المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : احكام التوسل لشيخنا عبد العزيز الريس


ابو اسامة سمير الجزائري
15th December 2008, 11:23 AM
لفضيلة الشيخ عبد العزيز بن ريس الريس حفظه الله تعالى
قامت بتفريغ هذه الأشرطة زوجتي أم أيمن السلفية


إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أما بعد
ففي اليوم السادس والعشرين من شهر شوال لعام سبع وعشرين وأربع مئة وألف من هجرة النبي r ألتقيكم في كلمة بعنوان أحكام التوسل
والذي دعاني إلى اختيار هذا الموضوع هو محاولة تقريب مسائل الاعتقاد عند أهل السنة السلفيين لعامة الناس فإن كثيرا من الناس يصعب عليه القراءة والاستماع إلى الشريط أسهل إليه قد يستمع إلى شريط في سيارته أو في غير ذلك لاسيما في زمن قد تكالب فيه أعداء السنة على أهل السنة وغزوا أهل السنة في عقر دارهم عبر هذه القنوات وعبر بعض الكتب فصاروا يشككون أهل السنة في مسلماتهم
التوسل إخواني من جهة اللغة القربة والوساطة وما توصل به إلى الشيء ويتقرب به كما ذكره ابن الأثير رحمه الله تعالى وقد ذكرت الوسيلة في كتاب الله في موضعين في سورة المائدة وسورة الإسراء قال تعالى{يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة} وقال تعالى في سورة الإسراء{أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة} فذكرت الوسيلة في موضعين وقد ذكر ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسيره أن الوسيلة هي ما يتوسل به إلى تحصيل مطلوب وقد ذكر الإمام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى في عدة مواضع من مجموع الفتاوى وفي كتابه قاعدة التوسل والوسيلة أن التوسل لا يخرج عن كونه مستحبا أو واجبا لأنه عبادة وقد ذكر محمد بشير السهسواني في كتابه صيانة الإنسان الإجماع على ذلك وهو أن التوسل في دين الله في كتاب الله وسنة محمد r لا يخرج عن كونه مستحبا أو واجبا أي أن يتقرب العبد بمستحب أو واجب لله جل جلاله وعظم سلطانه
فإذا تبين لك هذا عرفت أن التوسل عبادة ومن المتقرر أن كل عبادة لا تكون صحيحة إلا إذا توافر فيها شرطان:
الشرط الأول: الإخلاص لله سبحانه وتعالى
الشرط الثاني: المتابعة لنبينا محمد r
كما قال تعالى {فمن كان يرجوا لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا} والذي يناقض الشرط الأول الشرك والشرك كما تعلمون نوعان شرك أكبر وشرك أصغر والشرك الأكبر يكون من جهة صرف العبادة لغير الله بأن تسوي غير الله بالله في شيء من خصائص الله والشرك الأصغر له صور ومنه أن تتقرب لله إرادة إظهار هذا العمل للناس وهذا هو المسمى بالرياء وهو صورة من صور الشرك الأصغر
أما المتابعة وهو الشرط الثاني هو متابعة النبي الكريم الحبيب محمد بن عبد الله r فلا يصح لمسلم أن يتعبد الله عبادة إلا ويكون فيها متبعا نبيه وحبيبه محمدا r وقد دلت على ذلك أحاديث كثيرة كما خرج الشيخان من حديث عائشة أن النبي r قال:"من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" وفي مسلم من حديث عائشة قال r:"من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد" وثبت في مسلم من حديث جابر أن النبي r كان يقول كل جمعة على المنبر :"أما بعد فإن خير الكلام كلام الله وخير الهدي هدي محمد r وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة" فإذا تقرر هذا فلا يصح لعبد أن يتعبد الله بعبادة إلا ويكون فيها متابعا نبينا محمد r فإذا خالف ذلك وتعبد بخلاف هديه r وقع في البدعة
والبدعة يا إخواني خلاصتها التعبد لله بخلاف ما عليه رسول الله r وأصحابه مع إمكانهم فعله لهذه العبادة فكل عبادة كان بإمكان رسول الله r أن يفعلها أو صحابته ولم يفعلوها مع إمكان فعلهم لها ففعل هذا الأمر بعدهم يعتبر بدعة والشيطان لما أراد إضلال المسلمين من هذا الباب أحدث لهم أمرا سيئا للغاية وهو ما يسمى بالبدعة الحسنة فتأتي إلى أحدهم فتراه يمارس عبادة لم يفعلها نبينا محمد r مع إمكان فعله لها وكذا لم يفعلها أصحابه فإذا أنكرت عليه أول ما يقابلك ويواجهك أن يقول: يا فلان هذه بدعة حسنة وقد تقدم في حديث جابر أن النبي r كان يقول :"كل بدعة ضلالة" وفي حديث العرباض بن سارية عند أبي داود والنسائي والترمذي وصححه الترمذي وأبو نعيم والبزار وابن عبد البر وحسنه الإمام ابن القيم وصححه الإمام الألباني أن النبي r قال:" إياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة" فلفظة كل من أبلغ صيغ العموم عند أهل الأصول وأهل اللغة فهي تدل على أن كل إحداث في الدين على وجه التعبد يعتبر ويعتبر بدعة ويعتبر ضلالة فلا توجد في شريعة محمد بن عبد الله بدعة حسنة كان لرسول الله r أن يفعلها أو أحد من أصحابه
إلا أن أولئك المخالفون في هذا الباب تحججوا بحجج أذكر لكم أشهر حججهم والجواب عليها على عجالة سريعة:
الأمر الأول:
يستدلون بما ذكره عبد الله بن مسعود يقولون إن عبد الله بن مسعود يقول r:"ما رآه المسلمون حسن فهو عند الله حسن" وتراهم يتناقلون هذا الحديث وهذا الحديث أولا من جهة إسناده لا يصح فقد ضعفه ابن عبد الهادي وقال إسناده ساقط وكذا ضعفه الإمام الألباني وذكر أن في إسناده مجهولا وانقطاعا إلخ... وذكر ابن عبد الهادي والإمام الألباني أن الصواب في هذا أنه موقوف على عبد الله بن مسعود والمراد به من جهة الدراية أي ما أجمع المسلمون عليه فالحسن ما رآه المسلمون حسنا أي ما أجمع المسلمون عليه فإنه حسن لأن الإجماع حجة وهذا حق لكن في أي شيء؟ في شيء أجمع المسلمون عليه لا يأتي طائفة فيتبنون عبادة وسلف هذه الأمة لم يفعلوها بل أحيانا سلف هذه الأمة ينكرونها فتراهم يقومون على هذه البدعة ثم يقولون الحسن ما رآه المسلمون حسنا
الأمر الثاني:
دليلهم الثاني ما خرج مسلم من حديث جرير بن عبد الله أن النبي r لما دخل عليه أقوام ...وكان يظهر عليهم الفقر كانوا مجتابين لنار وظاهر عليهم الفقر فجاء النبي r فحث على الصدقة فقام رجل فتصدق ثم توارد بعد ذلك صحابة رسول الله r فتصدقوا فقال r:"من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا " فقالوا هذا الحديث يدل على أنه يوجد في الشريعة بدعة حسنة لأن النبي r قال:" من سن في الإسلام سنة حسنة"وجواب هذا أن يقال قوله "من سن في الإسلام سنة حسنة" محتمل لأحد أمرين:
الأول أنه أنشا عبادة جديدة
الثاني أنه ذكر بعبادة يعني أحيا سنة لا أنه أنشأ عبادة جديدة
فلما كان اللفظ محتملا أمرين اثنين نظرنا إلى النصوص الشرعية فرأيناها قد حذرت من البدع كلها وجعلت البدع كلها ضلالة كما تقدم "وكل بدعة ضلالة" فبهذا يترجح الاحتمال الذي هو بمعنى أنه ذكر لا بمعنى أنه أحدث شيئا جديدا
