث وألوهية المسيح يناقض آخر كلمات تكلم بها المسيح وودع بها تلاميذه قبل رفعه لأنه بقي إلى تلك اللحظة يدعو إلى اعتقاد توحيد الله ووجوب عبادته واعتقاد عبودية المسيح لله ربِّه .
القول السادس : وردت في الأناجيل فقرات كثيرة يصعب حصرها صرح فيها المسيح r بأنه إنسانٌ معلِّمٌ ورسولٌ نبي يوحي إليه ومنها لمن أراد الرجوع إليها
* في إنجيل متّى 10 / 40 و11 / 19 و13 / 57 و15 و17 / 12 و22 و19 / 16 و21 / 11 و46 و23 و10 و26 / 18 وما ورد في إنجيل مرقس 9 / 37 و38 و10 / 35 .
* في إنجيل لوقا 4 / 43 و5 / 5 ، و7 / 16 و39 و40 ، و8 / 24 و45 و9 / 33 و38 و56 و10 / 16 و12 / 13 و13 / 33 و34 و17 / 13 و23 / 47 و24 / 19 .
* في إنجيل يوحنا 1 / 38 و4 / 19 و31 و34 و5 ,24 و36 و37 و6 / 14 و25 ، و7 / 15 و16 و17 و18 و52 ، و8 / 16 و18 و26 و28 و29 و40 و42 ، و9 / 11 و15 و17 ، و11 / 42 ، و12 / 44 و49 و50 ، و13 / 13 و14 ، و14 ، و17 / 3 و8 و18 و25 ، و20 / 16و21 . *في إنجيل متى 10 / 40 : ( من يقبلكم يقبلني ومن يقبلني يقبل الذي أرسلني) .
*في إنجيل لوقا 4 / 43 :( فقال لهم إنه ينبغي لي أن أبشر المدن الأخر أيضا بملكوت الله لأني لهذا قد أرسلت) .
*في إنجيل يوحنا 5 / 36 و37 : هذه الأعمال بعينها التي أنا أعملها هي تشهد لي أن الآب قد أرسلني والآب نفسه الذي أرسلني يشهد لي لم تسمعوا صوته قط ولا أبصرتم هيئته) .
القول السابع : ورد في إنجيل متى 26 / 36-46 : حينئذ جاء معهم يسوع إلى ضيعة يقال لها جَثْسَيْمَانِي فقال للتلاميذ اجلسوا هاهنا حتى أمضي وأصلي هناك ثم أخذ معه بطرس وابني زبدي وابتدأ يحزن ويكتئب فقال لهم نفسي حزينة جدا حتى الموت امكثوا هاهنا واسهروا معي ثم تقدم قليلا وخر على وجهه وكان يصلي قائلا يا أبتاه إن أمكن فلتعبر عني هذه الكأس ولكن ليس كما أريد أنا بل كما تريد أنت ثم جاء إلى التلاميذ فوجدهم نياما فقال لبطرس أهكذا ما قدرتم أن تسهروا معي ساعة واحدة اسهروا وصلوا لئلا تدخلوا في تجربة أما الروح فنشيط وأما الجسد فضعيف فمضى أيضا ثانية وصلى قائلا يا أبتاه إن لم يمكن أن تعبر عني هذه الكأس إلا أن أشربها فلتكن مشيئتك ثم جاء فوجدهم أيضا نياما إذ كانت أعينهم ثقيلة فتركهم ومضى أيضا وصلى ثالثة قائلا ذلك الكلام بعينه ثم جاء إلى تلاميذه وقال لهم ناموا الآن واستريحوا هو ذا الساعة قد اقتربت وابن الإنسان يسلم إلى أيدي الخطاة قوموا ننطلق هو ذا الذي يسلمني قد اقترب مثل هذه الفقرات ما ورد في إنجيل لوقا 22 / 39-46 فأقوال المسيح وأحواله المندرجة في هذه الفقرات تدل دلالة قطعية على عبوديته لله وأنه ليس إلها ولا ابن الله لأن الذي يحزن ويكتئب ويصلي ويدعو بغاية التضرع ويموت يكون بشرا مخلوقا وليس إلها خالقا .
إبطال الأدلة النقلية على ألوهية المسيح
يستدل النصارى على ألوهية المسيح ببعض النقول الواردة في الأناجيل ومعظمها في إنجيل يوحنا وفيما يلي إيراد أدلتهم وإبطال استدلالهم بها :
دليلهم الأول : إطلاق لفظ ابن الله على المسيح r.
وهذا الدليل باطل لوجهين :
أولهما : إطلاق لفظ ابن الله على المسيح معارض بإطلاق لفظ ابن الإنسان عليه ولفظ ابن داود أيضا انظر مثلا إطلاق لفظ ابن الإنسان في إنجيل متى 8 ، و9 / 6 ، و16 / 13 و27 ، و17 / 9 و12و22 ، و18 / 11 ، و19 / 28 ، و20 / 18 و28 ، و24 / 27 ، و26 و45 و64 .
وانظر مثلا إطلاق لفظ ابن داود في إنجيل متى 9 / 27 ، و12 ، و15 / 22 ، و20 و31 ، و21 / 9 و15 ، و22 / 42 وفي إنجيل مرقس 10 / 47 و48 وفي إنجيل لوقا 18 / 38 و39 وسلسلة نسب المسيح التي تنسبه إلى داود r ثم إلى يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم r مذكورة في إنجيل متى 1 / 1-17 وفي إنجيل لوقا 3 / 23- 34 فإذا كان المسيح يرجع نسبه إلى الأنبياء المذكورين الذين هم من نسل الإنسان آدم r
ثانيهما : لفظ الابن في قولهم ابن الله لا يصح أن يكون بمعناه الحقيقي لأن المعنى الحقيقي للفظ الابن باتفاق جميع لغات أهل العالم هو المتولد من نطفة الأبوين وهو محال هاهنا فلابد من الحمل على المعنى المجازي المناسب لشأن المسيح r أي بمعنى الإنسان الصالح البار والدليل المعنى المجازي قول قائد المائة الوارد في إنجيلي مرقس ولوقا ففي إنجيل مرقس 15 / 39 :( قال حقا كان هذا الإنسان ابن الله ) وفي إنجيل لوقا 23 / 47 :(فلما رأى قائد المائة ما كان مجد الله قائلا بالحقيقة كان هذا الإنسان بارا ) فلفظ البار عند لوقا مكان لفظ ابن الله عند مرقس وبغض النظر عن هذا التناقض بين اللفظين بسبب التحريف المستمر الواقع في الأناجيل لإثبات ألوهية المسيح فعلى فرض صحة اللفظين ففيهما دليل على جواز إطلاق لفظ ابن الله على الإنسان الصالح البار وبخاصة أنه ورد في الموضعين وصف قائد المائة للمسيح بأنه إنسان .
*ورد في الأناجيل إطلاق لفظ ابن الله على غير المسيح من الصالحين كما ورد إطلاق لفظ ابن إبليس على فاعلي الشر ففي إنجيل متى 5 / 9 و44 و45 : طوبى لصانعي السلام لأنهم أبناء الله يدعون) ووقعت مكالمة بين المسيح r وبين اليهود ويؤيد هذا الوجوب فقرات كثيرة منها فقرات رسالة يوحنا الأولى 3 و9 و10 : (كل من هو مولود من الله لا يفعل خطية لأن زرعه يثبت فيه ولا يستطيع أن يخطئ لأنه مولود من الله) .ومنها فقرتا رسالة يوحنا الأولى 5 / 1-2 : (1) كل من يؤمن أن يسوع هو المسيح فقد ولد من الله . وكل من يحب الوالد يحب المولود منه أيضا (2) بهذا نعرف أننا نحب أولاد الله إذا أحببنا الله وحفظنا وصاياه) .ومنها فقرة رسالة بولس إلى أهل رومية 8 / 14 :(لأن كل الذين ينقادون بروح الله فأولئك هم أبناء الله ) .
ففي إنجيل لوقا 3 / 38 أطلق على آدم لفظ ابن الله وفي سفر الخروج 4 أطلق على إسرائيل لفظ الابن البكر لله وفي مزمور 89 / 26 و27 أطلق على داود لفظ البكر وأطلق على الله لفظ الأب له وفي سفر إرميا 31 / 9 أطلق على أفرام لفظ البكر وأطلق على الله لفظ الأب لإسرائيل وفي سفر صموئيل الثاني 7 / 14 أطلق على سليمان لفظ الابن لله وأطلق على الله لفظ الأب له فلو كان إطلاق لفظ : الابن على المسيح موجبا للألوهية لكان آدم وإسرائيل وأفرام وداود وسليمان أحق بالألوهية من المسيح لأنهم من آباء المسيح ولأنه أطلق على ثلاثة منهم لفظ الابن البكر وورد إطلاق لفظ أبناء الله على جميع بني إسرائيل في مواضع منها ما في سفر التثنية 14 / 1 و32 / 19 وفي سفر إشعياء 1 / 2 و30 / 1 ، و63 وفي سفر هوشع 1 / 10 في سفر إشعياء 63 / 16 و64 أطلق على الله لفظ الأب لجميع بني إسرائيل وفي سفر أيوب 38 / 7 :(وهتف جميع بني الله) وفي المزمور 68 / 5 :( أبو اليتامى وقاضي الأرامل الله) .
دليلهم الثاني : أن المسيح من فوق وليس من هذا العالم فورد في إنجيل يوحنا 8 قول المسيح :(فقال لهم أنتم من أسفل أما أنا فمن فوق أنتم من هذا العالم أما أنا فلست من هذا العالم )
فيظنون أن هذا القول يدل على أن المسيح إله نزل من عند الإله الآب الذي هو ليس من هذا العالم وهذا التأويل غير صحيح ومخالف للظاهر لأن عيسى r كان من هذا العالم حقيقة ويرد على تأويلهم بوجهين :
الأول : هذا التأويل مخالف للبراهين العقلية وللنصوص الصريحة .
