المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : تعليقات على العقيدة الواسطية للريس


ابو اسامة سمير الجزائري
15th December 2008, 10:29 AM
لفضيلة الشيخ عبد العزيز بن ريس الريس حفظه الله تعالى
تفريغ أم أيمن السلفية الجزائرية كان الله لها
تفريغ الشريط الأول
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أما بعد ففي ليلة اليوم السابع من شهر صفر لعام ثمان وعشرين وأربع مئة وألف من هجرة النبي r أبتدئ وإياكم بتعليقات مختصرة على العقيدة الواسطية المباركة التي ألفها الإمام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى وهي المسماة بالعقيدة الواسطية وهذه العقيدة جمع فيها رحمه الله تعالى ملخص معتقد أهل السنة فيما يتعلق بأركان الإيمان الستة وهو الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والإيمان بالقدر خيره وشره وقد ابتدئها بمقدمة ثم ذكر جملة من الأدلة المتعلقة بالأسماء والصفات في القرآن ثم ذكر أدلة متعلقة بالأسماء والصفات في السنة النبوية ثم بعد ذلك أخذ يسرد اعتقاد أهل السنة وهذه العقيدة أدق بكثير من العقيدة الطحاوية فإن في العقيدة الطحاوية أخطاء عقدية عدة ومن أشهر الأخطاء الموجودة فيها تقرير عقيدة مرجئة الفقهاء في إخراج الأعمال من مسمى الإيمان وأيضا هذا المصنف في الاعتقاد وهي المسماة بالواسطية أطول وأدق من لمعة الاعتقاد التي كتبها ابن قدامه فإن في كتاب لمعة الاعتقاد عدة ملاحظات تقدم ذكرها في دورة سابقة في تعليقات مختصرة على لمعة الاعتقاد وللتنبيه ما تقدم ذكره في تعليقات مختصرة على لمعة الاعتقاد يعتبر تمهيدا لهذا الشرح على العقيدة الواسطية
بسم الله الرحمن الرحيم قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في عقيدته الواسطية بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدا وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إقرارا به وتوحيدا وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليما مزيدا
قوله رحمه الله تعالى بسم الله الرحمن الرحيم إلى آخره قد ذكر رحمه الله تعالى في المجلد الرابع والعشرين من مجموع الفتاوى أنه لم يصح حديث في الجمع بين البسملة والحمدلة وإذا نظرت إلى سنة النبي r العملية وجدته في المكاتبات والمراسلات يبتدئ بالبسملة دون الحمدلة كما في حديث ابن عباس في الرسالة التي كتبها النبي r إلى هرقل قال:" بسم الله الرحمن الرحيم من محمد بن عبد الله إلى هرقل عظيم الروم " إلى آخره أما السنة في الخطب والكلمات التي تلقى أن يبتدئ فيها بالحمدلة دون البسملة كما ثبت ذلك في الصحيحين من حديث جابر أن النبي r كان إذا خطب قال إن الحمد لله إلى آخره وليس فيه ذكر البسملة وقد ذكر الحافظ ابن حجر في شرحه على البخاري أن كثيرا من المصنفين جرى على هذه الطريقة وهو أنه في المكاتبات يقتصرون على البسملة دون الحمدلة كما هو صنيع البخاري وصنيع الإمام أحمد وغيرهم قوله فهذا اعتقاد شاع عند كثير من المتأخرين تعريف الاعتقاد بأنه الحكم الجازم فإن طابق الواقع فهو صحيح وإلا فهو باطل وهذا والله أعلم خطأ وهو لوثة كلامية لأن المتكلمين حصروا الاعتقاد في اليقينيات المقطوع بها كما ذكر هذا ابن تيمية في المجلد الثالث من مجموع الفتاوى وفي مواضع أخرى أما أهل السنة السلفيون فالاعتقاد عندهم يكون قطعيا يقينيا ويكون ظنا غالبا وكل منهما يسمى دينا ويصح التعبد به واعتقاده فالرجل إذا دخل صلاته فإن طهارته بيقين وإذا شك هل أحدث أم لا في أثناء صلاته فإن يقينه يضعف ويكون ظنا غالبا وصلاته مع ذلك صحيحة وإن كانت مبنية على طهارة من الظن الغالب ثبت في مسلم من حديث أبي هريرة أن النبي r قال:"إذا وجد أحدكم في بطنه شيئا فأشكل عليه أخرج منه أم لا فلا يخرجن من المسجد حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا" ولما ذكر r السهو في الصلاة قال في حديث عبد الله بن مسعود :"فليتحر الصواب" وتحري الصواب من باب الظن الغالب فصحت عبادته بالظن الغالب والشريعة لا تفرق في هذا بين العبادات والاعتقادات بل كلها دين ثبت في مسلم من حديث ابن عمر عن عمر في قصة جبريل وذكر الإسلام والإيمان والإحسان قال r :"هذا جبريل أتاكم يعلمكم أمر دينكم " فسمى الأمور العملية والأمور الاعتقادية دينا فدل هذا على أن حكمهما واحد ثم إن القول بأنه لا يقبل في الاعتقاد إلا ما كان مجزوما به وأداه إلى عدم قبول خبر الآحاد غير محتف بالقرائن لأنه يفيد غلبة الظن لا اليقين فلابد لأهل السنة أن يتنبهوا لهذا التعريف الذي قد يكون بوابة لأهل البدع يدخل على أهل السنة منها لتقرير بدعهم قوله:فهذا اعتقاد الفرقة الناجية المنصورة إلى قيام الساعة المراد بقوله إلى قيام الساعة أي إلى قبيل قيام الساعة لأن الساعة تقوم على شرار الناس كما خرجه مسلم عن ابن مسعود وأيضا في مسلم من حديث أنس قال :"حتى لا يبقى من يقول الله , الله" وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه ذكر الريح التي تأتي في آخر الزمان فتقبض روح كل مؤمن فالساعة تقوم على أشرار الناس فقوله إلى قيام الساعة أي إلى قبيل قيام الساعة قوله الفرقة الناجية المنصورة هذا مما ينبغي التوقف عنده لكثرة المشككين في الفرقة الناجية المنصورة وفي وجودها ويتعلق بهذا عدة أمور : الأمر الأول:أحاديث الافتراق تكاثر عن النبي r أن هذه الأمة ستفترق عل ثلاث وسبعين فرقة حتى جاء هذا من ستة عشر صحابيا منها حديث أبي هريرة عند الترمذي وحديث معاوية ابن أبي سفيان عند أحمد وأبي داود وحديث عبد الله بن عمرو بن العاص عند الترمذي وهذه الأحاديث صححها كثير من أهل العلم فقد صحح حديث معاوية ابن حجر في تخريج أحاديث الكشاف وحكم عليه بالحسن وصحح حديث أبي هريرة الترمذي والشاطبي في الاعتصام وصحح أحاديث الباب ابن تيمية رحمه الله تعالى في مواضع من مجموع الفتاوى وابن كثير في تفسيره وغير واحد من أهل العلم خلافا لابن حزم الذي ضعفها وابن حزم ليس من أئمة أهل الحديث حتى يعتمد على قوله فإنه قد جهل الترمذي وجهل ابن ماجه وله أصول وقواعد مقتضاها إقفال باب العلل في علم الحديث فأحاديث الافتراق متكاثرة ولها ما يدل على معناها من ذلك حديث العرباض بن سارية الذي فيه أن النبي r قال:"إنه من يعش منكم فسيرى اختلافا فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة خرج الحديث الترمذي والإمام أحمد وصحح الحديث الترمذي وابن عبد البر وأبو نعيم والبزار وحسنه ابن القيم كما في أعلام الموقعين وصححه الألباني هذا الحديث يدل على أحاديث الافتراق وهو في معناها ومما في معنى حديث الافتراق الحديث المتواتر عن رسول الله r :"لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك" خرج الحديث الشيخان من حديث المغيرة بن شعبة ومعاوية ابن أبي سفيان وخرجه مسلم من حديث جابر بن عبد الله وجابر بن سمرة وثوبان وعقبة بن عامر وهو يدل على أحاديث الافتراق إذ الأمة ستفترق وتبقى طائفة واحدة ومما يدل على حديث الافتراق ما ثبت عن الإمام احمد والنسائي في الكبرى من حديث ابن مسعود أن النبي r خط خطا مستقيما وخط خطوطا عن يمينه وعن شماله وقال هذه سبل وعلى كل منها شيطان يدعوا إليها ثم تلا قوله تعالى وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله هذا أيضا يدل على معنى حديث الافتراق فحديث الافتراق ثابت في نفسه ومعناه ثابت في أحاديث كثيرة فلا مجال للتشكيك في صحته ولا في معناه بل إن معناه مجمع عليه عند السلف فكلام السلف كثير في تبديع المخالفين بدعوا من يرى الخروج وبدّعوا الخوارج وبدعوا المرجئة وبدعوا القدرية إلى آخره حاول بعضهم أن يشككك في دلالته بأن هذا الحديث مخالف للأحاديث الكثيرة التي فيها لأن الذين يدخلون الجنة من أمة محمد r كثيرون قالوا وظاهر حديث الافتراق أن الداخلين للجنة قليلون ومما أوردوه دليلا ما ثبت في الصحيحين من حديث ابن مسعود أنه r قال :"وإنني لأرجوا أن تكونوا نصف أهل الجنة" والجواب على هذا أن يقال: إن هناك فرقا بين أحكام الدنيا والآخرة وهذا أصل عظيم عند أهل السنة كما يذكر ذلك ابن تيمية في المجلد السابع وغيره فالذين يحكمون على رجل أو طائفة بأنها مبتدعة لا يلزم بحكمهم على هؤلاء بالابتداع أن يجزموا بدخولهم النار فلابد من التفريق بين أحكام الدنيا وأحكام الآخرة وأيضا مما يقال إنه لا يصح أن تضرب الأحاديث بعضها ببعض بل يؤمن بها كلها ويوضع كل حديث في معناه الصحيح فأحاديث الافتراق في الحكم في الدنيا والأحاديث الدالة على كثرة الدخول للجنة هذا برحمة الله وهو من أحكام الآخرة وإلا هل لقائل يقول إن قوله تعالى {وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله }وإلى أن أكثر الناس غير متدينين ومتمسكين بالدين حق التمسك فيقول يلزم من هذا ألا نؤثمهم كالزناة لأن الداخلين للجنة كثيرون وهذا خطأ قطعا الأمر الثاني: مما يتعلق بحديث الافتراق: لا فرق البتة بين الفرقة الناجية والطائفة المنصورة لأن الفرقة الناجية واحدة وهي الطائفة المنصورة كما تقدم في حديث ابن مسعود لما خط خطا وخط خطوطا كثيرة عن يمينها وشمالها وقال عن الخط المستقيم{وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل }وإنما عبر عن هذه الفرقة بالناجية بالنظر إلى صفة من صفاتها وبالمنصورة بالنظر إلى صفة من صفاتها وقد خرج بعض الحركيين قبل خمس عشرة سنة وأثار أن هناك فرقا بينهما وكان أهل العلم يعارضونه ويقولون إنك تريد أن تدخل الأشاعرة في الفرقة الناجية وكان يتنكر لهذا الأمر وما إن ذهبت الأيام إلا ويطالعنا هو نفسه في موقعه الإسلام اليوم ويثبت فتوى بأن الأشاعرة من الفرقة الناجية فلا إله إلا الله ما أصدق كلام أهل العلم وقد وجد للشيخ العلامة محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله تعالى كلام بأنه يوجد فرق بين الفرقة الناجية والطائفة المنصورة لكن كلام الألباني شيء وكلام هذا الرجل شيء لأن الألباني يقول فرق بين العلماء وبين العامة فالعلماء منصورون والعوام ناجون كلهم تحت فرقة واحدة وهم أهل السنة ولا يدخل الألباني الأشاعرة في الفرقة الناجية خلافا لهذا الرجل لذلك تراه يتحجج بمثل كلام الألباني وهذا في الواقع حجة عليه لا له لذا الألباني صرح بأن الأشاعرة مبتدعة وهذا الرجل يرى الأشاعرة من الفرقة الناجية فلا سواء البتة الأمر الثالث: فيما يتعلق بحديث الافتراق هؤلاء المفترقون الثلاث والسبعون كلهم مسلمون كما نص ألشاطبي رحمه الله تعالى في الاعتصام وعلى هذا إجماع أهل العلم كما حكاه ابن تيمية في منهاج السنة وفي مجموع الفتاوى والثنتان والسبعون وإن كانوا ضلالا مبتدعة إلا أنهم مسلمون كما تقدم وقوله كلها في النار هذا من جملة نصوص الوعيد كقوله تعالى ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه} ولا يلزم من هذا التكفير الأمر الرابع: حقق ألشاطبي تحقيقا بديعا متى تخرج الطائفة من الفرقة الناجية إلى عموم الثنتين والسبعين فرقة فذكر رحمه الله تعالى أن هذا يكون في حالتين: الحالة الأولى: إذا خالفت أهل السنة في أمر كلي ولو كان واحدا الحالة الثانية: إذا خالفت أهل السنة في جزئيات كثيرات تعادل أمرا كليا أما لو خالفت أهل السنة في جزئية أو جزئيتين فإنها لا تخرج من الفرقة الناجية إلى عموم الثنتين والسبعين فرقة الضالة المبتدعة فعلى هذا الأشاعرة قطعا من المبتدعة الضلال لأنهم لم يخالفوا أهل السنة في أمر كلي واحد ولا اثنين ولا ثلاثة ولا أربعة بل في أمور كثيرة وإذا أردت أن تعد وفاقهم لأهل السنة لا تجده إلى شيئا قليلا فقد خالفوا أهل السنة في باب الإيمان فهم مرجئة وخالفوا أهل السنة في باب القدر فهم جبرية وخالفوا أهل السنة في باب الكرامات وقالوا كرامة النبي ككرامة الولي وخالفوا أهل السنة في إثبات العلو فأنكروه وخالفوا أهل السنة في الصفات كلها فأولوها إلا سبعة أو ثمانية على خلاف بينهم وهذه الصفات التي أثبتوها خالفونا فيها أيضا ودليلهم في الإثبات عقلي أما دليل أهل السنة سمعي وخالفوا أهل السنة في معنى كلمة التوحيد لا إله إلا الله فأهل السنة يقولون لا معبود بحق إلا الله هذا معناها أما هم يقولون لا خالق ولا قادر على اختراع إلا الله فأرجعوه إلى توحيد الربوبية وهناك أشياء كثيرة خالف فيها أهل السنة لاسيما الأشاعرة المتأخرون والعجيب أني سمعت محمد حسن ددو في شريط له بعنوان فقه الخلاف يقرر أن الخلاف بين أهل السنة ويسميهم الحنابلة وبين الأشاعرة خلاف محتمل يسوغ الخلاف فيه يقول كلهم يثبتون القدر إلا أن الأشاعرة جبرية وهؤلاء ليسو جبرية فأخذ يهون في الخلاف تهوينا شديدا هذا خطأ شديد هذا ضلال أسأل الله أن يعافيني وإياكم ولم أر مثله في مثل هذه الصورة في محاولة إدخال الأشاعرة في الفرقة الناجية وتمييع الخلاف بين أهل السنة وبين الأشاعرة فهو أسأل الله أن يعافيني وإياكم داعية ضلالة وبدعة الأمر الخامس: مما يتعلق بحديث الافتراق أول طائفة وفرقة انشقت عن الفرقة الناجية هم الخوارج كما ذكر ذلك ابن تيمية في الاستقامة وفي مجموع الفتاوى وابن رجب في جامع العلوم والحكم وابن كثير في تفسيره الأمر السادس:مما نبه إليه أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى أن الكتب التي كتبت في فرق المسلمين لا يعتمد عليها في معرفة معتقد أهل السنة لأنهم جاهلون له وينسبون لأهل السنة ما ليس لهم ويبدو والله أعلم أن هذا حال أكثر من يكتب في الفرق والملل والأحزاب حتى إنك ترى في هذا الزمن أخرجت الندوة العالمية للشباب بتأليف مانع الجهني كتابا بعنوان موسوعة الأديان والمذاهب المعاصرة وترى في هذا الكتاب خللا كثيرا فقد جعل طائفة الإخوان المسلمين طائفة من أهل السنة فلا يعول على كتابه في معرفة الأحزاب المعاصرة أما إذا تكلم على الأحزاب الكفرية والطوائف الكفرية فهذا شيء آخر ومما أنبه عليه ما أفاده ابن تيمية رحمه الله تعالى أن خير ما كتب في الفرق والملل كتاب أبي الحسن الأشعري مقالات الإسلاميين ومع ذلك فيه أخطاء بالنسبة لأقوال السنة كما أفاد أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى قوله رحمه الله تعالى أهل السنة والجماعة ينبغي يا إخواني أن نتنبه لخطأ شاع في هذا الزمن وهو قول بعضهم إن لأهل السنة إطلاقين إطلاقا عاما يقابل الرافضة فيدخل في أهل السنة الأشاعرة والمعتزلة وإطلاقا خاصا وهو بمعنى الفرقة الناجية فلا يدخل في هذا الأشاعرة والماتوريدية وهذا يا إخواني قد ذكره أبو العباس ابن تيمية في منهاج السنة وفي مجموع الفتاوى لكن انتبهوا قال إن لأهل السنة إطلاقا عاما يستعمله العامة عاما أي بمعنى تستعمله لا أنه بمعنى إطلاق راجع للكتاب والسنة أو لاستعمال السلف فأنت الآن إذا سئلت عن العراق تقول الناس فيه ما بين أهل سنة وشيعة وأهل السنة هؤلاء تريد بهم المعتزلة وغيرهم يعني هو كل من ينتسب للإسلام وليس شيعيا ولا رافضيا هذا من باب استعمال العامة لا الاستعمال الشرعي هذا اصطلاح خاص بالعامة ولا يصح أن نفهم الأدلة الشرعية وأقوال السلف باستعمالات واصطلاحات العامة فالأشاعرة ليسوا من أهل السنة ولا كرامة ولا المعتزلة بالاستعمال الشرعي أما في إطلاقات العامة فالعامة لا يبنى على إطلاقاتهم شرع ولا دين لذا تعجب لبعض أهل العلم إذا جاء وقال ويريد أن يفسر كلاما كلام ابن تيمية فيقول معنى كلامه أن الأشاعرة من أهل السنة فيما وافقوا فيه أهل السنة وهذا خطأ أكبر لماذا؟ لأن لازم هذا أن المعتزلة وأن الرافضة أهل سنة فيما وافقوا فيه أهل السنة بل أهل السنة هم طائفة واحدة وهم الطائفة المنصورة والفرقة الناجية أطلت في ذكر هذه الأمور لمسيس الحاجة إليها لاسيما في مثل هذا الزمن ألف فيه أحدهم كتابا ضعف فيه أحاديث الافتراق وجاء الآخر وأشاد بهذا الكتاب وقال وإن كنت لا أوافق في ضعفها أي أحاديث الافتراق إلا أنه وافقه في أي شيء؟ في النتيجة وفي مرة أخرى وافقه في أنه لم يصح شيء في الباب فأكثر الحركيين العالميين الآن على تضعيف أحاديث الافتراق إما رواية أو دراية أسأل الله أن يعافيني وإياكم وهو الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت والإيمان بالقدر خيره وشره ومن الإيمان بالله الإيمان بما وصف به نفسه في كتابه وبما وصفه به رسوله من غير تحريف ولا تعطيل إذن القاعدة في الباب أن نصف الله بما وصف به نفسه أو بما وصفه به رسوله r فما أثبت من الصفات نثبته وما نفي ننفيه وما لم يثبت ولم ينفى نتوقف فيه لا نثبته ولا ننفيه إذا قيل لك هل لله لسان ؟؟الجواب : يتوقف لا يثبت ولا ينفى هل لله يد؟يثبت لقوله بل يداه مبسوطتان هل ينفى عن الله النوم؟ ينفى إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام كما في حديث أبي موسى في مسلم وقال تعالى{ لا تأخذه سنة ولا نوم} إذن ما أثبت نثبته وما نفي ننفيه وما لم يذكر نفيه ولا إثباته نتوقف فيه هل يصح أن نطلق لفظ صفة على الله خالفت المعتزلة والجهمية وممن خالف ابن حزم وقال لا يصح أن نطلق لفظ صفة على الله قال ابن حزم لأنه لا دليل على ذلك ورد عليه أبو العباس ابن تيمية كما في منهاج السنة وبين أن إطلاق الصفة ثابت بالكتاب والسنة أما الكتاب فقوله تعالى {سبحانك ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين} هذا واضح في إثبات الصفة لله لأنه سلم على المرسلين بسلامة ما وصفوا الله به وأيضا مما ثبت حديث عائشة في الصحيحين في الذي يقرأ سورة الإخلاص في كل ركعة لما سئل قال إن فيها صفة الرحمن وإني أحبها فقال النبي r أخبره أن الله يحبه فأقره على إطلاق لفظة صفة وينبغي أن تنتبه أنه لا يصح الاعتماد على ابن حزم في العقائد قال ابن عبد الهادي عنه إنه جهمي جلد كما في طبقات الحنابلة ومن الإيمان بالله الإيمان بما وصف به نفسه في كتابه وبما وصفه به رسوله من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا تمثيل قوله من غير تحريف ولا تعطيل التحريف بمعنى التغيير والتحريف كما ذكر ابن القيم يكون في اللفظ وفي المعنى قال تعالى:{يحرفون الكلم عن مواضعه} وأكثر تحريف أهل البدع في المعني لا في الألفاظ وإذا اجتمع التحريف والتعطيل صار التعطيل للمعنى أي للمدلول والتحريف في الدليل فيكون التحريف في الدليل والتعطيل في المدلول قوله من غير تكييف ولا تمثيل مثال عليه لا أي دليل يحرفه أهل البدع يغيره في الأصل في دلالته كما سيأتي في إثبات اليدين أو غيرها يعتبر في أصله من جهة أي شيء يعتبر تغييرا في الدليل إذا قال بل يداه مبسوطتان قال ... قال بمعنى القدرة ...