المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : اهمية التوحيد ودراسة مسائله للريس


ابو اسامة سمير الجزائري
15th December 2008, 10:34 AM
لفضيلة الشيخ عبد العزيز بن ريس الريس حفظه الله تعالى

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أما بعد
ففي مدينة المخوات وفي يوم الجمعة من أوائل شهر ذي القعدة من عام خمس وعشرين وأربع مئة وألف من هجرة النبي r أجتمع وإياكم في محاضرة بعنوان أهمية التوحيد ودراسة مسائله
خرج الشيخان من حديث معاوية رضي الله عنه أنه قال كنت رديف النبي r على حمار فقال لي النبي r:"أتدري يا معاذ ما حق الله على العباد وما حق العباد على الله" قال معاذ:"الله ورسوله أعلم"قال :"حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئا" فمن جاء بالتوحيد فحقه على الله أن لا يعذبه الله سبحانه وتعالى
والتوحيد يا إخواني أقسامه ثلاثة بدلالة السبر والتقسيم المعروف عند أهل العلم كما أشار لهذا أبو نعيم وابن جرير الطبري والإمام ابن تيمية وابن القيم وابن رجب وغير واحد من المحققين
الأول: توحيد الربوبية
وهو إفراد الله سبحانه وتعالى بأفعاله
الثاني: توحيد الإلهية
وهو إفراد الله سبحانه وتعالى بالعبادة
الثالث: توحيد الأسماء والصفات
وهو إفراد الله سبحانه وتعالى بأسمائه وصفاته على وجه لا يكون فيه تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل
وكان كفار قريش مقرين بتوحيد الربوبية ولم يكفهم هذا بل قاتلهم النبي r كما قال تعالى{ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله} فمن أقر بتوحيد الربوبية وبأن الله هو الخالق الرازق المدبر المحيي المميت فلا يكفيه في دخول الجنان لأن أبا لهب وأبا جهل وكفار قريش كانوا مقرين بهذا التوحيد ولم يكفهم في دخول الإسلام بل قاتلهم رسول الله r والذي كانت كفار قريش مشركين فيه ألا وهو توحيد العبادة كما قال تعالى{أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب}
إذا عرفت هذا وتبين لك اتضح لك أن معنى كلمة التوحيد لا إله إلا الله راجع إلى توحيد الإلهية فإنه لو كان راجعا إلى توحيد الربوبية لأقر به كفار قريش فلما لم يقروا به دل على أنه راجع إلى توحيد الألوهية ومعناها الذي ذكره الإمام المجدد المحقق محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى أي لا معبود حق إلا الله سبحانه وتعالى
إذا اتضح هذا وتبين فإن للتوحيد أهمية عظيمة أذكر شيئا من أهمية التوحيد
الأمر الأول:
أن الله سبحانه وتعالى ما أرسل الرسل ولم يخلق الخلق إلا للقيام بتوحيده كما قال تعالى{ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت} وكل نبي يأتي إلى قومه قائلا يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره كما قال تعالى{ وما خلقت الإنس والجن إلا ليعبدون} وأنبه هنا إلى أمور ثلاثة:
التنبيه الأول: معنى العبادة
العبادة هي فعل ما يحب الله فعله وهي أيضا ترك ما يحب الله تركه فكل الواجبات والمستحبات فعلا هي من العبادة وكل المحرمات والمكروهات تركا هي من العبادة واختصر ذلك الإمام ابن تيمية رحمه الله تعالى في رسالة العبودية وقال:"العبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة" إذا تقرر هذا تبين لك أن ما يفعله بعضهم من الذبح والنذر لغير الله هو شرك في عبادة الله والعبادة خاصة بالله لا يجوز صرفها لغيره والأدلة على ذلك كثيرة منها قوله تعالى {قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين} إذن لا يجوز صرف العبادة لغير الله تعالى
والذي دعاني لذكر هذا الأمر أن هناك أناس كثيرين من المنتسبين للإسلام تراهم يذبحون لغير الله وينذرون لغير الله فإذا أنكر عليهم وقيل لهم: هذا حرام لا يجوز وصرف العبادة لغير الله شرك تحججوا بأن فعالهم هذه ليست عبادة فهي ليست من صرف العبادة لغير الله سبحانه وتعالى والواقع الذي ما له من دافع بدلالة كتاب الله وسنة رسوله r أن هذه الأمور عبادة يتعبد بها لله سبحانه وتعالى كما تقدم بيانه فصرفها لغيره شرك أكبر محبط للعمل في الدنيا أما في الآخرة فلا يغفر لصاحبه
التنبيه الثاني:
شاع عند كثيرين وهو مروي عن عبد الله بن عباس أن معنى قوله {إلا ليعبدون} أي إلا ليوحدون وهذا في استعمال السلف من ذكر المثال الأهم مما يراد تعريفه وتمثيله فإن أهم العبادة التوحيد لذلك ذكر ابن عباس فيما روي عنه أن معنى {ليعبدون} أي ليوحدون وتعريفها الشامل وبيان معنى الآية الشامل أن معنى {إلا ليعبدون} أي إلا لآمرهم وأنهاهم وأعظم ما آمرهم به التوحيد وأعظم ما أنهاه عنهم الشرك كما روي هذا عن ...وكذلك روي عن علي واختاره أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى
التنبيه الثالث: قوله {إلا ليعبدون}
ذهب طائفة من المبتدعة وهم الجبرية ومنهم الأشاعرة أن معنى قوله {إلا ليعبدون} أن اللام هنا موجبة بمعنى أن من ترك عبادة الله فهو ملزم على ترك هذه العبادة ومن عبد الله فهو ملزم ومجبر على عبادة الله والصحيح الذي عليه أهل السنة ودلت عليه دلائل الكتاب والسنة أن قوله {إلا ليعبدون} أن اللام هنا للتعليل وللغاية لا موجبة فخلقهم لعلة عبادته سبحانه وتعالى فمنهم من هدى الله وعبده ومنهم من لم يهده الله وضل عن عبادته