الثاني : عيسى r قال مثل هذا القول في حق تلاميذه أيضا ففي إنجيل يوحنا 15 / 19 : ( لو كنتم من العالم لكان العالم يحب خاصته ولكن لأنكم لستم من العالم بل أنا اخترتكم من العالم لذلك يبغضكم العالم) في هذه الفقرات سوى المسيح r بين نفسه وبين تلاميذه في عدم كونهم من هذا العالم فلو كان هذا القول مستلزما لألوهية المسيح كما زعموا للزم أن يكون جميع التلاميذ آلهة وبما أن النصارى ينكرون ألوهية التلاميذ فثبت بطلان هذا التأويل
دليلهم الثالث : أن المسيح والآب واحد فورد في إنجيل يوحنا 10 قول المسيح :(أنا والآب واحد) فهذا القول بزعمهم يدل على اتحاد المسيح بالله فهو إله مثله والتأويل باطل بوجهين
الأول : المسيح r عندهم هو إنسان ذو نفس ناطقة وليس بمتحد بهذا الاعتبار فهم يقولون باتحاد المسيح بالله باعتبار لاهوت المسيح لا باعتبار ناسوته ولما كان اسم المسيح عندهم يطلق على اللاهوت والناسوت معا بطل تأويلهم السابق . الثاني : مثل هذا وقع في حق الحواريين في إنجيل يوحنا 17 / 21-23 : ليكون الجميع واحدا كما أنك أنت أيها الآب في وأنا فيك ليكونوا هم أيضا واحدا فينا ليؤمن العالم أنك أرسلتني
فالأقوال الواردة في الفقرات دالة على اتحادهم ببعضهم وبالمسيح وسوى المسيح بين اتحاده بالله وبين اتحادهم فيما بينهم واتحادهم فيما بينهم ليس حقيقيا فكذا اتحاد المسيح بالله ليس حقيقيا والمعنى الصحيح هو طاعة أوامر الله والعمل بالأعمال الصالحات وهذا المعنى يشترك فيه المسيح والحواريون وجميع أهل الإيمان وإنما الفرق باعتبار القوة والضعف دليلهم الرابع : أن رؤية المسيح رؤية لله لأنه في الآب والآب فيه فقد ورد في إنجيل يوحنا 14 / 9-10 : الذي رآني فقد رأى الآب فكيف تقول أنت أرنا الآب ألست تؤمن أني أنا في الآب والآب في الكلام الذي أكلمكم به لست أتكلم به من نفسي لكن الآب الحال في هو يعمل الأعمال ) وهذا باطل بوجهين :
الأول : رؤية الله في الدنيا ممتنعة بنص أسفارهم فلا تكون رؤية المسيح رؤية لله حقيقة ويؤولون الرؤية بالمعرفة ومعرفة المسيح باعتبار الجسمية أيضا لا تفيد الاتحاد والصواب أن من رأى الأفعال التي يفعلها المسيح فكأنه رأى أفعال الله لأنها حصلت بأمره وإرادته .
الثاني : ورد مثل هذا في حق التلاميذ ففي إنجيل يوحنا 14 :( في ذلك اليوم تعلمون أني أنا في أبي وأنتم في وأنا فيكم) وورد في رسالة بولس الأولى إلى أهل كورنثوس 6 / 19 :( أم لستم تعلمون أن جسدكم هو هيكل للروح القدس الذي فيكم الذي لكم من الله وأنكم لستم لأنفسكم) فلو كان مثل هذا الكلام مشعرا بالحلول والاتحاد ومثبتا للألوهية للزم أن يكون الحواريون وجميع أهل كورنثوس وجميع أهل أفسس آلهة والحق أن التأويل الصحيح لهذه الفقرات أن يقال : إن حلول الله في أحد أو حلول أحد فيه وكذا حلول أحد في المسيح أو حلول المسيح فيه الوارد في هذه الفقرات يقصد به إطاعة أمرهما فمعرفة المسيح وطاعته بمنزلة معرفة الله وطاعته .
إثبات كون القرآن كلام الله ومعجزا ورفع شبهات القسيسين الواردة على القرآن وعلى الأحاديث
الأمور التي تدل على أن القرآن كلام الله تعالى ورفع شبهات القسيسين على القرآن.
الأمر الأول : القرآن في الدرجة العالية من البلاغة التي لم يعهد مثلها في كلام العرب وتقاصرت عنها درجات بلاغتهم والبلاغة هي التعبير باللفظ المعجب عن المعنى المناسب للمقام الذي أورد فيه الكلام بلا زيادة أو نقصان في البيان وتدل عليه بضعة أوجه : الوجه الأول : فصاحة العرب والعجم سواء كانوا شعراء أو كتاب أكثرها في وصف ما يشاهدون كوصف بعير أو فرس أو جارية أو ملك أو طعنة أو غارة أو حرب ودائرة البلاغة في مثل هذه الأشياء متسعة جدا لأن طبائع أكثر الناس تميل إليها ويظهر من الشاعر أو الكاتب مضمون جديد ونكتة لطيفة ويكون المتأخر المتتبع واقفا على تدقيقات المتقدم غالبا والقرآن ليس في بيان خصوص هذه الأشياء ومع ذلك فيه من الفصاحة والبلاغة ما لم تعهده العرب في كلامهم .
الوجه الثاني : فصاحة العرب في شتى الأغراض لم تخل من الكذب حتى قيل أحسن الشعر أكذبه أما القرآن فجاء في غاية الفصاحة مع الصدق في جميعه والتنزه عن الكذب.
الوجه الثالث : الشاعر قد ينسب للفصاحة لبيت أو بيتين في قصيدة له وباقيها لا يكون كذلك أما القرآن فجاء كله في غاية الفصاحة التي يعجز الخلق عنها ومن تأمل في سورة يوسف وقصته r عرف أنها مع طولها جاءت في الدرجة العالية من البلاغة . الوجه الرابع : الكاتب إذا كرر مضمونا أو قصة لا يكون كلامه الثاني مثل الأول بينما تكررت المضامين القرآنية في قصص الأنبياء وأحوال المبدأ والمعاد والأحكام والصفات الإلهية واختلفت فيها العبارات إيجازا وإطنابا وغيبة وخطابا ومع ذلك جاءت هذه المضامين كلها في نهاية الفصاحة ولم يظهر التفاوت أصلا .
الوجه الخامس : القرآن فيه الأوامر والنواهي وإيجاب العبادات وتحريم القبائح والحث على مكارم الأخلاق والعمل للآخرة وتقديمها على الدنيا وكل ذلك في غاية الفصاحة علما أن أمثال هذه الأمور توجب تقليل الفصاحة وإذا قيل لشاعر فصيح أن يكتب بعض مسائل الفقه والعقائد في عبارة فصيحة مشتملة على التشبيهات البليغة والدقيقة يعجز عن ذلك .
الوجه السادس : كل شاعر يحسن كلامه في فن ويضعف كلامه في غيره أما القرآن فجاء فصيحا على غاية الفصاحة في كل فن ترغيبا أو ترهيبا أو غيرها . الوجه الثامن : القرآن يأتي باللفظ اليسير المتضمن للمعنى الكثير فسورة ص مثلا جمع في أولها أخبار الكفار وتقريعهم بإهلاك القرون من قبلهم وخلافهم لمحمد r وتكذيبهم له وتعجبهم مما أتى به وإجماع ملئهم على الكفر وظهور الحسد في كلامهم ووعيدهم بخزي الدنيا والآخرة وتكذيب الأمم قبلهم وإهلاك الله لهم ووعيد قريش وأمثالهم مثل مصابهم وحمل النبي r على الصبر على أذاهم وتسليته بقصص الأنبياء قبله وكل هذا الذي الذكر جاء بألفاظ يسيرة متضمنة لمعان كثيرة . الوجه العاشر : القرآن مشتمل على جميع فنون البلاغة من ضروب التأكيد وأنواع التشبيه والتمثيل وأصناف الاستعارة وحسن المطالع والمقاطع وحسن الفواصل والتقديم والتأخير والفصل والوصل اللائق بالمقام وخلوه عن اللفظ الركيك والشاذ الخارج عن القياس النافر عن الاستعمال ولا يقدر أحد من البلغاء الكملاء من العرب إلا على نوع أو نوعين من الأنواع المذكورة ولو رام نوعا غيره في كلامه لم يتأت له وكان مقصرا والقرآن محتو عليها كلها .
الأمر الثاني : تأليف القرآن العجيب وأسلوبه الغريب في المطالع والمقاطع والفواصل مع اشتماله على دقائق البيان وحقائق العرفان وحسن العبارة ولطف الإشارة وسلاسة التركيب وسلامة الترتيب فتحيرت فيه عقول العرب العرباء والحكمة في هذه المخالفة أن لا يبقى لمتعسف عنيد مظنة السرقة وأن يمتاز هذا الكلام عن كلامهم ويظهر تفوقه لأن البليغ ناظما كان أو ناثرا يجتهد في هذه المواضع اجتهادا كاملا ويمدح ويعاب عليه غالبا في هذه المواضع وقد عيب على جميع فحول الشعراء مواضع لم يحسنوا فيها العبارة أو كانت مسروقة عن غيرهم وأشراف العرب مع كمال حذاقتهم في أسرار الكلام وشدة عداوتهم للإسلام لم يجدوا في بلاغة القرآن وحسن نظمه مجالا ولم يوردوا في القدح مقالا بل اعترفوا أنه ليس من جنس خطب الخطباء ولا شعر الشعراء فنسبوه تارة إلى السحر تعجبا من فصاحته وحسن نظمه وقالوا تارة إنه إفك افتراه وأساطير الأولين وهذه كلها دأب المحجوج المبهوت فثبت أن القرآن معجز ببلاغته وفصاحته وحسن نظمه وكان فصحاء العرب وبلغاؤهم كثيرين ومشهورين بغاية العصبية والحمية الجاهلية وبتهالكهم على المباراة والمباهاة والدفاع عن الأحساب فكيف يتصور أن يتركوا الأمر الأسهل الذي هو الإتيان بمقدار أقصر سورة من القرآن ويختاروا الأشد الأصعب الذي هو القتال وبذل الأرواح والأموال والرسول r يقرعهم ويتحداهم بمثل قوله تعالى في سورة البقرة آية 23-24 : { وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ }{ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ }.
الأمر الثالث : كون القرآن منطويا على الأخبار عن الحوادث الآتية في المستقبل فوجدت في الأيام اللاحقة على الوجه الذي أخبر
الأمر الرابع : ورد في القرآن أخبار القرون السالفة والأمم الهالكة ومعلوم أن محمدا r كان أميا لا يقرأ ولا يكتب ولم يشتغل بمدارسة مع العلماء ونشأ بين قوم يعبدون الأصنام ولا يعرفون الكتاب وليس لديهم شيء من العلوم العقلية ولم يغب عن قومه غيبة يمكن له فيها التعلم من غيرهم والمواضع التي خالف فيها القرآن كتب أهل الكتاب في بيان بعض القصص والحالات هي مخالفة قصدية لبيان الحق الذي انحرف عنه أهل الكتاب لأنهم فقدوا النسخ الأصلية لكتبهم والذي بين أيديهم فاقد للسند المتصل وفاقد لصفة الوحي والإلهام قال تعالى { إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ } .
الأمر الخامس : ورد في القرآن كشف أسرار المنافقين حيث كانوا يتواطئون في السر على أنواع كثيرة من المكر وكان الله يطلع رسوله على تلك الأحوال حالا فحالا ويخبره عنها على سبيل التفصيل فما كانوا يجدون في كل ذلك إلا الصدق ولم يستطيعوا أن ينكروا خبر القرآن عنهم وما فيه من كشف أحوال اليهود وضمائرهم .
الأمر السادس : ورد في القرآن من المعارف الجزئية والعلوم الكلية ما لم تعهده العرب عامة ولا محمد r خاصة ففيه علم الشرائع والتنبيه على طرق الحجج العقلية والرد على أهل الضلال والسير والمواعظ والحكم والأمثال وأخبار الدار الآخرة ومحاسن الآداب والشيم وقد انبثقت من القرآن علوم كثيرة أهمها علم العقائد والأديان والفقه والأحكام والسلوك والأخلاق . الأمر السابع : كونه بريئا عن الاختلاف والتفاوت مع أنه كتاب كبير مشتمل على أنواع كثيرة من العلوم فلو كان هذا القرآن من عند غير الله لوقع فيه أنواع من الكلمات المتناقضة لأن الكتاب الكبير لا ينفك عن ذلك ولما لم يوجد فيه أدنى اختلاف علمنا علما يقينيا أنه من عند الله كما قال تعالى { أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا } .
الأمر الثامن : القرآن معجزة باقية متلوة في كل مكان لأن الله تكفل بحفظه بخلاف معجزات الأنبياء السابقين فمؤقتة في حياتهم وانقضت بوفاتهم لكن معجزة القرآن باقية على ما كانت عليه من وقت نزوله وإلى زماننا هذا ومازالت حجته قاهرة ومعارضته ممتنعة فبلاد العالم مملوءة بالملاحدة والمخالفين العنيدين من كل ملة ونحلة وكلهم عاجزون عن الإتيان بمقدار أقصر سورة من هذا القرآن وستبقى هذه المعجزة إن شاء الله ما بقيت الدنيا وأهلها .
الأمر التاسع : قارئ القرآن لا يسأمه وسامعه لا يمله بل تكراره يوجب زيادة محبته وغيره من الكلام مهما كان بليغا فتكراره يمل في السمع ويكره في الطبع بخلاف القرآن الكريم فالهيبة تعتري تاليه والخشية تلحق قلوب سامعيه وهذه قد تكون لمن لا يفهم معانيه ولا يفهم تفسيره بل ولمن لا يعرف اللغة العربية أيضا . الأمر العاشر : القرآن يحفظ نصه بسهولة بالغة كما قال تعالى { وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ } فحفظه ميسر على الأولاد الصغار في أقرب مدة وحفاظ القرآن منتشرون في الأقطار بحيث يمكن أن يكتب القرآن كاملا من حفظ كل منهم دون وقوع الغلط في الإعراب فضلا عن الألفاظ بينما لا يوجد في كل ديار النصارى واحد يحفظ الإنجيل فضلا عن حفظ كتب العهدين وهذا هو الفضل البديهي لأمة محمد r ولكتابها القرآن.
ثلاثة أسئلة وجوابها : السؤال الأول : ما سبب كون معجزة النبي محمد r من جنس البلاغة ؟ الجواب : بعض المعجزات تظهر في كل زمان من جنس ما يغلب على أهل ذلك الزمان لأنهم يكونون بلغوا فيه الدرجة العليا ويقفون على الحد الذي يمكن للبشر الوصول إليه فإذا شاهدوا ما هو خارج عن الحد المذكور علموا أنه من عند الله فمثلا عندما رأى سحرة فرعون في زمان موسى r أن عصاه انقلبت ثعبانا يتلقف سحرهم علموا أن هذا الأمر خارج عن حد صناعة السحر وأنه معجزة لموسى من عند الله فآمنوا به وبمن أرسله وفي زمان r كان علم الطب متقدما فلما رأى أهل ذلك الزمان إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص علموا أنها ليست من حد صناعة الطب وإنها معجزة لعيسى من عند الله ليؤمنوا برسالته ويتبعوه وفي زمان محمد r كانت البلاغة قد وصلت إلى الدرجة العليا وكان بها فخارهم نثرا وشعرا فلما أتى r بهذا القرآن الذي أعجز جميع البلغاء علم أنه من عند الله قطعا وأن من لم يؤمن به فهو عنيد مستكبر . السؤال الثاني : ما حكمة نزول القرآن منجما مفرقا ولم ينزل دفعة واحدة ؟ الجواب : إن لنزول القرآن منجما حكما كثيرة منها أن النبي r أرسل في أمة أمية لا تعرف القراءة والكتابة فلو نزل عليه القرآن جملة واحدة لصعب عليهم حفظه وضبطه وربما تساهلوا فيه فكان نزوله مفرقا أنسب لهم حيث تمكن الصحابة بالتدريج من حفظه وضبطه وتعلمه وكتابته وبقيت سنة الحفظ جارية في أمته .
- كثير من آيات القرآن نزلت في وقائع وأحداث معنية حلا لمشكلة أو جوابا على سؤال أو بيانا لحكم فلو نزل عليه القرآن جملة واحدة لم يتضح المراد بها فكان نزولها مفرقة مقترنة بالوقائع والأحداث أبلغ أثرا في النفوس وأوضح في المراد بها . - لو أنزل الله عليه الكتاب جملة واحدة لكانت التكاليف قد نزلت على المسلمين دفعة واحدة ولثقل عليهم العمل بها وبخاصة أن فيها الناسخ والمنسوخ ولكن لما كان نزول القرآن مفرقا فالتكاليف نزلت بالتدريج قليلا قليلا فكان تحملها أسهل .
- نزول القرآن منجما يقتضي أن يشاهد الرسول r جبريل r حالا بعد حال فيقوى قلبه على أداء الرسالة ويصبر على أذية القوم .
- نزول القرآن منجما أشد تعجيزا لهم أي إنهم في غاية العجز بحيث إنهم لم يقدروا على الإتيان بمثله منجما مفرقا لأن النبي r تحداهم من أول الأمر فكأنه تحداهم بكل واحد من نجوم القرآن فلما عجزوا عنه كان عجزهم عن معارضة الكل أولى فثبت بهذا الطريق أن القوم عاجزون عن المعارضة عجزا تاما من جميع الوجوه السؤال الثالث : ما سبب تكرار بيان التوحيد وحال القيامة وقصص الأنبياء في عدة مواضع ؟ الجواب : إن للتكرار في القرآن عدة أسباب منها :
1- التكرار يفيد التقرير والتأكيد . 2- إعجاز القرآن لما كان باعتبار البلاغة وتحداهم بهذا الاعتبار فجاء تكرار القصص وغيرها بعبارات مختلفة إيجازا وإطنابا مع حفظ الدرجة العالية للبلاغة في كل مرتبة ليعلم أن القرآن ليس بكلام البشر لأن البلغاء يعرفون أن هذا الأمر خارج عن القدرة البشرية .
3- المخالفون للرسول r كان لهم أن يقولوا له إن الألفاظ الفصيحة التي كانت مناسبة لهذه القصة قد استعملتها ولا تناسبها الألفاظ الأخرى أو أن يقولوا له إن طريق كل بليغ يخالف طريق الآخر فبعضهم يقدر على الطريق المطنب وبعضهم يقدر على الطريق الموجز فلا يلزم من عدم القدرة على نوع عدم القدرة مطلقا أو أن يقولوا له إن دائرة البلاغة ضيقة في بيان القصص والذي صدر عنك بيانه منها محمول على البخت والاتفاق لكن تكرار القصص إيجازا وإطنابا يقطع جميع أعذارهم . 4- كان r يضيق صدره بإيذاء قومه له كما قال تعالى في سورة الحجر { وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ } فيثبت الله قلبه بأن يقص عليه من قصص الأنبياء السابقين مناسبة لحاله في ذلك الوقت
5- أن أقواما كانوا يدخلون في الإسلام والمسلمين كان يحصل لهم الأذى بأيدي الكفار فكان الله ينزل في كل موضع من هذه القصص ما يناسبه لأن حال السلف تكون عبرة للخلف وقد يكون المقصود أحيانا تنبيه الكفار فالقصة الواحدة قد تذكر تارة ويقصد بها بعض الأمور قصدا وبعضها تبعا وتُذكر تارة أخرى وتُعكس المقاصد .
*فيما يلي ذكر أبرز شبهتين يوردهما المنصّرون على القرآن الكريم : الشبهة الأولى قولهم : ( لا نسلم بأن عبارة القرآن في الدرجة القصوى من البلاغة الخارجة عن العادة ولو سلمنا ذلك لكان دليلا ناقصا على الإعجاز لأنه لا يظهر إلا لمن كانت له معرفة تامة بلغة العرب ويلزم أن تكون من كلام الله جميع الكتب البليغة التي في اللغات الأخرى كاليونانية واللاتينية وغيرهما ويمكن أن تؤدّى المطالب الباطلة والمضامين القبيحة بألفاظ فصيحة وعبارات بليغة في الدرجة القصوى) .
الجواب عدم تسليمهم كون عبارة القرآن في الدرجة العليا من البلاغة هو مكابرة محضة لما مر في الأمر الأول والثاني من الفصل السابق وقولهم : (لأنه لا يظهر إلا لمن كانت له معرفة تامة بلغة العرب ) حق لكن هذه المعجزة لما كانت لتعجيز البلغاء والفصحاء وقد ثبت عجزهم ولم يعارضوها واعترفوا بها وعرفها جميع أهل اللغة العربية بسليقتهم وعرفها العلماء بمهارتهم في فن البيان وإحاطتهم بأساليب الكلام فالعوام يكفيهم اعتراف العلماء بالعجز عن معارضة القرآن وبه تقوم الحجة عليهم لأن عجز العلماء والفصحاء يوجب عجز غيرهم من باب أولى ثم إن الأمم غير العربية يكفيهم اعتراف العرب بعجزهم عن معارضة القرآن الذي هو بلغتهم فتقوم عليهم الحجة أيضا بالإضافة إلى أنه يوجد في هذه الأمم من يتكلمون اللغة العربية ويجيدون علومها فشهادتهم ببلاغة القرآن وأنه كلام الله حجة على سائر أقوامهم لأن من كان أعرف بلغة العرب وفنون بلاغتها كان أعرف بإعجاز القرآن وفنون بلاغته وبهذا ثبت يقينا أن بلاغة القرآن معجزة قاهرة ودليل كامل لا ناقص كما زعموا ثم إن أهل الإسلام لا يدعون أن معجزة القرآن منحصرة في بلاغته فقط بل يقولون إن بلاغة القرآن سبب واحد من أسباب كثيرة توجب علما قطعيا بأنه كلام الله وهذه المعجزة ظاهرة وعجز المخالفين ثابت منذ زمان محمد r وإلى هذا الزمان وقولهم ( ويلزم أن تكون من كلام الله جميع الكتب البليغة التي في اللغات الأخرى ) غير مسلَّم لأن هذه الكتب لم تثبت بلاغتها في الدرجة القصوى باعتبار الوجوه التي مر ذكرها في الأمر الأول والثاني من الفصل السابق ولأن مصنفي هذه الكتب لم يدعوا إعجازها ولا أن الفصحاء أمثالهم عاجزون عن معارضتها فكيف يدّعي القساوسة هذا الادعاء وهم لا يميزون غالبا في لغة غيرهم بين المذكر والمؤنث ، ولا بين المفرد والمثنى والجمع ، ولا بين المرفوع والمنصوب والمجرور فضلا عن أن يميزوا الأبلغ عن البليغ ويشهد لهذا الأمر أن البابا أربانوس الثامن أذِن للأب سركيس الهاروني مطران الشام أن يجمع كثيرا من القساوسة والرهبان والعلماء المختصين باللغات العبرانية والعربية واليونانية لإصلاح الترجمة العربية التي كانت مملوءة بالأغلاط الكثيرة فاجتهدوا في هذه المهمة اجتهادا تاما سنة 1625م ولكن هذه الترجمة التي اجتهدوا في إصلاحها وقع في نصوصها أغلاط كثيرة بحيث إنهم اضطروا في المقدمة التي كتبوها لهذه الترجمة إلى الاعتذار عن بعض الأغلاط الواقعة فيها كوجود كلام لا يوافق قوانين اللغة بل يضادها وكوقوع لفظ المذكر بدل المؤنث والعدد المفرد بدل الجمع وكوضع حركة الرفع مكان الجر والنصب في الاسم ومكان الجزم في الفعل وقالوا في اعتذارهم إن روح القدس لم يُردْ أن يقيد اتساع الكلمة الإلهية بالحدود المضيقة التي حدتها الفرائض النحوية فقدم لنا الأسرار السماوية بغير فصاحة وبلاغة وقولهم : (ويمكن أن تؤدَّى المطالب الباطلة والمضامين القبيحة بألفاظ فصيحة وعبارات بليغة في الدرجة القصوى) لا ورود له في حق القرآن لأنه مملوء من أوله إلى آخره بذكر المطالب العالية الفاضلة والمضامين الحميدة مثل :
1- ذكر صفات الكمال لله وتنزيهه عن صفات النقص كالعجز والجهل والظلم وغيرها .
