المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : سلسلة : التجريد والتحقيق للفوائد اللغوية من تفسير الزمخشري ( 1 )


أبوقتادة وليد بن حسني الأموي
16th December 2008, 06:14 AM
سورة الفاتحة

بسم الله الرحمن الرحيم ( * )

( بسم )

( الباء )

قال الزمخشري - عفا الله عنه - : " فإن قلت: بم تعلقت الباء؟ قلت: بمحذوف تقديره ( 1 )
: بسم الله اقرأ أو أتلو؛ لأنّ الذي يتلو التسمية مقروء، كما أنّ المسافر إذا حلّ أو ارتحل فقال: بسم الله والبركات، كان المعنى: بسم الله أحل وبسم الله أرتحل؛ وكذلك الذابح وكل فاعل يبدأ في فعله؛ بـــ «بسم الله» كان مضمراً ما جعل التسمية مبدأ له. ونظيره في حذف متعلق الجارّ قوله عزّ وجلّ:
{ في تسع آيات إلى فرعون وقومه } ( 2 )
[النمل: 12]، أي اذهب في تسع آيات. وكذلك قول العرب في الدعاء للمعرس: بالرفاء والبنين، وقول الأعرابي: باليمن والبركة، بمعنى أعرست، أو نكحت. ومنه قوله:
فقُلْتُ إلى الطَّعام فقَالَ مِنْهُم فَرِيقٌ نحْسُدُ الإِنْسَ الطَّعَامَا
فإن قلت: لم قدّرت المحذوف متأخراً؟ قلت: لأنّ الأهم من الفعل والمتعلق به هو المتعلق به؛ لأنهم كانوا يبدءون بأسماء آلهتهم فيقولون: باسم اللات، باسم العزى، فوجب أن يقصد الموحد معنى اختصاص اسم الله عزّ وجلّ بالابتداء، وذلك بتقديمه وتأخير الفعل كما فعل في قوله: { إِيَّاكَ نَعْبُدُ } ، حيث صرح بتقديم الاسم إرادة للاختصاص ( 3 ). والدليل عليه قوله:
{ بِسْمِ ٱللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا }
[هود: 41]. فإن قلت: فقد قال:
{ ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبّكَ }
[العلق: 1]، فقدّم الفعل. قلت: هناك تقديم الفعل أوقع لأنها أوّل سورة نزلت فكان الأمر بالقراءة أهم. فإن قلت: ما معنى تعلق اسم الله بالقراءة؟ قلت: فيه وجهان: أحدهما أن يتعلق بها تعلق القلم بالكتبة في قولك: كتبت بالقلم، على معنى أنّ المؤمن لما اعتقد أنّ فعله لا يجيء معتداً به في الشرع، واقعاً على السنة حتى يصدر بذكر اسم الله لقوله عليه الصلاة والسلام:

(1) " كل أمر ذي بال لم يبدأ فيه باسم الله فهو أبتر " إلا كان فعلا كلا فعل، جعل فعله مفعولاً باسم الله كما يفعل الكتب بالقلم. والثاني أن يتعلق بها تعلق الدهن بالإنبات في قوله:
{ تَنبُتُ بِٱلدُّهْنِ }
[المؤمنون: 20] على معنى: متبرّكاً بسم الله أقرأ، وكذلك قول الداعي للمعرس: بالرفاء والبنين، معناه أعرست ملتبساً بالرفاء والبنين، وهذا الوجه أعرب وأحسن؛ فإن قلت: فكيف قال الله تبارك وتعالى متبركاً باسم الله أقرأ؟ قلت: هذا مقول على ألسنة العباد ( 4 )، كما يقولُ الرجل الشعر على لسان غيره، وكذلك: { ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } إلى آخره، وكثير من القرآن على هذا المنهاج، ومعناه تعليم عباده كيف يتبركون باسمه، وكيف يحمدونه ويمجدونه ويعظمونه.
فإن قلت: من حق حروف المعاني التي جاءت على حرف واحد أن تبنى على الفتحة التي هي أخت السكون، نحو كاف التشبيه ولام الابتداء ( 5 ) وواو العطف وفائه وغير ذلك، فما بال لام الإضافة وبائها بنيتا على الكسر؟ قلت: أما اللام فللفصل بينها وبين لام الابتداء، وأما الباء فلكونها لازمة للحرفية والجر ( 6 ).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
( * ) : للزجاجي في البسملة رسالة موسعة سنخرجها في موضوع مفرد تحقيقاً ونقدا ً .
( 1 ) : أي تقدير الكلام لا تقدير المحذوف .
( 2 ) : والراجح أن الجار متعلق بفعل محذوف تقديره تخرج يبينه ما قبله كما في الآية " أدخل يدك في جيبك تخرج بيضاء ...في تسع آيات " .
( 3 ) : وهذا مذهب لم ير مثاله حسناً .
( 4 ) : وهذا باطل في تلبيس يمذهب المعنزلة الباطل في القرآن فليتنيه له فهو مما أخرجناه من الكشاف بالمناقيش ولم نسبق إليه فيما نعلم ولولا أن الكلام موصلاً لما ذكرماه .
( 5 ) : مثل قولك " لمحمد أحب إلي من نفسي " .
( 6 ) : أما الحرفية فليست بمعلل وإنما سيقت تباعاً لا استدلالاً فيما نظن أما لزومها الجر فتعليل جيد وهي به أقرب إلي الكسر منها إلي الفتح لمشابهتها معمولها !!!