ثم يقال أيضا إذا كان نص حديثكم الذي تتمسكون به إذا كنتم تزعمون على أنه يدل على ما تريدون فدلالته محتملة والقاعدة الأصولية والعقلية أن النص إذا توارد إليه الاحتمال احتمالا متقاربا بهذا القيد كما ذكره ابن قدامة في الروضة والمعلمي في الأنوار الكاشفة احتمالا متقاربا فإن الاستدلال به يكون باطلا فنخلص من هذا أن النصوص الشرعية يبين بعضها بعضا وقد بينت النصوص الشرعية أن البدع كلها ضلالة ولا يوجد في الدين بدعة حسنة فنفهم هذا الحديث ببقية النصوص فيكون معنى قوله من سن في الإسلام أي من ذكر بسنة وأحيى سنة ويؤكد ذلك مناسبة الحديث فإن الصدقة معروفة والنصوص الدالة عليها كثيرة فلم يأت الصحابي بشيء جديد وإنما واقع حاله أنه ذكر بهذه وبادر بفعلها فتوارد بعد ذلك صحابة رسول الله على فعلها
الأمر الثالث:
دليلهم الثالث وما أكثر ما يرددونه هو ما في البخاري أن الفاروق أبا حفص عمر رضي الله عنه دخل المسجد فرأى الناس يصلون صلاة القيام في رمضان أوزاعا كل ثلاثة اثنين أربعة يصلون وحدهم فقال عمر لو جمعتم على إمام واحد فجمعهم على أبي بن كعب وأبي رقية تميم بن أوس الداري فلما جمعهم على إمام واحد اجتمع الناس وكانوا يصلون خلف هذا الإمام فخرج عمر بعد ذلك فدخل المسجد فرأى الناس مجتمعين على إمام واحد فقال رضي الله عنه وأرضاه:"نعمة البدعة هذه" فقالوا يدلك هذا على أنه يوجد في الدين بدعة حسنة لأن عمر قال "نعمة البدعة هذه" فيقال في الجواب على هذا الأثر إن الذي قاله عمر رضي الله عنه محتمل لأحد أمرين للبدعة الحسنة التي تزعمونها وللبدعة بالمعنى اللغوي والمراد بالمعنى اللغوي أي أنه حصل شيء ما كان موجودا بأن كان جديدا أو احيي بعد أن غفل الناس عنه فلما كان محتملا لأحد هاذين الأمرين والنصوص الشرعية دلت على أن البدع كلها مذمومة فيحمل كلام عمر على البدعة اللغوية لا على البدعة الشرعية لاسيما واقع الحال يؤكد ذلك وذلك أن عمر رضي الله عنه لم يأت بعبادة جديدة بل جاء بعبادة قد فعلها محمد r فقد ثبت في الصحيحين من حديث عائشة أن النبي r صلى بالناس صلاة القيام جماعة ثلاثة أيام أو أربعة ثم تركها r لعلة وهو أن قال إني خشيت أن تفرض عليكم فعمر رضي الله عنه علم أن هذه العلة التي من أجلها ترك النبي r صلاة القيام جماعة قد زالت بعد وفاة النبي r لأنه ما لم يكن دينا في عهده r فلن يكون دينا فإن الوحي قد انقطع فلما زالت العلة رجع عمر رضي الله عنه وأحيى هذه السنة التي كان يريد أن يفعلها محمد r وتركها لعلة وهذه العلة قد زالت فرجع إلى القيام وإلى الدعوة إلى هذه العبادة الحسنة والتي أصلها قد فعلها محمد r فيتبين بهذا أن تمسكهم بمثل هذا النص لا دلالة فيه وقد بين الشاطبي رحمه الله تعالى في كتاب الاعتصام وهو عالم مبدع غاية الإبداع في تقرير مسائل البدع لاسيما البدع العملية ذكر رحمه الله تعالى في كتاب الاعتصام مذكر ما ذكرت لكم في أجوبة الأوجه الثلاثة وذكر أيضا نحوها الإمام أبو العباس ابن تيمية وفي كتابه الاقتضاء وفي كتابه القواعد النورانية رحمه الله تعالى
الأمر الرابع:
وأيضا مما يستدلون به ما في البخاري من جمع أبي بكر رضي الله عنه للقرآن فإن أبا بكر رضي الله عنه جمع القرآن في زمانه جاء عمر رضي الله عنه فأشار على أبي بكر بجمع القرآن فلما أشار عليه بهذا الأمر قال أبو بكر كيف أفعل شيئا لم يفعله نبينا محمد r فتوقف ثم شرح الله صدر أبي بكر لهذا الأمر ثم جاء أبو بكر وحدث بهذا الأمر زيد بن ثابت وأوكل جمع القرآن عنده فقال زيد بن ثابت كيف افعل أمرا لم يفعله محمد r ثم بعد ذلك جمع القرآن يقولون أي القائلون بالبدعة الحسنة هذا يدلك على أن في الدين بدعة حسنة فقد أقر هذان الصحابيان الجليلان على أن هذا الفعل لم يفعله محمد r ثم بعد ذلك فعلوه فيدلك هذا على أنه يجوز للإنسان أن يتعبد بعبادة لم يتعبد بها محمد r وجواب هذا من أوجه:
الوجه الأول: أن هؤلاء من الخلفاء الراشدين وقد ثبت في حديث العرباض بن سارية الذي تقدم ذكره أن النبي r قال:" عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ" وثبت في مسلم من حديث أبي قتادة أن النبي قالr: "إن يطع الناس أبا بكر وعمر يرشدوا" فهذا الفعل قد اجتمع عليه أبو بكر وعمر رضي الله عنهم وأرضاهم وجمعني الله وإياكم وإياهم في الفردوس الأعلى
الوجه الثاني: أرجوا أن تنتبهوا لهذا الجواب * من أراد أن يتعبد بوسيلة فهذه الوسيلة ينظر فيها إن كان مقتضى فعلها أي سبب فعلها موجودا في عهد النبي r ولا مانع في زمانه ومع ذلك لم يفعل ففعلها يعتبر بدعة فإنه لو كان خيرا والحالة هذه لفعلها محمد r * أما إذا أردت أن تتعبد بوسيلة ومقتضى هذه الوسيلة ليس موجودا في عهده r فتعبدك بها لا يعتبر بدعة لأن ترك النبي r فعله لسبب أن مقتضاها وسببها لم يكن موجودا في عهده r * أو أردت أن تفعل وسيلة ومقتضاها موجود في عهده r إلا أن هناك مانعا يمنع من فعلها ففعلك لها لا يعتبر بدعة فإن قيل لك لماذا لم يفعلها محمد r تقول كان يوجد في زمانه مانع يمنعه فعلى هذا لا يصح لأحد أن يحتج عليك بعدم فعل النبي r
وأقرب هذا بأمثلة:
المثال الأول: جمع القرآن ذكر الإمام أبو العباس رحمه الله تعالى كما في القواعد النورانية أن جمع الصحابة للمصحف لم يكن مقتضاه موجودا في عهده r لأن النبي r بين أظهرهم ولا يخشى من ذهابه لكن لما مات وقتل القراء السبعون خشي أن يذهب القرآن فحدث مقتضي جديد لم يكن موجودا في عهده r لذلك جمعه الصحابة وأقروا به فجمع أبو بكر وعمر وزيد بن ثابت وإقرار بقية الصحابة لهم للمصحف لأن مقتضيه موجود في عهدهم ولم يكن موجودا في عهد النبي r
المثال الثاني: إلقاء المحاضرات والدروس عبر مكبرات الصوت أو تسجيلها في أشرطة لو قال قائل إن هذه بدعة لم يفعلها النبي r ولا أصحابه فالجواب على هذا أن يقال صحيح إن مقتضى هذا الفعل موجود في عهدهم فإنهم يحبون نشر الخير لكن هناك مانع يمنعهم من فعله ما هو؟ أنه لم يكن مصنوعا في زمانهم فهذا المانع جعلهم لم يفعلوه لذلك إذا ألقيت الدروس والمحاضرات عبر مكبرات الصوت ونشرت في الأشرطة ليست من البدع في شيء وإن لم يفعلها محمد r ولا أصحابه لأنه كان يوجد عندهم مانع وهذا المانع زال في زمانا إذا ضبطت هذا عرفت أن الذين يرددون البدع الحسنة أكثر هذه البدع ترجع إلى هذه القاعدة وقد ذكر هذه القاعدة أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى في كتابه اقتضاء الصراط المستقيم وما أكثر ما كان الإمام الألباني رحمه الله تعالى يردد هذه القاعدة في أشرطته ويقررها لأهميتها رحمه الله تعالى وأكثر البدع التي يقال إنها حسنة ترجع إلى المصالح المرسلة
الوجه الثالث: السنة التركية يا إخواني من أعظم ما يجب على الشباب السلفيين أن يضبطوها وأن يعرفوها وأن يتيقنوها لأنها درع حصين يتدرع بها السني في رد سيوف أهل البدع وأسهمهم إذا هجموا بها على السنة وأهلها