2- الدعوة إلى إخلاص التوحيد لله والتحذير من الشرك والكفر بجميع أنواعه والتثليث نوع منه .
3- ذكر الأنبياء وصفاتهم وتنزيههم عن عبادة الأوثان والكفر وغيرها من المعاصي ومدح المؤمنين بهم وذم أعدائهم والتأكيد على وجوب الإيمان بهم عموما وبالمسيح وبمحمد r خصوصا
4- الوعد بغلبة المؤمنين على الكافرين عاقبة الأمر .
5- ذكر القيامة والجنة والنار وجزاء الأعمال وذم الدنيا ومدح العقبى .
6- بيان الحلال والحرام والأوامر والنواهي وسائر الأحكام في المطعومات والمشروبات وفي الطهارة والعبادات والمعاملات والأحوال الشخصية وغيرها .
7 - التحريض على محبة الله وأوليائه والزجر عن مصاحبة الفجار والفساق .
8 - التأكيد على إخلاص النية لله في كل شيء والتهديد على الرياء والسمعة . 9 - التأكيد على الأخلاق الجميلة ومدحها والتهديد على الأخلاق الذميمة وذمها والتنفير منها .
10 - الوعظ المؤدي للتقوى والترغيب في ذكر الله وعبادته .
*لاشك أن مثل هذه المطالب الفاضلة محمودة عقلا ونقلا وجاء ذكر هذه المطالب العالية مكررا في القرآن للتأكيد عليها وتقريرها ولو كانت هذه المطالب والمضامين العالية قبيحة فأي مضمون بعدها يكون حسنا
*لا يوجد في القرآن الكريم مضامين قبيحة كالتي في كتب العهدين مثل :
1- ما ورد في سفر التكوين 19 / 30-38 أن لوطا r زنى بابنتيه وحملتا بهذا الزنا .
2- ما ورد في سفر صموئيل الثاني 11 / 1-27 أن داود r زنى بزوجة أوريّا ثم قتله بالحيلة وتزوجها.
3- ما ورد في سفر الخروج 32 / 1-6 أن هارون r صنع العجل لبني إسرائيل وعبده معهم.
4- ما ورد في سفر الملوك الأول 11 / 1-13 أن سليمان r ارتد في آخر عمره وعبد الأصنام وبنى المعابد لها .
5- ما ورد في سفر الملوك الأول 13 / 11-30 أن النبي الذي في بيت إيل كذب على الله في التبليغ وخدع بكذبه نبيا آخر وألقاه في غضب الرب . 6- ما ورد في سفر التكوين 38 / 12-30 أن يهوذا بن يعقوب r زنى بكنّته ثامار أي زوجة ابنه عير فولدت منه بهذا الزنا فارص الذي من نسله داود وسليمان وعيسى r فكلهم أولاد ولد الزنا .
7- ما ورد في سفر التكوين 35 أن رأوبين بن يعقوب r زنى ببلهة سُرّيّة أبيه ولما علم بهما ( أي يهوذا ورأوبين ) أبوهما يعقوب لم يُقم عليهما الحد ودعا ليهوذا بالبركة التامة .
8- ما ورد في سفر صموئيل الثاني 13 / 1-39 أن أمنون بن داود r زنى بأخته ثامار وعلم بهما أبوهما داود ولم يُقم عليهما الحد .
9- ما ورد في الأناجيل ( متى 26 / 14-16 ومرقس 14 / 10-11 ولوقا 22 / 3-6 ويوحنا 18 / 1-5) أن يهوذا الإسخريوطي الذي هو أحد الحواريين الاثني عشر رضي بتسليم عيسى r لليهود مقابل ثلاثين درهما والنصارى يعتقدون أن الحواريين أنبياء ورسل للإله المصلوب . 10- ما ورد في الأناجيل ( متى 26 / 57-68 ومرقس 14 / 53-65 ولوقا 22 / 54-71 ويوحنا 18 / 12-24) أن قَيَافَا رئيس الكهنة والذي كان نبيا بشهادة يوحنا الإنجيلي كذّب عيسى وكفّره وأهانه وأفتى بقتله وعيسى في زعمهم هو إله قَيَافَا أي أفتى النبي بقتل إلهه بعدما كفّره وأهانه .
الشبهة الثانية قولهم : ( إن القرآن يخالف كتب العهدين القديم والجديد في مواضع عديدة ، فلا يكون كلام الله) . الجواب كتب العهدين لم تثبت أسانيدها المتصلة إلى مصنفيها وثبت أنها مملوءة من الاختلافات المعنوية والأغلاط الكثيرة وثبت وقوع التحريف القصدي فيها بالزيادة على المتن وبالنقصان منه وبالتبديل في الجمل والكلمات فمخالفة القرآن لكتبهم في مواضع عديدة هي مخالفة قصدية لا سهوية لأجل التنبيه على أن ما خالف القرآن في هذه الكتب هو غلط ومحرَّف فالمخالفة لا تعيب القرآن بل يُقطع بصحته وخطئها ونستطيع أن نحصر المخالفة التي بين القرآن وبين كتب العهدين في ثلاثة أنواع الأول منها باعتبار الأحكام المنسوخة والثاني منها باعتبار بعض الحالات التي جاء ذكرها في القرآن ولم تذكر في كتب العهدين والثالث منها باعتبار أن ما جاء في القرآن في بيان بعض الحالات يخالف بيان نفس الحالات في كتب العهدين ولا حجة لهم في الطعن على القرآن الكريم باعتبار هذه الأنواع الثلاثة لما يلي *باعتبار الأحكام المنسوخة فلأن النسخ لا يختص بالقرآن بل وُجد في الشرائع السابقة واعترف الدكتور القسيس فندر في المناظرة الكبرى التي جرت بينه وبين الشيخ رحمت الله بوقوع النسخ في التوراة والإنجيل وكان قبل المناظرة ينكر بشدة وقوعه فيهما .
*باعتبار بعض الحالات التي انفرد القرآن بذكرها ولم تذكر في كتب العهدين فالمخالفة لا تنفي أن القرآن كلام الله لأنه وُجد في كتب العهد الجديد حالات لم تذكر في كتب العهد القديم فانفراد العهد الجديد بذكرها لم يستلزم كونه معيبا في نظرهم وفيما يلي بعض الأمثلة لذلك :
1- ورد في الفقرة 9 من رسالة يهوذا:(وأما ميخائيل رئيس الملائكة فلما خاصم إبليس مُحاجًّا عن جسد موسى . .) فهذه المخاصمة بينهما لم تذكر في كتاب من كتب العهد العتيق .
2- ورد في الرسالة إلى العبرانيين 12 : ( وكان المنظر هكذا مخيفا حتى قال موسى أنا مرتعب ومرتعد) وورد صعود موسى إلى جبل سيناء ووقوف الشعب عند أسفل الجبل في سفر الخروج 19 / 7-25 وليس فيه ولا في غيره من أسفار العهد العتيق هذه الفقرة .
3- ورد في رسالة بولس الثانية إلي تيموثاوس 3 : (وكما قاوم يَنِّيسُ ويَمْبِرِيسُ موسى ) ووردت قصة سحرة فرعون في الأصحاح السابع من سفر الخروج وليس فيه ولا في غيره من الأسفار هذه العبارة ولا أثر لهذين الاسمين في أي كتاب من كتب العهد القديم .
4- ورد في رسالة بولس الأولى إلى أهل كورنثوس 15 / 6 ظهور المسيح بعد رفعه : (وبعد ذلك ظهر دَفْعَةً واحدة لأكثر من خمسمائة أخ أكثرهم باق إلى الآن ولكن بعضهم قد رقدوا) ولا يوجد أثر لهذا الخبر في الأناجيل الأربعة ولا في سفر أعمال الرسل مع أن لوقا أحرص الناس على كتابة مثل هذه الأمور العجيبة .
5- يوجد في الأناجيل ذكر القيامة وجزاء الأعمال والجنة والجحيم وذلك بالإجمال ولا أثر لذلك في كتب موسى الخمسة بل كل ما فيها مواعيد دنيوية للمطيعين وتهديدات دنيوية للعاصين .
6- ورد في إنجيل متى 1 / 13-15 بعد اسم زَرُبّابل تسعة أسماء في بيان نسب المسيح r ولا ذكر لهذه الأسماء في كتاب من كتب العهد القديم .
* باعتبار أن بيان بعض الحالات في القرآن مختلف عن بيانها في كتب العهدين فلا حجة لهم في ذلك أيضا لأن اختلافات فاحشة جدا وقعت بين كتب العهد العتيق بعضها مع بعض وبين كتب العهد الجديد بعضها مع بعض وبين كتب العهد الجديد والعهد القديم كما مر في الباب الأول والنسخ الثلاث للتوراة (العبرانية والسامرية واليونانية) مختلفة فيما بينها اختلافات كبيرة والأناجيل الأربعة ( متى ومرقس ولوقا ويوحنا ) مختلفة فيما بينها اختلافات كبيرة أيضا لكن القسيسين يغمضون أعينهم عما في كتبهم من الاختلافات ويتوجهون للطعن في القرآن لتغليط عوام المسلمين بهذه الشبهة ومخالفة القرآن لكتبهم لا تضره لأنه كتاب مستقل موحى به من الله بل هذه المخالفة أكبر دليل قطعي على صدقه وعلى وجود التحريف في كتبهم .