الأمر الثاني:
من قام بالتوحيد وأتى به فهو من أهل الجنان كما خرج الشيخان من حديث عبادة بن الصامت أنه قال r:"من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروحا منه والجنة حق والنار حق أدخله الله الجنة على ما كان من العمل" وفي رواية أخرى في الصحيحين قال r:"أدخله من أبواب الجنة الثمانية يدخل أيها شاء" إذن من جاء بالتوحيد فإنه موعود بجنة عرضها كعرض السماوات والأرض فما بالكم بطولها
الأمر الثالث:
من أهمية التوحيد أن من أتى بالتوحيد فإن الله يحرم النار عليه نسأل الله أن يجنبنا النار فقد خرج الشيخان من حديث عتبان بن مالك أنه r قال:" فإن الله حرم النار على من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله" فمن جاء بالتوحيد فالنار حرام عليه وأنبه إلى أمرين:
التنبيه الأول: قد يتوارد إلى الذهن كيف الجمع بين تحريم النار على أهل التوحيد وبين دخول أهل التوحيد النار ثم يخرجون بالشفاعة قد جمع بينها أهل العلم وبينوا أن الموحد لو دخل النار فإنه يخرج من النار كما خرج الشيخان من حديث أنس أنه r قال:" قال الله عز وجل : وعزتي وجلالي وعظمتي وكبريائي لأخرجن منها-أي من النار- من قال لا إله إلا الله" إذن كيف الجمع بين هاته الأحاديث قد ذكر هذه المسألة الإمام ابن خزيمة في كتابه كتاب التوحيد وذكرها شراح الأحاديث كالحافظ ابن حجر وغيره مكان مما ذكروا وخلاصة ما قرروا ما يلي أن تحريم النار على الموحد
* إما أن ترجع إلى الزمن أي تحريم دخولها مع أول الداخلين
* أو إلى دركة معينة أي أنه يحرم على الموحد أن يكون في دركة سافلة من دركات النار
* أو أن تحريمها يرجع إلى أن الموحد حتى ولو دخل النار فإنه لا يكون خالدا مخلدا فيها أبد الآبدين
إذن التحريم في النصوص المحرمة للنار على أهل التوحيد ترجع إلى أحد هذه الأمور الثلاثة والنصوص التي تدل على أن الموحد يدخل الجنة ترجع إلى نوع قيامه بالتوحيد فغن كان قيامه كاملا فإنه يدخل الجنة مع أول الداخلين كما سيأتي بيانه أما إذا كان ناقصا فإنها ترجع إلى أن مصير الموحد أن يدخل الجنة
التنبيه الثاني: إذا سمع بعضهم هذه الأحاديث الدالة على أن النطق بكلمة التوحيد كاف في دخول الجنان يظن أن مجرد لفظها كاف وهذا خطأ ومخالف لدلالة الشرع فقد قيل لوهب بن منبه :"أليست لا إله إلا الله مفتاح الجنة" قال:"بلى ولكن لكل مفتاح أسنان" وقيل للحسن البصري:"أليس من قال لا إله إلا الله دخل الجنة" قال:"بلى ولكنها مقيدة بالقيود الثقال" وذكر الإمام محمد بن عبد الوهاب في مسائل كتاب التوحيد إلى أن ظن دخول الجنة بمجرد قول لا إله إلا الله هو ظن وخطأ عند المغرورين وذلك أن النبي r بين أن هناك قيود قيدت بها كلمة التوحيد حتى ينجو بها العبد
في حديث عتبان :" فإن الله حرم النار على من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله" فذكر في هذا الحديث شرط الإخلاص
وفي حديث عثمان في الصحيح قال:"من مات وهو يعلم أن لا إله إلا الله دخل الجنة" قيد كلمة التوحيد بالعلم وفي حديث معاذ في الصحيحين قال:"يصدق لسانه قلبه وقلبه لسانه" ذكر شرط التصديق
وفي حديث أبي هريرة في صحيح مسلم قال:"مستيقن بها قلبه" فذكر شرط اليقين
فإذن هي مقيدة بالقيود الثقال ومما ذكر ربنا أن المنافقين يشهدون أن لا إله إلا الله ولا تنفعهم فلو كان النطق بها كافيا لانتفع بها المنافقون قال تعالى{إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون}
الأمر الرابع:
من أهمية التوحيد أن هناك قوما محققين للتوحيد ومن شدة تحقيقهم للتوحيد أنهم يدخلون الجنة من غير حساب ولا عذاب أسأل الله بمنه وفضله أن يجعلني وإياكم ووالدينا من هؤلاء خرج الشيخان من حديث ابن عباس أنه r لما ذكر السبعين ألفا الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب ووصفهم قال:"هم الذين لا يسترقون ولا يتطيرون ولا يكتوون وعلى ربهم يتوكلون" هؤلاء لما حققوا التوحيد في هذه الدرجة تفضل عليهم ربنا بدخول الجنة من غير حساب ولا عذاب هذا دليل أكيد وبرهان شديد على أن للتوحيد أهمية وفضلا عظيما في شريعة محمد r وهنا أنبه إلى أمور ثلاثة:
التنبيه الأول: كون هؤلاء يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب لا يدل على أنهم أفضل الأمة على الإطلاق بل هم أفضل من هذه الجهة من جهة الأسبقية للدخول فقد يأتي أناس متأخرون فيدخلون الجنة فتكون منزلتهم أرفع كما بين ذلك الإمام ابن تيمية في مجموع الفتاوى وتلميذه ابن القيم في كتابه حادي الأرواح