السنة التركية يا إخواني خلاصتها ما ترك النبي r التعبد به وكذا أصحابه مع إمكان فعلهم لهذه العبادة كل ما ترك فعله النبي r فيعتبر سنة تركية كأن النبي r يقول لا تفعلوا هذا الأمر فإني تركته مع إمكان فعلي له والسنة التركية أدلتها كثيرة في سنة النبي r أذكر لكم شيئا من أدلة هذه السنة التركية ما تقدم من جمع أبي بكر رضي الله عنه للقرآن فإن أبا بكر رضي الله عنه تحجج بأي شيء؟ بالسنة التركية لما أشار عليه عمر تحجج بالسنة التركية لم يقل عمر حتى ولو لم يفعل رسول الله نريد أن نفعل والنبي لم ينهانا وافقه عمر علم أن عدم فعل رسول الله r للفعل مع إمكان فعله يعتبر حجة وسمي بعد ذلك بالسن التركية وهذه الحجة نفسها تحجج بها زيد بن ثابت لما أشار عليه أبو بكر رضي الله عنه إلا أنه كما تقدم مقتضى هذا الفعل من زمن الصحابة بالنسبة إلى زمن رسول الله r
أيضا من أدلة السنة التركية حديث أنس في الصحيحين في قصة الثلاثة الذي قال أحدهم أما أنا فلا آكل اللحم والآخر قال أما أنا فلا أنام الليل والثالث قال أما أنا فلا أتزوج النساء ماذا احتج عليهم r ؟قال :"من رغب عن سنتي فليس مني" ما سنته أنهم أرادوا أن يتعبدوا بترك ما تعبد به محمدr فعدم تركه لهذا الفعل يعتبر فلذلك أنكر عليهم r
وأيضا في البخاري قال عمر قد جلس على كرسي ثم قال هممت أن لا أجعل في الكعبة صفراء ولا بيضاء إلا وقسمتها بين المسلمين كان يوجد في الكعبة ذهب فأراد أن يقسمه بين المسلمين فاحتج عليه أحدهم فقال أتفعل شيئا ما فعله صاحباك فسكت رضي الله عنه قال نعم القدوة هم أو كما قال رضي الله عنه وأرضاه فما الذي دعا عمر إلى الترك أنهم تركوا فدلك هذا على حجية السنة التركية
وأيضا في صحيح مسلم كان بشر بن مروان على المنبر وكان يرفع يديه بالدعاء فقال عمار بن رؤيبة قبح الله هاتين اليدين والله ما رأيت النبي r يزيد في الدعاء أن يشير بالمسبحة فلاحظ بأي شيء احتج عليه؟ بترك النبي r فدلك هذا على أن السنة التركية حجة في شريعة محمد r
وأيضا ما ثبت عند الدارمي وابن وضاح وغيرهما من قصة ابن مسعود رضي الله عنه لما جاء إلى القوم الذين يسبحون الله عشرا وفي بعض الروايات مئة يسبحون ويكبرون ويهللون بالحصى بماذا تحجج عليهم عبد الله بن مسعود؟ قال أأنتم سابقون إلى خير لم يسبق إليه محمد r وأصحابه أم أنكم مفتحو باب ضلالة والله إنكم لمفتحو باب ضلالة أنظر ماذا احتج عليهم بالسنة التركية
والسنة التركية حجة ودليل عظيم ينبغي لأهل السنة أن يفهموه وأن يتيقنوه وأن يعلموه لكن انتبه الترك المراد به هنا في الدين لا في الدنيا رأيت للغماري رسالة يريد الإسقاط بها دلالة السنة التركية ويبين أنها ليست حجة لماذا؟لأنه كما تقدم تعتبر درعا حصينا لأهل السنة ضد أهل البدعة كلما أتى أهل البدعة ببدعة تحجج عليهم أهل السنة بأي شيء فقال قد ترك النبي r أكل الضب فهل يقال إن أكل الضب بدعة؟ فيقال شتان بين الأمرين فإن ترك النبي r أكل الضب من باب الأمور الدنيوية ونحن نتباحث في الأمور الدينية
وقد نص على السنة التركية الشافعي في كتاب الرسالة قال:"لا زكاة في الخضروات لأن الصحابة لم يكونوا يزكون الخضروات" وذكر أيضا هذا تطبيقا الإمام أبو العباس ابن تيمية في رسالته بحجية مذهب أهل المدينة ذكر أنهلا زكاة في الخضروات لأن الصحابة رضي الله عنهم ما كانوا يزكونها فلاحظ بأي شيء تحججوا؟ بالسنة التركية وقلت لكم ذكرها الإمام الشافعي في كتابه الرسالة والإمام أبو العباس ابن تيمية كثيرا في كتبه لا في القواعد النورانية ولا في الاقتضاء ولا في غيرها من كتبه رحمه الله تعالى وكذلك ذكرها كثيرا الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في أعلام الموقعين وفي زاد المعاد وفي إغاثة اللهفان وفي غيرها من كتبه فهي حجة عظيمة ينبغي لأهل السنة أن يتمسكوا بها وذكرها أيضا الشاطبي المالكي في كتاب الاعتصام وكذا في كتابه الموافقات فهي حجة واضحة ينبغي لنا أن نعتني بها وأن نعرفها
إلا أنني أنبه إلى أن السنة التركية نوعان ذكر هاذين النوعين ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه أعلام الموقعين ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى أن السنة التركية نوعان:
النوع الأول: أن يكون شيئا منصوصا يقول الصحابي ما كان النبي r يفعل كذا وكذا كما خرج مسلم من حديث جابر بن سمرة ...قال صلينا مع النبي r غير مرتين ولا مرة وما كان يؤذن لهما هنا بأي شيء تحججوا يا إخواني هنا هذا هو النوع الأول من السنة التركية وهو أن الصحابي ينص على أن النبي r لم يفعل هذا الأمر
النوع الثاني: أن تتوافر الدواعي للنقل ولا ينقل فعدم النقل مع توافر الدواعي للنقل فهو نوع ثاني من أنواع نقل السنة التركية
يقول ابن القيم لو لم يجعل هذا حجة لصاح صائح وقال من أين لكم أن التثويب في الآذان بدعة ولصاح صائح آخر وقال من أين لكم أن كذا وكذا بدعة إلخ وصدق رحمه الله فإن السنة التركية لو تركت ولم يعمل بها بنوعيها لدخلت علينا البدع من كل جانب
ومما ينبغي أن يعلم أن السنة التركية مقدمة على القياس والعموم فهي تخصص النص العام وإذا صادمها القياس فاسدا وقد ذكر هذا الإمام ابن تيمية رحمه الله تعالى في كتاب اقتضاء الصراط المستقيم وابن القيم في كتاب تهذيب السنن
لو قال لك قائل ثبت في الصحيحين من حديث أبي قتادة أن النبي r قال:"إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين قال لك يستحب للخطيب إذا دخل إلى المسجد أن يصلي ركعتين قبل أن يخطب تقول هذا عام يقول لك نعم تقول إلا أن عندي سنة تركية وهو أن النبي r وأصحابه لم يفعلوه مع إمكان الفعل والسنة التركية مقدمة على العموم فهي تخصص النص العام
ولو قال لك قائل آخر يستحب لك أن تصلي ركعتين بعد السعي بدليل أنك تصلي ركعتين بعد الطواف على الكعبة والسعي بين الصفا والمروة يسمى طوافا فبجامع كونهما طوافا فيقاس هذا على هذا فيستحب لك أن تصلي ركعتين بعد الانتهاء من السعي فيقال هذا قياس وهذا القياس مصادم للسنة التركية وهو أن النبي r وأصحابه لم يفعلوه ولما صادم القياس السنة التركية صار قياسا فاسدا ذكر هذين المثالين الإمام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى في كتابه القواعد النورانية
بعد هذا يا إخواني ندخل في موضوعنا وهو التوسل والمراد بالتوسل هنا أن تذكر أمورا تريد أن تقوي بها دعاء المسألة عند الله عز وجل تدعوا الله فتذكر أمورا في دعائك أو تفعل أمورا فقي دعائك تريد هذه الأمور أن تقوي إجابة دعوتك عند الله عز وجل والتوسل يا إخواني كما تقدم عبادة فلابد فيه من الدليل الشرعي ولابد في الدليل من أمرين:
الأمر الأول: صحته من جهة الثبوت
الأمر الثاني: صحته من جهة الدلالة
أما لو كان ثابتا لكن دلالته غير صحيحة في مسألتنا فإنه لا يحتج به وكذا لو كانت دلالته صحيحة إلا أنه من جهة الثبوت لا يصح لا يحتج به أيضا لابد أن يتوافر في الدليل من سنة رسول الله r هذان الأمران وأهل العلم ومنهم أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى استقرأ ما جاءت به النصوص الشرعية في التوسل فذكر في الرد على البكري في كتابه الرد على البكري وفي كتابه قاعدة التوسل والوسيلة وفي مواضع من مجموع الفتاوى أن التوسل في الشريعة لا يجوز إلا في أمور ثلاثة:
الأمر الأول: أن تتوسل في دعائك بأسماء الله وصفاته:
* قال تعالى {ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها} ها دليل على التوسل بأسماء الله فتقول يا رب يا رحمن أسالك بأنك أنت الله لا إله إلا أنت أن تغفر ذنبي إلخ تتوسل الآن بأسماء الله عز وجل
* أما صفاته فيدل عليها ما خرج البخاري من حديث جابر في حديث الاستخارة :"اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك" هنا توسل في دعائه بأي شيء؟ بصفات الله عز وجل هذا هو الأمر الأول أن يتوسل بأسماء الله وصفاته
الأمر الثاني: بالأعمال الصالحة يدعوا العبد ربه بعمله الصالح يقول يا رب بإيماني يا رب بحبي لسنة محمد r يا رب ببغضي للبدع يا رب بحبي لصحابة محمد r أن تغفر لي وأن ترحمني إلخ هذا توسل بأي شيء؟ بالأعمال الصالحة وقد دل عليه قوله تعالى{ ربنا إننا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا} هنا توسل بأي شيء؟ بالإيمان والإيمان عمل صالح وأيضا ما يدل عليه ما ثبت في الصحيحين في حديث ابن عمر في قصة أصحاب الغار الثلاثة كل منهم دعا الله بعمله الصالح ذاك الأول دعا الله ببره بوالديه والثاني دعا الله بترك معصية الزنا مع تمكنه لها وحبه له والثالث دعا الله بأن أقام على أمانة الرجل ورد المال له كله وما حصل له نتاجا على ماله فالمقصود كل منهم توسل بعمله ففرجت عنهم الصخرة فخرجوا
الأمر الثالث: دعاء الرجل الصالح وأدلة هذا كثيرة في سنة النبي r ففي الصحيحين من حديث أنس أن أعرابيا دخل على النبي r فقال يا رسول الله هلكت الأموال وانقطعت السبل فادعوا الله عز وجل أن يغيثنا فدعا النبي r هنا أتى إلى النبي r حتى يدعوا له حتى يستجاب دعاؤه وأيضا ثبت في البخاري عن أنس رضي الله عنه أن عمر رضي الله عنه قال إنا كنا نستسقي بالنبي r فلما مات نبينا نتوسل بعم نبينا فهنا عمر رضي الله عنه قد طلب من العباس أن يدعوا له وقد ثبت عند ابن عساكر وصححه الإمام الألباني أن الضحاك بن قيس لما خرج للاستسقاء أمر يزيد بن الأسود أن يقوم ويدعوا لهم قال ما إن دعا ثلاثا إلا وسقوا فتوسل بأي شيء؟ بدعاء الأسود بن يزيد فهذا النوع الثالث وهو التوسل بدعاء الصالحين ثابت في السنة وبفعال رسول الله r كما تقدم ذكره
أنبه بعد هذا يا إخواني إلى أن بعض أهل السنة أراد أن يذكر أمورا زائدة على هذه الثلاثة وواقع الحال أن ما ذكروا يرجع إلى هذه الثلاث
الأمر الأول ذكر محمد بشير السهسواني في كتابه صيانة الإنسان أنه يتوسل بربوبية الله لعباده الصالحين واستدل بحديث عائشة في مسلم "اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة إلخ...فتوسل بأي شيء؟ بربوبية الله لعباده الصالحين والواقع أن هذا يرجع إلى أسماء الله وصفاته لأن ربوبية الله لعباده بمعنى أنه رباهم وخلقهم وهذا يرجع لأي شيء؟ إلى فعله وهو من صفات الله كما تقدم ذكره
الأمر الثاني: ذكر أيضا محمد بشير السهسواني أنه يتوسل بالصلاة على النبي r واستدل بحديث فضالة بن عبيد الذي أخرجه الخمسة إلى ابن ماجة أن رجلا دعا عند النبي r ولم يحمد الله ولم يصل على النبي r فقال عجل هذا ثم دعاه فقال :"إذا صلى أحدكم فليبدأ بتحميد ربه والصلاة على نبيه r إلخ...قال هذا يدلك على أنه يتوسل بالصلاة على النبي r فيقال هذا في الواقع يرجع إلى أي شيء؟ إلى الأعمال الصالحة
وأيضا مما يذكره أهل السنة المعاصرين أنه يتوسل بالإيمان وقال هذا نوع يتوسل به فيقال التوسل بالإيمان يرجع لأي شيء؟ إلى الأعمال الصالحة لأمنه من الأعمال الصالحة
وبعد هذا أنبه إلى أن الشوكاني رحمه الله تعالى في رسالته الدر النضيد قرر أنه يجوز التوسل بأعمال الرجال الصالحين فتقول يا رب أسالك أن تغفر لي بصلاح ابن باز رحمه الله تعالى يا رب أسالك أن تغفر لي بصلاح الإمام الألباني رحمه الله تعالى وهكذا وقد رد عليه الشيخ محمد بشير السهسواني رحمه الله تعالى في كتاب صيانة الإنسان لأن الشوكاني استدل بحديث أصحاب الغار رد عليه السهسواني من أوجه وبين أن الحديث خاص بدعاء كل رجل بعمله الصالح هو نفسه لا أن يدعوا بأعمال الآخرين
مسألة:
أهل البدع والتوسل
قد استغل أهل البدع الآيات الدالة على التوسل كقوله تعالى{يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة} فجعلوا الأمر بابتغاء الوسيلة إلى مولانا جل جلاله وعظم سلطانه دليلا على توسلهم غير المشروع فيأتي أحدهم فيقول: يجوز لنا أن ندعو وأن نتوسل بجاه النبي r وإذا سألته عن دليله قال:دليلنا قوله تعالى {وابتغوا إليه الوسيلة} ويأتي الثاني فيقول: بل يجوز لنا أن ندعو رسول الله r نفسه فيما لا يقدر عليه إلا الله من كشف الكروب وتحقيق الرغبات وإذا قلت له ما دليلك؟ قال دليلي قوله تعالى {وابتغوا إليه الوسيلة} فجعلوا التوسل المذكور في الآيتين في كتاب الله جعلوا هذا دليلا على توسلهم غير المشروع من التوسل البدعي بل التوسل الشركي والرد على هذا من أوجه:
الوجه الأول: أن أدلة الشريعة يفسر بعضها بعضا ويوضح بعضها بعضا وقد تقدم في الجلسة الماضية أن معنى الوسيلة هي القربة إلى الله بفعل الواجبات وترك المحرمات والأمور البدعية لا يصح للعبد أن يتقرب بها إلى ربه فما بالكم بالأمور الشركية والشريعة بينت لنا أنه لا يتعبد لله سبحانه وتعالى إلا بما دل عليه دليل من الكتاب أو السنة والأمور المتعبد بها هي ما بين أن تكون واجبة أو مستحبة أما ما عدا ذلك فلا يصح التعبد به وهذا يا إخواني أمر مهم ينبغي أن نتفطن له وهو أن أهل البدع يفسرون ألفاظ الكتاب والسنة باصطلاحات أحدثوها وقد ذكر الإمام أبو العباس ابن تيمية في مواضع كثيرة من كتبه وكذا تلميذه ابن القيم كما في مواضع كثيرة من كتبه لاسيما في الصواعق المرسلة أن أهل البدع صاروا يفهمون الألفاظ الشرعية بالاصطلاحات الحادثة يصطلحون اصطلاحا حادثا ثم بعد ذلك يفهمون به الكتاب والسنة وهذا خطأ فإن ألفاظ الكتاب والسنة تفهم بدلالة الكتاب والسنة
أضرب لكم مثالا ذكر الإمام ابن تيمية رحمه الله تعالى أن لأهل البدع تفسيرا لمعنى التأويل يقولون التأويل هو صرف الكلام من معناه الراجح إلى المرجوح لقرينة وهذا من حيث أصله صحيح إلا أنهم قالوا إن هذا الاصطلاح المحدث هو الذي به نفهم التأويل في الكتاب والسنة والتأويل في الكتاب والسنة له معنى غير التأويل في الاصطلاحات الحادثة والتأويل في الكتاب والسنة يطلق ويراد به أحد معنيين:
المعنى الأول: حقيقة الشيء ما يؤول إليه الشيء فإن كان خبرا فإذا وقع الخبر فهذا هو تأويله {هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله} لما وقع الخبر سمي تأويلا فحقيقة الشيء إن كان خبرا فوقوعه يعتبر تأويلا وإن كان طلبا ففعل العبد للطلب يعتبر تأويلا هذا هو المعنى الأول للتأويل وهو حقيقة الشيء ومآله
المعنى الثاني:التفسير وقد أطلق هذا السلف كثيرا كما ترى في تفسير ابن جرير يقول فتأويل هذه الآية وقد استعمل التأويل بمعنى التفسير غير واحد من علماء التابعين ومن بعدهم
فالمقصود أن التأويل يطلق في الكتاب والسنة واستعمال السلف على أحد هذين المعنيين وهو حقيقة الشيء هذا هو المعنى الأول والثاني هو تفسير الشيء