دفع شبهات القسيسين الواردة على الأحاديث النبوية
الشبهة الأولى قولهم : ( إن رواة الأحاديث هم أزواج محمد r وأقرباؤه وأصحابه ولا اعتبار لشهادتهم في حقه) . الجواب رواة حالات المسيح وأقواله المندرجة في هذه الأناجيل المعروفة الآن هم أصحابه وتلاميذه ولا اعتبار لشهادتهم في حقه وإن أصحاب محمد r لم يبالغ أحد منهم كما بالغ الإنجيلي الرابع في آخر إنجيله ( يوحنا 21 / 25) فقال :( وأشياء أُخَرُ كثيرة صنعها يسوع إن كُتبت واحدة واحدة فلست أظن أن العالم نفسه يسع الكتب المكتوبة) ولا شك أن هذا الكلام كذب محض ومبالغة شاعرية قبيحة ولا يكون دافعا للعقلاء إلى الإيمان لكنه قد يخدع السفهاء وليس للقسيسين حجة فيما تتفوّه به فرقة الشيعة الإمامية الاثني عشرية في حق الصحابة أجمعين لأنه وجدت بعض فرق النصارى تقول أقوالا وتعتقد اعتقادات جعلت القسيسين يحكمون على هذه الفرق بالكفر والابتداع كقولهم بأن الإله إلهان أحدهما خالق الخير وثانيهما خالق الشر وأن إله الشر هو الذي أعطى التوراة لموسى وأن عيسى نزل إلى الجحيم وأخرج منها كل الأرواح الشريرة وأبقى فيها أرواح الصالحين وأن الذي كلم موسى وخدع أنبياء اليهود هو الشيطان وأن جميع أنبياء بني إسرائيل هم سُرّاق ولصوص وهكذا أقوال أخرى لهذه الفرق المبتدعة ولا شك أن النصارى ينكرون مثل هذه الأقوال والاعتقادات الكفرية ويقولون إن أقوال هذه الفرق لا تقوم بها الحجة على سائر النصارى فنقول لهم أيضا : إذا لم تتم أقوال هذه الفرق عليكم فلا تتم أقوال بعض الفرق الإسلامية على جمهور أهل الإسلام ولا تقوم بها الحجة ولا سيما إذا كانت هذه الأقوال مخالفة لنصوص القرآن ولأقوال بعض الأئمة من آل البيت ففي القرآن الكريم آيات كثيرة مصرحة بأن الصحابة لم يصدر عنهم شيء يوجب الكفر ويخرجهم عن الإيمان
الشبهة الثانية قولهم : ( إن مؤلفي كتب الحديث ما رأوا الرسول ولا شاهدوا معجزاته بأعينهم ولا سمعوا أقواله منه مباشرة بلا واسطة بل سمعوها بالتواتر بعد مائة أو مائتي سنة من وفاته ثم جمعوها وأسقطوا مقدار نصفها لعدم الاعتبار) .
الجواب جمهور أهل الكتاب سلفا وخلفا كانوا يعتبرون الروايات اللسانية الشفوية كالمكتوب بل جمهور اليهود يعتبرونها اعتبارا أزيد وأحسن من المكتوب أما فرقة الكاثوليك فتعتبر الروايات الشفوية مساوية للمكتوب وتعتقد أن كليهما واجب التسليم وأصل للإيمان .
موقف اليهود من الروايات الشفوية : إن اليهود يقسمون قانونهم على نوعين مكتوب ويقولون له : التوراة وغير مكتوب ويقولون له الروايات اللسانية الشفوية التي وصلت إليهم بواسطة المشايخ ويدعون أن الله قد أعطى موسى كلا النوعين على جبل الطور فوصل إليهم أحدهما بواسطة الكتابة ووصل ثانيهما بواسطة المشايخ بأن تناقلوه شفويا جيلا بعد جيل ويعتقدون أن كليهما متساويان في المرتبة ومن عند الله ويجب قبولهما بل يرجحون الروايات الشفوية على المكتوبة ويقولون إن القانون المكتوب ناقص ومغلق في كثير من المواضع ولا يمكن أن يكون أصل الإيمان على الوجه الكامل بدون اعتبار الروايات الشفوية اللسانية لأنها أوضح وأكمل وتشرح القانون المكتوب وتكمله ولهذا يردون معاني القانون المكتوب (التوراة) إذا كانت مخالفة للروايات اللسانية الشفوية . *اشتهر فيما بينهم أن العهد المأخوذ من بني إسرائيل ما كان لأجل القانون المكتوب بل كان لأجل هذه الروايات اللسانية فكأنهم بهذه الحيلة نبذوا القانون المكتوب وجعلوا الروايات اللسانية مبنى دينهم وإيمانهم ويفسرون كلام الله على حسب هذه الروايات وإن كان هذا المعنى الروائي مخالفا لمواضع كثيرة من كلام الله المكتوب ووصلت حالة اليهود في زمان عيسى إلى حد الإفراط حتى عظموا هذه الروايات أكثر من المكتوب ووبخهم عيسى في هذا الأمر بأنهم يبطلون كلام الله لأجل سنتهم ويوجد في كتبهم أن ألفاظ المشايخ الشفوية اللسانية أحب من ألفاظ التوراة وألفاظ التوراة بعضها جيد وبعضها غير جيد لكن ألفاظ المشايخ كلها جيدة وأجود جدا من ألفاظ الأنبياء وهكذا أقوال أُخَرُ يُعلم منها أنهم يعظمون الروايات اللسانية أكثر من القانون المكتوب ويفهمون القانون المكتوب على حسب ما تشرحه الروايات اللسانية الشفوية فكأن القانون المكتوب عندهم بمنزلة الجسد الميت والروايات اللسانية الشفوية بمنزلة الروح التي بها الحياة . *يقولون : إن الله أعطى موسى التوراة وأمره بكتابتها ( فهي القانون المكتوب) وأعطاه أيضا معاني التوراة وأمره بتبليغها دون الكتابة (فهي القانون اللساني الشفوي) فجاء بهما موسى من الجبل وبلغ القانونين المكتوب والشفوي إلى هارون وابنيه والمشايخ السبعين ثم أخبر هؤلاء سائر بني إسرائيل وبقيت الروايات الشفوية تتناقل بالألسنة إلى أن بدأ بجمعها الربي يهوذا حق دوش ( يوضاس) حوالي سنة 150م ومكث في جمعها أربعين سنة بمشقة كبيرة ثم دونها في كتاب سماه المشنا فالمشنا يضم الروايات الشفوية التي تناقلها المشايخ بألسنتهم حوالي سبعة عشر قرنا بعد موسى r ويعتقدون أن كل ما فيه هو من عند الله مثل القانون المكتوب وواجب التسليم والقبول مثله . *كتب علماء اليهود شرحين على كتاب المشنا أحدهما في القرن الثالث (وقيل الخامس) الميلادي في أورشليم القدس والثاني في بداية القرن السادس الميلادي في بابل ويسمى الشرح ( كمرا) أي الكمال لأنهم يعتقدون أن التوضيح التام لمتن المشنا حصل في هذين الشرحين فإذا جُمع المتن والشرح مشنا + كمرا يقال لهذا المجموع التلمود ويقال للتمييز تلمود أورشليم وتلمود بابل وهذا الشرح ( كمرا) مملوء بالحكايات الواهية لكنه معظم عند اليهود ويدرسونه ويرجعون إليه في كل مُشْكِل مذعنين بأنه مرشد لهم مذهب اليهود الآن وعقيدتهم تؤخذ من هذين التلمودين البعيدين عن التوراة وعن سائر كتب الأنبياء ويقدمون تلمود بابل على تلمود أورشليم .
*إذا كان اليهود قد تناقلوا الروايات اللسانية الشفوية سبعة عشر قرنا ويقدمونها على التوراة علما أنهم تعرضوا خلال هذه المدة لآفات عظيمة ودواهٍ جسيمة أضاعت كتبهم المكتوبة ففقدت إسنادها وتواترها ومع ذلك يعدون الروايات اللسانية هي مبنى إيمانهم وأصل عقائدهم فكيف يجوز الطعن في الأحاديث الشريفة المكتوبة بعد رسول الله r بقرن أو قرنين . موقف جمهور قدماء النصارى من الروايات الشفوية : *ذكر يوسي بيس في تاريخه أن كليمنس عندما بيّن حال يعقوب الحواريّ نقل حكايات عن الروايات اللسانية التي وصلت إليه من الآباء والأجداد ونقل في حق يوحنا الحواريّ حكايات أخذها من المحفوظ في الصدور وهو (أي كليمنس ) اعترف أنه كان ينقل الروايات اللسانية من عدة شيوخ أحدهم سُرياني في اليونان وثانيهم آشوري في المشرق وثالثهم عبراني في فلسطين ولكن الشيخ الذي نقل عنه الروايات اللسانية وكان أفضل من المشايخ كلهم ولم يطلب شيخا آخر بعده هو الشيخ الذي كان مختفيا في مصر . *ذكر يوسي بيس أيضا أن أرينيوس كتب ما وصل إليه بالرواية اللسانية من بوليكارب وكانت الكنيسة تبلغ عن بوليكارب بالرواية اللسانية وكان أرينيوس يفتخر أنه لا يكتب في القرطاس وإنما تعوّد من قديم الأيام أن يحتفظ بالأحاديث في صدره وذكر أن أكناثيوس عندما مر في آسيا الصغرى قوّى الكنائس المختلفة وأوصاهم باللصوق بالروايات اللسانية لصوقا قويا وأن بيبيس كتب جميع الأشياء التي وصلت إليه من المشايخ وأتباعهم لأن الفائدة التي حصلت له من ألسنة الأحياء لم تحصل له من الكتب وأن المؤرخ المشهور هجيسي بوس كتب مسائل الحواريين التي وصلت إليه بالرواية اللسانية بعبارة سهلة في خمسة كتب وأن أساقفة كثيرين قبلوا روايات لسانية كثيرة في باب عيد الفصح قدمها لهم بعض الأشخاص فكتبها الأساقفة في كتاب وأرسلوا نقوله إلى الكنائس لإلزام الناس بها وأن كليمنس اسكندر يانوس الذي كان من أتباع تابعي الحواريين ألف كتابا في بيان عيد الفصح استجابة لرغبة الأحباء الذين طلبوا منه تدوين الروايات اللسانية التي سمعها من الأساقفة
*ذكر جان ملنر الكاثوليكي في رسالته العاشرة التي كتبها إلى جيمس برون أن مبنى إيمان الكاثوليك ليس كلام الله المكتوب فقط بل أعم من ذلك مكتوبا أو غير مكتوب أي الكتب المقدسة والروايات اللسانية على ما تشرح به كنيسة الكاثوليك فأرينيوس بيّن أن أسهل أمر لطالبي الحق هو أن يتفحصوا الروايات اللسانية لأنه وإن كانت ألسنة الأقوام مختل لكن حقيقة الرواية اللسانية متحدة والروايات اللسانية المنقولة عن الحواريين جيلا بعد جيل كلها محفوظة في كنيسة الروم الكاثوليك لأن الحواريين سلموها للناس والناس سلموها للكنيسة الكاثوليكية .
*ذكر ملنر في نفس الرسالة أن ترتولين قال بأن عادة أهل البدعة أنهم يتمسكون بالكتب المقدسة ويرفضون الروايات اللسانية ليلقوا الضعفاء في شباكهم وليوقعوا المتوسطين في الشك ولذلك لا نسمح لهؤلاء أن يستدلوا في مناظراتهم بالكتب المقدسة لأن المباحثة المستندة إلى الكتب المقدسة لا يحصل منها فائدة سوى وجع الدماغ والبطن ولو حصل شيء يكون ناقصا لأن جميع أحكام الدين المسيحي وعقائده التي صرنا بسببها مسيحيين منقولة بالروايات اللسانية . *ذكر ملنر عن أوريجن قوله : لا يليق بنا تصديق الناس الذين ينقلون عن الكتب المقدسة ونترك الروايات اللسانية التي تبلغها لنا كنيسة الله .