التنبيه الثاني: جاء في بعض الروايات من حديث ابن عباس وهي مخرجة في صحيح مسلم أنه r قال:" هم الذين لا يرقون ولا يسترقون" فذكر صفة الرقية فهذا الحديث بهذه الرواية يقتضي أن ترك الرقية أفضل من الرقية وقد بين العلماء المحققون كالإمام ابن تيمية كما في كتابه قاعدة التوسل والوسيلة وكما نقله عنه تلميذه في كتابه حادي الأرواح وكما نقله عنه الحافظ ابن حجر في كتابه فتح الباري أن لفظة "يرقون" لفظة شاذة لا تصح عن النبي r وهذا الذي نصره الإمام المحدث الكبير محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله تعالى والدليل على أن لفظة "لا يرقون" شاذة أن رسول الله r وهو إمام الموحدين كان يرقي نفسه كما خرج الشيخان من حديث عائشة كلما أراد أن ينام وآوى إلى فراشه r فكيف الشريعة تحث على عمل ورسول الله r لا يقوم به بأمي وأمي r وأيضا مما يزيد بيان شذوذ ونكارة لفظة " لا يرقون" هو أن الحديث مخرج في البخاري من حديث عمران بن حصين بدون لفظة "لا يرقون" وإنما اقتصر على لفظة "لا يسترقون"
وأيضا مما يدل على شذوذها أن هذا الحديث خرج في صحيح مسلم من طريق سعيد بن منصور عن هشيم بن بشير عن حصين بن عبد الرحمن عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنه وقد روى هذا الحديث عن حصين بن عبد الرحمن غير واحد بدون زيادة " لا يسترقون" وإنما اكتفوا بلفظة "لا يرقون" بل إن تلاميذ سعيد بن منصور بغير لفظة لا "يسترقون" وإنما رواها بعضهم عن سعيد بن منصور هذا يدل دلالة واضحة على أن هذه اللفظة شاذة لا تصح عن رسول الله r
التنبيه الثالث: خرج الشيخان من حديث عائشة أن النبي أمر أن يسترقى من العين فأشكل على بعضهم هذا الحديث وقالوا فيه طلب الرقية والسبعون ألفا من مزاياهم وصفاتهم أنهم لا يطلبون الرقية فيقال أمر النبي بالاسترقاء ليست السين والتاء هنا للطلب وإنما هي هنا للتكثير كما يقول القائل استغفر الله أي أكثر الاستغفار أي أن رسول الله r أمر بالاسترقاء من العين أي أمر بالإكثار من الرقية من العين وهذا لأجل الجمع بين الأدلة
الأمر الخامس: م
من أهمية التوحيد أن القائمين بالتوحيد موعودون بالتمكين في الأرض وبالقوة وبالغلبة على كل عدو والله سبحانه وتعالى إذا وعد لا يخلف وعده كما قال تعالى في سورة الروم وعد الله لا يخلف الله وعده ولكن أكثر الناس لا يعلمون قال تعالى{وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا} فإذن لو قام المسلمون بالتوحيد لمكنهم رب العالمين سبحانه وتعالى وهنا أنبه إلى أمرين:
التنبيه الأول: الأمر الأول ينادي كثيرون بقيام دولة الإسلام وباسترجاع أراضي المسلمين إلخ... وقيام دولة الإسلام موجود في هذه الدولة المباركة وفي بعض الدول الأخرى إلا أنهم يناشدون المزيد وهذا محمود غير مذموم وإنما المذموم أنهم جعلوا إقامة دولة الإسلام غاية وأمرا مقصودا لذاته وأنت إذا رأيت في دلائل الشرع وجدت أن إقامة دولة الإسلام مطلوب شرعا إلا أنه ليس مطلوب لذاته وليس مقصودا لذاته وإنما لغيره وهو توحيد الله سبحانه وتعالى لذا رسول الله r لما كان في مكة لم يناسب قيام دولة وإنما كان يناشد الأمر الأعظم والمقصود الأجل ألا وهو توحيد الله سبحانه وتعالى
التنبيه الثاني: يتساءل كثيرون لماذا الأعداء الكافرون متغلبون على المسلمين لماذا المسلمون ضعفاء العدو الكافر متقدم في الاقتصاد وفي الأمور العسكرية والأمور الصناعية إلى آخره فيناشد ويقول لماذا المسلمون ضعفاء وهذا مصاب عظيم وكتاب الله فيه كبل شفاء يريده الله سبحانه وتعالى من عباده فقد خرج الشيخان من حديث أبي هريرة أنه r قال:" ما أنزل الله داءا إلا وأنزل له دواء" علمه من علمه وجهله من جهله وأنت إذا قلبت آيات كتاب الله وجدت الكتاب منصوصا في كتاب الله يقول تعالى {أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنا هذا قل هو من عند أنفسكم إن الله على كل شيء قدير }{ ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس} والآيات كثيرة دالة على هذا وتقدم وعد الله للموحدين التمكين في الأرض إذا قاموا بالتوحيد إذن بلاؤنا ومصابنا من عند أنفسنا وهو عدم القيام بدين الله وفي مقدم ذلك التوحيد
فانظر في شرق وغرب العالم الإسلامي تجد أن أكثر العالم الإسلامي قد غيبت عليه ظلمات الشرك إلا من رحم الله ... قد ضربت شرقا وغربا إلا من رحم الله فلا إله إلا الله كيف نريد نصرا وتمكينا وقوة على العدو ونحن لم نقم دولة الله لم نقم دين الله في نفوسنا فإذا كنا صادقين وللعز والتمكين راغبين فلنبدأ بأنفسنا وبأهلينا وبمن حولنا فنرجعهم إلى دين الله وفي مقدمهم إرجاعهم إلى القيام بتوحيد الله سبحانه وتعالى أما ونحن على هذه الحال فنصر الله عن أمثالنا بعيد إلا أن يعاملنا بفضله وأساله سبحانه وتعالى أن يمن علينا بفضله
$ أخطأت طائفة وظنت أن ضعف المسلمين راجع إلى قوة العدو فصار ديدنهم وشغلهم ليل نهار تتبع أخبار الكافرين بتتبع القنوات والإذاعات ودراسة السياسات وما يسمونه بفقه الواقع وأنت إذا تأملت ونظرت تجد أن الله ذكر لنا في كتابه أننا إذا تمسكنا بديننا والله لا يستطيعنا العدو قال تعالى {وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا} ثم هذا المسمى بفقه الواقع فقه السياسات وتتبع الصحف والقنوات هو في الغالب لا يخرج عن أمرين:
الأمر الأول: تحليلات عقلية والتحليلات العقلية لا تخرج عن كونها ظنا والنبي r حذرنا من الظن r كما خرج الشيخان من حديث أبي هريرة أنه r قال:" إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث"