أما التأويل بمعنى نقل الكلام من المعنى الراجح للمعنى المرجوح لقرينة هذا وإن كان صحيحا إذا دلت عليه الأدلة إلا أنه لا يسمى في استعمال الكتاب والسنة وفي استعمال السلف تأويلا
أهل البدع صاروا يؤولون الأسماء والصفات يقولون ننقل الاسم والصفة من المعنى الراجح إلى المرجوح لقرينة ويسمون هذا تأويلا يقولون ألم يمدح الله أهل التأويل ألم يثني عليهم ألم يدعونا الله عز وجل إلى التأويل فتأويل الصفات أن تنقل معناها من المعنى الراجح إلى المعنى المرجوح لقرينة تدل عليها فيأتون فيقولون اليدان بمعنى القدرتين فيقولون في قوله تعالى{بل يداه مبسوطتان} أي قوتاه أو قدرتاه أو نعمتاه على حسب تأويل كل أحد فيقولون نحن وأرجوا أن تنتبهوا لهذا الأمر نقلنا معنى اليد من المعنى الراجح إلى المعنى المرجوح وهو بمعنى القوة أو القدرة أو النعمة لأجل قرينة ما القرينة؟ قالوا حتى لا نشبه الخالق بالمخلوق قبل الجواب على هذا وبيان فساد هذه القرينة إلا أنني اذكر بما ضربت المثل من أجله أنهم جعلوا التأويل من المعنى الراجح إلى المعنى المرجوح لقرينة تدل عليه وهذا كما قلت لكم ليس موجودا في كتاب الله ولا في سنة نبيه وليس عليه استعمال سلف هذه الأمة كما نص على هذا الإمام أبو العباس ابن تيمية وتلميذه ابن القيم فعلى هذا إذا جاؤوا وأولوا الصفة بما تقدم ذكره فيقال إن تأويلكم هذا تأويل محدث ولا تفهموا من النصوص التي فيها ذكر التأويل في كتاب الله أنها بهذا المعنى
وعودا على هذا المثال فقولهم نقلنا من المعنى الراجح إلى المرجوح لقرينة تدل عليه يقال لو صحت القرينة صح فعلكم لكن لا نسميه تأويلا من حيث الاستعمال الشرعي واستعمال السلف وواقع الحال أن هذه القرينة فاسدة فإن لك أن تقول إن لله جل جلاله يدين تليق بجلاله وعظيم سلطانه وتقول إن للبشر يدين تليق بهم وكل له يد تليق به ولا يلزم من إثبات اليدين لله أن تكون مشابهة لأيدي المخلوقين وأقرب هذا بمثل واقعي ذكره الإمام ابن خزيمة في كتابه كتاب التوحيد يقول بكلام معناه للفأرة يدان وللإنسان يدان فهل معنى إثبات اليدين للإنسان أن تكون يداه مشابهتين ليدي الفأرة؟ ليس كذلك كل لديه يدين تليق به ولله جل جلاله المثل الأعلى يداه تليق به وليس معنى إثبات اليدين لله أن تكون مشابهة لأيدي المخلوقين
إذن يا إخواني القرينة التي ذكروها فاسدة ولا تصح فإذا سقطت القرينة فلابد أن نرجع إلى المعنى الراجح وهو إثبات اليد حقيقة لله جل جلاله وعظم سلطانه
وقولهم إن اليد لا تثبت إلا بمعنى اليد الإنسان الجارحة تقدم أن هذا خطأ وأن لله ما ليس للمخلوقين فنحن نثبت ذاتا لله تليق به جل جلاله وعظم سلطانه وللمخلوق ذاتا إلا أن للمخلوقين ذاتا تليق بهم وذات الله تليق به وليس معنى إثبات الذات لله أن تكون ذاتا كذوات المخلوقين
إذا تبين لك هذا فأهل البدع استعملوا المعنى الذي اصطلحوه في التوسل ففهموا الأدلة بالكتاب والسنة على ذكر التوسل بالاصطلاح الذي أحدثوه وهو أن يدعوا الرجل بجاه النبي r أو يقسم عليه بالنبي r كما يقوله أهل البدع
الوجه الثاني: إن غاية ما عندهم لو سلم بمعنى التوسل على اصطلاحهم غاية ما عندهم اللفظ العام واللفظ العام لا يصح التمسك به إذا كان مخالفا للسنة التركية وتقدم أن الصحابة والتابعين لم يستعملوا التوسل بهذا المعنى المحدث وهو الإقسام على الله بنبيه محمد r أو التوسل بذات النبي r وتقدم أن السنة التركية تخصص النص العام ثم يقال لهم لو أخذتم العمومات هكذا للزمت لوازم كثيرة الله جل جلاله يقول {فاقرؤوا ما تيسر من القرآن} والنبي r يقول كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة في تعليم المسيء في صلاته قال إذا قمت إلى الصلاة فاستقبل القبلة ثم كبر ثم اقرأ ما تيسر من القرآن" هل لقائل أن يقول إنه يصح لي بقوله فاقرؤوا ما تيسر من القرآن أن أقرآ القرآن منكسا أبدأ بسورة الفاتحة بالآية الأخيرة والتي قبلها إلى أول آية بحجة أن هذا من القرآن وأنني اقرأ ما تيسر من القرآن فيقال كلا إن ما تفهمه هذا خطا تخالفه السنة التركية وفعل رسول الله r وفعل أصحابه
الوجه الثالث: هم توسعوا توسعا كبيرا زيادة على التوسع البدعي وقرروا الشرك باسم التوسل والشريعة نصوصها واضحة في رد الشرك وبيان خطئه وأنه لا يجوز فعله وأنه يحبط العمل ويخلد صاحبه في النار وأنه أعظم ذنب يعصى الله به وبهذه المناسبة أقف وقفة سريعة مع معنى الشرك فإنه للأسف يا إخواني أكثر بلاد العالم الإسلامي لا أتكلم عن العامة وإنما أتكلم عن العلماء وطلاب العلم أكثر بلاد العالم الإسلامي لا يعرفون الشرك فإذا كان الشرك الذي هو أعظم ذنب يعصى الله به أكثر العالم الإسلامي جاهلون به فهذا يدلكم على غربة السنة وعلى حقيقة قوله r كما خرج مسلم من حديث أبي هريرة :"بدأ الإسلام غريبا وسيعود كما بدأ غريبا فطوبا للغرباء" مفتي مصر علي جمعة كتب مقالا قبل فترة يقرر فيه أن الرجل إذا ذبح لغير الله لا يكون مشركا وإذا نذر لغير الله لا يكون مشركا وإذا دعا غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله لا يكون مشركا قال لا يكون مشركا حتى يعتقد في هذا المذبوح له أو المنذور له أو المدعو من دون الله أن يعتقد فيه أنه ينفع ويضر استقلالا من دون الله إذن هو لا يعرف من الشرك إلا الشرك في الربوبية ولا يعرف الشرك في توحيد الإلهية وهذا خطأ كبير فإن الشرك يا إخواني هو تسوية غير الله بالله في شيء من خصائص الله كما أشار إلى هذا الإمام أبو العباس ابن تيمية في كتاب الاستقامة وتلميذه ابن القيم في مدارج السالكين وإغاثة اللهفان وابن رجب في رسالة الإخلاص وغير واحد من أهل العلم فالشرك تسوية غير الله بالله في شيء من خصائص الله ويدلل ذلك قوله تعالى {تالله إن كنا لفي ضلال مبين إذ نسويكم برب العالمين } وقوله تعالى {ثم الذين كفروا بربهم يعدلون} وفي البخاري من حديث ابن مسعود سأل النبي r أي الذنب أعظم قال:" أن تجعل لله ندا وهو الذي خلقك" فالشرك تسوية غير الله بالله في شيء من خصائص الله وإذا أردت أن تمثل على كل نوع من أنواع التوحيد بهذا التوحيد تنظر إلى توحيد الربوبية إذا اعتقدت أن أحدا يخلق الخلق الذي هو بمعنى الإيجاد من العدم فأنت الآن سويت غير الله بالله في شيء من خصائص الله إذا اعتقدت أن أحدا يعلم الغيب بالمستقبل وهو المسمى بالغيب المطلق فقد سويت غير الله بالله في شيء من خصائص الله لأن هذه الأمور خاصة بالله {هل من خالق غير الله} هذا إيش؟ هذا استفسار بمعنى الإنكار فلا خالق إلا الله جل جلاله وعظم سلطانه وهذا الشيء كان يقر به كفار قريش كان يقر به أبو جهل وأبو لهب قال تعالى {ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله } فهم مقرون بأنه لا خالق إلا الله جل جلاله وعظم سلطانه هذا في توحيد الربوبية