*ذكر عن باسيليوس أن المسائل الكثيرة المحفوظة في الكنيسة للوعظ بها أخذت بعضها من الكتب المقدسة وبعضها من الروايات اللسانية وقوتهما في الدين متساوية
*ذكر عن ابيفانس في رده على المبتدعين أنه حض على استعمال الروايات اللسانية لأن جميع الأشياء لا توجد في الكتب المقدسة .
*ذكر عن كريزاستم أن الحواريين لم يبلغوا كل شيء بواسطة الكتابة بل بلغوا أشياء كثيرة بالروايات اللسانية وكلتاهما متساويتان في الاعتبار فإن الروايات اللسانية هي منشأ الإيمان وإذا ثبت شيء بالرواية اللسانية لا نطلب دليلا آخر .
*ذكر عن أكستاين أن بعض المسائل ليس لها سند تحريري وإنما تؤخذ من الرواية اللسانية لأن الأشياء الكثيرة تسلمها الكنيسة العامة وهي ليست بمكتوبة وقد أورد الربي موسى قدسي شواهد كثيرة على أن الكتاب المقدس لا يُفهم بدون الرواية اللسانية . *ذكر الدكتور بريت أن الأشياء التي لها دخل في النجاة ليست كلها مكتوبة لأن الحواريين بلّغوا أحاديث كتابة وبلّغوا أحاديث أخرى بالرواية اللسانية والويل للذين لا يأخذون بهما لأن الأحاديث اللسانية في أمر الإيمان سند كالمكتوب .
*ذكر أسقف مونيك أن التقرير اللساني درجته أزيد من المكتوب .
*ذكر جلنك ورتهه أن النزاع فيما هو قانوني يزول بالرواية اللسانية التي هي قاعدة الإنصاف لكل نزاع وشهد أسقف ماني سيك بأن ستمائة أمر مقررة في الدين وتأمر الكنيسة بها ولم يبيّنها الكتاب المقدس في موضع من المواضع وإنما تقبل من الرواية اللسانية .
*قال وليم ميور بأن قدماء المسيحية ما كان عندهم عقيدة مكتوبة من عقائد الإيمان التي اعتقادها ضروري للنجاة وكانت تعلَّم للأطفال وللذين يدخلون في الملة المسيحية تعليما لسانيا . *قول الطاعن : (جمعوها وأسقطوا مقدار نصفها لعدم الاعتبار) غلط لأن رواة الأحاديث ما أسقطوا إلا الأحاديث الضعيفة التي لم تكن أسانيدها كاملة وتركها لا يضر وأهل الإسلام جميعا يقبلون الأحاديث الصحيحة المروية في كتب الحديث المعتبرة أما الأحاديث المروية في كتب غير معتبرة فلا يقبلها أهل الإسلام ولا تعارض الصحيحة ثبت أنه لا مجال لأحد أن يطعن على أهل الإسلام في قبولهم أحاديث نبيهم r.
*يناسب لبيان حال النصارى في هذا المقام ذكر الحكاية التي نقلها جان ملنر في كتابه المطبوع سنة 1838م وهي : أن القديسة الفرنسية جان دارك وتُدعى عذراء أورليان والمولودة سنة 1412م بدأت الشعوذة في سن السادسة عشرة وصار لها أتباع ثم ادعت أنها هي المرأة التي ورد في حقها في سفر رؤيا يوحنا 12 / 1-2 ما يلي : وظهرت آية عظيمة في السماء امرأة متسربلة بالشمس والقمر تحت رجليها وعلى رأسها إكليل من اثني عشر كوكبا وهي حُبلى تصرخ متمخضة ومتوجعة لتلد) فادعت أنها حبلى من عيسى r فتبعها كثير من النصارى وفرحوا فرحا شديدا بهذا الحمل وصنعوا أطباق الذهب والفضة لاستقبال المولود الإلهيََََََََ ََ.
*قال الشيخ رحمت الله معلقا على هذه القصة : هل حصلت رتبة الألوهية لهذا الولد السعيد مثل أبيه أم لا ؟! وفي صورة الحصول هل بدل اعتقاد التثليث بالتربيع أم لا ؟! وكذا هل بدل لقب الله الآب بالجد أم لا
إثبات نبوة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم المسلك الأول : ظهور المعجزات الكثيرة على يده r وهي نوعان : النوع الأول : ففي بيان إخباره عن المغيبات الماضية والمستقبلة .
*أما المغيبات الماضية فكثيرة جدا كقصص الأنبياء وقصص الأمم البالية من غير أن يسمعها من أحد ولا تلقنها من كتاب وإلى هذا المعنى وردت الإشارة في قوله تعالى { تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا } والمخالفة الحاصلة بين القرآن وبين كتب أهل الكتاب في بيان بعض القصص هي مخالفة قصدية لبيان أن هذه الكتب محرفة وأن القرآن أتى بالحق كما قال تعالى { إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ } .
*أما المغيبات المستقبلة فكثيرة جدا أيضا وردت في الأحاديث مثل :أن الرسول r أخبر الصحابة بفتح مكة وبيت المقدس واليمن والشام والعراق والأمن يظهر حتى ترحل المرأة من الحيرة إلى مكة لا تخاف إلا الله وخيبر تفتح على يد علي في غد يومه ويقسمون كنوز فارس والروم وبنات فارس تخدمهم وفارس ستزول ولا فارس بعدها وأما الروم فذات قرون كلما هلك قرن خلفه قرن آخر والمراد بالروم الفرنج وسائر النصارى وهذه الأمور كلها وقعت في زمن الصحابة كما أخبر r.
النوع الثاني : في الأفعال التي ظهرت منه r على خلاف العادة وقد أحصاها العلماء فزادت على ألف مثل الإسراء والمعراج : قال تعالى { سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا } ولا شك أن الإسراء والمعراج كان في اليقظة بالروح والجسد لأن لفظ العبد يطلق عليهما معا واستبعد الكفار هذا الأمر وأنكروه ولو لم يكن بالجسد وفي اليقظة ما كان سببا للاستبعاد والإنكار لأن مثل هذا في المنامات لا يستبعد ولا ينكر ألا ترى لو أن شخصا ادعى أنه طار في نومه في الشرق وفي الغرب وهو لم يتحول عن مكانه ولم تتبدل حاله الأولى لم ينكر أحد عليه فالإسراء والمعراج الحاصل لمحمد r بالجسد والروح معا وفي اليقظة لا استحالة فيه عقلا ولا نقلا . - عقلا : فلأن الله خالق العالم وهو على كل شيء قدير وحصول الحركة البالغة السرعة في جسد محمد r أمر يسير على الله وغاية ما فيه أنه خلاف العادة وهكذا المعجزات كلها تكون خلاف العادة .
-نقلا : فلأن صعود الجسم إلى السماوات ليس بممتنع عند أهل الكتاب لما يلي :
أ - ورد في سفر التكوين 5 :( وسار أخنوخ مع الله ولم يوجد لأن الله أخذه) فهذا نص على أن النبي أخنوخ ( إدريس r) رفع إلى السماء حيا ودخل بجسده ملكوت السماء .
ب - ورد في سفر الملوك الثاني 2 / 1و11: وكان عند إصعاد الرب إيليا في العاصفة على السماء أن إيليا وأليشع ذهبا من الجلجال وفيما هما يسيران ويتكلمان إذا مركبة من نار وخيل من نار ففصلت بينهما فصعد إيليا في العاصفة إلى السماء) وهذا نص على أن النبي إيليا رفع إلى السماء بجسده حيا وهذان النصان مسلمان عند القسيسين وهم يعتقدون أن المسيح r بعدما مات ودفن في القبر قام حيا وصعد بجسده إلى السماء وجلس عن يمين أبيه فلا مجال لهم أن يعترضوا على معراج محمد r لا عقلا ولا نقلا .
المسلك الثاني : قد اجتمع فيه r من الأخلاق العظيمة والأوصاف الجليلة والكمالات العملية والعلمية والمحاسن الراجعة إلى النفس والبدن والنسب والوطن ما يجزم العقل بأنه لا يجتمع في غير نبي فكل واحد منها وإن كان يوجد في غير النبي أيضا لكن مجموعها مما لا يحصل إلا للأنبياء فاجتماعها في ذاته r من دلائل النبوة وقد أقر المخالفون أيضا بوجود هذه المحاسن والأخلاق العظيمة في ذاته r. المسلك الثالث : شريعته r اشتملت على الاعتقادات والعبادات والمعاملات والسياسات والآداب والحكم بأكمل وجه ومن نظر إلى هذا الكمال والشمول في شريعته r علم يقينا أنها من الوضع الإلهي والوحي السماوي والمبعوث بها نبي مرسل من الله ولا منشأ للاعتراض عليها إلا حب العناد الصرف والاعتساف . المسلك الرابع : ظهر r بين قوم لا كتاب لهم ولا حكمة فيهم فجاءهم بالكتاب المنير والحكمة الباهرة وحثهم على الإيمان والعمل الصالح وقام مع ضعفه وفقره وقلة أعوانه مخالفا لجميع أهل الأرض آحادهم وأوساطهم وسلاطينهم وجبابرتهم فضلل آراءهم وسفه أحلامهم وأبطل مللهم وهدم دولهم وظهر دينه على سائر الأديان في مدة قليلة شرقا وغربا وزاد ظهورهم على مر الأزمان وأعداؤه مع تنوعهم وكثرة عددهم وشدة شوكتهم وشكيمتهم وفرط تعصبهم وحميتهم وبذل غاية جهدهم لم يقدروا على إطفاء نور دينه ولا على طمس آثار مذهبه فهل يكون ذلك إلا بعون إلهي وتأييد سماوي ؟!
*كتب أهل الكتاب نفسها تشهد بصدق محمد r ففي سفر المزامير 1 / 6:(لأن الرب يعلم طريق الأبرار أما طريق الأشرار فتهلك) وفي المزمور 5 / 6 :(تهلك المتكلمين بالكذب رجل الدماء والغش يكرهه الرب) المسلك الخامس : ظهر r في وقت الناس كلهم محتاجين إلى من يهديهم إلى الطريق المستقيم ويدعوهم إلى الدين القويم فالعرب كانوا على عبادة الأوثان والفرس على الاعتقاد بإلهين والهند على عبادة البقر والشجر واليهود على التشبيه والجحود وترويج الأكاذيب المفتريات على الله وعلى أنبيائه والنصارى على التثليث وعبادة القديسين وسائر أنحاء العالم في أودية الضلال فمن حكمة الله أن يرسل في هذا الوقت أحدا يكون رحمة للعالمين ولم يظهر أحد يصلح لهذا الشأن العظيم ويؤسس هذا البنيان القويم غير محمد r فأزال ظلمة الشرك والتثليث والثنوية والتشبيه وإليه أشار الله تعالى { يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } .
المسلك السادس : إخبار الأنبياء المتقدمين عليه عن نبوته r
التنبيه إلى بعض الأمور :
1 - أنبياء بني إسرائيل أخبروا عن الحوادث الآتية كحادثة بخت نصر وقورش وإسكندر وخلفائه وحوادث أرض أدوم ومصر ونينوى وبابل فيبعد كل البعد أن لا يخبر أحد منهم عن خروج محمد r الذي كان وقت ظهوره كأصغر البقول ثم صار شجرة عظيمة تتآوى طيور السماء في أغصانها فكسر الجبابرة والأكاسرة وشاع دينه شيوعا تاما في الأوطان الأصلية لأنبياء بني إسرائيل وبلغ شرقا وغربا في مدة وجيزة وغلب كل الأديان وامتد من ذلك الوقت وإلى الآن هو في توسع فهذه الحادثة أعظم من كل الحوادث التي أخبر عنها أنبياء بني إسرائيل فكيف يجوز العقل السليم أنهم أخبروا عن الحوادث الضعيفة وتركوا الإخبار عن هذه الحادثة العظيمة جدا ؟! 2 - النبي المتقدم إذا أخبر عن النبي المتأخر لا يشترط أن يخبر عنه بالتفصيل التام بل غالبا ما يكون هذا مجملا فيكون خفيا عند العوام أما عند العلماء فيكون جليا بواسطة القرائن وقد يكون خفيا أيضا عند العلماء فإذا ظهر النبي وصدقت نبوته بالمعجزات وعلامات النبوة صار عندهم جليا بلا ريب ولذلك عاتب المسيح r علماء اليهود بقوله المذكور في إنجيل لوقا 11 / 52 : ( ويل لكم أيها الناموسيون لأنكم أخذتم مفتاح المعرفة ما دخلتم أنتم والداخلون منعتموهم) وقد قال علماء الإسلام : ما انفك كتاب منزل من السماء من تضمن ذكر النبي r لكن بإشارات ولو كان منجليا للعوام لما عوتب علماؤهم في كتمانه ثم ازداد غموضا بنقله من لسان إلى لسان . 3 - أهل الكتاب كانوا ينتظرون نبيا آخر غير المسيح ففي إنجيل يوحنا 1 / 19-25 أن علماء اليهود سألوا يحيى r: أأنت المسيح ؟ ولما أنكر سألوه : أأنت إيليا ؟ ولما أنكر سألوه : أأنت النبي ؟ أي النبي المعهود الذي أخبر عنه موسى r فعلم أن النبي محمد r كان منتظرا مثل المسيح وكان مشهورا عندهم بحيث ما كان محتاجا إلى ذكر الاسم بل الإشارة إليه كانت كافية ولذلك قابلوه بالمسيح ففي إنجيل يوحنا 7 / 40-41 : فكثيرون من الجمع لما سمعوا هذا الكلام قالوا هذا بالحقيقة هو النبي آخرون قالوا هذا هو المسيح ) ولما لم يثبت مجيء هذا النبي المعهود قبل المسيح فثبت قطعا أنه يكون بعد المسيح وأنه هو محمد r. وأما قول المسيح r في إنجيل متى 7 / 15: (احترزوا من الأنبياء الكذبة الذين يأتونكم بثياب الحملان ولكنهم من داخل ذئاب خاطفة) فالتمسك بهذا النص لنفي نبوة محمد r باطل قطعا لأن المسيح r لم يأمر بالاحتراز من النبي الصادق ولا أمر بالاحتراز من كل نبي يأتي بعده مطلقا وإنما أمر بالاحتراز من الأنبياء الكذبة فقط وقد ثبت في كتبهم ظهور أنبياء كذبة كثيرين في الطبقة الأولى بعد رفع المسيح r في عهد الحواريين ولذلك قال بعد ذلك القول مباشرة في إنجيل متى 7 / 16 و17 و20: من ثمارهم تعرفونهم هل يجتنون من الشوك عنبا أو من الحسك تينا هكذا كل شجرة جيدة تصنع أثمارا جيدة وأما الشجرة الردية فتصنع أثمارا ردية فإذا من ثمارهم تعرفونهم) ولا شك أن محمد r من الأنبياء الصادقين كما تدل عليه ثماره وثمار دعوته ولا قيمة لطعن المنكرين له لأن اليهود أنكروا نبوة عيسى r وكفروه وليس عندهم رجل أشر منه من ابتداء العالم إلى زمان خروجه وملاحدة أوروبا أنكروا وجود عيسى واستهزءوا به وألفوا في ذلك كتبا كثيرة وانتشرت كتبهم في أنحاء العالم ويزيد أتباعهم كل يوم في ديار أوروبا فكما أن إنكار اليهود وملاحدة أوروبا لعيسى غير مقبول عند النصارى وعندنا فكذلك إنكار أهل التثليث لمحمد r غير مقبول عندنا . 4 - أهل الكتاب سلفا وخلفا عادتهم جارية في تراجمهم بأنهم غالبا يترجمون الأسماء ويوردون بدلها معانيها ويزيدون تارة شيئا بطريق التفسير في متن الكلام الذي هو بزعمهم كلام الله وهذان الأمران بمنزلة الأمور العادية عندهم ومن تأمل في تراجمهم المتداولة بألسنة مختلفة وجد شواهد تلك الأمور كثيرة فلو بدلوا في نصوص البشارات المحمدية اسما من أسماء النبي r أو زادوا شيئا غامضا فلا استبعاد منهم لأن هذا الأمر يصدر عنهم بحسب عادتهم ولا يرجى منهم المحافظة في كتبهم على اسم محمد أو أحمد أو لقب من ألقابه r لأن عادتهم الجبلية التغيير والتبديل في كتبهم تغييرا بحيث يخل بالاستدلال حسب الظاهر لتأييد مسألة مقبولة عندهم أو لدفع الاعتراض الوارد ضدهم وفرقهم لم يقصروا في هذا الأمر في هذا الأمر في مقابلة بعضهم بعضا ولا شك أن اهتمامهم بمثل هذا الأمر في مقابلة المسلمين أشد وأقوى ولذلك نجد أن نصوص البشارات المحمدية التي نقلها القدماء من علماء المسلمين في كتبهم غير موافقة في كثير من الألفاظ للتراجم المشهورة الآن والسبب أنهم نقلوا من كتب أهل الكتاب المشهورة في زمانهم ثم وقع التغيير في الألفاظ بعدهم وقد يكون اختلاف التراجم سببا في ذلك لكن الأول هو الراجح لأننا نرى أن هذه العادة في التغيير جارية في تراجمهم وكتبهم إلى هذا الحين وفيما يلي نقل بعض البشارات المحمدية من كتب أهل الكتاب : البشارة الأولى : ورد في سفر التثنية 18 / 17-22: (17) قال لي الرب قد أحسنوا في ما تكلموا أقيم لهم نبيا من وسط إخوتهم مثلك وأجعل كلامي في فمه فيكلمهم بكل ما أوصيه به (19) ويكون أن الإنسان الذي لا يسمع لكلامي الذي يتكلم به باسمي أنا أطالبه (20) وأما النبي الذي يطغى فيتكلم باسمي كلاما لم أوصه أن يتكلم به أو الذي يتكلم باسمه آلهة أخرى فيموت ذلك النبي (21) وإن قلت في قلبك كيف نعرف الكلام الذي لم يتكلم به الرب (22) فما تكلم به النبي باسم الرب ولم يحدث ولم يصر فهو الكلام الذي لم يتكلم به الرب بل بطغيان تكلم به النبي فلا تخف منه) فالنبي المقصود بهذه البشارة محمد r وليس هو يوشع بن نون كما زعم اليهود ولا هو عيسى r كما زعم النصارى لما يلي :
1 - اليهود المعاصرين لعيسى r كانوا ينتظرون نبيا آخر مبشرا به فالانتظار دليل قطعي أن المبشر به غير يوشع الذي كان معاصرا لموسى r وهو غير عيسى الذي كان حاضرا معهم . 2 - وقع في نص هذه البشارة لفظ ( مثلك) ويوشع وعيسى ليسا مثل موسى r لأنهما من بني إسرائيل وعلى حسب نص فقرة سفر التثنية 34 / 10 لم يقم في بني إسرائيل نبي مثل موسى الذي كلمه الله وأرسله بكتاب مستقل وشريعة جديدة مشتملة على الأوامر والنواهي والحدود وأحكام الحلال والحرام والغسل والطهارات وغيرها بينما كان يوشع وعيسى تابعين لشريعته وكان موسى r رئيسا مطاعا في قومه منفذا للحدود ومسلطا عليهم وليس كذلك عيسى r لأن كتابه الإنجيل خال عن الأحكام والتشريعات ولم يكن مطاعا في قومه بل هو بزعم النصارى قتل مصلوبا بأيدي اليهود بعدما كفروه وأهانوه فلا توجد المماثلة التامة بينه وبين موسى r. 3 - وقع في البشارة لفظ ( من وسط إخوتهم) وفي بعض الروايات ( من بين إخوتهم) ولا شك أن الأسباط الاثني عشر كانوا موجودين في ذلك الوقت مع موسى r فلو كان النبي المبشر به من بني إسرائيل لقال ( منهم) أو (من بينهم) أو (من أنفسهم) أو (من خلفهم) وبما أن يوشع وعيسى يرجع نسبهما إلى يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم r فهما من بني إسرائيل ولا تصدق فيهما هذه البشارة والصواب أن المراد بالإخوة هنا هم بنو إسماعيل بن إبراهيم r فقد ورد في التوراة إطلاق لفظ الإخوة على نسل إسماعيل ونسل إسحاق وورد في حق إسماعيل r في سفر التكوين 16 / 12 : ( وأمام جميع إخوته يسكن ) وفي سفر التكوين 35 / 18 :( أمام جميع إخوته نزل) وبما أن محمد r من نسل إسماعيل إخوة بني إسرائيل فتصدق فيه هذه البشارة صدقا بينا .