الأمر الثاني: أن يكون بنقل أناس غير موثوقين ما بين كافرين أو مسلمين فاسقين لا يعول على خبرهم والله تعالى يقول {يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا} فتثبتوا فإذن نحن مطالبون بالتثبت من خبر الفاسق
فلا إله إلا الله كيف استطاع الشيطان أن ... كثيرين فجعل ديدنهم يتتبع الصحف والمجلات والقنوات والإذاعات بل صار كثير من الدعاة منشغلين بقضايا الأمور السياسية وأشغلوا الناس بها وأقل ما فيها أنها إشغال عن الأهم وهو تعلم ودراسة التوحيد ودين الله من الفقهيات وغيرها
وأيضا لو لم يكن فيها إلا أنها من العلم الذي لا ينفع فقد خرج البخاري من حديث زيد بن أرقم أنه r قال:"اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع" فالله الله أن يبادر الناصح لنفسه في ترك هذه الأمور والاشتغال بالأهم والمهم وهو دين الله سبحانه وتعالى
$ وأخطأت طائفة أخرى فظنت أن ضعف المسلمين راجع إلى تغلب الحكام الظلمة في أكثر بلدان المسلمين فقالوا لا يمكن أن يغلب المسلمون الكفار إلا إذا ذهب هؤلاء الحكام الظلمة وهذا خطأ يكذبه كتاب الله قال تعالى {وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون} لم يجعل الله حاكما ظالما إلا على شعب ظالمين
ومما يذكر أن الحجاج قام بين أهل العراق فقال:"يا أهل العراق إنني عقوبة لكم على ذنوبكم قد سلطني الله عز وجل عليكم" وصدق فإن الله لا يسلط حاكما ظالما إلا على شعب ظالمين فإذن الاشتغال بالحكام بسبهم وشتمهم وتنفير الناس منهم أولا مخالف للنصوص الشرعية فقد خرج الشيخان من حديث ابن مسعود أنه r قال:"إنكم ستلقون بعدي أثرة"أي استئثار على الدنيا"وأمورا تنكرونها" المعاصي والذنوب من الحكام "قالوا: "فماذا تأمرنا يا رسول الله؟"قال:"تؤدون الحق الذي عليكم وتسالون الله الذي لكم" وفي حديث أسيد في الصحيحين :"فاصبروا حتى تلقوني على الحوض" وكأن هذا الحديث جواب على سؤال يتسائله بعضهم إلى متى نصبر؟ فيقال قال r: "فاصبروا حتى تلقوني على الحوض" وخرج مسلم من حديث حذيفة أنه r قال:"اسمع وأطع للأمير وإن جلد ظهرك وأخذ مالك" وخرج الشيخان من حديث ابن عباس أنه r قال:"من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية" وخرج مسلم من حديث ابن عمر أنه r قال:"من نزع يدا من طاعة لقي الله عز وجل يوم القيامة لا حجة له" وخرج مسلم من حديث عوف بن مالك أنه r قال:"من رأى من أميره شيئا يكرهه فليكره ما يأت من معصية الله ولا ينزع يده من طاعة" وخرج الشيخان من حديث ابن عمر أنه r قال:"على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره إلا أن يؤمر بمعصية الله فإن أمر بمعصية الله فلا سمع ولا طاعة" فأهل السنة يؤمنون بكل ما جاء من عند الله
وعجبي الذي لا يكاد ينقضي أنك ترى أناسا حريصين على السنن وعلى الطاعات فإذا تليت عليهم هذه الأحاديث الثابتات أعرضوا عنها صفحا ولم يلتفتوا إليها وهذا خطا ونقص كبير في الدين وقد يكون سببا لزيغ القلوب قال الإمام احمد:"عجبت لقوم يعرفون الإسناد وصحته ويذهبون إلى رأي سفيان والله تعالى يقول{فيحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم} قال أتدري ما الفتنة؟ الفتنة الشرك لعله إذا رد بعض قوله أن يزيغ قلبه" إذن كيف نرد أحاديث النبي r فالذين ظنوا أن ضعف المسلمين راجع للحكام فصاروا يهيجون ويطعنون في الحكام أولا مخالفون لكلام وحديث رسول الله
ثانيا مخالفون ومغالطون لتحقيق السبب الرئيسي لضعف المسلمين ألا وهو ذنوبهم لذا قال تعالى{وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون}
$ وأخطأت طائفة ثالثة وظنت أن ضعف المسلمين راجع إلى تفرقهم وإلى قلتهم وكل هذا خطأ مخالف لكتاب الله فإن الاجتماع والكثرة إن لم تكن على الدين وعلى الحق لم تنفع لذا قال تعالى {واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا} لابد من اجتماع واعتصام على حق على حبل الله أما اجتماع على غير الحق فلا يجوز في شرع الله والله عز وجل ذكر صحابة رسول الله r في يوم حنين فقال{ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغني عنكم شيئا} كانوا كثيرين لكن لما وقعوا في داء العجب بددت جموعهم وفرقت صفوفهم وهزموا فالذنوب تشتت وتضعف المسلمين فإذا كنا حقا صادقين فلنرجع للاجتماع على الحق لذا ما يدعوا إليه بعضهم من اجتماع الكلمة هكذا إطلاقا ومن قولهم وحدة الصف لا وحدة الرأي إلخ ... من دعوة إلى اجتماع ولو على غير الحق ولو مع أهل البدع هذه دعوة مذمومة تخالف دعوة الله ودعوة رسوله r بل ربنا ذم اليهود بأنهم كانوا مجتمعين اجتماعا أبدانيا كانوا مجتمعين اجتماعا بالأبدان مع اختلاف العقائد كما قال سبحانه وتعالى {تحسبهم جميعا وقولبهم شتى} فالدعوة إلى الاجتماع مع أهل البدع تخالف دين محمد r فكيف نستجلب النص بمعصية الله والله تعالى يقول فيمن يجالسون المخالفين ومنهم أهل البدع {إنكم إذن مثلهم} قد استدل بهذه الآية البغوي على حرمة مجالسة أهل البدع
الأمر السادس:
من أهمية التوحيد أن التوحيد يغفر الذنوب كلها فقد خرج مسلم من حديث أبي ذر أن النبي r قال:" قال الله تعالى في الحديث القدسي :يا ابن آدم لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ولم تشرك بي شيئا لجعلت لك مثلها مغفرة"