إلى آخره أو القدرة والنعمة إلى آخره فهذا إذا أطلقته يطلق على اللفظ والمعنى فإذا كان التحريف راجعا للمعنى دون اللفظ فيصير خاصا بأي شيء بالمعنى وحده فإذا اجتمع التعطيل والتحريف في سياق واحد في كلام أهل العلم فيكون التحريف راجع إلى الدليل والتعطيل راجع إلى المدلول هذا في كلام أهل العلم والفرق بين التكييف والتمثيل من جهتين الجهة الأولى:أن التمثيل تشبيه لموجود أما التكييف تشبيه لغير موجود لما يكيفه الذهن ويتخيله أما الجهة الأخرى الثانية: التكييف يكون في الهيئات والصفات أما التمثيل فيكون في الهيئات والصفات وفي الأعداد والعدد أفاد هذا الكلام شيخنا الإمام محمد بن صالح العثيمين في شرحه على الواسطية وفي القواعد المثلى وقد سئل ابن تيمية كما في المقدمة الواسطية لماذا لم يأت بلفظة التشبيه وإنما أتى بلفظة بغير تمثيل فأجاب رحمه الله تعالى أن هذا هو اللفظ الشرعي ليس كمثله شيء ولم يأت في القرآن والسنة نفي الشبيه والتشبيه بهذا اللفظ وذكر شيخنا ابن العثيمين وجهين زائدين عن الوجه الأول فقال أن نفي التشبيه في نفسه خطأ لأن ما من شيئين إلا وبينهما سبه حتى الخالق والمخلوق بينهما شبه وهو أصل الوجود إلا أن وجود الله غير وجود المخلوق الوجه الآخر الذي زاده أن لفظة مشبهة أنه شاع عند أهل البدع أطلاق لفظة مشبهة على أهل السنة فإذا قيل بغير تشبيه قد يظن أن المراد به أهل السنة ذكر هذا الشيخ ابن العثيمين في شرح الواسطية في القواعد المثلى بل يؤمنون بأن الله سبحانه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير فلا ينفون عنه ما وصف به نفسه ولا يحرفون الكلم عن مواضعه ولا يلحدون في أسماء الله وآياته ولا يكيفون ولا يمثلون صفاته بصفات خلقه لأنه سبحانه لا سمي له ولا كفؤ له ولا ند له ولا يقاس بخلقه سبحانه وتعالى فإنه أعلم بنفسه وبغيره وأصدق قيلا وأحسن حديثا من خلقه إذا كان كذلك إذا كان أعلم وأصدق في القول وأحسن في الحديث فمن اجتمعت فيه هذه الأمور الثلاثة وهو الصدق في القول والحسن في البيان وكمال العلم فإنه إذا تلفظ بلفظ فهو يريد ذات اللفظ ولا يريد غيره إذا قال بل يداه مبسوطتان فهو يريد اليد حقيقة ولو أراد القوة لقال بل قوتاه لأن لله العلم الكامل والبيان الكامل والصدق الكامل جل جلاله وعظم سلطانه وزد على ذلك أمرا رابعا أن له سبحانه النصح الكامل قال تعالى{يريد الله ليبين لكم وليهديكم سنن الذين من قبلكم}فاجتمع في حق الله أربعة أمور وإذا اجتمعت هذه الأربعة دل هذا على أن ذات اللفظ مراد ومما ذكر رحمه الله تعالى أنه لا يقاس بخلقه واعلموا يا إخواني أن القياس أنواع ثلاثة قياس التمثيل وقياس الشمول وقياس الأولوي أما قياس التمثيل فمنفي عن الله ليس كمثله شيء ومثله أيضا قياس الشمول ومعنى قياس الشمول أي أن اللفظ العام الدال على أفراد هذه الأفراد متساوية فتقول لله حياة وللمخلوق حياة وحياة الله مساوية لحياة المخلوق وهذا أيضا المسمى بقياس الشمول منفي عن الله بدلالة نفي التمثيل ليس كمثله شيء بقي القياس الأولوي وهو أن تقول ما كان في الخلق صفة كمال فهو في الخالق من باب أولى وقد دل على هذه القاعدة وعليه كلام السلف ككلام الإمام أحمد وغيره ومن أدلة ذلك قوله تعالى ولله المثل الأعلى وقوله تعالى{يا أبت لما تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا} فدل هذا على أن من له هذه الصفات يعبد وهو الله سبحانه يشكل على هذا أن هناك صفات للمخلوق كمال بالنسبة له لكنها بالنسبة لله تعتبر نقصا كالولد للمخلوق فمن يولد له ولد هذه صفة كمال بخلاف من لا ولد له فهل يقال إنه يلزم على هذه القاعدة أن يثبت لله ولد الجواب على هذا من وجهين: الوجه الأول:أن القاعدة الشرعية المتقدمة هي مطروحة في الصفة التي هي كمال والولد ليس كمالا دائما بل كمال من وجه دون وجه الوجه الثاني:وهو كالجواب الأول وهو أن يزاد في الكلام ما كان كمالا من كل وجه كل صفة في المخلوق وهي كمال من كل وجه فإنها في حق الله من باب أولى وينبغي يا إخوان أن يتنبه إلى أمر دقيق هذه القاعدة لا تذكر ابتداء في إثبات الصفات وإنما تذكر تبعا للرد على أهل البدع لما؟؟لأننا بعلمنا القاصر لا نعلم الصفة التي هي كمال من كل وجه لكن إذا ثبتت هذه الصفة في القرآن والسنة دل هذا على أنها كمال من كل وجه فنأتي بهذه القاعدة الشرعية والعقلية في تأكيد الأدلة والرد على أهل البدع الآن اللحية صفة كمال من كل وجه أو فيه تفصيل ؟؟قد تدري عن شيء وقد يخفى عليك شيء ثم رسله صادقون مصدقون قوله ثم رسله صادقون مصدقون يعني صادقون فيما يقولون مصدقون يعني من جهة الناس يجب أن يصدقوهم وهذا الوجوب الشرعي لا الكوني وفي بعض النسخ صادقون مصدوقون أي مصدوقون فيما أوحي إليهم لأنهم لا يوحى إليهم إلا ما كان صدقا بخلاف الذين يقولون عليه ما لا يعلمون ولهذا قال{سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين} فسبح نفسه عما وصفه به المخالفون للرسل وسلم على المرسلين لسلامة ما قالوه من النقص والعيب وهو سبحانه قد جمع فيما وصف وسمى به نفسه بين النفي والإثبات فلا عدول لأهل السنة والجماعة عما جاء به المرسلون فإنه الصراط المستقيم صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين
قوله قد جمعوا بين النفي والإثبات وسيذكر بعض الأدلة على ذلك يتعلق بالنفي والإثبات عدة قواعد: القاعدة الأولى: أن طريقة الكتاب والسنة الإثبات المفصل والنفي المجمل كما قال تعالى {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير}ولا ينتقل للنفي المفصل إلا لحاجة وسبب من الأسباب والحاجات أن يتوهم شيء كأن يتوهم أن الولد ينبغي أن يكون لله لأن الولد صفة كمال في المخلوق ففصل الله النفي {لم يلد ولم يولد} ومن الأسباب أن يثار باطل على الله كما قالت اليهود إن الله تعب لما خلق السماوات والأرض قال تعالى{لقد خلقنا السماوات والأرض في ستة أيام وما مسنا من لغوب} القاعدة الثانية:أن النفي يتضمن إثبات الضد أما النفي المحض فليس كمالا كما يذكر هذه القاعدة كثيرا أبو العباس ابن تيمية وتلميذه ابن القيم قيده عندك أن النفي يتضمن إثبات كمال الضد وقد دخل في هذه الجملة قوله وقد دخل في هذه الجملة يحتمل هذا أحد أمرين: الأمر الأول: الجمع بين النفي والإثبات في دليل واحد الأمر الثاني: ويحتمل أن المراد به ذكر صفات الله مطلقا وبالنظر إلى الأدلة التي أوردها يتضح أن المراد ذكر الصفات مطلقا وليس مقيدا بذكر الأدلة الجامعة بين النفي والإثبات ما وصف الله به نفسه في سورة الإخلاص التي تعدل ثلث القرآن حيث يقول : {قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد} وما وصف به نفسه في أعظم آية في كتابه حيث يقول :{الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم له ما في السماوات وما في الأرض من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء وسع كرسيه السماوات والأرض ولا يئوده حفظهما وهو العلي العظيم} هذه الآية تسمى بآية الكرسي لأن الكرسي لم يذكر في القرآن إلا فيها والكرسي هو موضع القدمين كما ثبت عن عبد الله بن عباس فيما خرجه الدارمي والبيهقي وغيرهما وجاء عنه تفسير الكرسي بالعلم لكن لا يصح إسناده إذن المصنف رحمه الله تعالى سيسرد جملة من الأدلة الذاكرة للصفات وأنبه على قاعدة مهمة أن هناك فرقا بين الأسماء والصفات والإخبار أوسعها الإخبار ثم الصفات ثم الأسماء والأسماء والصفات توقيفية لا يتجاوز فيها القرآن والحديث كما قال الإمام أحمد وكما قاله السلف بخلاف الإخبار فإن قاعدته ألا يكون لفظا نقصا من كل وجه بل ما كان جامعا بين النقص من وجه والكمال من وجه فيصح الإخبار به جامعا بين النقص من وجه والإخبار من وجه فيصح الإخبار به النقصان من وجه والكمال من وجه ذكر هذا ابن تيمية في الجواب الصحيح وابن القيم في بدائع الفوائد وليس الإخبار توقيفيا بل لك أن تخبر عن الله بكل لفظ ليس ...ولا نقصا من كل وجه ومن الأدلة على الإخبار قوله تعالى {قل أي شيء أكبر شهادة قل الله} فإطلاق شيء على الله هذا من باب الإخبار وليس من باب الأسماء ولا الصفات فعلى هذا إذا قال العلماء الشارع وعبروا بهذا اللفظ عن الله فهذا من باب الإخبار والفرق بين الاسم والصفة أن الاسم يدعى والصفة لا تدعى بل يدعى بها كما ذكر ابن تيمية في الجواب الصحيح ومما ذكر ابن تيمية في الرد على البكري أن دعاء الصفة في قول القائل يا رحمة الله اغفري لي إلى آخره قال هذا شرك باتفاق المسلمين وله كلام في كتاب الجواب الصحيح في مواضع يستفاد منه أن للمسألة تفصيلا وذكر هذا التفصيل شيخنا ابن العثيمين وهو أن من دعا الصفة على وجه الاستقلال فهذا شرك وردة وكفر يريد الصفة دون الموصوف ومن دعا الصفة ويريد الموصوف فهذا ليس شركا بل هو جائز وللصفات أقسام باعتبارات:فتقسم باعتبار دليلها إلى صفات سمعية وعقلية فمن الصفات ما يكون دليلها سمعيا فحسب والمراد بالسمع هو الكتاب والسنة ومن الصفات ما يكون دليلها سمعيا وعقليا فإثبات العلو لله هذا سمعي وعقلي بخلاف صفة الاستواء فهذا سمعي أفاد ذلك ابن تيمية في مواضع كالتذمرية وبيان تلبيس الجهمية والتسعينية وفي غيرها من كتبه وتقسم الصفات أيضا تقسيما آخر أصله مأخوذ من المتكلمين لكن يستفاد به من أجل مناقشتهم والرد عليهم فتقسم إلى صفات ذاتية وفعلية فالصفات الفعلية هي التي ترجع إلى المشيئة وقد تنفك عن الله أما الصفات الذاتية فهي التي لا ترجع إلى المشيئة ولا تنفك عن الله فالعلو صفة ذاتية لا تنفك عن الله أما الاستواء صفة فعلية فالله لم يكن مستويا على العرش ثم استوى عليه وتقسم الصفات باعتبار آخر إلى صفات خبرية ومعنوية فالصفات الخبرية هي التي بالنسبة إلينا أبعاض بخلاف الصفات المعنوية فاليدان بالنسبة إلينا أبعاض فتسمى بالصفات الخبرية العلم ليس أبعاض بالنسبة إلينا ليس جزءا منا بل هو شيء معنوي فيسمى صفة معنوية ولهذا كان من قرأ هذه الآية في كل ليلة لم يزل عليه من الله حافظ ولا يقربه شيطان حتى يصبح وقوله سبحانه :{ هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم } هذه الآية من أقوى الأدلة على نفي تسلسل الحوادث والرد على الفلاسفة الذين يرون تسلسل الحوادث ألكفري وتسلسل الحوادث لفظة مجملة منها ما هو ممتنع في حق الله ومنها ما هو جائز ومنهما ما هو واجب كما ذكره ابن القيم في شفاء العليل ولابن تيمية كلام كثير على مسألة تسلسل الحوادث لاسيما في منهاج السنة والصفدية وفي درء تعارض العقل والنقل وفي غيرها وخلاصة بحثها ما يلي :أن يقسم التسلسل إلى أقسام ثلاثة: القسم الأول: تسلسل في الفاعلين ومعنى هذا والعياذ بالله انه ما من رب إلا وقبله رب ما من خالق إلا وقبله خالق وهذا باطل باتفاق العقلاء إذ يلزم عليه الدور ويدل على بطلانه من جهة الشرع قوله تعالى{ الله خالق كل شيء} وقوله تعالى {الحمد لله رب العالمين} كل ما سوى الله فهو عالم ومن الأدلة حديث أبي هريرة هو الأول الذي ليس قبله شيء لما قال هو الأول والآخر والظاهر والباطن فسر ذلك النبي r في حديث أبي هريرة بأنه الأول الذي ليس قبله شيء القسم الثاني من التسلسل: التسلسل في الأسباب والعلل ومعناه ما من فعل إلا وقبله فعل وهكذا وهذا باطل باتفاق العقلاء لأنه يلزم منه الدور ...من أدلة الشرع أدلة كثيرة منها قوله تعالى{إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون }ما من فعل وقع إلا وقد وقع بقوله كن فيكون وليس قبل كن فيكون شيء والنوع الأول والثاني من التسلسل كفري من اعتقده فهو كافر القسم الثالث من التسلسل: وهو التسلسل في الآثار وهو أقسام ثلاثة : الأول: امتناع التسلسل لا في الماضي ولا في المستقبل وامتناع التسلسل في الآثار معناه امتناع الصفات عن الله والأفعال عن الله في الماضي والمستقبل وهذا قول الجهمية وهو قول أبي الهذيل بن علاف من المعتزلة إذ قال إن الجنة والنار لا يفنيان لكن تسكن حركات أهلهما الثاني: التسلسل في الماضي والمستقبل ويقول بهذا أهل السنة والفلاسفة إلا أن لأهل السنة مرادا وللفلاسفة مراد آخر ومراد أهل السنة أن الله يفعل متى شاء في الماضي وفي المستقبل أما مراد الفلاسفة فهو مراد كفري أن لا أثر إلا وقبله أثر إلى ما لا نهاية أما النوع الثالث: هو قول بالتسلسل في المستقبل دون الماضي وهذا هو قول الأشاعرة و... الأشاعرة الفرار من قول الفلاسفة أنه ما من أثر إلا وقبله أثر إلى ما لا نهاية هذا خلاصة بحث التسلسل لأنه يكثر ذكره وأريد أن أنبه على أمر لما ضاق فهم الأشاعرة لمنهج أهل السنة في التسلسل خرج أشاعرة زمان ابن تيمية وكفروه وقالوا إن ابن تيمية يوافق الفلاسفة لأنه يقول بالتسلسل في الماضي والمستقبل لذلك كفر ابن تيمية غير واحد ومما ذكره بعضهم ولم أقف على هذه الرسالة أن للعلائي رسالة في تكفير ابن تيمية وذكر ابن حجر أنهم شنعوا على ابن تيمية ما ذكره في منهاج السنة لإثبات التسلسل في الماضي وفي المستقبل مع أن كلام ابن تيمية أوضح ما يكون بيانا في المسألة وذكر قول الفلاسفة قال لا يقول به لا اليهود ولا المسلمين ولا النصارى ذكر أنه كفر بالإجماع ومع ذلك أبوا إلا أن يتسلطوا عليه وهذه عادة أهل البدع إذا وجدوا للفظ له فيه ممسك أشاعوه وشنعوا به على أهل السنة أسأل الله أن يعافيني وإياكم وقوله سبحانه : {وتوكل على الحي الذي لا يموت } وقوله { وهو العليم الحكيم} وقوله {وهو الحكيم الخبير } وقوله {يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها} وقوله { وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين سيذكر المصنف آيات كثيرة في إثبات الصفات ما من آية إلا وفيها صفة لله عز وجل وأنبه على أمر وهو أنني رأيت بعض الشراح يحاول أن يفهرس هذه الآيات فيقول صفة المحبة إذا ذكر ابن تيمية آية قال صفة المحبة , صفة العلم وهذا في ظني فيه نظر لأن ابن تيمية لم يرد الترتيب كما سترى وإنما سردها سردا رحمه الله تعالى لما فيها من إثبات للصفات لذلك ستراه يذكر صفات ثم يورد آيات ثم يرجع ويذكر آيات أخرى في إثبات صفة قد ذكرها قبل وقوله :{ وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه} وقوله :{لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علما}وقوله :{ إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين} وقوله :{ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} وقوله :{إن الله نعما يعظكم به إن الله كان سميعا بصيرا} في هذه الآية ثبت عند أبي داود من حديث أبي هريرة أن النبي rأشار بالسبابة إلى عينه وبالتي تليها إلى أذنه وقد أشكل على كثيرين ما معنى هذه الإشارة والمراد من هذه الإشارة تحقيق الصفة لا التشبيه يعني إن الله يرى حقيقة ويسمع حقيقة ذكر هذا البيهقي في كتابه الأسماء والصفات وابن القيم كما هو في مختصر الصواعق أن الإشارة من باب تحقيق الصفة لا من باب التشبيه على هذا وأرجوا أن تنتبهوا لهذا المبحث على هذا فلو قال قائل إن الله يكشف عن ساقه يوم القيامة كما في حديث أبي سعيد في الصحيحين ويشير إلى ساقه يجوز أو لا يجوز؟؟ يجوز لأن المراد تحقيق الصفة وهذا متصور في جميع الصفات والقاعدة الشرعية أن الحكم إذا بني على علة معقولة المعنى اطرد هذا في جميع ما يماثلها فعلى هذا لو قائل إن الله يكشف عن ساقه فأشار إلى ساقه فإن المراد تحقيق الصفة لا تشبيهه كما أشار في أحاديث كثيرة بل وأشار الصحابة فإن قال قائل قد يتوهم أن هذا تشبيه فيقال لا يتوهم التشبيه عند عامة الناس إلا إذا أفسدت الفطر ولو كان يوهم التشبيه لما فعله النبي r في الحج في حجة الوداع في حديث جابر أشار إصبعه إلى السماء قال اللهم إني بلغت اللهم فاشهد والأشاعرة يرون أن من أشار بإصبعه إلى السماء تقطع أصبعه يقول لأنه حيز الله في جهة وهذا لا يخطر في بال من فطرته سليمة وحاله سليم وإنما من أفسدت فطرته فالواجب أن يصلح فطرته وقوله : ( ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله ) - ( ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد ) وقوله : ( أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم غير محلى الصيد وأنتم حرم . إن الله يحكم ما يريد ) وقوله : ( فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء ) الإرادة يا إخواني في الكتاب والسنة بمعنيين الأولى: إرادة شرعية الثانية إرادة كونية ومعنى الإرادة الشرعية أي ما يحبه الله أي المحبة والإرادة الكونية هو كل ما يريده الله سواء أحبه أم لم يحبه أي بمعنى المشيئة فالمشيئة هي الإرادة الكونية ولا يصح أن تطلق المشيئة على الإرادة الشرعية كما أفاد ابن تيمية في مواضع من مجموع الفتاوى وابن القيم في شفاء العليل ويطرق أهل العلم بحثا ما العلاقة بين الإرادة الشرعية والإرادة الكونية والأظهر والله أعلم ما ذكره ابن تيمية في منهاج السنة وابن القيم في شفاء العليل أن بينهما عموما وخصوصا وجهيا ما معنى هذا؟؟ يعني أن الإرادتين يجتمعان في حالة وأن الإرادة الكونية أعم في حالة وأن الإرادة الشرعية أعم في حالة ويعرف هذا بالمثال رجل آمن بالله وقع منه الإيمان بالله كأبي بكر رضي الله عنه آمن بالله ووقع هذا الإيمان في مثل أبي بكر اجتمعت الإرادتان الإرادة الكونية والإرادة الشرعية في كفر أبي طالب انفردت الإرادة الكونية في إرادة إيمان أبي طالب هذه إرادة شرعية ولم تقع فهي ليس إرادة كونية لأنها لم تقع وقوله : ( وأحسنوا إن الله يحب المحسنين ) - ( وأقسطوا إن الله يحب المقسطين ) - ( فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم إن الله يحب المتقين ) - ( إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين ) وقوله : ( قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ) وقوله : ( فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه ) وقوله : ( إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص ) وقوله : ( وهو الغفور الودود ) أنبه على فائدة ذكرها ابن تيمية عند اسم الغفور والغفار قال رحمه الله تعالى كما في الفتاوى المصرية يقول رحمه الله تعالى يقول بعضهم المغفرة مأخوذة من الستر يقول وهذا خطأ بل الصواب أن يقال المغفرة مأخوذة من وقاية شر الذنب لأن ستر الذنب لا يلزم منه العفو عنه بخلاف إذا وقاه شر الذنب وذكر نحوا من كلامه ابن رجب رحمه الله تعالى وقوله : {بسم الله الرحمن الرحيم }وقوله {ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما} وقوله {وكان بالمؤمنين رحيما} وقوله {ورحمتي وسعت كل شيء وقوله كتب ربكم على نفسه الرحمة} الرحمة :الرحمة رحمتان رحمة صفة ورحمة مخلوقة قوله تعالى{ الرحمن الرحيم}هذه رحمة صفة أما قوله{ففي رحمة الله هم فيها خالدون} هذه رحمة مخلوقة والمراد بها الجنة وما ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة وفي مسلم من حديث سلمان "إن الله خلق مئة رحمة" هذه رحمة مخلوقة ذكر هذا التفصيل ابن القيم رحمه الله تعالى في بدائع الفوائد ( وهو الغفور الرحيم ) - ( فالله خير حافظا وهو أرحم الراحمين ) وقوله : ( رضي الله عنهم ورضوا عنه ) وقوله : ( ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه ) وقوله : ( ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه ) وقوله : ( فلما آسفونا انتقمنا منهم ) وقوله : ( ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم ) وقوله : ( كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون ) وقوله : ( هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة وقضي الأمر ) في ضلل من الغمام في هنا بمعنى مع ثم إطلاق الإتيان على الله له معنيان ذكرهما الدارمي في رده على بشر المريسي وابن القيم في مختصر الصواعق الأول إتيان مطلق كمثل هذه الآية وما سيأتي بعدها الثاني إتيان مقيد {فأتى الله بنيانهم}فالثاني ليس من صفاته والأول من صفاته سبحانه وقوله : ( هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك ) هذه الآية من أقوى ما يرد على أهل البدع القائلين إن إتيان الله المراد به إتيان مخلوق كإتيان أمره أو غيره أو إتيان الملائكة لأن الله ذكر إتيانه وذكر إتيان المخلوقين كالملائكة ( كلا إذا دكت الأرض دكا, دكا وجاء ربك والملك صفا , صفا ) الظاهر من استعمال أهل العلم كما ترى في استعمال الدارمي وغيره أن المجيء أو الإتيان بمعنى واحد وأنه لا فرق بينهما ويوم تشقق السماء بالغمام ونزل الملائكة تنزيلا ) في هذه الآية إشكال إذ ليس فيها ذكر الإتيان فكيف أوردها ابن تيمية رحمه الله تعالى في الآيات التي يريد أن يورد فيها الصفات يقال جوابا على هذا والله أعلم أنه بالآيات السابقة تبين أن في مثل تشقق الغمام والسماء يأتي الله عز وجل ذكر هذا شيخنا ابن العثيمين رحمه الله تعالى وقوله : ( ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام ) - ( كل شيء هالك إلا وجهه ) وقوله : ( ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي ) - ( وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء ) اليد جاء إثباتها في الكتاب والسنة مفردة ومثناة كما قال تعالى{بل يداه مبسوطتان}وقد أشار ابن تيمية إلى بحث دقيق وذكره أيضا ابن القيم في مختصر الصواعق وابن رجب في أوائل فتح الباري وهو قوله تعالى {مما عملت أيدينا أنعاما} أن لفظة أيدينا في هذه الآية ليست من آيات الصفات وكلام ابن رجب واضح وذلك لقرينة ذكرها ابن رجب وذكرها ابن القيم وهي أنه لو أثبتت اليد من هذه الآية للزم من هذا أن يكون آدم والأنعام مستويين في أن الله خلقهما بيده وقد فضل الله آدم على المخلوقين بأنه خلقه بيده سبحانه جل جلاله وهذه قرينة متصلة أو منفصلة؟ منفصلة ولابن تيمية كلام نفيس في أوائل المجلد السادس من مجموع الفتاوى في أن كثيرين يخطئون منذ سيرون آية أو حديثا فيها صفة يجعلونها من آيات الصفات قال رحمه الله لابد أن ينظر إلى القرائن المتصلة المنفصلة والسابق واللاحق فأتى الله بنيانهم هذه قرينة متصلة أو منفصلة ؟متصلة طيب {مما عملت أيدينا} هذه ليست من آيات الصفات هذه متصلة أم منفصلة ؟منفصلة وهكذا فينبغي أن ينظر إلى السياق {يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله }يعني في حق الله وليس المراد منها إثبات الجنب لله سبحانه وتعالى وقوله : ( واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا ) جاء في الكتاب والسنة ذكر العين لله ولله عينان بإجماع أهل السنة وإن لم يصح فيه حديث منصوص لكن أجمع عليه أهل السنة كما حكا الإجماع أبو الحسن الأشعري وغيره وأقر هذا الإجماع ابن تيمية ويدلل ذلك حديث ابن عمر في الصحيحين "إن المسيح الدجال أعور وإن ربكم ليس بأعور "ولغة لا يطلق العور إلا على المزدوج على الاثنين وعلى ما له عينان وقوله{وحملناه على ذات ألواح ودسر تجري بأعيننا جزاء لمن كان كفر ) - ( وألقيت عليك محبة مني ولتصنع على عيني ) وقوله : ( قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركما إن الله سميع بصير لاحظوا الآن أورد آية في صفة أي شيء السمع وقد تقدم إيراد الآيات في هذا وقوله : ( لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء ) - ( أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم بلى ورسلنا لديهم يكتبون ) وقوله : ( إنني معكما أسمع وأرى ) وقوله : ( ألم يعلم بأن الله يرى ) - ( الذي يراك حين تقوم وتقلبك في الساجدين إنه هو السميع العليم ) - ( وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون ) وقوله : ( وهو شديد المحال ) وقوله : ( ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين ) وقوله : ( ومكروا مكرا ومكرنا مكرا وهم لا يشعرون هذه تسمى من صفات المجازاة فيمكرون ويمكر الله ويخطئ من يطلق عليها صفات المقابلة لأن معنى المقابلة من جهة اللغة أي أنها مقابلة لفظية من غير المعنى فلازم هذا عدم إثباتها لله فمثلا قوله تعالى{وجزاء سيئة .سيئة مثلها} السيئة الثانية هل هي في الواقع سيئة ثانية ليست سيئة في الواقع وإنما هذا يطلق من باب المقابلة وإلا في الواقع ليست سيئة فقتل القاتل لا يعتبر سيئة وإنما من باب المقابلة لاحظ ولازم المقابلة أنها لا تكون سيئة وإذا قلت يمكرون ويمكر الله كذلك لازم هذا أنها لا يمكر والواقع أن إطلاق هذا على الله من باب المجازاة ومعنى هذا أن الله يمكر حقيقة لكن بمن يمكر به أما على قول المقابلة إن الله لا يمكر كما أن السيئة الأخرى ليست سيئة وينبغي أن يتنبه لهذا لذلك عبر ابن القيم في مدارج السالكين بالمجازاة وأظن هذا التعبير أيضا موجود في بدائع الفوائد وإن كان بعض أهل العلم يتساهل ويعبر بلفظة المقابلة لكن اللفظ الأدق هو أن تقول إنها من باب المجازاة وقوله : ( إنهم يكيدون كيدا وأكيد كيدا ) وقوله : ( إن تبدوا خيرا أو تخفوه أو تعفوا عن سوء فإن الله كان عفوا قديرا ) - ( وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم ) وقوله : ( ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ) وقوله عن إبليس : ( فبعزتك لأغوينهم أجمعين ) وقوله : ( تبارك اسم ربك ذي الجلال والإكرام ) من فوائد ابن القيم في جلاء الأفهام أنه ذكر أن لفظة تبارك خاصة بالله سبحانه وتعالى ولا يصح أن يقال كما يقول بعض العامة تبارك علينا يا فلان وقوله : ( فاعبده واصطبر لعبادته هل تعلم له سميا) - ( ولم يكن له -كفوا أحد ) ( فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون ) - ( ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله ) - ( وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل وكبره تكبيرا ) - ( يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير ) - ( تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا الذي له ملك السماوات والأرض ولم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك وخلق كل شيء فقدره تقديرا ) - ( ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض سبحان الله عما يصفون عالم الغيب والشهادة فتعالى عما يشركون ) - ( فلا تضربوا لله الأمثال إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون ) - ( قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون} طيب نقف عند هذا إن شاء الله تعالى تفريغ الشريط الثاني:
بسم الله الرحمن الرحيم نحن نستكمل القراءة ما فيها بسم الله الرحمن الرحيم ما فيه دليل عليها الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين قال المصنف رحمه الله وقوله : ( الرحمن على العرش استوى ) في سبعة مواضع إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أما بعد فالاستواء صفة فعلية وهي صفة سمعية بمعنى أن العقل لا يدل عليها وإنما يدل عليها السمع وحده وللاستواء معان أربعة مذكورة في كلام السلف : المعنى الأول: وهو الارتفاع وبه قال أبو العالية وغيره المعنى الثاني:بمعنى العلو وبه قال مجاهد المعنى الثالث:الاستقرار وبه قال الكلبي ومقاتل وبه قال ابن المبارك المعنى الرابع:الصعود وبه قال أبو عبيدة وذكر هذه المعاني الأربعة ابن تيمية في شرح حديث النزول وابن القيم في الكافية الشافية وأشار أيضا إليها في كتاب اجتماع الجيوش الإسلامية ويخطئ بعضهم فيفسر قوله تعالى {ثم استوى إلى السماء} بمعنى قصد فيقول الاستواء إذا عدي بإلى فهو بمعنى القصد وقد أنكر هذا ابن تيمية وجعله تفسير أهل البدع كما في شرح حديث النزول وكذا أنكره ابن القيم في المجلد الأول من الصواعق المرسلة وقد أوّل أهل البدع الاستواء بمعنى الاستيلاء وهذا من منكر من جهة المعنى ومن جهة اللغة أما من جهة المعنى فلازمه أن يكون قد استولى على العرش غير الله أما من جهة اللغة فهو خطأ على اللغة ولا تفسر اللغة الاستواء بمعنى الاستيلاء كما نص على ذلك إمام اللغة ابن الأعرابي خرجه البيهقي في الأسماء والصفات بسند صحيح وأيضا خرجه اللالكائي وأنكر هذا من جهة اللغة جمع كبير من المحققين كابن تيمية وابن القيم ويستدل أهل البدع على إطلاق الاستواء بمعنى الاستيلاء ببيت الأخطل قد استوى بشر على العراق بغير سيف ولا دم مهراق وقد كذب هذا البيت الخطابي وأنكره أيضا من جهة اللغة ابن عبد البر في التمهيد ولا يصح لأحد أن يفسر الاستواء هنا بمعنى مجازي لو صح المجاز في اللغة لأمرين: الأمر الأول: الإجماع على أن أسماء الله وصفاته على الحقيقة لا على المجاز كما حكاه ابن عبد البر في المجلد السابع من التمهيد الأمر الثاني: أن المجازيين أنفسهم ذكروا وانتبه إلى هذا أن اللفظ إذا كرر فهذا تأكيد لإرادة اللفظ نفسه فلا يدخله المجاز ذكر هذا ألسبكي والسيوطي ولفظ الاستواء تكرر في القرآن في سبع مواضع وينبغي لك أن تتنبه لكتب اللغة فإن كثيرا منها أدخل فيها علم الكلام فإذا راجعت كتاب الصحاح للجوهري تجده فسر الاستواء بمعنى الاستيلاء وهذا من دخول علم الكلام في كتب اللغة وطائفة من أهل البدع يقولون استواء الله على العرش من غير مماسه وهذا خطأ فأهل السنة يثبتون الاستواء ولا يثبتون المماسة ولا ينفونها وأنت إذا رجعت إلى كتاب الأسماء والصفات للبيهقي وجدته نفى المماسة وهذا خطأ منه فإن البيهقي أشعري وعنده تأويلات وقد حقق هذه المسالة الإمام عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن كما في الدرر وبين أن أهل السنة لا يثبتون المماسة ولا ينفونها لأنه لم يأت إثبات لها ولا نفي وقوله : ( يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي ) متوفيك أي بمعنى مستوفي لك مدة بقائك في الدنيا إلى أن ترفع وليس معناه أنه مات وتوفي والقرآن يفسر بعضه بعضا والسنة تفسر القرآن قال تعالى{بل رفعه الله إليه} وقال قبل{وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم} والسنة صريحة في أن عيسى سينزل في آخر الزمان وقد ذكر هذا أبو العباس ابن تيمية في مجموع الفتاوى ( بل رفعه الله إليه ) وجه الدلالة من هذه الآية هو أثبات العلو وكذلك ذكر الاستواء لأجل إثبات صفة العلو ( إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه ) - ( يا هامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب أسباب السماوات فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذبا ) - ( أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصبا فستعلمون كيف نذير ) قول في السماء له معنيان بحسب معنى في إن كان معنى في أي على كقوله تعالى{قل سيروا في الأرض} أي على الأرض وكقوله لأصلبنكم في جذوع النخل}أي على جذوع النخل فيراد بالسماء أي السماء المخلوقة يعني السماء السابعة وهو عليها أي فوقها وإن كان المراد بالسماء أي كل ما سماك وعلاك أي ما فوق المخلوقات ففي على بابها أي هي ظرفية فالله فوق جميع المخلوقات في سماء غير مخلوقة لأن كل ما علاك فقد سماك ذكر هذا أبو العباس ابن تيمية في التدمرية وقوله : ( هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو معكم أينما كنتم والله بما تعملون بصير ) هذا فيه إثبات المعية يأتي الكلام عليه إن شاء الله ألم تر أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض ( ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أينما كانوا ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة إن الله بكل شيء عليم ) وقوله : ( لا تحزن إن الله معنا ) - ( إنني معكما أسمع وأرى ) - ( إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون ) - ( واصبروا إن الله مع الصابرين ) - ( كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين ) وقوله : ( ومن أصدق من الله حديثا ) - ( ومن أصدق من الله قيلا ) - ( وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم ) - ( وتمت كلمت ربك صدقا وعدلا ) - ( وكلم الله موسى تكليما ) قوله وكلم الله موسى تكليما هذا تأكيد للمصدر بفعل الكلام كلم الله والفعل إذا أكد بالمصدر فلا يدخله المجاز بإجماع كما حكاه ابن النحاس فيما نقله ابن حجر وأقره ( منهم من كلم الله ) - ( ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه ) كلمه الله عز وجل لما جاء إلى الميقات فدل هذا على أن مذهب أهل السنة في أن كلام الله متجدد الأفراد لما جاء إلى الميقات كلمه الله إذن الكلام يتجدد من حيث الأفراد فأهل السنة يقولون كلام الله قديم النوع بمعنى أنه قديم بقدم الله لأنها صفة من صفات الله إلا أن أفراد الكلام يتجدد بحسب الحوادث خلافا للاشاعرة والكلابية ( وناديناه من جانب الطور الأيمن وقربناه نجيا ) النداء فيه إثبات للكلام اللفظي خلافا للكلابية والأشاعرة الذين ينفون الكلام اللفظي ولا يثبتون إلا الكلام النفسي لأن النداء في اللغة لا يكون إلا بصوت ( وإذ نادى ربك موسى أن ائت القوم الظالمين ) - ( وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة ) - ( ويوم يناديهم فيقول : ماذا أجبتم المرسلين ) - ( وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ) - ( وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون ) - ( يريدون أن يبدلوا كلام الله قل لن تتبعونا كذلكم قال الله من قبل ) - ( واتل ما أوحي إليك من كتاب ربك لا مبدل لكلماته ) - ( إن هذا القرآن يقص على بني إسرائيل أكثر الذي هم فيه يختلفون ) وقوله وهذا كتاب أنزلناه مبارك ) وقوله لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله ) القرآن منزل من الله وغير مخلوق فإن قال قائل لا تلازم بين الإنزال وأن لا يكون القرآن مخلوقا فقد يكون منزلا ويكون مخلوقا كما أن المطر منزل وهو مخلوق وكما أن الحديد منزل وهو مخلوق وقد أجاب على هذا أبو العباس ابن تيمية في حديث النزول وابن القيم كما في مختصر الصواعق وذكروا أن المنزل على أقسام ثلاثة : القسم الأول منزل من عند الله وهو القرآن قال تعالى{كتاب أنزلناه إليك مبارك}وقال تعالى{تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم}قوله من الله يفيد أن القرآن منزل من عند الله القسم الثاني:من المنزلات هو المنزل المقيد بغير الله كأن يكون من السماء {وأنزلنا من السماء ماءا مباركا} القسم الثالث: هو ذكر الإنزال على الإطلاق من غير تقييد كقوله تعالى {وأنزلنا الحديد فيه باس شديد ومنافع للناس } فتميز القرآن من بين المنزلات بأنه من عند الله فدل هذا على أنه غير مخلوق وقوله {وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت مفتر بل أكثرهم لا يعلمون} وقوله {قل نزله روح القدس من ربك بالحق ليثبت الذين آمنوا وهدى وبشرى للمسلمين ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين} وقوله {وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة } قوله وجوه يومئذ ناضرة أي حسنة إلى ربها ناظرة أي أنها تنظر وترى الله وفعل النظر هو أحوال ثلاثة: * أن يعدا بحرف في فيكون بمعنى التفكر *أن يعدا بحرف إلى فيكون بمعنى النظر بالعين وبعضهم جزم أنه إذا عدي ب إلى لا يكون إلا بمعنى النظر بالعين ومنهم من خالف إلا أن هذا هو الغالب *الحالة الثالثة ألا يعدا النظر بحرفي في أو إلى بمعنى ألا يعدا بحرف ويكون بمعنى الانتظار وقد جاء عن مجاهد كما خرج ابن جرير أنه قال في قوله تعالى {إلى ربها ناظرة}أنها تنظر إلى ثواب ربها لكن الإسناد لا يصح لأن فيه محمد بن حميد الرازي وهو ضعيف كما ضعفه ابن خزيمة وغيره وقوله {على الأرائك ينظرون } وقوله {للذين أحسنوا الحسنى وزيادة} وقوله {لهم ما يشاءون فيها ولدينا مزيد} فسرت الزيادة في قوله تعالى {للذين أحسنوا الحسنى وزيادة}فسرت في الحديث الصحيح في صحيح مسلم بالنظر إلى وجه الله أسأل الله أن يمن علي وعليكم بهذه النعمة وهذا الباب في كتاب الله كثير من تدبر القرآن طالبا للهدى منه تبين له طريق الحق فالسنة تفسر القرآن وتبينه وتدل عليه وتعبر عنه وما وصف الرسول به ربه عز و جل من الأحاديث الصحاح التي تلقاها أهل المعرفة بالقبول وجب الإيمان بها أنبه على أمرين:
الأمر الأول: يشترط في أحاديث الصفات أن تكون صحيحة بمعنى أن تكون ثابتة ويدخل في ذلك الحديث الصحيح والحديث الحسن لذا سترى ابن تيمية يذكر بعض أحاديث الصفات ثم يحكم عليها بالحسن فبمجرد الثبوت سواء كان الحديث حسنا أو صحيحا فهو حجة في باب العقائد ومنه الأسماء والصفات وقد يورد إشكال ويردده كثيرون وممن يردده أهل البدع للطعن في كتب الاعتقاد ويقولون إن هذه الكتب لا يصح الاعتماد عليها لأن فيها أحاديث ضعيفة فالجواب أن يقال إن كتب الاعتقاد على قسمين: القسم الأول: كتب مسندة وعند العلماء الأوائل أن من أسند فقد أحالك كما ذكر هذه القاعدة ابن عبد البر في أوائل التمهيد والعلائي في جامع التحصيل والسيوطي في تدريب الراوي وأيضا يقال إن التصحيح والتضعيف نسبي يتنازع أهل العلم فيه هذا من كثير من الأحاديث فقد تظن هذا الحديث ضعيف وغيرك صحيحا ويقال أيضا إن علماء أهل السنة غير معصومين من جهة الأفراد قد يخطئ أحدهم لكنهم من حيث إجماعهم فهم معصومون وهم حجة أما القسم الثاني: فهي الكتب غير المسندة فالقول فيها كالكتب المسندة ما عدا الوجه الأول التنبيه الثاني: أهل السنة يحتجون في العقائد بكل ما ثبت عن رسول الله r سواء كان متواترا أو آحادا إلى أن جاء أهل البدع من المعتزلة والجهمية والاشاعرة فأنكروا الاحتجاج بخبر الآحاد ورد عليهم أئمة أهل السنة ردا مطولا وممن رد عليهم الشافعي في كتاب الرسالة وبسط الرد بسطا مفيدا الإمام ابن القيم في كتاب مختصر الصواعق وهذا القول أعني التفريق بين الآحاد والمتواتر قول متناقض وغير منضبط أما وجه كونه غير منضبط أن شروط التواتر التي يذكرونها وهو ما رواه جمع عن جمع من أول السند إلى منتهاه تفيد عدم تواطئهم وتوافقهم على الكذب وكان مستندهم الحس هذه الشروط لا توجد في حديث لذا قال ابن الصلاح على سعة اطلاعه إلا أن يدعى في الحديث من كذب علي متعمدا يعني حتى في هذا الحديث هو متردد لكونه متواترا وذكر غير واحد أنه لا مثال للحديث المتواتر وممن ذكر ذلك ابن النجار في شرح...فدلك هذا على أن هذا التقسيم غير منضبط أما وجه كونه متناقضا فهو قولهم إن خبر الآحاد حجة في المسائل العملية كالمسائل الفقهية وليس حجة في الأمور العقدية وهذا متناقض في أصله وذلك أنه ما من مسالة عملية إلا وهي مبنية على اعتقاد فمثلا الاستياك سنة عملية وهو في الوقت نفسه أمر عقدي لأنك اعتقدت استحبابه فلازم قول المفرقين بين المسائل العقدية وغيرها أحد أمرين إلا أن لا يحتجوا بالسنة مطلقا سواء كانت آحادا أو متواترا أو أن يحتجوا بها مطلقا أما التفريق بين المسائل العقدية وغيرها فلازمه التناقض كما تقدم أفاد هذا ابن القيم رحمه الله تعالى في مختصر الصواعق المرسلة وذلك مثل قوله r:"ينزل ربنا إلى السماء الدنيا كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول : من يدعوني فأستجب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟"متفق عليه. هذا الحديث يرويه أبو هريرة رضي الله عنه وقد أوله أهل البدع بنزول رحمة الله وأمر الله وهذا قطعا خطأ لأن أمر الله ورحمته تنزل في كل وقت وقد روي هذا القول عن الإمام مالك كما ذكره ابن عبد البر في التمهيد إلا أن الإمام ابن تيمية في شرح حديث النزول وكذا الإمام ابن القيم في مختصر الصواعق بينوا كذب هذه الرواية عن الإمام مالك اختلف أهل السنة هل إذا نزل الله يخلوا العرش أم لا على أقوال ثلاثة القول الأول: التوقف وهو قول عبد الغني المقدسي القول الثاني: لا يخلوا وهو قول نعيم بن حماد والإمام أحمد وإسحاق بن راهويه ونصره ابن تيمية بقوة وقال وهو القول المحفوظ عن السلف أي أنه لا يخلوا القول الثالث: أنه يخلوا وهو قول أبي القاسم عبد الرحمن بن مندة وألف فيه مصنفا وأظهر هذه الأقوال الثلاثة ما ذهب إليه أئمة السنة من أن العرش لا يخلوا بل قال ابن تيمية لا يحفظ عن أحد من أئمة السنة القول بأنه يخلوا قال لا بإسناد صحيح ولا ضعيف ووجه صحة هذا القول أن الأدلة دلت على أن الله استوى على عرشه وليس هناك دليل يدل على أنه إن ترك الاستواء ولا يلزم من الأدلة النزول خلو العرش وإنما يكون هذا في حق المخلوق أما الله تعالى ليس كمثله شيء اختلفت الروايات في وقت النزول وأصحها هو اختيار الترمذي وظاهر ترجيح ابن حجر وترجيح ابن تيمية أن النزول في الثلث الأخير وأن ما عدا هذا فيه ضعف ونزول الله تعالى قد تواترت النصوص في تقريره حتى ذكر ابن القيم كما في مختصر الصواعق أن أحاديث النزول قد رواها ثمانية وعشرون صحابيا أو نحو ذلك وجزم الذهبي بأنه حديث متواتر والتواتر في عبارة ابن القيم والذهبي وغيرهم وأئمة الحديث الأوائل هو بالمعنى اللغوي أي المتكاتف لا بالمعنى الاصطلاحي المحدث الذي تقدم ذكر تعريفه وقوله r: "لله أشد فرحا بتوبة عبده ...من أحدكم براحلته" الحديث متفق عليه هذا جاء من حديث أنس وغيره في الصحيحين وقوله r : "يضحك الله إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر كلاهما يدخل الجنة" متفق عليه . هذا رواه أبو هريرة وقوله r:" عجب ربنا من قنوط عباده وقرب غِيَرِه قرب غِيَرِه معنى قرب غيره أي تغير الحال ينظر إليكم أزلين قنطين فيظل يضحك يعلم أن فرجكم قريب" حديث حسن . هذا الحديث هو حديث أبي رزين العقيلي وهو من طريق بكير بن حُدُس ويقال عُدُس بالحاء والعين عن أبي رزين العقيلي ووكيع هذا لا يعرف حاله كما ذكر الذهبي فالإسناد ضعيف لا يصح واللفظ المشهور كما عند أحمد وغيره يضحك الله أو ضحك الله أما لفظ التعجب هذا أيضا ذكره ابن كثير في تفسيره فصفة التعجب ثابتة لله قال تعالى بل عجبتُ ويسخرون} وكما في الصحيحين من حديث أبي هريرة أن النبي r قال:"عجب ربك من أناس يدخلون الجنة " وقوله r:" لا تزال جهنم يلقى فيها وهي تقول : هل من مزيد ؟ حتى يضع رب العزة فيها رجله وفي رواية عليها قدمه فينزوي بعضها إلى بعض فتقول قط , قط" متفق عليه . هذا من حديث أنس رضي الله عنه وهذا فيه إثبات صفة الرجل لله وفي رواية القدم والقدم والرجل بمعنى واحد كالإتيان والمجيء ولله سبحانه وتعالى قدمان كما ثبت عن عبد الله ابن عباس عند البيهقي والدارمي قال الكرسي موضع القدمين وقوله r:" يقول تعالى : يا آدم فيقول : لبيك وسعديك فينادي بصوت : إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثا إلى النار" متفق عليه . قوله بصوت هذا صريح في الرد على الأشاعرة ومحاولة البيهقي تضعيف هذه اللفظة خطأ لأنه يلزم من النداء أن يكون بصوت وهذا الحديث رواه أبو سعيد الخذري رضي الله عنه وقوله r: "ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه وليس بينه وبينه ترجمان ". هذا الحديث خرجه الشيخان من حديث عدي بن حاتم وقوله r في رقية المريض r: "ربنا الله الذي في السماء تقدس اسمك أمرك في السماء والأرض كما رحمتك في السماء اجعل رحمتك في الأرض اغفر لنا حوبنا وخطايانا أنت رب الطيبين أنزل رحمة من رحمتك وشفاء من شفائك على هذا الوجع فيبرأ" حديث حسن رواه أبو داود وغيره . خرجه أبو داود من حديث أبي الدرداء وفي إسناده زيادة بن محمد ألأوصالي وهو ضعيف وقوله r:" ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء" حديث صحيح . أيضا خرجه الشيخان من حديث أبي سعيد وقوله r: "والعرش فوق الماء والله فوق العرش وهو يعلم ما أنتم عليه" حديث حسن رواة أبو داود وغيره . هذا هو المشهور بحديث الأوعال وفي إسناده انقطاع وراو مجهول والصحابي الذي يرويه العباس وهو حديث ضعيف وقوله r للجارية : أين الله ؟ قالت: في السماء قال: من أنا ؟ قالت: أنت رسول الله قال: أعتقها فإنها مؤمنة" رواه مسلم من حديث معاوية بن الحكم السلمي وفي هذا الحديث فائدة عظيمة وهو جواز السؤال عن الله ب أين خلافا للأشاعرة وغيرهم الذين يكفرون من سأل بلفظة أين وفي هذا الحديث أيضا فائدة أخرى وهو جواز الامتحان في العقائد وذلك إذا دعت الحاجة إليه وإلا فلا يجوز إذ سبب سؤال رسول الله r هو إرادة إعتاقها ويشترط في عتق الرقبة أن تكون مؤمنة وكذا إذا دعت الحاجة إلى الامتحان في العقائد فيفعل وقد فعل هذا جمع من السلف منهم عبد الرحمن بن مهدي كما في السنة لعبد الله بن الإمام أحمد وقوله r "أفضل الإيمان أن تعلم أن الله معك حيث ما كنت" حديث حسن . هذا الحديث خرجه الطبراني والبيهقي في الأسماء والصفات من حديث عبادة بن الصامت وهو حديث ضعيف لأن في إسناده نعيم بن حماد الخزاعي وقد ضعف الحديث الهيثمي في مجمع الزوائد وقوله r :"إذا قام أحدكم إلى الصلاة فلا يبصقن قبل وجهه ولا عن يمينه فإن الله قبل وجهه . ولكن عن يساره أو تحت قدمه"متفق عليه . والراوي لهذا الحديث عبد الله بن عمر رضي الله عنه وقد استشكل في هذا الحديث أمر وهو كيف الجمع بين علو الله سبحانه وتعالى وكونه قبل وجه المصلي أجاب على هذا أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى كما في الحموية وذكر أنه لا تعارض بينهما فالشيء الكبير قد يكون فوقك وأمامك قال رحمه الله تعالى كذلك واعتبر هذا في بعض المخلوقات كالقمر والشمس فإنها تكون أمامك وفوقك وقوله r: "اللهم رب السماوات السبع والأرض ورب العرش العظيم ربنا ورب كل شيء فالق الحب والنوى منزل التوراة والإنجيل والقرآن أعوذ بك من شر نفسي ومن شر كل دابة أنت آخذ بناصيتها أنت الأول فليس قبلك شيء وأنت الآخر فليس بعدك شيء وأنت الظاهر فليس فوقك شيء وأنت الباطن فليس دونك شيء اقض عني الدين وأغنني من الفقر" رواه مسلم . في هذا الحديث تفسير ه للأول والآخر والظاهر والباطن ففسر الأول بالذي ليس قبله شيء الآخر الذي ليس بعده شيء الظاهر الذي ليس فوقه شيء ففيه إثبات العلو لله والباطن الذي ليس دونه شيء والمراد من هذا إثبات المعية كما ذكره ابن القيم في مدارج السالكين وهذا الحديث أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة وقوله r لما رفع الصحابة أصواتهم بالذكر :"أيها الناس أربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا إنما تدعون سميعا بصيرا قريبا إن الذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته"متفق عليه . من حديث أبي موسى رضي الله عنه وقوله أربعوا بفتح الباء كما ذكر النووي رحمه الله تعالى إلى أمثال هذه الأحاديث التي يخبر فيها رسول الله r عن ربه بما يخبر به فإن الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة يؤمنون بذلك كما يؤمنون بما أخبر الله به في كتابه من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا تمثيل بل هم الوسط في فرق الأمة كما أن الأمة هي الوسط في الأمم والوسطية أمر مطلوب شرعا لكن ينبغي أن يعرف أمران الأمر الأول : أن مرجع الوسطية إلى الشرع وفهم السلف الأمر الثاني أنه ليس معنى كون الوسطية محمودة أن كل ما كان بين أمرين يعتبر محمودا شرعا فيأت آت يقول المعتزلة بين الأشاعرة والجهمية فهم الوسط فهم إذن أهل الحق هذا خطأ وإنما المعيار كما تقدم هو الشرع ثم قوله تعالى {وكذلك جعلناكم أمة وسطا المراد بهذا العدول والخيار وليس المراد بها ما كان وسطا بين أمرين فهم وسط في باب صفات الله سبحانه وتعالى بين أهل التعطيل الجهمية وأهل التمثيل المشبهة وهم وسط في باب أفعال الله بين الجبرية والقدرية وغيرهم سيأتي إن شاء الله تعالى الكلام على هذا مفصلا وفي باب وعيد الله بين المرجئة والوعيدية من القدرية وغيرهم وفي باب أسماء الإيمان والدين بين الحرورية والمعتزلة وبين المرجئة والجهمية وفي أصحاب رسول الله r بين الرافضة والخوارج
وقد دخل فيما ذكرناه من الإيمان بالله الإيمان بما أخبر به في كتابه وتواتر عن رسوله r وأجمع عليه سلف الأمة من أنه سبحانه فوق سماواته على عرشه عليٌّ خلقه وهو سبحانه معهم أينما كانوا يعلم ما هم عاملون كما جمع بين ذلك في قوله :{هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو معكم أينما كنتم والله بما تعملون بصير}. سيذكر رحمه الله تعالى كلاما نفيسا حول المعية فقبل أن نستمع إلى كلامه اعلموا أن المعية نوعان معية عامة ومعية خاصة ولازم المعية العامة الإحاطة والعلم ولازم المعية الخاصة الحفظ والتأييد والنصر والتعبير بلفظ اللازم أدق إذا ليس المعية هي الحفظ بالنسبة للمعية الخاصة وليس المعية العامة هي العلم وإنما لازم المعية العامة العلم ولازم المعية الخاصة الحفظ والتأييد والنصر عبر بلفظ اللازم ابن عبد البر رحمه الله تعالى في التمهيد ولازم المعية الخاصة الحفظ والتأييد والنصر إذن ليست المعية الخاصة الحفظ والتأييد والنصر وإنما هذا لازمها وليست المعية العامة هي العلم وإنما لازم هذا لازمها عبر باللازم ابن عبد البر في التمهيد وابن القيم كما في مختصر الصواعق وقد يشكل على بعضهم معنى المعية وأمرها واضح بتوفيق الله وهو أن معنى المعية في اللغة مطلق المصاحبة ومطلق المصاحبة ليس المراد منها دائما الالتصاق أو الممازجة وإنما مصاحبة كل شيء بحسبه فتقول سرت والقمر فأنت مصاحب للقمر وتقول سرت وزيدا أنت مصاحب لزيد إلا أن معية القمر بحسب حالها غير معية زيد بحسب حاله إذن المعية هي مطلق المصاحبة ولا تقتضي بحال لغة الممازجة والملاصقة بل معناها في اللغة مطلق المصاحبة ويختلف هذا باختلاف الحال وليس معنى قوله وهو معكم أنه مختلط بالخلق فإن هذا لا توجبه اللغة وهو خلاف ما أجمع عليه سلف الأمة وخلاف ما فطر الله عليه الخلق بل القمر آية من آيات الله من أصغر مخلوقاته وهو موضوع في السماء وهو مع المسافر وغير المسافر أينما كان وهو سبحانه فوق عرشه رقيب على خلقه مهيمن عليهم مطلع عليهم إلى غير ذلك من معاني ربوبيته . وكل هذا الكلام الذي ذكره الله من أنه فوق العرش وأنه معنا حق على حقيقته لا يحتاج إلى تحريف ولكن يصان عن الظنون الكاذبة مثل أن يظن أن ظاهر قوله {في السماء} أن السماء تقله أو تظله وهذا باطل بإجماع أهل العلم والإيمان فإن الله قد وسع كرسيه السماوات والأرض وهو الذي يمسك السماوات والأرض أن تزولا ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره يعني كيف يظن أن قوله في السماء يعني أن السماء تحيط بالله والله يمسك السماوات والأرض بل وسع كرسيه السماوات و الأرض هذا باطل فلا ينبغي أن يظن وأؤكد على ما تقدم أن اللغة في المعية لا تقتضي الممازجة ولا المخالطة ولا الملاصقة وإنما تقتضي مطلق المصاحبة وكل بحسب حاله وقد دخل في ذلك الإيمان بأنه قريب من خلقه مجيب كما جمع بين ذلك في قوله :{وإذا سألك عبادي عني فإني قريب} وقوله r: "إن الذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته" القرب لم يأت في الكتاب والسنة إلا القرب الخاص قرب العابدين وقرب للداعين كقوله تعالى{فإني قريب أجيب دعوة الداعي إذا دعان}وهذا هو قول أبي العباس ابن تيمية كما في المجلد السادس من مجموع الفتاوى وهو قول ابن القيم كما في مختصر الصواعق فلا يوجد في الكتاب والسنة إلا قرب واحد وهو قرب الخاص ولبعض السنة كلام في أن القرب قربان عام وخاص كالمعية وهذا ظاهر كلام ابن القيم في البدائع وهو قول الشيخ عبد الرحمن بن السعدي والصواب هو القول الأول لأنه هو موجود في الكتاب والسنة وما عداه غير موجود وراجعوا كلام ابن تيمية في أوائل المجلد السادس من مجموع الفتاوى فقد تكلم كلاما نفيسا على مسألة القرب وما ذكر في الكتاب والسنة من قربه ومعيته لا ينافي ما ذكر من علوه وفوقيته فإنه سبحانه ليس كمثله شيء في جميع نعوته وهو عليٌّ في دنوه قريب في علوه ومن الإيمان بالله وكتبه : الإيمان بأن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق هذا المبحث مهم للغاية وكثر خلاف أهل البدع لأهل السنة في مسالة الكلام حتى إنه قال سبب تسمية أهل الكلام بأهل الكلام كثرة الكلام في مسألة الكلام أعد الإيمان بأن القرآن كلام الله نأخذها واحدة واحِدة أن القرآن كلام الله يدل على ذلك قوله تعالى {فأجره حتى يسمع كلام الله }فدل هذا على