أما في توحيد الإلهية فمن عبد غير الله فقد سوى غير الله بالله في شيء من خصائص الله فقد دلت الأدلة الكثيرة من القرآن والسنة على أن العبادة خاصة بالله قال تعالى { وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه} قال تعالى{قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله} فالأدلة كثيرة في أنه لا يعبد إلا الله فمن عبد غير الله ومعنى عبادة غير الله أن تفعل لأحد شيئا خاصا بالله كالنذر النذر خاص بالله فهو عبادة فصرفه لغير الله يعتبر شركا الذبح تقربا بإزهاق النفس خاص بالله ففعله لغير الله يعتبر شركا {قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له} دعاء غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله خاص به لأنه لا يقدر عليه إلا من هو؟ إلا الله سبحانه وتعالى فمن فعل شيئا من هذه الأمور فقد سوى غير الله بالله في شيء من خصائص الله
أما الشرك في توحيد الأسماء والصفات أن تعتقد أن أحدا يتسع سمعه للبعيدات وقد ذكر ابن تيمية رحمه الله تعالى في الإخنائية وأيضا تلميذه ابن عبد الهادي في الصارم المنكي أن من يعتقد أن أحدا يتسع سمعه للمسموعات ويتسع سمعه للبعيدات فقد سوى غير الله بالله في شيء من خصائص الله
وكم ترى الآن في بلاد العالم الإسلامي من يعتقد أن الولي الميت في قبره يسمع الرجل ولو كان في شرق الأرض أو غربها من وقع في هذا الأمر فقد سوى غير الله بالله في شيء من خصائص الله فأشرك بالله في توحيد الأسماء والصفات وعلى هذا فقس وكفار قريش وهم كفار قريش كانوا مقرين بتوحيد الربوبية بالجملة إلا البعث والنشور أما الأسماء والصفات فكانوا مقرين بجميع الصفات كما ذكر ذلك ابن تيمية في الحموية وذكر أنه لا يعرف عن أحد من العرب أنه أنكر صفة أما الأسماء فهم مقرين بها كلها إلا اسم الرحمن كما أشار لذلك ابن كثير وذكره سليمان بن عبد الله في مقدمة تيسير العزيز الحميد ودليل ذلك أنهم قالوا {وما الرحمن} لما أنكروا اسم الرحمن أنكر الله عليهم ولو كانوا منكرين غير اسم الرحمن لأنكر الله عليهم وهم يسمعون القرآن أما توحيد الإلهية توحيد العبادة فقد كانوا مشركين فيه لذلك صار مآلهم النار وصاروا كفارا خالدين مخلدين في النار وقالوا {أجعل الآلهة إلها واحدا} يعني أجعل المعبود معبودا واحدا {إن هذا لشيء عجاب}
إذا عرفت هذا عرفت غربة الإسلام وأن الشرك الذي هو أعظم ذنب يعصى الله به لا يعرف وأن الله جل جلاله قال لأنبيائه وهو يحذرهم من الشرك يخاطب خير البشر محمد r {لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين} بالله عليكم يا إخواني ذنب هذا عظمه وجرم هذا شديد عقابه كيف يغفل عنه المسلمون لاسيما من يسمى مفتيا في دولة من أكبر دول العالم الإسلامي كمصر
إذا تبين لك هذا وعرفته أنتقل إلى ما بعده وهو ذكر بعض الأدلة التي يظنها أهل البدع ومن تأثر بهم دليلا على جواز التوسل الممنوع
الدليل الأول:
قوله تعالى {ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول} قالوا هذه الآية تدل على جواز التوسل برسول الله r بل فيها حث على أنك إذا عصيت الله عز وجل تذهب إلى رسول الله r وتطلب منه أن يستغفر لك بعد موته في قبره وهذا الاستدلال يا إخواني مردود من أوجه كثيرة وقد بسط الرد في الاستدلال على هذه الآية محمد بشير السهسواني في كتابه صيانة الإنسان وذكر ستة عشر وجها في رد استدلالهم بهذه الآية أذكر وجهين على وجه الاختصار
الوجه الأول: لو كان معنى الآية أننا نذهب إلى قبر رسول الله r بعد موته إذا احتجنا إلى شيء أو إذا عصينا الله فأين صحابة رسول الله r عن هذا الأمر؟ أين هم لم يذهبوا إلى قبره؟ ويتوسلون به r؟لماذا لما حصلت بهم الأمور العظام اجتهدوا آراءهم واجتمعوا فيما بينهم وكل منهم يسأل الآخر هل عندك شيء من سنة رسول الله r فهذا الوجه لو فهمته وعقلته لكفى في بيان أن هذه الآية خاصة بحياته r أما بعد موته فلا يصح الاستدلال بها
الوجه الثاني: هو ما ذكره أبو العباس ابن تيمية في منهاج السنة يقول رحمه الله تعالى {ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم} "إذ" ظرف لما مضى بخلاف "إذا" ظرف لما استقبل تقول إذا جاء زيد فأكرمه أنت تتحدث عن الزمن المستقبل لكن نقول إذ فعلت كذا فسأضربك أنت تتكلم عن الزمن الماضي فيقول ابن تيمية "إذ" هنا ظرف للزمن الماضي والماضي قد انتهى وبعد وفاة الرسول r لا يصح فعله لأنه أمر قد مضى وانتهى والله تعالى يقول {ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول } فهذا يتحدث عن الزمن الماضي عن ظرف في الزمن الماضي لا في الزمن المستقبل ذكر هذين الوجهين الإمام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى في قاعدة التوسل والوسيلة وفي مواضع من كتبه أما العلامة بشير السهسواني رحمه الله تعالى فزاد إلى هذه الأوجه إلا أن ابلغها ستة عشر وجها كما تقدم ذكره
الدليل الثاني:
يستدلون بتوسل عمر رضي الله عنه خرج البخاري كما تقدم عن أنس رضي الله عنه أن عمر رضي الله عنه إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا وإنا نتوسل بعم نبينا فتوسل بمن؟ بالعباس وهو عم رسول الله r قالوا هذا دليل واضح على جوزا التوسل أنظر إلى قول عمر كنا نتوسل إليك بنبينا يتوسل بأي شيء؟ بعم نبيك ألا وهو العباس تقدم بيان تفسير معنى التوسل في هذا الحديث ومعناه إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا أي بدعائه r وإنا نتوسل إليك بعم نبينا أي بدعائه ولا يصح لأحد أن يتمسك بهذا الحديث في التوسل بجاه النبي r أو في الإقسام على الله بنبيه محمد r وذلك من أوجه لكن أذكر وجهين:
الوجه الأول: أنه لو كان معنى هذا الحديث التوسل بجاه النبي r لكان عمر بعد وفاة رسول الله r يستمر في التوسل بجاه النبي r لماذا ينتقل ويتوسل بالعباس لكان لعمر أن يقول اللهم إني أسالك بجاه محمد r لو كان التوسل بأي شيء؟ بجاه النبي r لكن لاحظوا في كلام عمر التفريق بين الحياة والموت وأن الشيء الذي كانوا يستعملونه في الحياة لا يفعلونه الآن في أي شيء؟ في حالة موته r ولو كانت المراد التوسل بجاهه r لصح هذا فعله في الممات لو كانوا يفعلونه في الحياة فدلك هذا قطعا أنهم ما كانوا يتوسلون بجاهه r
الوجه الثاني: أن هدي سلف هذه الأمة فسر لنا معنى التوسل وما تقدم ذكره مما ثبت عند ابن عساكر أن الضحاك بن قيس لما توسل بيزيد بن الأسود قال قم يا يزيد وادع الله فقام فاستسقى لهم ثلاثا فمطروا فإذن سلف هذه الأمة فهموا التوسل هو دعاء الرجل الصالح كما جاء في الصحيحين من حديث أنس أن أعرابيا دخل على رسول الله r فقال يا رسول الله هلكت الأموال وانقطعت السبل فادعوا الله عز وجل أن يغيثنا فدعا له r
الدليل الثالث:
وما أكثر ما يرددون هذا الدليل ألا وهو حديث عثمان بن حنيف الذي خرجه الإمام احمد والترمذي والنسائي أن رجلا ضرير البصر أتى النبي r فقال أدع الله أن يعافيني قال إن شئت دعوت لك وإن شئت أخرت ذلك فهو خير فقال ادعه أدع الله لي يعني فأمره النبي r أن يتوضأ فيحسن وضوءه فيصلي ركعتين ويدعوا بهذا الدعاء :اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة يا محمد إني توجهت بك إلى ربي في حاجتي هذه فتقضي لي اللهم فشفعه في وشفعني فيه قال ففعل الرجل فبرأ يعني شفي رجع إليه بصره وصار يبصر بعد أن كان أعمى لا يبصر والجواب على هذا الحديث من أوجه:
الوجه الأول: أنم طائفة من أهل العلم ضعفوه وبينوا انه لا يصح عنه r كما هو صنيع محمد بشير السهسواني في كتابه صيانة الإنسان والإمام عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن والإمام عبد الرحمن بن حسن والد الإمام عبد اللطيف وظاهر صنيع أبو العباس ابن تيمية في بعض المواضع من قاعدة التوسل والوسيلة يشير إلى ضعف هذا الحديث وأنه لا يصح عنه r
الوجه الثاني: فإنه لو فرض صحة هذا الحديث فيقال إن الأعمى جاء إلى النبي r ليدعو له وذلك قوله ادع الله أن يعافيني فهو قد توسل إلى الله تعالى بدعاء محمد r لأنه يعلم أن دعاء رسول الله r أرجى بالقبول عند الله عز وجل بخلاف دعاء غيره إذ لو كان قصد الأعمى التوسل بجاه النبي لما كان في الإتيان إليه حاجة مجرد ما يكون في أي مكان يرفع يديه ويقول اللهم إني أتوسل إليك بجاه نبيك محمد r وما كان هناك حاجة إلى أن يأتي إلى النبي r وإتيانه إليه يدل على أنه يتوسل بدعائه r
الوجه الثالث: إن رسول الله r وعده بالدعاء مع توجيهه إلى الأفضل وأبى إلا الدعاء فدعا له r وهو خير من وفى بوعده r وهذا يؤكد لك أن المراد ما هو؟ دعاؤه
الوجه الرابع: أن في الدعاء الذي علمه رسول الله r :اللهم فشفعه في" أي اللهم اقبل دعاءه وهذا لا يمكن حمله على التوسل البدعي من دعاء بجاه أو نحو ذلك يعني الله اقبل دعاءه اللهم شفعه في ولو كان المراد اللهم إني أسالك من جاه محمد r لما احتاج أن يقول شفعه فيّ بل قال اللهم اقبل دعائي مباشرة
الوجه الخامس: أن مما علم رسول الله r الأعمى أن يقول وشفعني فيه أي اقبل دعائي في أن تقبل شفاعته أي دعاءه في أن ترد عليّ بصري فلاحظ ما معنى قوله فشفعني فيه؟ لو كان المراد أن يدعو مباشرة بجاه النبي لما احتاج أن يقول فشفعني فيه لأنه هو الداعي نفسه
^ إذا نظرت إلى هذه الأوجه تبين لك بطلان خطئهم واستدلالهم بهذا الحديث وقد ذكر جملة من هذه الأوجه محمد بشير السهسواني في كتابه صيانة الإنسان والإمام أبو العباس ابن تيمية في كتابه قاعدة في التوسل والوسيلة وأيضا في الرد على البكري والإمام الألباني في كتابه التوسل وأحكامه
^ قد نبه الإمام الألباني رحمه الله تعالى أن في الحديث زيادة لا تصح بحال وهي قوله "وإن كانت حاجة فافعل مثل ذلك" يعني إن كانت لك حاجة في المستقبل افعل مثل هذا الفعل
الدليل الرابع:
^ ألا وهو في مالك الدار خازن عمر فقد خرج ابن أبي شيبة وغيره من رواية أبي صالح السمان عن مالك الدار وكان خازن عمر قال أصاب الناس قحط في زمن عمر فجاء رجل إلى قبر النبي r فقال يا رسول الله استسق لأمتك فإنهم قد هلكوا فأتي الرجل في المنام فقيل له إيت عمر ...الحديث قال الحافظ ابن حجر في الفتح وهم كثيرا ما يرددون كلام الحافظ هذا وروى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح من رواية أبي صالح السمان عن مالك الدار لاحظوا يا إخواني الحافظ ابن حجر قال بإسناد صحيح إلى نهاية القصة أو إلى جزء من سندها؟إلى جزء من سندها قال بإسناد صحيح من رواية أبي صالح يعني الإسناد صحيح إلى من؟ إلى أبي صالح قال الحافظ وقد روى سيف في الفتوح إن الذي رئي في المنام المذكور هو بلال بن حارث المزني وهو أحد الصحابة لأهل العلم رد على هذا الحديث رواية ودراية
^ أنقل لكم مختصرا من كلام الإمام الألباني رحمه الله تعالى في كتابه أحكام التوسل يقول الألباني:"أما رواية فإن مالك الدار مجهول لم يذكر فيه ابن أبي حاتم على سعة حفظه واطلاعه جرحا ولا تعديلا وقول الحافظ بإسناد صحيح لا ينافي جهالته إذ جزم بصحة إسناده إلى أبي صالح السمان ولا يفيد هذا تصحيح الإسناد كله حتى بوجود مالك الدار وعلى فرض صحة القصة فلا تفيد شيئا لأن مدارها على رجل لم يسم وتسميته بلالا في رواية سيف لا يساوي شيئا لأن سيفا هذا هو ابن عمر التميمي متفق على ضعفه عند المحدثين ثم فعل هذا الرجل المجهول الذي وصل إلينا خبره بطريق رجل مجهول أيضا يخالف فعال الصحابة الكبار كعمر ومعاوية إلى آخر كلامه رحمه الله تعالى فهو بين أن الإسناد لا يصح وأن فيه مجاهيل فلا يعتمد عليه ووجه كلام الحافظ إسناده صحيح يعني إلى أبي صالح السمان لا إلى ما بعد ذلك ثم بين من جهة الدراية يعني من جهة الفقه أنه لا دلالة فيه لأنه لو كان كذلك لكان أولى بفعل هذا الأمر من هم؟ لكان أولى بفعل هذا الأمر صحابة رسول الله r فيس حاجاتهم كعمر وغيرهم من أصحاب رسول الله r
الدليل الخامس:
^ هي قصة ما أكثر ما يتحججون بها ويتناقلون في كتبهم وفي محاضراتهم وهي حكاية العتبي خلاصة هذه الحكاية أن العتبي رأى أعرابيا أتى قبر رسول الله r وقرا قوله تعالى{ ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما} فيقولون جاء إلى من؟ إلى قبر رسول الله r وسأله حاجته ينقل لنا هذه القصة العتبي عن أعرابي وهذه القصة يا إخواني لا تصح بحال من جهة إسنادها يقول ابن عبد الهادي في الصارم المنكي يقول رحمه الله تعالى وقد ذكرها البيهقي في شعب الإيمان بإسناد مظلم فإسناده مظلم لا يصح الاحتجاج به أما من جهة متنها فهي مخالفة لفعال صحابة رسول الله r فإنهم ما كانوا يأتون قبر رسول الله r بعد موته مع شدة حاجتهم إلى هذا الفعل فلو كان مشروعا لكانوا أسرع الناس إلى فعله وإلى إتيان قبره r
^ وأنقل كلمة للإمام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى في كتابه اقتضاء الصراط المستقيم حول هذه القصة قال:"وأما الحكاية في تلاوة مالك هذه الآية { وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ }الآية فهي والله أعلم باطلة فإن هذا لم يذكره أحد من الأئمة فيما أعلمه ولم يذكر أحد منهم أنه استحب أن يسأل رسول الله r بعد الموت لا استغفارا ولا غيره وكلامه المنصوص عنه وعن أمثاله ينافي هذا وإنما يعرف مثل هذا في حكاية ذكرها طائفة من متأخري الفقهاء عن أعرابي أنه أتى قبر النبي r وتلا هذه الآية وأنشد بيتين :
يا خير من دفنت بالقاع أعظمه فطاب من طيبهن القاع والأكم
نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه فيه العفاف وفيه الجود والكرم
^ ولهذا استحب طائفة من متأخري الفقهاء من أصحاب الشافعي وأحمد مثل ذلك واحتجوا بهذه الحكاية التي لا يثبت بها حكم شرعي لا سيما في مثل هذا الأمر الذي لو كان مشروعا مندوبا لكان الصحابة والتابعون أعلم به وأعمل به من غيرهم بل قضاء حاجة مثل هذا الأعرابي وأمثاله لها أسباب قد بسطت في غير هذا الموضع وليس كل من قضيت حاجته" انتبه إلى هذه القاعدة "بسبب يقتضي أن يكون السبب مشروعًا مأمورًا به فقد كان r يُسأل في حياته المسألة فيعطيها لا يرد سائلا وتكون المسألة محرمة في حق السائل حتى قال « إني لأعطي أحدهم العطية فيخرج بها يتأبطها نارا " قالوا يا رسول الله فلم تعطيهم؟ قال :"يأبون إلا أن يسألوني ويأبى الله لي البخل »