الأمر السابع:
من أهمية التوحيد أن حسنة التوحيد ترجح بجميع السيئات ولو وزنت كلمة التوحيد لا إله إلا الله في كفة والسماوات السبع والأرضون السبع في كفة لرجحت بهن كلمة التوحيد كما خرج الإمام أحمد من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أنه r قال:"أن نوحا لما حضرته الوفاة قال لابنه يا بني يا بني لو أن لا إله إلا الله وضعت في كفة والسماوات السبع والأرضون السبع وضعت في كفة لرجحت بهن لا إله إلا الله ولو أن السماوات السبع والأرضين السبع كن حلقة مبهمة لقصمتهن لا إله إلا الله"
وبعد ذكر شيء من أهمية التوحيد أنتقل إلى دراسة وتحقيق دراسة التوحيد فإن ما يعجب له غاية العجب أنك ترى أقواما مجتهدين في دراسة أصول الفقه وفي تنقيح مسائله ودقائقه وهذا يحمدون عليه فإنه عمل صالح لكن إذا أتيت إلى التوحيد رأيت دراستهم للتوحيد دراسة مجملة أو ترى قوما مجتهدين في دراسة مصطلح الحديث وفي دراسة الحديث وفي دراسة الفقه وعن التوحيد في دراسته مقصرون وهذا خطأ كبير فإن اوجب ما يجب على طلاب العلم السلفيين من أبناء التوحيد أن يعتنوا بدراسة التوحيد وأن يحققوا مسائل التوحيد لأن الخطأ فيه شديد ولأن الطوائف المخالفة فيه كثيرة فإذا لم يتقن الإنسان دراسة مسائل التوحيد فقد يخطئ فيوافق طائفة من طوائف أهل البدع أسال الله أن يعصمني وإياكم
وإني ذاكر بعض مسائل التوحيد وبعض المهمات المتعلقة بها
المسالة الأولى: الرياء
خرج الإمام أحمد والبيهقي من حديث محمود بن لبيد والحديث ثابت عنه r أنه قال:"أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر فسئل عنه فقال r: الرياء" فالرياء داء عضال خشيه رسول الله r على أصحابه فنحن أي والله من باب أولى أسال الله أن يعصمني وإياكم من الرياء
الرياء هو عمل الصالحات لله بدافع غير رضا الله سبحانه وتعالى كأن يصلي الإنسان لله لأجل ثناء الناس فهو العمل بالطاعات لأجل غير الله هذا هو الرياء يصلي المصلي ويقصد بصلاته أنها لله لا لغيره لكن الدافع غير الله سبحانه وتعالى يتصدق المتصدق لله لكن دافع الصدقة غير الله سبحانه وتعالى هذا هو خلاصة معنى الرياء
أخطأ بعضهم وظن أن الرياء صرف عبادة لغير الله فلما ظن هذا الظن قال:إن صرف العبادة لغير الله ليست شركا أكبر مطلقا بل قد تكون شركا أصغر كالرياء وهذا خطا كبير يخالف دعوة الأنبياء والرسل فإن الرياء في واقعه ليس تعبدا لغير الله فهو يأتي من جهة الدافع لا من جهة القصد ولذا فمن صلى لغير الله فهو مشرك ولو مرة واحدة ومن ذبح لغير الله فهو مشرك ولو مرة واحدة ففرق بين الشرك الأكبر صرف العبادة لغير الله وبين الرياء فإن الرياء في واقعه تعبد لله لا في غيره وإنما الخلل فيه جاء من جهة لذا الظن أنه مستثنى من صرف العبادة لغير الله وأنه صرف عبادة لغير الله ولا يكون شركا أكبر هذا خطا يخالف أدلة الكتاب والسنة وما أجمع عليه علماء المسلمين
المسألة الثانية: الطيرة
خرج الشيخان من حديث أنس وأبي هريرة أنه r قال:"لا عدوى ولا طيرة" وجاء النهي عن الطيرة في حديث ابن عمر في الصحيحين وفي حديث سهل في الصحيحين فالطيرة شرك كما خرج الترمذي من حديث ابن مسعود أن النبي r قال: "الطيرة شرك" والطيرة معناها ما أمضاك أو ردك وليس سببا حقيقيا للإمضاء أو الرد وهذا يتضح بالمثال لو أن رجلا لما أراد أن يفتح متجره رأى كلبا أسود فتشاءم به فلم يفتح متجره هذا يعتبر واقعا في الشرك الأصغر ألا وهو الطيرة لما؟ لأن رؤية الكلب الأسود ليس سببا حقيقيا في حصول البلاء كالخسارة ونحوها فإذن هي ما أمضاك أو ردك وليس سببا حقيقيا في الإمضاء أو الرد
أما لو أن شيئا أمضاك أو ردك وكان سببا حقيقيا في الإمضاء أو الرد فإن هذا لا يعتبر تطيرا كمثل رجل لما جاء يريد أن يفتح متجره رأى أمام متجره إصلاحات وحفر تمنع وصول الناس إليه فقال لا أفتح اليوم لأني لو فتحت لم يأتني أحد أو لم يأتني إلا قلة فأقفل متجره هل هذا يعتبر تطيرا؟ لا لما؟ لأن هذا سبب حقيقي
إذا تبين هذا واتضح فقد ثبت في الصحيحين من حديث ابن عمر أن النبي r قال:" التشاؤم في ثلاث في الدابة والدار والمرأة" وجاء نحوه من حديث سهل فأشكل على العلماء كيف أن النبي r نفى ونهى عن التطير والتشاؤم ثم بعد ذلك أثبته في هذه الأمور الثلاث ذكر هذه المسألة الإمام ابن القيم في كتابه مفتاح دار السعادة والحافظ ابن حجر في فتح الباري والحافظ ابن رجب في لطائف المعارف وذكر ابن القيم في المسألة سبعة أقوال وذكر الحافظ ابن حجر نحوه وأرجح هذه الأقوال ما ذهب إليه الإمام مالك وهو ترجيح ابن القيم وابن رجب وغير واحد من أهل العلم وهو أن قوله r " التشاؤم في ثلاث في الدابة والدار والمرأة" هذا حق بمعنى أن المرأة إذا كانت فعلا تضر الرجل بسوء خلقها أو بأفعال سيئة فيصح للرجل أن يتشاءم منها وأن يفارقها هذا إذا كانت المرأة حقا سيئة الأخلاق أو يصدر منها ما يضر الرجل فإن له أن يتشاءم وأن يتطير منها ويتركها وأنا أسألكم إذا كانت المرأة بهذه الحالة هل هو تطير لسبب حقيقي أو بغير سبب حقيقي؟ بسبب حقيقي والنهي عن التطير جاء للتطير عن الأسباب غير الحقيقية