أن القرآن من كلام الله ما الدليل على أن القرآن غير مخلوق هو كل دليل يدل على أن كلام الله غير مخلوق إذ القرآن من كلام الله ومن الأدلة على ذلك قوله تعالى {ألا له الخلق والأمر}فعطف الأمر على الخلق يدل على أنه غير مخلوق إذ العطف يقتضي المغايرة وفسر هذا الأمر في قوله تعالى وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا} وفي قوله {إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون} وقد استدل بقوله تعالى {ألا له الأمر والخلق}على أن كلام الله غير مخلوق سفيان بن عيينة ومن الأدلة على أن كلام الله غير مخلوق قوله تعالى{ إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون} وجه الدلالة أن المخلوقات كانت بالأمر فدل هذا على أن الأمر غير مخلوق ومن الأدلة ما خرج مسلم من حديث خوله بنت حكيم أن النبي r قال:" من نزل منزلا فقال أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق لم يضره شيء حتى يرحل من منزله ذلك" وجه الدلالة هو الاستعاذة بالكلام من جميع الشرور ولا أحد يعيذ من جميع الشرور إلا فدل هذا على أن الكلام غير مخلوق أما الأدلة على أن القرآن نفسه غير مخلوق زيادة على ما تقدم من الأدلة على أن كلام الله غير مخلوق وهو القرآن ألا وهو قوله تعالى{إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني} لو كان القرآن مخلوقا للزم من هذا أن يكون في القرآن دعوة للشرك وهذا باطل وبهذا استدل يحيى بن سعيد القطان كما في خلق أفعال العباد للبخاري واستدل بها سليمان بن داود الهاشمي أيضا منزل غير مخلوق تقدم الكلام على أنه منزل وتقدم الكلام على أنه غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود معنى منه بدأ أي أن الله تكلم به ابتداءً وإليه يعود أي أنه يرفع في آخر الزمان وعلى هذا إجماع أهل السنة كما حكاه ابن تيمية وقد ثبت عند الدارمي والبيهقي في الأسماء والصفات أن عمرو بن دينار قال أدركت الصحابة والتابعين من سبعين سنة يقولون الله خالق وما سواه مخلوق والقرآن منه بدأ وإليه يعود وعمرو بن دينار أدرك جمعا من الصحابة كجابر وغيره وقد ثبت عن أبي هريرة وغيره من الصحابة أن القرآن يعود يعني أن المصاحف ترفع من الأرض وأن الله تكلم به حقيقة وأن هذا القرآن الذي أنزله على نبيه محمد r هو كلام الله حقيقة لا كلام غيره والدليل على أنه كلام الله حقيقة أنه كلام الله سماه الله كلامه لا كلام غيره لا كلام غيره كما تقول الجهمية والمعتزلة أنهم يصدقون بأن القرآن مخلوق وليس كلام الله وسيأتي إن شاء الله ذكر أن الأشاعرة كالمعتزلة والجهمية في كلام الله باعتراف بعض أئمة الأشاعرة ولا يجوز إطلاق القول بأنه حكاية عن كلام الله أو عبارة عنه حكاية هو مذهب الكلابية وعبارة هو مذهب الأشاعرة ومعنى قوليهما أن اللفظ بالقرآن مخلوق لأنهم لا يقرون إلا بالكلام النفسي دون الكلام اللفظي وقولهم باطل مخالف للكتاب والسنة والإجماع بل أول من أحدث هذه البدعة ابن كلاب كما ذكر ذلك السجزي وابن تيمية والدليل على أن الكلام لفظي ومعنوي أي لفظي ونفسي ما ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي r قال:" قال الله تعالى: من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه " ويدل علة ذلك مات خرج البخاري عن أبي هريرة أن النبي r قال:"إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم "قوله أو تتكلم أي الكلام اللفظي ويدل هذا الحديث على أن الأصل في الكلام أنه لفظي ومعنوي إلا بقرينة أو دليل كما أفاد ابن تيمية رحمه الله تعالى وقد ذكر ابن تيمية في مجموع الفتاوى وفي التسعينية فرقا بين الكلابية والاشعرية فقول الكلابية القرآن حكاية عن قول الله أي أنه مأخوذ من المحاكاة والتقليد فلو أن رجلا يقلد في صوته لسمي محاكيا له فهو مأخوذ من المحاكاة والتقليد أما قول الأشاعرة عبارة فهم يقولون إن هذا القرآن يعبر عن كلام الله فإذا تكلم رجل كلاما فجاء آخر فذكر كلامه بالمعنى فيسمى تعبيرا عبارة عن كلامه واعلموا يا إخواني أن لازم مذهب الأشاعرة القول بأن القرآن مخلوق وصرح بهذا اللازم الرازي وذكر هذا اللازم ابن تيمية في التسعينية والشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين كما في الدرر السنية وهذا حق بل إذا قرأه الناس أو كتبوه في المصاحف لم يخرج بذلك عن أن يكون كلام الله تعالى حقيقة طيب ما الدليل على أن المصحف إذا كتب ما الدليل على أنه كلام الله إذا كتب لا يخرج عن كونه كلام الله وكذا إذا سمع بدليل ما ثبت في الصحيحين من حديث ابن عمر :"لا تسافروا بالقرآن إلى أرض العدو" فسماه قرآنا والذي يدل على أنه إذا سمع لا يخرج عن كونه قرآنا ما ثبت في البخاري من حديث أبي هريرة أن النبي r قال:" ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي يتغنى بالقرآن"يعني ما استمع الله لشيء كاستماعه إلى نبي يتغنى بالقرآن فسمى المسموع قرآنا فإن الكلام إنما يضاف حقيقة إلى من قاله مبتدئا لا إلى من قاله مبلغا مؤديا فيه فرق يا إخواني بين الكلام والقول * الكلام إنما يضاف إلى من تكلم به إذا قلت الحمد لله رب العالمين تقول هذا هو كلام الله وإذا قلت إنما الأعمال بالنيات تسأل هل هذا هو كلامك فتقول هذا هو كلام رسول الله r فالكلام يضاف مبتدِئا لمن تكلم أولا * أما القول فقد يضاف إلى من تكلم به وقد يضاف إلى من نقله كما قال تعالى{إنه لقول رسول كريم} وهو كلام الله حروفه ومعانيه ليس كلام الله الحروف دون المعاني ولا المعاني دون الحروف هذا مهم بعض الناس يظن كون الأشاعرة يثبتون الكلام النفسي دون اللفظي يظن أن مذهب أهل السنة إثبات الكلام اللفظي دون النفسي وأهل السنة يثبتون الكلام لفظا ومعنى لفظا ونفسيا أنبه على بعض التنبيهات تتعلق بالكلام: التنبيه الأول:ثبت عن ابن عباس في ما خرج ابن أبي شيبة وابن جرير والبيهقي وغيرهم أنه قال:"ينزل القرآن إلى السماء الدنيا من البيت المعمور جملة واحدة ثم ينزل بعد ذلك منجما بحسب الحوادث وهذا الأثر مشكل من جهة أن ظاهره تأييد مذهب الأشاعرة وذلك أنهم يقولون إن الله تكلم بالقرآن مرة واحدة فهو قديم النوع غير متجدد الأفراد عند الأشاعرة والكلابية أما أهل السنة فيقولون إنه متجدد الآحاد بحسب الحوادث وظاهر أثر ابن عباس أن الله تكلم به أولا ولم يتكلم به بعد أجاب على هذا الإشكال أبو العباس ابن تيمية كما في المجلد الثاني عشر وغيره من مجموع الفتاوى بقوله رحمه الله تعالى إن الذي نزل هو المكتوب ولا يلزم من كتابة الشيء التلفظ به فقد يكتب الشيء قبل ويتلفظ به بعد كما أن القرآن مكتوب في اللوح المحفوظ ولا يلزم من هذا أن الله تكلم به يوم ذاك بل يكتب في اللوح المحفوظ أنه سيكون كذا تكلم الله بكذا ويكون القرآن موجودا في اللوح المحفوظ كاملا فعلى هذا الذي نزل إلى السماء الدنيا هو القرآن المكتوب قبل أن يتلفظ به فعلى هذا لا ممسك للأشاعرة في مثل هذا الأثر وقد رأيت بعضهم ضعف هذا الأثر حتى لا يوافق مذهب الأشاعرة وهذا خطأ كبير لا يصح لأهل السنة أن يضعفوا آثار الصحابة والتابعين لاسيما وقد جاء عن ابن عباس أو غيره من التابعين حتى يفروا من مخالفة أهل البدع بل إذا وجد توجيها وجهه وإلا توقف وسأل من يعلم
التنبيه الثاني:الأشاعرة يقولون إن جبريل وهذا أحد أقوالهم اطلع في اللوح المحفوظ وقرآ القرآن ثم أتى به إلى النبي r يريدون بهذا الفرار من سماع جبريل لكلام الله المتجدد بحسب الحوادث وقولهم هذا خطأ قطعا ومردود بأدلة منها * أن الله صرح بنزول القرآن من عنده ولو كان جبريل قد أخذ القرآن من اللوح المحفوظ لما صح أن يقال أنه نزل من عند الله كما قال تعالى {تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم}{تنزيل من الرحمن الرحيم} * الرد الثاني هو أن يقال إن بني إسرائيل أخذوا من التوراة مباشرة ولو قيل إن النبي r أخذه من جبريل الذي أخذه من اللوح المحفوظ مباشرة للزم على هذا أن يكون بنو إسرائيل ارفع من النبي r من هذه الجهة لأنهم اخذوا من التوراة مباشرة بخلاف النبي r وقد ذكر هذين الوجهين أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى فمما يتعلق بالصفات عموما ومنها صفة الكلام أمران: الأمر الأول: أنواع المضافات إلى الله سبحانه وتعالى المضافات إلى الله سبحانه ثلاثة أنواع: النوع الأول: جعل الله له قدرة في أن يقوم بنفسه فهذا إذا أضيف إلى الله فليست إضافته من باب إضافة الصفة إلى الموصوف مثال ذلك بيت الله , ناقة الله فالبيت يقوم بنفسه والناقة تقوم بنفسها جعل الله لها هذه القدرة فإذا أضيفت إلى الله فهي ليست من إضافة الصفة إلى الموصوف النوع الثاني: لا يقوم بنفسه لكن غيره يقيمه وهذا مثل دين الله فالدين لا يقوم بنفسه بل بالمتمسكين به فكلما كثر المتمسكون به وقووا قوي الدين فإضافة هذا النوع إلى الله ليس من باب إضافة الصفة إلى الموصوف النوع الثالث: ما لا يقوم بنفسه ولا يقيمه غيره كالسمع والكلام فالسمع لا يقوم بنفسه لا يقوم إلا بصاحبه ولا يقيمه غيره فعلى هذا سمع الله وبصر الله صفة من صفاته ذكر مفاد هذا الكلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى في الجواب الصحيح وابن القيم كما في مختصر الصواعق فإذا رأيت مضافا إلى الله سبحانه وتعالى إلى هذه الأقسام الثلاثة فإن كان جعل الله له قدرة بأن يقوم بنفسه كالبيت فإنه يقوم بالأركان التي وضعت له فصار بعد يقوم بنفسه فإذا قلت بيت الله هذا ليس من باب الصفات وإذا كان غيره يقيمه ويقويه كالدين فإضافة الدين إلى الله ليس من باب الصفات أما إذا كان لا يقوم بنفسه ولا يقيمه غيره فإضافته إلى الله من باب الصفات الأمر الثاني: مما يتعلق بالصفات بحث المجاز استخدم أهل البدع المجاز سلاحا يتسلطون به على نصوص الصفات فيؤولونها باسم المجاز لذلك سمى الإمام ابن القيم المجاز كما في مختصر الصواعق سماه بالطاغوت وقد اختلف العلماء في وجود المجاز في لغة العرب أو في القرآن فذهب أكثر المتأخرين إلى أن المجاز موجود في لغة العرب وفي القرآن والسنة ويقابلهم السلف فقد انقضت القرون الثلاثة وهم لا يعرفون المجاز ولا يستعملونه بل هو حادث كما أفاده أبو العباس ابن تيمية وابن القيم رحمه الله تعالى ومن أهل العلم من أقره في لغة العرب دون القرآن وأصح هذه الأقوال الثلاثة ما ذهب إليه سلف هذه الأمة من أن المجاز لا يعرف لا في اللغة ولا في استعمالات العرب بل هو حادث وبيان ذلك يكون بتصور المجاز فإن المجاز عند المجازيين هو ما اجتمع فيه أركان أربعة الوضع الأول والوضع الثاني والعلاقة بين الوضع الأول والوضع الثاني والقرينة التي تمنع حمل الكلام على الوضع الأولي وتوجب حملة على الوضع الثاني وهذا يتضح بالمثال فإذا قلت رأيت أسدا على فرس شاهرا سيفه يقول المجازيون الوضع الأول لاستعمال الأسد هو في الحيوان المفترس والوضع الثاني هو الرجل الشجاع فيقولون في هذا المثال المراد بالأسد هو الرجل الشجاع لا الحيوان المفترس لقرينة منعت حمله على الوضع الأول وهو الحيوان المفترس وأوجبت حمله على الوضع الثاني وهو الرجل الشجاع وهذه القرينة هي كونه على فرس شاهرا سيفه أما العلاقة بين الحيوان المفترس والرجل الشجاع فهي القوة والشجاعة فعلى هذا تعريف المجاز عند المجازيين هو حمل الكلام على الوضع الثاني لقرينة مع وجود قرينة بين الوضع الأول والوضع الثاني هذا هو مؤدى تعريفهم وإن كانوا يختلفون في اللفظ والتعبير القول بأن المجاز موجود باطل قطعا وذلك لأنه لا يوجد في اللغة وضع أولي ولا وضع ثاني فإذا بطل هذان الركنان بطل المجاز وما بني على باطل فهو باطل فإن قلت ما البرهان والدليل على أنه لا يوجد في اللغة وضع أول ووضع ثاني فيقال الدليل على ذلك ما يلي : البرهان الأول:أن هذا مبني على أن العرب هم الذين وضعوا الألفاظ والأسماء وهو من اصطلاحهم فكأنهم لما رأوا الحيوان المفترس المعروف قالوا نسميه أسد وهذا هو الوضع الأول ولما رأوا رجلا شجاعا قالوا نسميه أسدا مجازا وهو الوضع الثاني وعلى هذا تكون اللغة اصطلاحا وهذا قول تفرد به أبو هاشم الجبائي ألمعتزلي وأهل السنة يرون اللغة إلهاما وهو أحد القولين في قوله تعالى {وعلم آدم الأسماء كلها}أي اللغات قال عبد الله بن عباس :"علمه القصعة والقصيعة والفسوة والفسية" فإذا تبين أن المجاز مبني على أن اللغة اصطلاح وهذا باطل فما بني عليه فهو باطل البرهان الثاني: على بطلان المجاز أن المجاز لو كان موجودا لرأيت أئمة اللغة الأوائل كالخليل بن أحمد وسيبويه ينصون عليه فلما لم ينصو عليه مع كونه مهما لو كان موجودا دل هذا على أنه غير موجود في لغة العرب فكيف يتركون بيان المجاز لو كان موجودا وعليه ينبني فهم الكلام فلو كان يوجد في اللغة وضع أول ووضع ثاني لكان من أهم المهمات بيانه لأنه لا ينتقل للوضع الثاني إلا بعد عدم إمكان الوضع الأول البرهان الثالث: على بطلان المجاز وهو كالجواب على استفسار وسؤال إذ قد يقول قائل اقتنعت على أن المجاز غير موجود في اللغة لكن فسر لي ما أجد في نفسي من أنني إذا سمعت اسم أسد انصرف ذهني مباشرة إلى الحيوان المفترس لا إلى الرجل الشجاع أ فليس هذا دليلا على أن للفظة أسد وضعا أوليا وهو الحيوان المفترس فيقال جوابا على هذا السؤال إن سبب انصراف الذهن إلى الحيوان المفترس هو كثرة استعمال لفظة أسد على الحيوان المفترس فلو قدر أنه كثر استعمال الناس للفظة أسد على الرجل الشجاع فإن الذهن ينصرف إليه أوليا وليس السبب أن في الكلام واللغة وضعا أوليا ووضعا ثانيا ونحن نجد هذا في استعمالاتنا اللفظية في حياتنا اليومية وذلك أنك إذا لقيت رجلا مصريا وقال لك أعطيك ألما يريد بالألم الضرب على الوجه وأنت تريد به القلم الذي يكتب به وسبب انصراف ذهن المصري إلى الضرب على الوجه هو كثرة استعمال هذه اللفظة في هذا المعنى وعلى هذا ...فإذا تبين بطلان المجاز ببطلان الوضع الأول والثاني فلا يصح نسبته إلى لغة العرب وأنبه على تنبيهات: التنبيه الأول:أنه في مثل قوله تعالى واسأل القرية يقول المجازيون هذا مجاز ويقول من لا يرى المجاز هذا أسلوب عربي إذ المراد واسأل أهل القرية فحذف المضاف وأضيف المضاف إليه مقامه فقد يقول قائل إن الخلاف لفظي أنت تقول أسلوبيا عربيا وهو يقول مجازا فيقال هذا صحيح لو كان المجاز في أصله صحيحا أما وهو في أصله باطل لعدم وجود وضع أولي ووضع ثان في لغة العرب فلا يقال إن الخلاف لفظي هذا مع التنبه إلى أن قوله تعالى{واسأل القرية هو على ظاهره على أصح القولين لأن القرية مأخوذة من القِرى وهي الاجتماع يعني اجتماع الناس في القرية فالسؤال يعود للناس لا للجدار فيحتاج إلى تقدير أهل القرية ومن ذلك سمي القرآن قرآنا لأنه مأخوذ من اجتماع الآيات فيه التنبيه الثاني: أنه على القول بالمجاز إلا انه لا يمكن أن يستخدم وأن يستعمل في تأويل أسماء الله وصفاته هذا على القول بالمجاز وذلك لما يلي يقول أهل التأويل متمسكين بالمجاز في قوله تعالى بل يداه مبسوطتان يقولون الوضع الأولي اليد المعروفة الوضع الثاني القوة والقدرة أو النعمة على الخلاف بينهم فيقولون المراد بقوله بل يداه أي بل قوتاه فحملوها على الوضع الثاني والقرينة عندهم خشية التشبيه وأنت إذا استطعت أن تثبت له ضعف القرينة فيجب عليه أن يسلم بالوضع الأولي ولا يجوز أن يحمله على الوضع الثاني فتقول له على القول بالمجاز إلا أن هذه القرينة فاسدة وذلك أنه لا يلزم من إثبات اليد لله أن تكون مشابهة لأيدي المخلوقين فأنت تقول للفأرة يدان وللإنسان يدان ولا يلزم من هذا تشبيه يد الفأرة بيد الإنسان بل كل منهما له يد تليق به ومثل ذلك قل في حق الله وله المثل الأعلى فإن إثبات اليدين لله لا يلزم منها مشابهة ليد المخلوقين فعلى هذا سقطت القرينة فيجب حمل اليد على الوضع الأول حتى عند القائلين بالمجاز أفاده ابن القيم كما في مختصر الصواعق وما ذكرته لكم هو ملخص ما قرره ابن تيمية في المجلد السابع وفي رسالة حقيقة المجاز وما قرره ابن تيمية كما في مختصر الصواعق فقد أطال النفس رحمه الله تعالى في بيان بطلانه والرد على ابن الجني لما قال بالمجاز ويضاف إلى ما تقدم الإجماع الذي حكاه ابن عبد البر في المجلد السابع من التمهيد من أن أسماء الله وصفاته على الحقيقة لا المجاز وقد دخل أيضا فيما ذكرناه من الإيمان به وبكتبه وبملائكته وبرسله الإيمان بأن المؤمنين يرونه يوم القيامة عيانا بأبصارهم كما يرون الشمس صحوا ليس دونها سحاب وكما يرون القمر ليلة البدر لا يضامون في رؤيته يرونه سبحانه وهم في عرصات القيامة ثم يرونه بعد دخول الجنة كما يشاء الله تعالى الرؤية رؤية الله ثابتة بالأدلة المتواترة من الكتاب والسنة وعليها إجماع أهل العلم كما حكاه غير واحد أما الأدلة من القرآن فتقدم شيء منها في كلام المصنف وكذلك من السنة ويتعلق بالرؤية مباحث:
المبحث الأول:أن العلماء مجمعون على أنه لا يمكن لأحد في الحياة إن يرى ربه كما حكا الإجماع ابن تيمية وغيره إلا الخلاف في النبي r هل رأى ربه لما اسري به بعينيه أم لم ير ربه * أما الدليل على أنه لا يمكن لأحد أن يرى ربه في الحياة فما ثبت في صحيح مسلم أن النبي r قال:"واعلموا أنكم لن ترو ربكم حتى تموتوا * أما النبي r فقد اختلف العلماء هل رأى ربه بعينيه أم لا؟ ونسب هذا الخلاف إلى الصحابة فمنهم من نسب إلى ابن عباس انه رأى ربه ومنهم من نسب إلى عائشة أنه لم ير ربه وهذا ثابت عن عائشة كما في صحيح مسلم وقد أفاد الدارمي وابن تيمية كما في مجموع الفتاوى وابن القيم كما في اجتماع الجيوش الإسلامية أنه في الواقع لم يقع خلاق بين الصحابة وذكر هذا أيضا ابن تيمية في الاستقامة وقال الذي جاء عن ابن عباس أنه رأى ربه وهذا محمول على رؤية الفؤاد أي المنام ولم يثبت عنه ولا عن الإمام أحمد أنه رأى ربه بعينيه والذي جاء عن عائشة إنكار الرؤية والمراد به رؤية العين لذا في صحيح مسلم من حديث أبي ذر قال r :"نور أنى أراه" المبحث الثاني: جوز أهل السنة أن يرى المسلم ربه في المنام وقالوا ما رآه ليس صورة الله على الحقيقة وإنما هي صورة تعبر عن إيمانه كلما كان إيمانه أكمل كانت الصورة أحسن ويدلل ذلك ما ثبت عند الإمام احمد والترمذي وغيره من حديث معاذ وغيره أنه قال:"رأيت ربي الليلة في أحسن صورة " وفي بعض الروايات "في المنام" وذكر الإجماع على ذلك القاضي عياض في شرح مسلم وفي كلام ابن تيمية أنه لم يخالف إلا المعتزلة المبحث الثالث: اختلف العلماء هل يرى الكفار ربهم في عرصات القيامة في المسالة ثلاثة أقوال: القول الأول: أنه لا يراه إلا المؤمنون وهذا هو القول المنقول عن السلف القول الثاني: أن الجميع يراه من الكفار والمنافقين والمؤمنين وهذا قول أبي الحسن بن سالم وأتباعه وهو قول ... القول الثالث: أن الذين يروه هم المؤمنون والمنافقون وهو قول ابن خزيمة وأبي يعلى وقد ذكر ابن تيمية في رسالته لأهل البحرين كما في المجلد السادس من مجموع الفتاوى أنه لم يتكلم في هذه المسألة أهل القرون الثلاثة وإنما حدثت بعد الثلاث مئة وكلام السلف أن المؤمنين هم الذين يرون ربهم وهذا هو الظاهر والله أعلم لأنه المعروف عن السلف وقد جاءت ألفاظ في حديث أبي هريرة في صحيح مسلم وفي حديث أبي سعيد أن الكفار يرون ربهم لكن يحتاج نظر في هذه الألفاظ لأنه لو كان كذلك لنطق بهذه العقيدة السلف الأوائل المبحث الرابع:ذكر العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى يسمع كلام نفسه ويرى نفسه المبحث الخامس:قالت الأشاعرة إن الله يرى إلى غير جهة ولازم قوله أنه لا يرى المبحث السادس: ذكر أبو العباس ابن تيمية كما في التسعينية ومجموع الفتاوى أن المؤمنين يتفاضلون في رؤية ربهم من جهة الكم والكيف فمنهم من يرى ربه في الأسبوع مرة ومنهم من يرى ربه في الأسبوع أكثر ومنهم من يرى ربه في صورة أحسن من غيره وهذا يرجع إلى قوة الإيمان ويدل على التفاضل في الكم ما خرج ابن بطة وصححه ابن تيمية أن ابن مسعود لما جاء للجمعة وقد سبقه ثلاثة قال وما رابع أربعة ببعيد ثم ذكر رحمه الله تعالى أن الله يكون على كثيب وأن الناس يأتون إليهم بقدر التبكير إلى صلاة الجمعة هذا يرجع إلى الكم أما الدليل على الكيفية وهو أن الله عز وجل كما في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة وأبي سعيد يأتي بغير صورته يوم القيامة ثم يأتي في صورته هذا دليل على أن الله يغير صورته ومقتضى إكرام أهل الفضل أن يروه في صورة أكمل وقد أخطأ بعضهم لما ظن التغير في نظر الناظر لا في حقيقة الحال أنكر هذا أبو العباس ابن تيمية كما في نقض التأسيس وبين أن النصوص ظاهرة في أنه هو الذي يتغير سبحانه وتعالى ومن الإيمان باليوم الآخر الإيمان بكل ما أخبر به النبي r. القاعدة في هذا الباب أن الأمور الغيبية يؤمن بها مفصلا فيما جاء مفصلا ومجملا فيما جاء مجملا لمن علم بالتفصيل أو الإجمال فمن علم التفصيل آمن به ومن علم الإجمال آمن به قال تعالى{الذين يؤمنون بالغيب}ذكر هذه القاعدة أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى كما في مجموع الفتاوى والقاعدة الثانية أن الأمور الغيبية لا يدخلها المجاز لأنها غير معروفة الكنه والصفة فعلى هذا لا يمكن لأحد أن يدعي أنها لا تحمل على هذا الوضع لأنه لا يعرف كنهها وحقيقتها ومن ادعى أن شيئا من أمور الآخرة لا يحمل على وضع وإنما يحمل على وضع آخر فقد رجم بالغيب وقال ما لا يعلم مما يكون بعد الموت فيؤمن بفتنة القبر وبعذاب القبر ونعيمه عذاب القبر دل عليه الكتاب والسنة والإجماع كما حكاه ابن تيمية في مجموع الفتاوى وابن القيم في كتاب الروح وابن أبي العز الحنفي في شرح الطحاوية قال تعالى{النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة أدخلوا فرعون أشد العذاب}دل هذا على أنهم يعذبون قبل قيام الساعة وهذا هو عذاب القبر وثبت في الصحيحين من حديث أنها سألت النبي r عن عذاب القبر قال نعم إنه حق والأحاديث فيه متواترة كما أفاده ابن رجب وابن أبي العز الحنفي وعذاب القبر يكون على الروح والبدن وهذا بإجماع أهل السنة كما أفاده ابن تيمية في مجموع الفتاوى وابن القيم في كتابه المفيد كتاب الروح وعذاب القبر نوعان عذاب دائم كعذاب فرعون وعذاب منقطع كالرجلين الذين مر بقبرهما النبي r وقال :"إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير إلى آخره من حديث ابن عباس خرجه الشيخان ووضع على القبرين جريدا رطبا وقال إنه ليخفف عنهما ما لم ييبسا فهذا العذاب منقطع غير دائم أفاد هذا ابن القيم في كتابه الروح وللتنبيه بعضهم يشكك في كتاب الروح ويقول أن ابن القيم ألفه لما كان صوفيا قبل أن يكون سلفيا ويلتقي ابن تيمية رحمه الله تعالى وهذا خطأ فقد نقل عن شيخه ابن تيمية في كتاب الروح في أكثر من خمسة مواضع ويترحم عليه وهو كتاب عظيم وفيه من الأدلة والآثار ما قد لا يوجد في غيره فأما الفتنة فإن الناس يمتحنون في قبورهم فيقال للرجل : ما ربك وما دينك ومن نبيك ؟ فيثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة فيقول المؤمن : ربي الله والإسلام ديني ومحمد r نبيي وأما المرتاب فيقول : هاه هاه لا أدري سمعت الناس يقولون شيئا فقلته : فيضرب بمرزبة من حديد فيصيح صيحة يسمعها كل شيء إلا الإنسان ولو سمعها الإنسان لصعق ثم بعد هذه الفتنة إما نعيم وإما عذاب ابن عبد البر رحمه الله تعالى ذهب إلى أن الذين يسألون في القبر هم المؤمنون والمنافقون بخلاف الكفار وهذا خلاف قول جماهير أهل العلم ويرد عليه رواية في صحيح مسلم من حديث أنس وفيه قوله r "وأما الكافر ففيه التصريح بأن الكفار يسألون إلى أن تقوم القيامة الكبرى فتعاد الأرواح إلى الأجساد أهل السنة يقرون بأن الإنسان يعاد إذا أقيمت الساعة أي يتحول من صورة إلى صورة أي يتحول من حالة إلى حالة لا أنه يبتدئ من العدم خلافا لابن حزم كما قال تعالى {كما بدأنا أول خلق نعيده}قال ابن تيمية فالناس يتحولون من حالة إلى حالة وذكر هذا ابن القيم في كتابه كتاب الروح وتقوم القيامة التي أخبر الله بها في كتابه وعلى لسان رسوله وأجمع عليها المسلمون فيقوم الناس من قبورهم لرب العالمين حفاة عراة غرلا وتدنو منهم الشمس ويلجمهم العرق فتنصب الموازين فتوزن بها أعمال العباد {فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون} وتنشر الدواوين وهي صحائف الأعمال فآخذ كتابه بيمينه وآخذ كتابه بشماله أو من وراء ظهره كما قال سبحانه وتعالى :{وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا} ويحاسب الله الخلائق ويخلو بعبده المؤمن فيقرره بذنوبه كما وصف ذلك في الكتاب والسنة وأما الكفار فلا يحاسبون محاسبة من توزن حسناته وسيئاته فإنه لا حسنات لهم ولكن تعد أعمالهم فتحصى فيوقفون عليها ويقررون بها ويجزون بها وفي عرصات القيامة الحوض المورود للنبي r ماؤه أشد بياضا من اللبن وأحلى من العسل آنيته عدد نجوم السماء وطوله شهر وعرضه شهر من يشرب منه شربة لا يضمأ بعدها أبدا
والأحاديث في الحوض متواترة كما ذكره ابن أبي العز الحنفي وساق ابن كثير في البداية والنهاية أكثر من ثلاثين حديثا في الحوض وجاء في بعض الروايات أن لكل نبي حوضا لكن لا يصح هذا الإسناد والصراط منصوب على متن جهنم وهو الجسر الذي بين الجنة والنار يمر الناس عليه على قدر أعمالهم فمنهم من يمر كلمح البصر ومنهم من يمر كالبرق ومنهم من يمر كالريح ومنهم من يمر كالفرس الجواد ومنهم من يمر كركاب الإبل ومنهم من يعدو عدوا ومنهم من يمشي مشيا ومنهم من يزحف زحفا ومنهم من يخطف خطفا ويلقى في جهنم . فإن الجسر عليه كلاليب تخطف الناس بأعمالهم فمن مر على الصراط دخل الجنة فإذا عبروا عليه وقفوا على قنطرة بين الجنة والنار فيقتص لبعضهم من بعض فإذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة
وأول من يستفتح باب الجنة محمد r وأول من يدخل الجنة من الأمم أمته وله r في القيامة ثلاث شفاعات : أما الشفاعة الأولى فيشفع في أهل الموقف حتى يقضى بينهم بعد أن يتراجع الأنبياء آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى بن مريم من الشفاعة حتى تنتهي إليه وأما الشفاعة الثانية فيشفع في أهل الجنة أن يدخلوا الجنة وهاتان الشفاعتان خاصتان له وأما الشفاعة الثالثة فيشفع فيمن استحق النار وهذه الشفاعة له ولسائر النبيين والصديقين وغيرهم فيشفع فيمن استحق النار أن لا يدخلها ويشفع فيمن دخلها أن يخرج منها هذه الشفاعة أنكرها الخوارج والمعتزلة لأنها تخالف أصلهم بأن صاحب الكبيرة خالد مخلد في النار كما أفاد ذلك ابن تيمية في قاعدة التوسل والوسيلة ويخرج الله من النار أقواما بغير شفاعة بل بفضله ورحمته ويبقى في الجنة فضل عمن دخلها من أهل الدنيا فينشأ الله لها أقواما فيدخلهم الجنة . وأصناف ما تضمنته الدار الآخرة من الحساب والثواب والعقاب والجنة والنار وتفاصيل ذلك مذكورة في الكتب المنزلة من السماء والآثار من العلم المأثور عن الأنبياء . وفي العلم الموروث عن محمد r من ذاك ما يشفي ويكفي فمن ابتغاه وجده
وتؤمن الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة بالقدر خيره وشره القدر له مراتب وسيأتي من كلام أبي العباس ابن تيمية ذكر هذه المراتب المرتبة الأولى هي العلم ثم الكتابة ثم المشيئة ثم الخلق بمعنى أن الله يعلم بأن سيوجد فلان ثم يكتب هذا في اللوح المحفوظ ثم إذا جاء وقت وجوده شاء الله أن يكون ثم بعد ذلك يخلقه جل جلاله وعظم سلطانه والتقديرات أنواع أربعة ذكرها ابن القيم في شفاء العليل: التقدير الأول: التقدير العام وهو ما ثبت في مسلم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي r قال:إن الله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة التقدير الثاني: وهو التقدير العمري ويدل عليه حديث ابن مسعود في الصحيحين ثم يرسل إليه ملك فيكتب رزقه وعمله وأجله وشقي أم سعيد التقدير الثالث: السنوي ومنه قوله تعالى في ليلة القدر{فيها يفرق كل أمر حكيم أمرا من عندنا} التقدير الرابع: اليومي ومنه قوله تعالى في سورة الرحمن {كل يوم هو في شان}وما كتبه الله يكون في أم الكتاب وفي الكتب الأخرى عند الملائكة كما قال تعالى{يمحوا الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب} ويشكل على كثيرين أن الله قد كتب أعمار العباد وجاء في السنة النبوية أن من فعل بعض الأعمال كصلة الرحم ينسئ له في أثره كما في الصحيحين من قوله r :"من أحب أن يبسط له في رزقه وينسئ له في أثره فليصل رحمه " وجه الإشكال كيف أن الله قد كتب أعمار العباد ثم بعد ذلك تزيد أعمارهم إذا وصلوا أرحامهم الجواب على هذا أن يقال إن الذي يزاد فيه هي الكتب الأخرى التي عند الملائكة أما في أم الكتاب فلا يزاد فيه فمثلا الكتب الأخرى يكتب فيها إن عمر فلان ستون سنة ثم إن فلانا قد وصل رحمه فيزاد في عمره إلى أن يكون سبعين سنة وروي هذا عن ابن عباس وعن جمع من التابعين وهو قول ابن جرير وقول ابن تيمية قال الله تعالى{يمحوا الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب} ومما يتعلق بالقدر أن بعضهم يهاب ويستصعب دراسة باب القدر وهذا خطأ ولا ينبغي أن يكون لأن بعضهم يورد سؤالا كيف أن الله حكم على فلان بكونه مسلما وأن له الجنة وحكم على فلان آخر بأنه كافر وله النار وقد أورد هذا السؤال ابن القيم كما في مختصر الصواعق وأظنه أيضا في شفاء العليل وجواب ذلك أن يقال إن القدر قدرة الله كما ثبت عن زيد بن أسلم فيما روى الفريابي في كتاب القدر وهو معنى قول الإمام أحمد القدر فعل الله وهو معنى ما روي عن علي بن عمر فيما خرج اللالكائي القدر سر الله وإن كان السند لا يصح إليهما لكم المعنى صحيح ومعنى هذا أن هداية الله لفلان لأنه يستحق الهداية بفضل الله وعدم الهداية للآخر لأنه لا يستحق الهداية بعدل الله فإن قلت لماذا استحق فلان الهداية ولم يستحق فلان الهداية فيقال الذي نقطع به أن الله عدل لكن هذا هو ما لا تدركه عقولنا وهو سر الله وفعله وتقريب هذا لو جاء رجل إلى طبيب ماهر فأراد الطبيب أن يجري له عملية فسأل الرجل ما سبب ذلك فشرح له الطبيب السبب لكن الرجل لم يدرك شرحه فإنه سيسلم له لقرارته بأنه ماهر وعارف بالطب ولله المثل الأعلى ومن لطيف ما قرأت رسالة لأبي عبد الرحمن بن عقيل الظاهري هذا المعاصر يذكر فيها أنه قابل القصيمي في مكان مشهور بمصر فتناظرا في وجود الله فقال القصيمي الملحد كيف تريد أن اقر برب يجعل هذا فقيرا وهذا غنيا وهذا اسود وهذا أبيض وهذا طويلا وهذا قصيرا فأجاب أبو عبد الرحمن بجواب سديد قال أنت الآن تشكك في عدله وفي فعله والبحث بيننا في وجوده فأثبت أولا وجوده ثم بعد ذلك نبحث في عدله وصدق لأنه إذا اثبت وجوده فلابد له أن يقر أن له أمورا لا ندركها ومقتضى كونه ربا لابد أن يكون عادلا وما لا ندركه نرده إلى ما نتيقنه من عدله ومما يتعلق بالقدر وهو من المهمات أن هناك فرقا بين تعامل الله مع عبده بالفضل أو بالعدل وضد العدل هو الظلم أما الفضل إذا لم يعامل به فلا يعد ظالما وتقريب هذا من جهة المثال لو أن رجلا استأجر أجيرين على أن يعملوا له ساعة بمائة فعمل الأجيران فأعطى الأول ريال مئة هل ظلمه لم يظلمه هذا تعامل بالعدل وأعطى الآخر خمسين ومائة هذا تعامل بالفضل ولا يلزم في التعامل بالفضل المساواة لذلك الله سبحانه وتعالى إذا ذكر أنبيائه ورسله في الهداية قال ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم أفاد هذا أبو العباس ابن تيمية وتلميذه ابن القيم طيب أقف عند هذا إن شاء الله تعالى
تفريغ الشريط الثالث:
الحمد لله رب العالمين وصل الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين قال المصنف رحمه الله تعالى: والإيمان بالقدر على درجتين كل درجة تتضمن شيئين : الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله أما بعد أهل السنة يؤمنون بالقدر خيره وشره كما في حديث ابن عمر عن عمر قال r :"أن تؤمن بالقدر خيره وشره خرجه مسلم والشر لا يضاف إلى الله لما في مسلم من حديث علي قال r :"والشر ليس إليك" وإنما الشر يضاف إلى مفعولاته لا إلى أفعاله الله تعالى خلق إبليس فإبليس شر لكن فعل خلق إبليس خير فعلى هذا الخير نوعان:خير في نفسه وخير بالنظر إلى غيره قال ابن تيمية في منهاج السنة كالدواء كريه لكنه محبوب من جهة نفعه فعلى هذا قرر أبو العباس ابن تيمية قاعدة وتلميذه ابن القيم أن الله لم يخلق شرا محضا بل مخلوقاته ما بين خير محض أو ما هو جامع بين الخير والشر وذكر ابن القيم أن في خلق إبليس منافع ومن ذلك أن يعصي العبد ربه فيتوب , فيتوب الله عليه فيظهر أثر اسم الله التواب إلى آخر ما ذكر في مدارج السالكين وقد أفاد ابن تيمية كما في منهاج السنة وابن القيم كما في شفاء العليل أن إضافة الشر إلى أفعال الله له أحوال ثلاثة: الحالة الأولى: أن يكون في عموم خلق الله كقوله تعالى {الله خالق كل شيء} الحالة الثانية: ألا يذكر فاعل الشر بل يكون مبنيا للمجهول كقوله تعالى {وإنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا}فلما ذكر الخير نسبه إلى الله أما الشر لم ينسبه إلى الله الحالة الثالثة: أن يضاف إلى أسبابه
فالدرجة الأولى الإيمان بأن الله تعالى عليم بما الخلق عاملون بعلمه القديم الذي هو موصوف به أزلا وأبدا وعلم جميع أحوالهم من الطاعات والمعاصي والأرزاق والآجال ثم كتب الله في اللوح المحفوظ مقادير الخلق فأول ما خلق الله القلم قال له : اكتب قال : ما أكتب ؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة فما أصاب الإنسان لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه جفت الأقلام وطويت الصحف كما قال تعالى :{ ألم تعلم أن الله يعلم ما في السماء والأرض إن ذلك في كتاب إن ذلك على الله يسير} ظاهر كلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في الصفدية أن العلماء لما اختلفوا ما أول المخلوقات لم يريدوا أول ما خلق الله على الإطلاق وإنما أرادوا أن يذكروا أيهما أسبق القلم أم العرش والذي اختاره ابن تيمية وتلميذه ابن القيم أن العرش قبل القلم أما ما جاء في الحديث إن أول ما خلق الله القلم قال له اكتب المراد بالأولية يعني أمر القلم بالكتابة في أول خلقه له لا أن القلم أول المخلوقات وقد ذكر هذه المسالة ابن كثير في البداية والنهاية وابن حجر في فتح الباري وقال :{ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير} وهذا التقدير التابع لعلمه سبحانه يكون في مواضع جملة وتفصيلا فقد كتب في اللوح المحفوظ ما شاء وإذا خلق جسد الجنين قبل نفخ الروح فيه بعث إليه ملكا فيؤمر بأربع كلمات فيقال له: اكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أم سعيد ونحو ذلك فهذا التقدير قد كان ينكره غلاة القدرية قديما ومنكروه اليوم قليل