4 - البشارة وردت بصيغة الاستقبال لأن لفظ ( سوف أقيم) أو ( أقيم) أو (يقيم) دال على مستقبل الزمان فلا يصدق على يوشع فتى موسى الذي كان حاضرا عنده وملازما له وداخلا في قوم بني إسرائيل . 5 - وقع في البشارة لفظ ( أجعل كلامي في فمه) إشارة إلى أن النبي المبشر به ينزل عليه كتاب ويكون أميا لا يقرأ في السطور المكتوبة إنما ينطق بكلام الله المنزل عليه والمحفوظ في صدره ولا يصدق ذلك على يوشع الذي لم ينزل عليه كتاب أصلا وكان يقرأ التوراة من السطور المكتوبة لا من حفظه . 6 - وقع في البشارة ( الإنسان الذي لا يسمع لكلامي الذي يتكلم به باسمي أنا أطالبه) وفي رواية ( ومن لم يطع كلامه الذي يتكلم به باسمي فأنا أكون المنتقم من ذلك ) ولما كان هذا الانتقام امتيازا لهذا النبي المبشر به عن غيره من الأنبياء فلا يجوز أن يراد بالانتقام من منكر هذا النبي الانتقام الدنيوي بالمحن ولا الانتقام الأخروي في جهنم لأن هذا النوع من الانتقام الدنيوي أو الأخروي لا يختص بإنكار نبي دون نبي بل هو يعم الجميع والصواب أن المراد بالانتقام هنا الانتقام التشريعي بأن يكون هذا النبي المبشر به مأمورا من الله بالانتقام من المنكرين له ومجاهدتهم بالسيف واستحلال دمائهم وأموالهم وسبي ذراريهم وهذا يصدق كل الصدق على محمد r ولا يصدق على عيسى r لأنه لم يكن مأمورا بقتال منكريه وإنجيله خال عن أحكام الحدود والقصاص والتعزير والجهاد
7 - وقع في البشارة في طبعة سنة 1844م ( فأما النبي الذي يجترئ بالكبرياء ويتكلم في اسمي ما لم آمره بأنه يقوله أم باسم آلهة غيري فليقتل) نص صريح في أن النبي الكاذب الذي ينسب إلى الله ما لم يأمره به يقتل وهو موافق لقوله تعالى { وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ }{ لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ }{ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ } فلو لم يكن محمد r نبيا صادقا لقتل ومعلوم أنه عليه r قاتل الأعداء وثبت لهم بنفسه في مواطن كثيرة ولم يستطع أحد قتله وعصمه الله تعالى من أعدائه وعاش حتى التحق بالرفيق الأعلى بوفاة عادية وموت طبيعي تصديقا لقوله تعالى{ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ } وأما عيسى r فيزعم أهل الكتاب أنه قتل مصلوبا فلو كانت هذه البشارة في حقه للزم أن يكون متنبئا كما يزعم اليهود والعياذ بالله . * بما أن محمد r مات موتا طبيعيا ولم يقتل فتصدق فيه هذه البشارة صدقا جليا فلما تنبيه أهل الكتاب إلى ذلك قاموا بتبديل كلمة( فليقتل) الواردة في الطبعات القديمة ووضعوا مكانها كلمة ( فيموت) في طبعة سنة 1865م وما بعددها إصرارا منهم على تكذيب محمد r لأن الموت أعم من القتل والنبي الصادق والكاذب كلاهما يموتان ولكن هذا التحريف لنص البشارة لم ينفعهم في صرفها عن الدلالة على محمد r لما يلي :
8 - الفقرة (22) آخر فقرات البشارة بينت أن علامة النبي الكاذب أن إخباره عن الحوادث الغيبية المستقبلية لا يكون صادقا لأن الله يفضحه ويظهر كذبه وبما أن محمدا r أخبر عن حوادث مستقبلية كثيرة وظهر فيها صدقه فيكون نبيا صادقا حقا مرسلا من الله. 9 - علماء اليهود المعاصرين له سلموا بأن محمدا r هو المبشر به في التوراة وبعضهم أسلم مثل مخيريق وعبد الله بن سلام وكعب الأحبار وبعضهم سلم بنبوته ولم يسلم مثل عبد الله بن صوريا وحيي بن أخطب وأخوه أبو ياسر بن أخطب ولا غرابة في ذلك لأن علماء اليهود المعاصرين لعيسى r سلموا بنبوته ومعجزاته ثم أفتوا بكفره وقتله كما هو مصرح في إنجيل يوحنا 11 / 45-57 و18 / 1-24 .
اعتراض أول : إخوة بني إسرائيل لا ينحصرون في بني إسماعيل فقط لأن بنو عيسو بن إسحاق إخوتهم أيضا .
الجواب : لم يظهر في بنو عيسو بن إسحاق نبي تنطبق عليه الأمور المذكورة في هذه البشارة ولم يرد وعد من الله لإبراهيم في حق عيسو بن إسحاق لكن ورد وعد الله لإبراهيم وهاجر في حق ابنهما إسماعيل ونسله في مواضع كثيرة من التوراة .
اعتراض ثان : ورد في بعض الطبعات في هذه البشارة لفظ ( الرب إلهك يقيم من بينك من بين إخوتك) فلفظ ( من بينك) صريح في أن النبي المبشر به يكون من بني إسرائيل . الجواب : لو سلمنا بذلك لا ينافي مقصودنا لأن قوله ( من بين إخوتك) إما بدل اشتمال وإما بدل إضراب وعلى كلا التقديرين يكون المبدل منه غير مقصود ويكون المقصود الأصلي لفظ ( من بين إخوتك) ثم إن محمدا r لما هاجر إلى المدينة وبها تكامل أمره وكان بها وحولها عدد من قبائل اليهود مثل خيبر وبني النضير وبني قينقاع وبني قريظة فكأنه قام من بينهم وهو في نفس الوقت قام من بين إخوتهم .
* أوجه المماثلة بين موسى ومحمد r فكلاهما (1) عبد الله ورسوله (2) ذو والدين (3) ذو نكاح وأولاد (4) مأمور بالجهاد وبقتل المشركين الوثنيين (5) مأمور بحد الزنا (6) قادر على إجراء الحدود (7) رئيس مطاع في قومه (8) شريعتهما مشتملة على اشتراط طهارة الثوب والبدن للعبادة والغسل للجنب والحائض والنفساء (9) شريعتهما تحرم غير المذبوح وتحرم قرابين الأوثان (10) شريعتهما فيها تعيين القصاص والحدود والتعزيرات (11) تحريم الربا (12) موتهما على الفراش ودفنهما وأمور أخرى تظهر منها المماثلة بالتأمل قال تعالى { إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا } . البشارة الثانية : ورد في سفر التثنية 33 / 1-2 :(وهذه هي البركة التي بارك بها موسى رجل الله بني إسرائيل قبل موته فقال جاء الرب من سيناء وأشرق لهم من سعير وتلألأ من جبل فاران وأتى من ربوات القدس وعن يمينه نار شريعة لهم)( استعلن من جبل فاران ومعه ألوف الأطهار في يمينه سنة من نار) فمجيء الرب من سيناء إعطاؤه التوراة لموسى r وإشراقه من ساعير إعطاؤه الإنجيل لعيسى r لأن ساعير اسم لجبال فلسطين واسم لقرية من قرى الناصرة وأما استعلانه من جبل فاران فهو إنزاله القرآن على محمد r لأن فاران هي مكة والدليل ما ورد في حق إسماعيل r في سفر التكوين 21 : وكان الله مع الغلام فكبر وسكن في البرية وكان ينمو رامي قوس وسكن في برية فاران وأخذت له أمه زوجة من أرض مصر ) وفي التوراة السامرية المطبوعة سنة 1851م تحديد فاران أنها في الحجاز وعبارتها (سكن برية فاران بالحجاز ) ولا شك إن إسماعيل r كان مسكنه مكة ولم يظهر فيها نبي بعده غير حفيده محمد r فظهر أن المقصود باستعلان الله من جبل فاران هو نزول الوحي على محمد r في مكة لأنه لا يقال جاء الله من ذلك الموضع إلا إذا نزل فيه وحي وبما أن الوحي نزل بالتوراة في سيناء ونزل الوحي بالإنجيل في ساعير ( فلسطين ) لا بد أن يكون المقصود نزول الوحي بالقرآن في مكة وأول شيء نزل من القرآن كان في غار حراء في أعلى جبال فاران وعبارة طبعة سنة 1844م : (ومعه ألوف الأطهار) وعبارة بعض النسخ القديمة ( ومعه ألوف الصالحين ومعه كتاب ناري) صريحة في الدلالة على الصحابة الذين نصروا محمدا r وعز الدين بمتابعتهم له وجهادهم معه *أهل الكتاب عمدوا إلى حذف عبارة (ومعه ألوف الأطهار)وعبارة ( ومعه كتاب ناري) من الطبعات الحديثة فالبشارة تدل دلالة صريحة على الأنبياء الثلاثة موسى وعيسى ومحمد r وتدل على الكتب الثلاثة المنزلة عليهم في المواضع الثلاثة وهي موافقة لقوله تعالى { وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ }{ وَطُورِ سِينِينَ }{ وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ } حيث أشار لمواضع بعثة الأنبياء الثلاثة لأن فلسطين يكثر فيها التين والزيتون لكن لما كان المقصود في القرآن التعظيم تدرج من الأدنى إلى الأعلى فرسالة موسى r أعظم من رسالة عيسى r ورسالة محمد r أعظم من رسالتيهما ومكة أقدس من فلسطين وسيناء ولما كان المقصود في التوراة الخبر التاريخي فقط ذكرت المواضع الثلاثة مرتبة على حسب زمان بعثة الأنبياء الثلاثة فشبه بعثة موسى بمجيء الفجر وبعثة عيسى بشروق الشمس وبعثة محمد r بالظهور والاستعلان في كبد السماء الذي هو أوضح من سابقيه وبه يتم النور على الخلائق ويكتمل في الأرض ماحيا من ظلمات الشرك كالإسلام والقرآن اللذين جاء بهما محمد r. البشارة الثالثة : ورد في سفر التكوين 17 / 20: ( وأما إسماعيل فقد سمعت لك فيه ها أنا أباركه وأثمره وأكثره كثيرا جدا اثني عشر رئيسا يلد وأجعله أمة كبيرة).
*ذكر القرطبي في كتابه الإعلام بما في دين النصارى من الفساد والأوهام أنه يخرج من النص العبري للبشارة اسم محمد r في موضعين بحساب الجمل الذي يستعمله اليهود فيما بينهم لأن قوله في الترجمة العربية( وأكثره كثيرا جدا) وفي بعض الطبعات ( جدا جدا) يقابله في اللغة العبرية (بماماد) وقوله (لشعب كبير) يقابله ( لجوي جدول) يبلغ مجموع حروف الكلمات العبرية بحساب الجمل مجموع حروف كلمة محمد اثنان وتسعون وصورتهما بالحساب المذكور:
محمد 40 + 8 + 40 + 4 = 92
بمادماد 2 + 40 + 1 + 4 + 40 + 1 + 4 + = 92
لجوي جدول30 + 3 + 6 + 10 + 3 + 4 + 6 + 30 = 92
*لما أسلم عبد السلام الدفتري في القرن 10 هـ صنف رسالة سماها الرسالة الهادية ذكر فيها أن أكثر أدلة أحبار اليهود بحرف الجمل الكبير الذي هو حرف أبجد ورد فيها على اليهود الذين نفوا أن تكون كلمة بماماد رمزا لاسم محمد r على ما تعارف عليه أحبارهم وأخفوه فيما بينهم وضرب مثالا لكيفية استعمالهم هذا الحساب. البشارة الرابعة: *في سياق الحديث من عبادة بني إسرائيل الأوثان ورد في سفر التثنية 32 :( هم أغاروني بما ليس إلها أغاظوني بأباطيلهم فأنا أغيرهم بما ليس شعبا بأمة غبية أغيظهم)فالمراد بالشعب العرب قال تعالى { لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ } *البشارات في كتب أهل الكتاب كثيرة بعضها بشارة بمحمد r وبعضها فيها إشارة لأمته أو للوحي المنزل عليه أو لجهاده أو للتسبيح والأذان أو لمكة أو لاتساع رقعة الإسلام وبعض البشارات أوردها المسيح r بأمثال مضروبة كما نقلتها الأناجيل. الخاتمة: أحمد الله الذي أعانني على إتمام هذا المختصر وأسأله سبحانه أن يجعله عند حسن ظن الإخوة كما أسأله أن يجعله نافعا للباحث عن الحق.






و كتبه أبو جهاد سمير الجزائري
بمدينة بلعباس من الغرب الجزائري في :19 ذو الحجة 1429
17 ديسمبر 2009