فإذن إذا كان ما يتشاءم به سببا حقيقيا في الإضرار فيصح لنا أن نتشاءم وأن ندعه كمثل أن تكون عند الرجل سيارة كثيرة الخراب فأتعبته كثيرا فيصح له أن يتشاءم بهذه السيارة وأن يبيعها ولا يصح لأحد أن يقول إياك والتشاؤم بها فإن التشاؤم والتطير مذموم ومحرم فيقال لا هذا سبب حقيقي لأنها فعلا أتعبتني كثيرا
فإن قيل: لماذا الرسول r قيد هذه الثلاث المرأة والدابة والدار مع أن هذا الكلام يطرد حتى في غير هذه الثلاثة فيقال نعم إن هذا يطرد حتى في غير هؤلاء الثلاث لكن ذكر هذه الثلاثة لأن هذه إذا فسدت كلها أو بعضها تأذى بها الإنسان أكثر من غيرها كما نبه لذلك سليمان بن عبد الله في تيسير العزيز الحميد وأشار إلى هذا الخطابي والعيني رحم الله جميع علماء المسلمين
المسألة الثالثة: التولي
قد جاء في كتاب الله النهي عن تولي الكافرين كما قال تعالى{ يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين} قال ابن حزم في كتاب المحلى لا يختلف اثنان أن من تولى كافرا فهو كافر مثله إذن التولي أمر كفري مخرج من الملة
لكن ما التولي؟ يظن بعضهم أن مجرد إعانة الكفار يعتبر توليا كفريا فأنت إذا نظرت في نصوص سنة رسول الله r وجدت أن رسول الله r بين التولي فقد أخرج السبعة إلا ابن ماجة من حديث علي رضي الله عنه في قصة حاطب بن أبي بلتعة لما كتب رسالة إلى كفار قريش يخبرهم بقدوم جيش رسول الله r فإن رسول الله r كان يريد أن يغزو كفار قريش على حين غرة لأنهم خانوا ونقضوا العهد فأرسل حاطب رسالة فجاء وحي من السماء فأخبر رسول الله r الشاهد فلما أحضر رسول الله r حاطب بن أبي بلتعة وكان حاطب بدريا قال عمر: دعني اضرب عنق هذا المنافق وفي بعض الروايات كفر وارتد عن دينه فدعني أضرب عنقه يا رسول الله قال الرسول r:"ما حملك على ذلك يا حاطب؟" قال حاطب:"والله يا رسول الله ما فعلته رغبة عن الإسلام ولا رضا بالكفر وإنما لكل واحد منكم يد عند كفار قريش فأردت أن يكون لي يد عندهم فأحمي بها مالي وولدي وأهلي" فحاطب أخبر كفار قريش وأعانهم لأنه يخشى أن تكون لهم الغلبة فيريد إذا كانت لهم الغلبة أن يكون له يد عندهم فلا يعتدون على أهله وماله فدافع حاطب في فعله أمر ديني أم دنيوي لاشك أنه أمر دنيوي لا ديني ثم قال النبي r بعد ذلك:" صدقت" ثم قال:"وما يدريك أن الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم" حاطب هنا أعان كفار قريش على رسول الله وعلى صحابة رسول الله r بدافع دنيوي ولم يكفر رضي الله عنه فلو كان إعانتهم كفرا مطلقا لكفر حاطب رضي الله عنه
وقد ذهب الإمام عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن في المجلد الأول من كتاب الدرر السنية والمجلد الثالث من كتاب الرسائل والمسائل أن دافع حاطب كان أمرا دنيويا ومن كان دافعه أمرا دنيويا فإنه لا يكفر
بل ذكر الإمام ابن تيمية وابن القيم وأئمة المذاهب الأربعة أن الجاسوس أي الرجل المسلم الذي يكون بين المسلمين فيعين الكافرين بإرسال الرسائل إليهم ذكر هؤلاء الأئمة أنه لا يكفر بل نقل ابن حجر في فتح الباري عن الطحاوي أنه حكا الإجماع على عدم كفر الجاسوس ونص شيخنا ابن صالح العثيمين رحمه الله تعالى في تفسيره سورة المائدة أن إعانة الكفار ليست كفرا مطلقا
إذا تقرر هذا تبين لك أن إعانة الكفار على حالتين:
الحالة الأولى: أن تكون لأمر دنيوي وهذا ليس كفريا كما نص عليه ما تقدم ذكرت لكم وأزيد ذكره أيضا الآلوسي والشيخ عبد الرحمن السعدي وشيخنا صالح الفوزان في شرحه الأخير لنواقض الإسلام أن هذا ليس كفرا
الحالة الثانية: أن يكون دافع المعين لهم نصرة وظهور دين الكفر على دين الإسلام وهذا كفر والعياذ بالله
فإذا تبين لك هذا وتقرر اتضح لك أن من يقول بأن إعانة الكفار كفر مطلقا أول ما يرد عليه حديث حاطب رضي الله عنه فإن قيل أليس حاطب رجلا بدريا وهذا خاص به فإن الله قد قال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم" فيقال ذكر الإمام ابن تيمية في المجلد السابع من مجموع الفتاوى والإمام عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن أن الشرك لا يغفر وأن كون الله غفر لهم هذا لكون الله يعصمهم من أن يكونوا مشركين لا أنهم يكونوا مشركين فيغفر الله لهم لأن الله ذكر في آيات كثيرة أن المشركين من أصحاب النار
فإن قيل ألم يكن حاطب متأولا والمتأول معذور لا يكفر ؟ فيقال قطعا إن حاطبا لم يكن متأولا بدليل أنه ذكر الدافع وهو أنه يريد أن تكون له يد وذكر الإعانة الكفرية وهي رغبته عن الإسلام وقال أن لم أجعله على الوجه الكفري ويؤيد ذلك ويوضحه أن النبي r أقر عمر على ذنب حاطب وإنما بين له على أنه ليس كافرا فلو كان متأولا لم يكن على حاطب ذنب والله قال في حق حاطب {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة} فلو كان متأولا لما كان فعل حاطب مذموما فإن التأويل السائغ مانع من الذم
المسألة الرابعة: الحكم بغير ما أنزل الله