إذن رحمه الله تعالى ذكر في المرتبة الأولى مرتبة العلم ومرتبة الكتابة ودلل عليهما وذكر أيضا نوعين من الكتابة النوع الأول التقدير العام والنوع الثاني التقدير العمري وقد تقدم ذكر أربعة أنواع للتقدير وذكر رحمه الله تعالى أن منكري مرتبة العلم والكتابة هم القدرية الأولى وأن هؤلاء اليوم قليلون وقد ذكر هذا أيضا في منهاج السنة ومجموع الفتاوى فهم الذين كانوا يقولون في وقت عمر إن الأمر أُنُُف كما هو قول غيلان الدمشقي وهؤلاء كفار وقد كفرهم عبد الله بن عمر لأنهم مكذبون للقرآن وللسنة في إثبات العلم والكتابة فإن الأنبياء والرسل مجمعون على إثبات العلم لله وكذا مجمعون على إثبات الكتابة لله كما نص على ذلك الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى أي نص على الإجماع كما في شفاء العليل وأما الدرجة الثانية فهي مشيئة الله النافذة وقدرته الشاملة وهو الإيمان بأن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن وأنه ما في السماوات وما في الأرض من حركة ولا سكون إلا بمشيئة الله سبحانه لا يكون في ملكه ما لا يريد وأنه سبحانه على كل شيء قدير من الموجودات والمعدومات فما من مخلوق في الأرض ولا في السماء إلا الله خالقه سبحانه لا خالق غيره ولا رب سواه ومع ذلك فقد أمر العباد بطاعته وطاعة رسله ونهاهم عن معصيته في كلامه المتقدم إثبات مرتبة المشيئة والخلق والمراد بالمشيئة هي الإرادة الكونية وقد تقدمت الإشارة لهذا ثم ذكر رحمه الله بعد ذلك أنه لا تنافي بين إرادة الله وقوع الكفر والمعصية إرادة كونية وبين كونه لا يحب ذلك إذ تقدم أن الخير في أفعال الله نوعان نوع في نفسه ونوع في غيره ومن ذلك وقوع الكفر والمعصية من العباد وهو سبحانه يحب المتقين والمحسنين والمقسطين ويرضى عن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لا يحب الكافرين ولا يرضى عن القوم الفاسقين ولا يأمر بالفحشاء ولا يرضى لعباده الكفر ولا يحب الفساد
والعباد فاعلون حقيقة والله خالق أفعالهم والعبد هو المؤمن والكافر والبر والفاجر والمصلي والصائم . وللعباد القدرة على أعمالهم ولهم إرادة والله خالقهم وخالق قدرتهم وإرادتهم كما قال الله تعالى :{لمن شاء منكم أن يستقيم وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين}
* في هذه الآية إثبات إرادة الله وإرادة العبد فلله إرادة وللعبيد إرادة فأهل السنة يؤمنون بالإرادتين بخلاف أهل البدع كالمعتزلة فإنهم يرون أنه ليس للعباد إرادة في أفعال العباد وأن العباد يخلقون فعل أنفسهم وقابلتهم الأشاعرة والجهمية فقالوا إنه ليس للعباد إرادة بل العباد مجبورون والعبد كالريشة في الريح لا قدرة ولا إرادة له فالمعتزلة ونحوهم قدرية والجهمية والأشاعرة ونحوهم جبرية وأهل السنة السلفيون وسط فقد أثبتوا للعبد إرادة لكن إرادته لا تخرج عن إرادة الله * وسبب ضلال هاتين الطائفتين أن كل واحدة منهما آمنت بنوع من الإرادة وأنكرت الأخرى فالجهمية والأشاعرة لا يقرون إلا بالإرادة الكونية دون الشرعية والمعتزلة لا يقرون إلا بالإرادة الشرعية دون الكونية أما أهل السنة فقد أقروا بالإرادتين كما تقدم في كلام ابن تيمية لما ساق الآيات الدالة على إثبات الإرادتين وأصل سبب خلافهم وجود المعصية في العباد فما استطاعوا أن يجمعوا بين وقوع المعاصي من العباد وبغض الله لها فقالت المعتزلة حتى أنزه الله, الله لم يخلق أفعال العباد وقالت الجبرية من الجهمية والأشاعرة حتى أنزه الله فإن لله أن يفعل ما يشاء وليس لأفعاله حكمة ولا علة ويجب علينا التسليم من غير بحث ولا نظر ذكر هذا ابن أبي العز في شرح الطحاوية فأنتم إذا تأملتم وجدتم أنها ظلمات بنيت على ظلمات نسأل الله العافية * وقد أفاد ابن تيمية فائدة كما في المجلد السادس من مجموع الفتاوى وهو خطأ الذين يقولون إن القدرية يقولون بأن الله خلق أفعال الخير من العباد دون أفعال الشر وذكر رحمه الله تعالى أنهم يقولون إن الله لم يخلق أفعال العباد كلها خيرها وشرها ومن أدلة أهل السنة على أن الله خلق أفعال العباد عموم الأدلة الدالة على عموم خلق الله كقوله{الله خالق كل شيء}وكقوله{وخلق كل شيء فقدره تقديرا} وأيضا من أدلتهم قوله تعالى في سورة الصافات {أفتعبدون ما تنحتون والله خلقكم وما تعملون} وقد ذكر ابن القيم كما في شفاء العليل أن "ما" في قوله {وما تعملون} موصولة فتقدير الكلام والله خلقكم والذي تعملون قال ويدل على ذلك السياق وهو دال من حيث المحصلة أن الله خلق العباد وأفعالهم ومن الردود على الأشاعرة من أن الله له إرادتين إرادة كونية وإرادة شرعية قوله تعالى{فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء} ومن الردود عليهم على أن للعباد مشيئة قوله تعالى {وما تشاءون }فأثبت للعباد مشيئة وهذه الدرجة من القدر يكذب بها عامة القدرية الذين سماهم النبي r مجوس هذه الأمة ويغلو فيها قوم من أهل الإثبات حتى سلبوا العبد قدرته واختياره ويخرجون عن أفعال الله وأحكامه حكمها ومصالحها
يقصد من يقصد بهذا الجهمية والاشاعرة لكن لما قال قوم من أهل الإثبات فالمراد بهذا الأشاعرة والماتوريدية أما تسمية القدرية بأنها مجوس هذه الأمة فقد أفاد ابن حزم كما في الفصل وابن تيمية كما في منهاج السنة وابن القيم كما في زاد المعاد أنه لم يصح حديث عن رسول الله r في القدرية بل قال ابن حزم وابن تيمية لم يصح حديث عن رسول الله r في طائفة من الطوائف إلا الخوارج وأنبه على تنبيهات متممات لما تقدم في مبحث القدر: التنبيه الأول: السلف رحمهم الله تعالى كالإمام الشافعي والإمام أحمد كانوا يقولون ناظروا القدرية يعنون بذلك الذين يثبتون العلم والكتابة وينفون المشيئة والخلق يعني القدرية المتأخرين كانوا يقولون ناظروا القدرية بالعلم فإن أقروا به خصموا وإن أنكروه كفروا معنى هذا أنك إذا رأيت قدريا ينكر خلق الله لأفعال العباد تقول له قبل أن آتيك هل علم الله أني سآتيك فهو ما بين أمرين إما أن يقول علم فلابد إذن أن يقع ما علمه فصار بهذا خالقا لأفعال العباد لأنها لابد أن تقع كما علمها الله وإما أن يقول إنه لم يعلمه وإنما خلقها العبد من غير علم الله فيكون بهذا كافرا لأنه أنكر علم الله وكلام السلف قليل اللفظ كثير المعنى رحمهم الله تعالى وهذا الكلام كنت أحفظه لكن لم أتيقنه حق التيقن حتى قابلت رجلا من هؤلاء فأردت أن أطبق كلام السلف فقلت له هل علم الله أنه سيحصل كذا وكذا قال نعم قلت إذن إنه خلقه لا يستطيع العبد أن يفعل إلا ما علمه الله فهو إذن تحت مشيئة الله وخلقه فصار بين أمرين حتى قال إن الله يعلمه إلا جزءا من كذا من الألف أو المليون أو ما قال قلت إذن أنت تنسب إلى الله الجهل بهذه النسبة ومن نسب إلى الله الجهل بهذه النسبة ماذا يكون كافرا فصدق السلف رحمهم الله تعالى التنبيه الثاني: الاستطاعة عند أهل السنة استطاعتان استطاعة قبل الفعل واستطاعة مع الفعل * والتي قبل الفعل هي الاستطاعة التي تتعلق بها الأحكام الشرعية كقوله تعالى{ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا }وكقول النبي r فيما خرجه البخاري من حديث عمران صل قائما فإن لم تستطع فقاعدا "هذه الاستطاعة هي التي تكون قبل الفعل وتتعلق بها الأحكام الشرعية فلو كان ذا زاد وراحلة فهو مستطيع الحج ومن فلا * النوع الثاني من الاستطاعة هي التي تكون مع الفعل وهي بمعنى توفيق الله للعبد وإرادة الله للعبد أن يفعل هذا الفعل فلو أن رجلا أراد الحج وكان ذا زاد وراحلة وتهيأت له الأسباب كلها لكنه لم يحج بمعنى لم يقدر الله له الحج هذا تحقق فيه الاستطاعة قبل الفعل ولم يتحقق في حقه الاستطاعة مع الفعل ودليل الاستطاعة مع الفعل قوله تعالى {كانوا لا يستطيعون سمعا} أما القدرية فلا يثبتون إلا استطاعة واحدة وهي التي قبل الفعل لأنه على مذهبهم من توافرت الأسباب في حقه فلابد أن يحصل مراده فليس لله قدرة ولا مشيئة في فعل العبد أما الأشاعرة فلكونهم جبرية فلا يثبتون استطاعة قبل الفعل وإنما الاستطاعة عندهم واحدة وهي التي تكون مقارنة للفعل وللأسف قد وقع البغوي في أوائل تفسيره فيما وقع فيه الأشاعرة ولم يثبت إلا استطاعة مقارنة للفعل وتفسير البغوي فيه بعض التأويلات وبعض الأخطاء العقدية فإنك إذا طالعت سورة الفاتحة وأوائل سورة البقرة تقف على ما يقرب من سبعة أخطاء عقدية ومن أصول أهل السنة والجماعة أن الدين والإيمان قول وعمل : قول القلب واللسان وعمل القلب واللسان والجوارح
وأن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية وهم مع ذلك لا يكفرون أهل القبلة بمطلق المعاصي والكبائر * أهل السنة يا إخواني يقرون في الإيمان خمسة أمور:أنه قول باللسان وعمل بالأركان وتصديق بالجنان يزيد بطاعة الرحمن وينقص بطاعة الشيطان الدليل على هذا حديث أبي هريرة في الصحيحين واللفظ لمسلم :"الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان" هذا فيه إثبات أن القول من الإيمان والعمل من الإيمان والتصديق من الإيمان وفيه إشارة إلى الزيادة والنقصان لما قال بضع وسبعون شعبة ويدل على الزيادة قوله تعالى {ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم}ومقتضى كونه يزيد أنه كان ناقصا ولم يكفروا مع كونه ناقصا فهو إذن يزيد وينقص ولم يصح حديث في نقصان الإيمان * أما ما استدل به أبو داود السجستاني في سننه وابن بطة في الإبانة الكبرى على نقصان الإيمان بما خرج الشيخان من حديث أبي سعيد والبخاري من حديث ابن عمر ما رأيت أذهب للب منكن ناقصات عقل ودين قالوا وهذا يدل على أن الإيمان ينقص وهذا لا دلالة فيه لأنه فسر في حديث أبي سعيد قال:"أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم فالمرأة الحائض التي لم تصل ولم تصم إيمانها لم ينقص وإنما المراد بناقصات عقل ودين والمراد بالدين أي فعل التدين فعلها ينقص لأنها تركت الصلاة أما إيمانها فلا ينقص لأنها تركت الصلاة طاعة لله بل يزيد إيمانها ولو صلت أثمت *ولأعمال الإيمان تقسيما آخر وهو أن يقال قول اللسان هذا الأول والثاني قول القلب والثالث عمل الجوارح والرابع عمل القلب المراد بقول اللسان قول لا إله إلا الله والأقوال التي يتعبد بها فمن ترك قول لا إله إلا الله مع القدرة فهو كافر بالإجماع كما حكاه ابن تيمية وغيره والمراد بقول القلب هو أصل تصديق القلب والمراد بعمل القلب هو أعمال القلوب كالخوف والرجاء والمحبة وغير ذلك والفرق بين قول القلب وعمل القلب أن القول يكون مقابلا للإخبار فما أخبر الله به أو رسوله فتصديقه يسمى قول القلب أما عمل القلب فهو المقابل للطلب فما أمر الله به أو رسوله كالخوف والرجاء وغير ذلك أفاد ذلك بمعناه الشيخ العلامة عبد الرحمن بن السعدي في تعليقاته على الواسطية وأهل السنة يقررون التلازم بين الظاهر والباطن ويرون أنهما لا ينفكان متى ما زاد الإيمان في القلب زاد الإيمان في الجوارح والعكس بالعكس ما لم يمنع منه مانع ويدل على ذلك حديث النعمان بن بشير في الصحيحين ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب فعليه إذا خلا القلب من الإيمان خلت الجوارح من الإيمان وهي الأعمال والعكس بالعكس فإذا لم يوجد في الجوارح إيمان فهذا يدل على أن القلب ليس فيه إيمان لأن الظاهر والباطن متلازمان والكفر عند أهل السنة هو الذي يقابل الإيمان والإكفار عندهم وهذا هو تعبير المروزي في تعظيم قدر الصلاة والإكفار عندهم يعني الكفر يكون بالقول والعمل والاعتقاد فمن سب الله كفر كفرا مستقلا بمجرد سبه يكون كافرا ولا يسال عن اعتقاده هذا بالإجماع كما حكاه إسحاق بن راهويه وغيره ومن اعتقد الكفر كأن يعتقد أن هناك خالقا مع الله هذا كافر كفرا أكبر ومن فعل الفعل ألكفري كقتل النبي والسجود للأصنام ووطئ المصحف فهو كافر بمجرد الفعل ولا ينظر إلى اعتقاده كما حكا الإجماع على ذلك القاضي عياض في الشفاء والمخالفون لأهل السنة في هذا طائفتان المرجئة وقد أجمعوا على أن عمل الجوارح ليس من الإيمان كما أفاد ابن تيمية * واختلفوا فيما عدا ذلك والطائفة الأخرى هم الخوارج ومذهبهم أن الإيمان قول وعمل واعتقاد لكنه لا يزيد ولا ينقص كما عزاه الحافظ ابن حجر في الفتح والسفاريني في لوامع الأنوار وقد أجمعت الخوارج والمرجئة على أن الإيمان كتلة واحدة لا يتجزأ فقالت الخوارج إذا عصى الله بكبيرة كما هو مشهور عندهم ذهب بعض إيمانه فيذهب إيمانه كله لأنه لا يتجزأ وقابلتهم المرجئة فقالوا إذا عصى الله لا يذهب شيء من إيمانه بل يكون إيمانه كاملا قال أبو العباس ابن تيمية في مواضع من المجلد السابع وغيره وهذا هو أصل ضلالهم وقولهم إن الإيمان جزء واحد لا يتجزأ * أنبه على أمر دقيق من قال إن العمل ألكفري قد يوصل للكفر فقد برء من الإرجاء كما أفاد ابن تيمية في الصارم المسلول ومن قال أن الإيمان يزيد وينقص فقد برء من الإرجاء كما قال ذلك الإمام أحمد في السنة للخلال والسنة لعبد الله وهو قول البر بهاري لأنه كما تقدم المرجئة والخوارج يقولون الإيمان جزء واحد لا يتجزأ فلا يزيد ولا ينقص والمرجئ يقول إن الساب كافر انتبه لكنه لا يقول إن السب كفر لأنه لا يصف عملا بأنه كفر كما يفعله الخوارج بل الأخوة الإيمانية ثابتة مع المعاصي كما قال سبحانه في آية القصاص : {فمن عفي له من أخيه شيء فإتباع بالمعروف} وقال : {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم}
إذن في الآية الأولى أثبت الأخوة مع وجود القتل وهي كبيرة هذا رد على الخوارج والمعتزلة وفي الآية الثانية أثبت الإيمان مع وجود الاقتتال وهذا رد على الخوارج والمعتزلة ولا يسلبون الفاسق المللي الإسلام بالكلية ولا يخلدونه في النار كما تقول المعتزلة بل الفاسق يدخل في اسم الإيمان المطلق كما في قوله : {فتحرير رقبة مؤمنه} وقد لا يدخل في اسم الإيمان المطلق كما في قوله تعالى : {إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا} والفرق بين الإيمان المطلق ومطلق الإيمان أن الإيمان المطلق هو الإيمان الكامل ومطلق الإيمان هو أصل الإيمان كما أفاده ابن القيم في بدائع الفوائد وقوله r:" لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن ولا ينتهب نهبة ذات شرف يرفع الناس إليه فيها أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن" ونقول هو مؤمن ناقص الإيمان أو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته فلا يعطى الاسم المطلق ولا يسلب مطلق الاسم
ومن أصول أهل السنة والجماعة سلامة قلوبهم وألسنتهم لأصحاب رسول الله r رضي الله عن صحابة رسول الله r الصحابي في الشرع هو من لقي النبي r مؤمنا به والدليل على ذلك حديث أبي هريرة أنه r قال:"وددت أني لقيت إخواني قالوا :أولسنا إخوانك يا رسول الله؟قال:أنتم أصحابي وإخواني أناس يأتون بعدي" خرج الحديث الإمام مسلم هذا الحديث واضح الدلالة في أن الفرق بين الصحابة وبين التابعين وغيرهم في أن الصحابي لقيه وما عداه لم يلقه مع كون الجميع مؤمن به وقد استدل بهذا الحديث أبو العباس ابن تيمية في منهاج السنة ومجموع الفتاوى وهناك أدلة أخرى لكن المقصود هو أن تعرف أن الصحبة في الشرع هو ما جمع بين لقاءه والإيمان به r وللصحبة إطلاقان آخران: الإطلاق الأول: إطلاق لغوي وهو مطلق المصاحبة سواء كان بإيمان أو بغير إيمان كما قال تعالى{وما صاحبكم بمجنون الإطلاق الثاني: هو الإطلاق العرفي والمراد به طول صحبة رسول الله r فكلما كان الصحابي أطول صحبة لرسول الله r أثبتت له الصحبة بالمعنى العرفي وقد تنفى عن غيره الذي هو أقل صحبة للنبي r أفاد هذا الإمام أبو العباس ابن تيمية كما في منهاج السنة ومجموع الفتاوى وأيضا ذكره العلائي في رسالة له عن الصحابة وعليه تفهم جواب إشكال يردده كثيرون أنه لما حصل بين خالد بن الوليد وعبد الرحمن بن عوف كما في صحيح مسلم خصومة قال r مخاطبا خالد بن الوليد :"لا تسبوا أصحابي "كيف يقول لخالد بن الوليد لا تسبوا أصحابي وهو صحابي فيقال خاطب النبي r خالد بن الوليد بالاستعمال العرفي كما وصفهم الله به في قوله تعالى : {والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم} وطاعة النبي r في قوله :"لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه " هذا خرجه الشيخان من حديث أبي سعيد وخرجه مسلم من حديث أبي هريرة ويقبلون ما جاء به الكتاب والسنة والإجماع من فضائلهم ومراتبهم ويفضلون من أنفق من قبل الفتح وهو صلح الحديبية وقاتل على من أنفق من بعد وقاتل ويقدمون المهاجرين على الأنصار ويؤمنون بأن الله قال لأهل بدر وكانوا ثلاثمائة وبضعة عشر :{اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم} وبأنه لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة كما أخبر به النبي r بل لقد رضي الله عنهم ورضوا عنه وكانوا أكثر من ألف وأربعمائة ويدل على هذا حديث جابر في الصحيحين قال عددنا أربع مئة وألف ويشهدون بالجنة لمن شهد له رسول الله r كالعشرة قبل هذا فمن المتقرر عند أهل السنة أن لا يذكر صحابي إلا بخير ولا يذكر صحابي بسوء ولا يذكر ما حصل بينهم من شجار فقوله لا تسبوا أصحابي نهي عن ذكر ما حصل بينهم من شجار وخلاف حتى لا يقع الناس في سبهم على أنه ما سيأتي أكثر ما روي من شجار وخلاف بينهم لا يثبت ولا يصح ويشهدون بالجنة لمن شهد له رسول الله r كالعشرة وثابت بن قيس بن شماس وغيرهم من الصحابة أهل السنة يذكرون العشرة في كتب الاعتقاد لأنهم جمعوا في حديث واحد وإلا فإن الذين شهد لهم بالجنة أكثر من عشرة ثم اختلف أهل السنة في الشهادة لمعين بالجنة أو النار ذهبت طائفة إلى أنه لا يشهد لمعين بجنة ولا نار ما عدا الأنبياء والمرسلين وهذا هو قول محمد بن الحنفية وعبد الرحمن بن مهدي والأوزاعي كما تراه في السنة للخلال وأنكر ذلك الإمام أحمد رحمه الله تعالى ورد عليهم بالأدلة التي فيها الشهادة لأبي بكر وعمر وعثمان بالجنة القول الثاني لأهل السنة إذا شاع صيت الرجل بالخير فيشهد له بالجنة وهذا ظاهر كلام ابن تيمية في المجلد الحادي عشر من مجموع الفتاوى وأقوى ما يسدل به هؤلاء كما في البخاري من حديث أنس مرت جنازة برسول الله r فأثنى الناس عليها خيرا فقال : وجبت ثم مرت جنازة أخرى فأثنى الناس عليها شرا فقال : وجبت قال عمر :وما وجبت يا رسول الله؟ قال: أثنيتم عليها خيرا فوجبت لها الجنة وأثنيتم عليها شرا فوجبت عليها النار أنتم شهداء الله في أرضه لكن هذا الحديث لا يصح الاستدلال به لأن الجزم هذا كان بوجود رسول الله r وأخبرنا عن حقيقة الأمر أما بعده لا نستطيع الجزم لمعين بهذا وإن كنا نرجو له القول الثالث في هذه المسألة أنه لا يشهد لمعين بجنة ولا نار إلا من شهد الله له أو رسوله وهو المشهور في كتب أهل السنة وعليه جمهورهم ويقرون بما تواتر به النقل عن أمير المؤمنين على بن أبي طالب رضي الله عنه وغيره من أن خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر ويثلثون بعثمان ويربعون بعلي رضي الله عنهم كما دلت عليه الآثار وكما أجمع الصحابة على تقديم عثمان في البيعة مع أن بعض أهل السنة كانوا قد اختلفوا في عثمان وعلي رضي الله عنهما بعد اتفاقهم على تقديم أبي بكر وعمر أيهما أفضل فقدم قوم عثمان وسكتوا وربعوا بعلي وقدم قوم عليا وقوم توقفوا لكن استقر أمر أهل السنة على تقديم عثمان ثم علي وإن كانت هذه المسألة مسألة عثمان وعلي ليست من الأصول التي يضلل المخالف فيها عند جمهور أهل السنة لكن التي يضلل فيها مسألة الخلافة وذلك أنهم يؤمنون أن الخليفة بعد رسول الله r أبو بكر وعمر ثم عثمان ثم علي ومن طعن في خلافة أحد من هؤلاء فهو أضل من حمار أهله