^ فالمقصود من هذا أنم إسنادها لا يصح وأنها من جهة الدراية أيضا لا يصح التمسك بها لأن الصحابة لم يفعلوه وأنه مع حصول المراد وقضاء الحاجة لا يدل على أن هذه الطريقة مشروعة كما ذكره أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى
الدليل السادس:
يروون حديثا "إذا سألتم الله فاسألوه بجاهي فإن جاهي عند الله عظيم" وقد الإمام أبو العباس ابن تيمية أن هذا باطل لا يصح وكذلك الإمام الألباني في كتابه أحكام التوسل
بعد هذا يا إخواني اختم بتتمات ثلاثة تتعلق بأحكام التوسل:
التتمة الأولى:
روى الإمام أحمد وابن ماجة عن أبي سعيد الخذري أن النبي r علم ذكرا يقال عند خروج الرجل إلى المسجد وفي الذكر "اللهم إني أسالك بحق السائلين عليك" فظن بعضهم أن في هذا دلالة على جواز التوسل بالجاه وبالذات قالوا ومن ذلك ذات رسول الله r وجاهه فإن جاهه أعظم جاه r ويقال حقا إن جاه محمد r أعظم من جاه البشر كلهم إلا أنه ليس معنى هذا أن نتقدم بين يديه وأن نتعبد بعبادة لم يشرعها r وهذا الحديث من جهة إسناده لا يصح فإن في إسناده عطية بن سعيد العوفي وفيه علل أخرى وعطية بن سعيد مدلس إلى آخره وقد بين ضعف هذا الحديث جمع من أهل العلم منهم الإمام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى إلى الإمام الألباني في كتابه أحكام التوسل هذا من جهة الإسناد من جهة الرواية أما من جهة الدراية فقد ذكر الإمام أبو العباس ابن تيمية في كتابه قاعدة التوسل والوسيلة وفي الرد على البكري أن معنى قوله "اللهم إني أسالك بحق السائلين عليك" يرجع إلى فعله جل جلاله وعظم سلطانه يرجع إلى صفاته وذلك أن الله أوجب على نفسه أن يجيب دعاء السائلين فكأنه يقول اللهم إني أسألك بإيجابك على نفسك أن تجيب دعاء السائلين فرجع إلى أي شيء؟ رجع إلى فعل الله إلى صفته وهو إيجابه إجابة سؤال السائلين جل جلاله وعظم سلطانه
التتمة الثانية:
^ قد حصل خلاف في التوسل بذات النبي r وفي الإقسام على الله بنبيه محمدr عند المتأخرين فقد ترى بعضهم يتحجج بهذا الخلاف فيأتي إلى كتاب الإنصاف للمرداوي أو إلى بعض الكتب المتأخرة فيقول أنظر قد ثبت الخلاف عند بعض الشافعية وعند بعض الحنابلة في جواز التوسل بجاه النبي r فيقال يا إخواني إن هذا الخلاف حادث بعد القرون المفضلة فلم يكن في الصحابة ولا التابعين ولا أتباعهم من يتوسل بجاه النبي r كما ذكر هذا ابن تيمية وغيرهوالخلاف الحادث مردود غير مقبول أولا لأنه حادث مخالف لإجماع قبله وثانيا لأنه مصادم للنصوص الشرعية وخطأ المخطئ لا يكون حجة في الشريعة لو أتانا آت فقال يصح أن نقول استوى بمعنى استولى فقد أول هذا الرازي وأبو المعالي الجويني إلخ...فيقال إن كلام الرازي وأبي المعالي الجويني خلاف متأخر وهم محجوجون بأي شيء؟ بإجماع السلف قبلهم فقولهم خطأ قطعا فهو ليس خلاف مسوغ في الخلاف في هذه المسائل وكذلك التوسل بجاه النبي r ليس قول بعض الحنابلة والشافعية به دليل على أي شيء؟ على أنه مشروع ويجعل الخلاف في المسالة سائغا فهم محجوجون بالاجماع السابق
^ وهذا ينبغي أن يعرف فإن العالم قد يزل وقد يخطئ وزلة العالم يجب أن نقف اتجاهها موقفين
الموقف الأول: أن لا نقرها وأن نعتبرها خطئا وأن نعتقد أن زلة العالم سبب لهدم الدين كما قال عمر رضي الله عنه إنما يهدم الدين بثلاث وذكر منها زلة العالم وقال ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله :"زلة العالِم زلة العالَم" هذا الأمر الأول فنحن لا نقر العالم على خطئه ونقول أخطأ
الموقف الثاني:إذا كان العالم من علماء أهل السنة فنحفظ له قدره ونعرف مكانته ولا تطوله ألسنتنا ولا أقلامنا بالسوء بل هو عالم من علماء السنة ونعتقد أنه على خير وكل بني آدم خطاءون وخطأ العالم نظن برحمة الله جل جلاله أنه مغفور لأن علماء السنة إذا أخطئوا فإنما يريدون الحق وخفي عليهم الحق
^ ومثل ذلك إذا رأيت تفسير ابن كثير ترى ابن كثير رحمه الله تعالى أورد قصة العتبي فكم تأتي أسئلة من الخارج يقولون إن ابن كثير عالم سلفي وقد أورد قصة العتبي وفيها أن الأعرابي ذهب إلى قبر النبي r إلخ... وقد تقدم ذكرها فيقال هذا خطا من ابن كثير نحفظ له قدره ونخطئه في أي شيء؟ في هذا الأمر يأتي بعضهم ويقول قصة العتبي أوردها ابن قدامة في المغني فيقال نعم قد أوردها ابن قدامة في المغني لكنه أخطأ ونحفظ له قدره مع أي شيء؟ مع تخطئته كما تقدم ذكره
التتمة الثالثة:
وبها أختم المؤلفات في التوسل كثيرة وقد تكلم أهل العلم في كتبهم كثيرا عن التوسل مفرقا من الإمام ابن تيمية والإمام ابن القيم إلى أئمة الدعوة النجدية إلى غيرهم إلا أنني رأيت أحسن كتابين أفردا في مسألة التوسل:
/ كتاب الإمام أبو العباس ابن تيمية قاعدة التوسل والوسيلة إلا أن ابن تيمية رحمه الله تعالى باعتباره من العلماء الماضين تعريفه غير مرتب قد يورد المسألة في أكثر من موضع وقد يجيب عليها هنا بجوابين وفي موضع يجيب عليها بجواب ثالث زائد عن الجواب الأول فالمفترض لطالب العلم إذا قرأ كتب الإمام ابن تيمية أو قرأ كتب غيره من الأوائل أن تكون قراءته مرتبة وأن يجمع كلامهم المتفرق في جهة واحدة حتى تجتمع له الفوائد المتعلقة بالمسالة الواحدة
/ أما الكتاب الثاني فهو أحكام التوسل للإمام الألباني رحمه الله تعالى فهو على صغره كتاب عظيم في مسألة التوسل تتبع شبههم من جهة الرواية وفندها رحمه الله تعالى ثم بعد ذلك من جهة الدراية وبين بطلانها والإمام الألباني رحمه الله تعالى كتب هذا الكتاب في زمن كان يشهر راية الحديث أئمة البدعة كالغماريين وكزاهد الكوثري وعبد الفتاح أبو غدة وغير واحد فقاتلهم رحمه الله تعالى بسلاح الحديث وبين بطلان هذه الأحاديث من جهة الرواية وأنه لا يصح لأحد أن يتمسك بها ثم بين بطلانها في ثنايا كلامه من جهة الدراية لذلك الغماريون يعرفون قوة الإمام الألباني في علم الحديث حتى إن أحدهم كتب رسالة إلى أخيه يقول قد خرج رجل اسمه محمد ناصر الدين الألباني وهو تيمي جلد وهابي محترق إلى آخر كلامه أو هذا معنى كلامه ثم قال إلا أنه في علم الحديث قوي جدا جدا جدا وفعلا استطاع رحمه الله تعالى أن يرد عليهم بالسلاح الذي يتبجحون به فكم يتحججون بكلام ابن حجر في تصحيح الأثر فيأتي الألباني فيبين وجهته الصحيحة أو يأت ويخطئ ابن حجر ويبين أن الصواب خلاف قوله ويستدل بالعلماء الآخرين المخالفين لابن حجر
فأسال الله الذي لا إله إلا هو بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يعز دينه وأن يرفع راية التوحيد والسنة وأن يغفر لائمة المسلمين أنصار دينه الرافعين لراية السلف من العلماء الأوائل والماضين وجزاكم الله خيرا
تم بحمد الله ومنه وكرمه وفضله وعونه تفريغ الشريط فالحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات
تفريغ أم أيمن السلفية الجزائرية كان الله لها
26/ جمادى الثانية/ 1429
الجزائــــــــــــــــــــــــــــــــر