دلت دلائل الكتاب والسنة أن الحكم بغير ما أنزل الله محرم وإثم من فعله فهو آثم مرتكب لجرم عظيم والأدلة على ذلك كثيرة كقوله تعالى {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون}{فأولئك هم الظالمون}{فأولئك هم الفاسقون} وقال تعالى {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما} فأجمع العلماء على أن من حكم بغير ما أنزل الله فإنه آثم بحكمه بغير ما أنزل الله لتركه حكم الله إلى زبالات فهم خلق الله فكيف يتركون حكم الله إلى تقديرات البشر الضعفاء عجبا لهم كيف يدعون حكم الله إلى فهم بشر ناقصين محتاجين إلى ربهم رب العالمين
وأحب أن أنبه في هذه المسألة إلى أمور وسبب حرصي على هذه المسألة أنه كثر الكلام فيها حتى سماها بعضهم مسألة العصر
التنبيه الأول:
أن العلماء مجمعون على أن من حكم بغير ما أنزل الله زاعما أن حكم غير الله أفضل من حكم الله فهو كافر أو قال بأن حكم غير الله مثل حكم الله فهو كافر أو قال أن حكم غير الله جائز غير محرم فهو كافر وإنما الخلاف جار فيمن يحكم بغير كتاب الله وسنة رسوله r مع زعمه أنه آثم وأن الأفضل أن يحكم بكتاب الله فمن حكم على هذه الصورة فقد ذكر علماؤنا كالإمام الجهبذ الفهامة شيخنا عبد العزيز بن عبد الله بن باز والإمام محمد ناصر الدين الألباني رحم الله جميع أئمة المسلمين قد ذكر هذا الإمامان وإليه ذهب شيخنا صالح الفوزان حفظه الله تعالى في شرحه الأخير لنواقض الإسلام ذهب هؤلاء إلى أن من حكم بغير ما أنزل الله مع اعتقاده أنه آثم وأن حكم الله أفضل وأحسن وأنه لا مثيل لحكم الله قالوا لا يعتبر هذا الفاعل كافرا كفرا أكبر وإنما كفره كفر اصغر غير مخرج من الملة
وقبل أن أشير إلى دليلهم وقبل أن أكمل التنبيهات أحب أن أؤكد على أمر متقرر عند أهل العلم وهو أن المسألة إذا كانت خلافية بين أهل العلم فإنه لا يكفر بها الرجل المعين فلو أن رجلا جاء وقال الحكم بغير ما أنزل الله كفر اكبر مطلقا فيقال لك رأيك لكن ليس لك أن تكفر حاكما معينا لأن المسألة خلافية والخلاف في المسائل مانع من تكفير المعينين كما نص على هذا شيخنا محمد بن صالح العثيمين وقال الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب في المجلد الأول من الدرر السنية ولا نكفر إلا ما أجمع العلماء على التكفير به وأشار إلى ذا النووي في كتابه رياض الصالحين وشرحه لصحيح مسلم وأشار لهذا أيضا الحافظ ابن حجر في كتابه فتح الباري فإذن المسائل الخلافية لا يكفر بها الأعيان فمن تبنى أن هذا الأمر كفر فليس له أن يكفر معينا لأن المسالة من جنس المسائل الخلافية بين أهل العلم
التنبيه الثاني:
يأتي بعضهم فيقول التشريع كفر ومخرج عن الملة ومن وضع تشريعا عاما وقانونا عاما فإنه يكون كافرا مرتدا فإذا قلت له: ما الدليل؟ قال الدليل: ما قال الله سبحانه وتعالى في سورة الشورى {أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله} فيقال: استدلالك خطأ غاية الخطأ لأن المراد بهذه الآية أن يضع الرجل حكما غير حكم الله ويزعم أنه حكم الله لذلك قال {أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين} أي جمعوا بين التشريع وبين أنه من الدين أما من شرع تشريعا وترك حكم الله فهو آثم لكن لا تنطبق عليه هذه الآية لذا درج العلماء على الاستدلال بهذه الآية على ذم البدع قال الإمام ابن تيمية في كتاب القواعد النورانية وقد استدل أئمة الحديث وفقهاؤه كالإمام أحمد وغيره بهذه الآية على حرمة البدع وبها استدل ابن جرير الطبري في تفسيره وابن رجب في كتابه جامع العلوم والحكم إذن الآية في حق من جمع بين أمرين بين أن يشرع حكما والأمر الثاني أن يزعم أنه من الدين
أما من وضع حكما عاما كأن يقول السارق اسجنوه أسبوعا أو شهرا فهو آثم وعلى جرم عظيم لكن لا يقال بأنه كافر لهذه الآية لما؟ لأنه لما قال السارق يسجن أسبوعا أو شهر لم يزعم أن حكمه هذا من الدين فالآية في حق من شرع حكما عاما وزعم أنه من الدين فمن يقول بأن التشريع العام كفر أولا يطالب بالدليل فإن الأصل في الأشياء عدم الكفر إلا بالدليل فإن استدل بآية {أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله} فتقدم بيان خطئ استدلاله
التنبيه الثالث:
رأيت كثيرا ممن كتب في هذه المسألة يأتي إلى كلام العلماء كابن تيمية وغيره عند قولهم إن من لم يلتزم حكم الله فهو كافر فيقول اسمع ابن تيمية يقول من لم يلتزم حكم الله فهو كافر فيقال لابد لك إذا أردت أن تتكلم في مسائل الشرع أن تعرف اصطلاحات واستعمالات أهل العلم فإن أهل العلم يطلقون الالتزام بمعنى الإيجاب على النفس فلو أن رجلا قال لا التزم حكم الله أي لا أوجبه على نفسي لصار كافرا لأنه حلل ما حرم الله أما لو ترك أمرا وفعل محرما مع عدم اعتقاد الحل فإنه لا يطلق عليه في استعمال العلماء ملتزم لهذا الأمر فإن قوله من لم يلتزم هذا الأمر أي من لم يوجبه على نفسه فقد ذكر ابن تيمية رحمه الله تعالى أن من ترك الصلاة جحودا فهو كافر قال بالاتفاق قال ومن قال إن الصلاة واجبه لكن لا ألتزمها قال فهو كافر بالإجماع ما معنى لا ألتزمها أي لا أوجبها على نفسي ثم قال أما من لم يصل مع اعتقاد أن الله أوجبها فالمسألة فيها قولان ثم ذكر خلاف أهل العلم لاحظ كيف أن ابن تيمية فرق بين الترك وبين ترك الالتزام الذي هو أمر عقدي
وقد رأيت وللأسف كثيرين ممن كتبوا في هذه المسألة خلطوا في اصطلاح العلماء وفي استعمال العلماء هذا