إذن عندنا مسألتان: المسألة الأولى: أيهم أولى بالخلافة؟؟فهذه مسالة إجماعية أن الخلافة لأبي بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي المسالة الثانية:أيهم أفضل ؟؟ والخلاف في عثمان وعلي في المسالة أقوال ثلاثة لأهل السنة: القول الأول: منهم من قدم علي على عثمان في الفضل كما هو قول الكوفيين وهو قول سفيان الثوري وذكر ابن تيمية أنه تراجع عنه القول الثاني: وهو التوقف وهو قول المدنيين وهو أحد قولي مالك القول الثالث: وهو تقديم عثمان على علي وهذا قول جمهور أهل السنة بل في كلام ابن تيمية أنه إجماع من الصحابة كما في مجموع الفتاوى وهو ظاهر كلام الدار قطني وغيره وقد ثبت عن ابن مسعود كما رواه الخلال في كتاب السنة أنه قال:"أمَّرنا خيرنا ولم نألو "فابن مسعود يقر بأن عثمان خير من علي وروى الخلال في السنة عن عائشة أنها قالت : "أصبح عثمان خيرا من علي" جزم بهذا الإمام أحمد عن عائشة وثبت في البخاري عن ابن عمر أنه قال :"كنا نخير بين أصحاب رسول الله r فنقول أبو بكر ثم عمر ثم عثمان" والصواب ما استقر عليه قول أهل السنة من أن عثمان خير من علي ويكفي إجماع الصحابة عليه وفي كلام ابن تيمية فائدة نفيسة وهو التفريق بين المسائل التي يضلل فيها المخالف والمسائل التي لا يضلل فيها المخالف فالمسائل الإجماعية والتي استقر الإجماع فيها وشاعت عند أهل السنة يضلل فيها المخالف بخلاف المسائل التي لم يستقر الإجماع فيها واشتهر الخلاف بين أهل السنة وإن كان هناك إجماع سابق من لدن صحابة رسول الله r لكن إذا اشتهر الخلاف بين أهل السنة فلا يضلل فيه المخالف وتكون من المسائل التي يسوغ الخلاف فيها ويحبون أهل بيت رسول الله r ويتولونهم ويحفظون فيهم وصية رسول الله r حيث قال يوم غدير خم :" أذكركم الله في أهل بيتي" وقال أيضا للعباس عمه وقد اشتكى إليه أن بعض قريش يجفون بني هاشم فقال :"والذي نفسي بيده لا يؤمنون حتى يحبوكم لله ولقرابتي" وقال :"إن الله اصطفى بني إسماعيل واصطفى من بني إسماعيل كنانة واصطفى من كنانة قريشا واصطفى من قريش بني هاشم واصطفاني من بني هاشم" هذا الحديث يدل على فضل آل بيت نبينا محمد r وقد بينه زيد بن أرقم كما في صحيح مسلم وذكر أنهم آل جعفر وآل علي وآل العباس وآل عقيل ثم هذا الحديث الذي هو حديث واثلة بن الأسقع وقد خرجه الإمام مسلم هو من أدلة أهل السنة على أن العرب أفضل من العجم وعلى هذا إجماع أهل السنة كما حكاه ابن تيمية في منهاج السنة وفي غيره وحكا هذه العقيدة الإسماعيلي وأظن أيضا حكاه أبو عثمان الصابوني وعليه إجماع أهل السنة إلا أن ابن تيمية بين في منهاج السنة ما المراد بهذا وذلك من جهتين: الجهة الأولى: أن هذا من حيث الجملة أن طينة العربي أصلح من طينة الأعجمي جنسا وجملة لا من حيث الأفراد الجهة الثانية: أن هذا من جهة قبول العربي للدعوة وقبول العربي من الخير أما من عمل صالحا من عربي وغيره فإنه يجازى بعمله ولا فرق ومن اللطائف أنني أول ما تنبهت لهذه العقيدة عند قراءتي للسلسلة للإمام محمد ناصر الدين الألباني وقد نقل كلام ابن تيمية وأكده رحمه الله تعالى فلم تأخذه العصبية في عدم الإشادة بهذه العقيدة رحمه الله تعالى وأيضا من لطيف ما يذكر في التراجم أن يحيى بن معين قال وهو يعظم الإمام أحمد :"فوالله لم يتفاضل علينا يوما بأنه عربي" ولما قيل للإمام أحمد إنك عربي قيل له هذا الكلام على وجه المدح قال:"أنا رجل مسكين" فإن العلماء الأوائل كان أكثرهم غير عرب ونصروا هذا الدين ولعل في هذا تفسير لقوله r:"لو كان العلم بالثريا لناله رجال من فارس"... ويتولون أزواج رسول الله r أمهات المؤمنين ويؤمنون بأنهن أزواجه في الآخرة خصوصا خديجة رضي الله عنها أم أكثر أولاده أول من آمن به وعاضده على أمره وكان لها منه المنزلة العالية والصديقة بنت الصديق رضي الله عنها التي قال فيها النبي r:"فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام" ويتبرءون من طريقة الروافض الذين يبغضون الصحابة ويسبونهم وطريقة النواصب الذين يؤذون أهل البيت بقول أو عمل ويمسكون عما شجر من الصحابة ويقولون إن هذه الآثار المروية في مساويهم منها ما هو كاذب ومنها ما قد زيد فيه ونقص وغير عن وجهه انتبهوا يا إخواني إلى طريقة هذا الإمام في تبرئة صحابة رسول الله r وهذا الكلام ذكره أيضا في منهاج السنة لبكن يذكر أن هذه الآثار ما بين صحيح وكذب ثم هذا الصحيح قد زيد فيه وأنقص والصحيح منه هم فيه معذورون إما مجتهدون مصيبون وإما مجتهدون مخطئون ثم الذي يبقى صحيحا مما روي فيما شجر بينهم هم فيه على حالتين إما مصيبون وإما مخطئون وهم مجتهدون فإن أصابوا فلهم أجران وإن أخطئوا فلهم أجر واحد فالنتيجة أنهم مأجورون وبريئون رضي الله عنهم وأرضاهم وهم مع ذلك لا يعتقدون أن كل واحد من الصحابة معصوم عن كبائر الإثم وصغائره بل يجوز عليهم الذنوب في الجملة ولهم من السوابق والفضائل ما يوجب مغفرة ما يصدر عنهم إن صدر ثم من قدر من تعمد في ارتكاب المعصية والمعاصي تحصل منهم الكبائر والصغائر فإنهم مع ذلك لهم من الحسنات والسابقة في الدين ما ليس لغيرهم فتكون رافعة لدرجاتهم فالنتيجة ما روي في حقهم أكثره كذب والصحيح منه قد زيد فيه أو أنقص ثم هذا الصحيح هم مجتهدون في فعله فإن أصابوا لهم أجران وإن أخطئوا لهم أجر واحد وما تعمد الخطأ فيه فله من الحسنات والأعمال ما تكفر به سيئاته فانظروا إلى رفيع درجات صحابة رسول الله r وقد ذكر الذهبي كلاما نفيسا في تاريخ الإسلام يقول:قرأت ما شاء الله من الدواوين والكتب والصحف إلى آخره فرأيت أكثر ما يروى عن صحابة رسول الله r لا يصح وأنه مكذوب عليهم وذكر نحوا من ذلك ابن تيمية في منهاج السنة النبوية وأذكر أن طارقا السويدان أخرج أشرطة بعنوان قصص تاريخية وذكر فيها ما شجر في صفين والجمل وتتبعت هذه القصص قصة قصةً فرأيت أنه ذكر أكثرها إلا قليلا من رواية رجل رافضي اسمه لوط بن يحيى وكنيته أبو مخنف فبنا قصة صفين والجمل على رواية هذا الرافضي أسال الله أن يعافيني وإياكم وحتى إنهم يغفر لهم من السيئات ما لا يغفر لمن بعدهم لأن لهم من الحسنات التي تمحو السيئات مما ليس لمن بعدهم وقد ثبت بقول رسول الله r إنهم خير القرون وأن المد من أحدهم إذا تصدق به كان أفضل من جبل أحد ذهبا ممن بعدهم ثم إذا كان قد صدر من أحدهم ذنب فيكون قد تاب منه أو أتى بحسنات تمحوه أو غفر له بفضل سابقته أو بشفاعة محمد r الذي هم أحق الناس بشفاعته رضي الله عنهم ولعنة الله على الرافضة أو ابتلى ببلاء في الدنيا كفر به عنه فإذا كان هذا في الذنوب المحققة فكيف الأمور التي كانوا فيها مجتهدين إن أصابوا فلهم أجران وإن أخطئوا فلهم أجر واحد والخطأ عنهم مغفور
ثم القدر الذي ينكر من فعل بعضهم قليل نزر مغمور في جنب فضائل القوم ومحاسنهم من الإيمان بالله ورسوله r والجهاد في سبيله والهجرة والنصرة والعلم النافع والعمل الصالح
ومن نظر في سيرة القوم بعلم وبصيرة وما من الله عليهم به من الفضائل علم يقينا أنهم خير الخلق بعد الأنبياء لا كان ولا يكون مثلهم وأنهم الصفوة من قرون هذه الأمة التي هي خير الأمم وأكرمها على الله
هم بإجماع أهل السنة كما حكاه ابن تيمية وغيره أفضل الناس من أمة محمد r ويدل على هذا أثر رواه الدارمي عن ابن مسعود أن الله نظر في قلوب العباد إلى آخره فالصحابة هم خير أمة محمد r جملة وفردا خلافا لابن عبد البر فإن قول ابن عبد البر بأن جعل بعض التابعين خيرا من بعض الصحابة مخالف للإجماع الذي حكاه ابن تيمية وغيره ومما أفاد ابن تيمية في الصارم المسلول أن من كفر أكثر الصحابة فهو كافر ومن شك في كفره فهو كافر مثله لأن تكفير أكثر الصحابة يرجع على كتاب الله بالتكذيب فقد رضي الله عنهم ورضوا عنه ومدحهم الله بقول{محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم} ومن أصول أهل السنة التصديق بكرامات الأولياء وما يجري الله على أيديهم من خوارق العادات في أنواع العلوم والمكاشفات وأنواع القدرة والتأثيرات فأهل السنة يقرون بالكرامات ويقسمونها قسمين كرامة في العلوم والكشف وكرامة في القوة والقدرة والتأثير فمثلا قول عمر يا سارية الجبل هذا من نوع الكرامات في الكشف والعلوم فكشف لعمر حتى رأى سارية وهذا الأثر أخرجه اللالكائي وغيره وجود إسناد ابن كثير في البداية والنهاية وحسنه الحافظ ابن حجر والألباني الكرامات في القوة والقدرة والتأثير ما روي عن أبي العلاء الحضرمي أنه مشى على البحر وهذا وإن كان لا يصح لكن ليس بعيدا ومثله ما روي عن خالد بن الوليد أنه شرب السم وقد رواه الطبراني ولا يصح إسناده ومن أمثلة الكرامة في القوة والقدرة والتأثير ما حصل لأصحاب الكهف فإنهم جلسوا هذه المدة الطويلة ولم يتغيروا من غير أكل ولا شرب ولا حركة ذهاب وإياب إذن أهل السنة يقرون بالكرامة ويقسمونها إلى هذين القسمين المعتزلة ينكرون الكرامات ولا يقرون بها والاشاعرة والجهمية في مقابل المعتزلة يجعلون كرامة الولي ككرامة النبي لا فرق وكلا القولين خطأ ومنزع المعتزلة في إنكار الكرامة هو أن لا يختلط تلاعب الشياطين بكرامة الأولياء ومنزع الجهمية والاشاعرة في التسوية بين كرامة الأولياء وكرامة الأنبياء هو نفي الحكمة والعلة وأن العباد مجبورون أفاد هذا أبو العباس ابن تيمية في كتاب النبوات والمأثور عن سالف الأمم في سورة الكهف وغيرها وعن صدر هذه الأمة من الصحابة والتابعين وسائر قرون الأمة وهي موجودة فيها إلى يوم القيامة
ومما يتعلق بالكرامات ما يلي: الأمر الأول: أن الكرامة فعل الله لا فعل العبد كما أفاده ابن تيمية في كتاب الفرقان الأمر الثاني: قد تجري على يد المفضول كرامات دون الفاضل أو أكثر من الفاضل وذلك لحاجة المفضول إليها فقد جرى من الكرامات على أيدي التابعين أكثر مما جرى على أيدي الصحابة لحاجة التابعين لذلك الأمر الثالث: يتحجج الصوفية بأن الأولياء يعلمون الغيب تمسكا بأن للأولياء كرامات والرد على هذا من أوجه الوجه الأول: أنه لو قدر علمه للغيب فلا يجوز لكم عبادتهم لأن العبادة خاصة بالله الوجه الثاني: علم الغيب في المستقبل لا يعلمه إلا الله ومن يطلع ممن يشاء من رسله فقط كما قال تعالى{عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول}فمن ادعى أن وليا يعلم ما يستقبل وهو المسمى بالغيب المطلق قد كذب الأمر الرابع: مما يتعلق بالكرامات أفاد ابن تيمية بكلام نفيس متفرق في كتاب النبوات أن هناك فرقا بين كرامة الأولياء وخوارق العادات التي تجري على أيدي السحرة والمشعوذين وذلك من جهات اذكر جهتين: الجهة الأولى: حال الولي الصلاح وحال المشعوذ الفساد والشعوذة الجهة الثانية: أنه يراد من كرامة الولي نصرة الدين وهذا ما لا يكون في فعال أهل الشعوذة والسحر وهو رحمه الله تعالى قد ذكر فروقا بين الآيات التي تجري على أيادي الأنبياء والخوارق التي تكون على أيدي السحرة وهو ما تقدم في الفرق بين كرامات الأولياء وخوارق العادات التي تجري بين السحرة ويزاد على ذلك أن جنس آية النبي غير جنس خوارق العادات فجنس آية النبي لا يمكن أن يأتي بها أحد كانفلاق القمر ونزول القرآن على نبينا محمد r أو الكتب الأخرى على الأنبياء الآخرين إلى آخر ما ذكر رحمه الله تعالى ومن فوائده رحمه الله تعالى أن التعبير بآية النبي أحسن من التعبير بالمعجزة لأن تعبير المعجزة مأخوذ من تعبير المعتزلة أما آية النبي فدل عليه الكتاب والسنة وذكر هذا أيضا شيخنا ابن العثيمين في شرح العقيدة الواسطية ثم من طريقة أهل السنة والجماعة إتباع آثار رسول الله r باطنا وظاهرا وإتباع سبيل السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار وإتباع وصية رسول الله r حيث قال :"عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة" ويعلمون أن أصدق الكلام كلام الله وخير الهدي هدي محمد r ويؤثرون كلام الله على غيره من كلام أصناف الناس ويقدمون هدي محمد r على هدى كل أحد ولهذا سموا أهل الكتاب والسنة وسموا أهل الجماعة لأن الجماعة هي الاجتماع وضدها الفرقة وإن كان لفظ الجماعة قد صار اسما لنفس القوم المجتمعين والإجماع هو الأصل الثالث الذي يعتمد عليه في العلم والدين وهم يدينون بهذه الأصول الثلاثة جميع ما عليه الناس من أقوال وأعمال باطنة أو ظاهرة مما له تعلق بالدين والإجماع الذي ينضبط هو ما كان عليه السلف الصالح إذ بعدهم كثر الاختلاف وانتشرت الأمة
لابد يا إخواني أن يضبط مبحث الإجماع وقد تقدمت الإشارة إليه وأن أول من خالف في حجية الإجماع هو النظَّام المعتزلي كما حكا ذلك ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله وابن قدامه في روضة الناظر ثم هم مع هذه الأصول يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر على ما توجبه الشريعة ويرون إقامة الحج والجهاد والجمع والأعياد مع الأمراء أبرارا كانوا أو فجارا ويحافظون على الجماعات ويدينون بالنصيحة للأمة ويعتقدون معنى قوله r :" المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا" وشبك بين أصابعه وقوله r:"مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر" ويأمرون بالصبر عند البلاء والشكر عند الرخاء والرضا بمر القضاء ويدعون إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال ويعتقدون معنى قوله r:" أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا" ويندبون إلى أن تصل من قطعك وتعطي من حرمك وتعفو عمن ظلمك ويأمرون ببر الوالدين وصلة الأرحام وحسن الجوار والإحسان إلى اليتامى والمساكين وابن السبيل والرفق بالمملوك وينهون عن الفخر والخيلاء والبغي والاستطالة على الخلق بحق أو بغير حق ويأمرون بمعالي الأخلاق وينهون عن سفسافها وكل ما يقولونه ويفعلونه من هذا وغيره فإنما هم فيه متبعون للكتاب والسنة وطريقتهم هي دين الإسلام الذي بعث الله به محمدا r لكن لما أخبر النبي r أن أمته ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة وهي الجماعة وفي حديث عنه r أنه قال :"هم من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي" صار المتمسكون بالإسلام المحض الخالص عن الشوب هم أهل السنة والجماعة وفيهم الصديقون والشهداء والصالحون ومنهم أعلام الهدى ومصابيح الدجى أولوا المناقب المأثورة والفضائل المذكورة وفيهم الأبدال وفيهم أئمة الدين الذين أجمع المسلمون على هدايتهم ودرايتهم وهم الطائفة المنصورة الذين قال فيهم النبي r:"لا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم حتى تقوم الساعة" قوله والابدال ذكر رحمه الله تعالى في مجموع الفتاوى أنه لم يصح حديث في الأبدال لكن معنى الأبدال صحيح يعني يتبادلون نصرة هذا الدين يذهب عالم ويأتي عالم آخر فيقوم بنصرة هذا الدين فيخلفون بعضهم بعضا في نصرة الشريعة والقيام بالسنة ولاحظوا يا إخواني أن أهل السنة يعتنون كثيرا بجانب الأخلاق ومكارمها ومعالي الأمور لذلك ختم به أبو العباس ابن تيمية فالواجب على السني أن يحاول أن يجمع بين حسن الاعتقاد وحسن العمل والعبادة لله وحسن التعامل مع خلق الله فيكون بقوله وفعله وجاهه وماله يحرص على السنة ظاهرا وباطنا قد ترى بعضهم يحرص على السنة ظاهرا في الأمور الخاصة لكن يبخل كثيرا إذا جاءت في الأمور المالية أو إذا جاء نفع إخوانه بجاهه أو بغير ذلك والمفترض يا إخواني أن نحاول قدر الاستطاعة أن نجمل أخلاقنا وأن نجاهد أنفسنا في ذلك والله تعالى يقول{والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا} فنسأل الله أن يجعلنا منهم وألا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا وأن يهب لنا من لدنه رحمة إنه الوهاب والله أعلم
وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا
نسأل الله أن يغفر لنا وإياكم أن يميتنا على طاعته
تم تفريغ هذه الأشرطة الثلاثة بفضل الله ومنه وكرمه والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات
تفريغ أم أيمن السلفية الجزائرية كان الله لها
03/جمادى الأولى/1429
الجزائر