التنبيه الرابع:
رأيت بعض الباحثين يذكر أن قول عبد الله بن عباس {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} قال:"كفر دون كفر" يقول بعضهم هذا لا يثبت وضعيف عن عبد الله بن عباس فيقال على فرض أنه لم يثبت مع أن شيخنا الإمام محمد بن صالح العثيمين قد ذكر على أن العلماء دارجون على الاستدلال به وقد استدل بهذا الأثر الإمام أحمد وابن تيمية وغير واحد من أهل العلم لكن على فرض أنه ضعيف بهذا الإسناد فيقال إن له أسانيد أخرى ثابتة عن رسول الله r وهو ما خرج عبد الرزاق وغيره أن عبد الله بن عباس قال :"هي به كفر ليس كالكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر" إذن ابن عباس ينص على أن هذا كفر لكن ليس كفرا أكبر كالكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فدل على أن عبد الله بن عباس يريد بالكفر هنا أنه الكفر الأصغر لاسيما وقد ثبت عند ...وغيره عن أصحاب عبد الله بن عباس كطاوس أنه قال:"كفر دون كفر" وقول العالم إذا أشكل يرجع إلى تلاميذه فإن تلاميذه يفسرون قوله ولاسيما أيضا أن عبد الله بن عباس كان يناقش في هذه الآية الخوارج فإنهم كانوا يظنون أن المراد من هذه الآية الكفر الأكبر فصار يناظرهم ويبين لهم أن المراد بها الكفر الأصغر ولو كان قوله إنه كفر أكبر لما كان في استدلاله بها على الخوارج حجة بل صار مؤيدا لمن؟ للخوارج
المسالة الخامسة:
قرر العلماء قاعدة تقدم الإشارة إليها وهي ما ثبت أنه عبادة فصرفه لغير الله شرك أكبر وقد ذكرت في أوائل هذه المحاضرة بعض الأدلة على هذه القاعدة لكنني أنبه إلى أمر دقيق أن الأمور التي تطلق وتستعمل في حق الله نوعان
نوع خاص به كالصلاة والذبح فهذا إذا فعل لغير الله فهو شرك اكبر
نوع ليس خاصا به بل يجوز أن يفعل له ولغيره إلا أنه يفعل له على وجه التعبد كمثل مثلا الخوف. الخوف عبادة قال تعالى {فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين}وأيضا يجوز أن نخاف من المخلوقين كما قال تعالى{فخرج منها خائفا يترقب} وكما قال تعالى{وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها} فالخوف جائز للمخلوقين إلا أن خوف المخلوقين غير خوف الباري سبحانه وتعالى ومثل ذلك أيضا المحبة فهي عبادة كما قال تعالى {والذين آمنوا أشد حبا لله} ويجوز أيضا أن نحب أولادنا ومن نحب من خلق الله لذا ثبت في الصحيحين من حديث أنس قال :"ما زلت أتتبع الدباء لما رأيت النبي r يحبها ويتتبعها" وفي الصحيحين من حديث عبد الله بن عمرو سئل النبي r:"من أحب الناس إليك؟" فقال:"عائشة" قيل ومن الرجال؟" قال:"أبوها" والحديث من حديث عمرو بن العاص رضي الله عنه فالمقصود أن الحب جائز صرفه للمخلوقين وأيضا يفعل لله لكن فعله لله على وجه التعبد أما فعله للمخلوق على غير وجه التعبد لذا يقال ما ثبت أنه عبادة فصرفه لغير الله على وجه التعبد شرك لأن هناك أمورا تفعل لله وتفعل لغير الله إلا أنها تفعل لله على غير وجه التعبد
وأنبه إلى أمر الذبح عبادة {قل إن صلاتي ونسكي} أي ذبحي {ومحياي ومماتي لله رب العالمين} وثبت في صحيح مسلم من حديث علي أنه قال r:" لعن الله من ذبح لغير الله" فالذبح عبادة
ويشكل على بعضهم الذبح للضيف فيقول هل الذبح للضيف جائز لأن الذبح عبادة وصرفه لغير الله شرك إذا جاء الضيف وذبح له فهل هذا شرك؟ فيقال فرق بين الذبح لله والذبح لإكرام الضيف وذلك أن الذبح لله يراد في الاصل إراقة الدم وإزهاق النفس لله ولا يشترط أكل اللحم فأنت إذا جاءت الأضحية وذبحت لله وجاء اللص وسرق الذبيحة بعد ذبحها هنا تعتبر ذبحت وضحيت لغير الله أما الضيف فالذي يراد أصلا هو واللحم لا يتهيأ إلا بعد الذبح فالذبح جاء لإكرام الضيف تبعا لا قصدا أما في التعبد لله فجاء قصدا لا تبعا ولو أن ضيفا جاءك وزارك وأخذت له ذبيحة مذبوحة جاهزة هل يأكلها أم لا يأكلها بلا يأكلها وتعد ذابحا له ولو أنك ذبحت ذبيحة فسرقت فأتيت إلى الضيف فقلت سرقت ذبيحتي هل تعتبر أكرمته بالذبيحة؟ لا لأنك لم تضع له اللحم إذن فرق بين الذبح للضيف فإن الذبح يراد به من جهة الأصل اللحم ولا يتهيأ هذا إلا بإزهاق النفس وإراقة الدم أما الذبح لله فيراد في الأصل إزهاق النفس وإراقة الدم
أسأل بمنه وفضله أن يمن علي وعليكم بالفقه في دينه فإنه r ذكر :"من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين" وأساله أن يمن علينا بالفقه الدقيق في توحيده وفي بقية أمور شرعه وأن يديمنا على ذلك وأن يمن علينا بأن نكون دعاة للتوحيد وأن نحيا على التوحيد وأن يمتني وإياكم ووالدينا على التوحيد وأن نلقاه ووالدينا وإياكم على التوحيد فيقابلنا بمنه وكرمه بغفرانه وجزاكم الله خيرا
تم بحمد الله وفضله ومنه وكرمه وعونه تفريغ هذا الشريط فالحمد لله الذي تتم بنعمته الصالحات وبرحمته تغفر الزلات

تفريغ أم أيمن السلفية الجزائرية كان الله لها
12/ رجب / 1429
الجزائــــــــــــر

ابو عبد الحى
18th December 2008, 01:18 PM
بارك الله فيك اخى ابو اسامة سمير الجزائراى على هذا الموضوع المبارك فالتوحيد اعظم شى امر الله به والشرك اعظم شى نهى الله عنه