المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : نصيحة الإخوان فيما أثير حول مسائل الإيمان - ( نسخة منقحة ومزيدة )


عبد الحميد بن خليوي الجهني
8th November 2008, 07:39 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
نصيحة الإخوان فيما أثير حول مسائل الإيمان
( نسخة منقحة ومزيدة )

إن الحمد لله, نحمده, ونستعينه, ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا, ومن سيئات أعمالنا, من يهده الله فلا مضل له, ومن يضلل فلا هادي له, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمدا عبده ورسوله, صلى الله عليه وسلم تسليماً كثيراً .
أما بعد :
فهذه رسالة مختصرة في تعريف الإيمان, وبيان الفرق بين قول السلف وقول المخالفين لهم في هذا الباب؛ كالخوارج, والمعتزلة, والمرجئة القديمة , والمرجئة المعاصرة .
و قد رَغِبَ إلىَّ بعضُ الإخوة الأفاضل الكتابةَ في هذه المسألة, لكثرة ما أُثير حولها من ردود ومناقشات, التبس فيها الحق بالباطل؛ فلم أر بُدّاً من إجابة هذا الطلب الكريم.
فأقول مستعينا بالله عز وجل سائلا إياه التوفيق والسداد:
أجمع السلف على أن الإيمان قول وعمل, يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية .
و قد تواتر عن السلف قولهم ( الإيمان قول وعمل ) حتى أصبحتْ هذه الكلمةُ شعاراً عند أهل السنة على السنة, كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ( مجموع الفتاوى 7/308)
شرح قول السلف إن الإيمان قول وعمل :
القول : يشمل قول القلب وقول اللسان.
و العمل : يشمل عمل القلب وعمل الجوارح.
فهذه أربعة أركان يقوم عليها الإيمان, وشرح ذلك على النحو التالي:
قول القلب: تصديقه.
وقول اللسان: النطق بالشهادتين.
وعمل القلب: كالحب, والبغض, والخوف, و الرجاء, و التوكل, والخشية, والإنابة, والإخلاص... إلى غير ذلك من أعمالِ القلوب, التي هي بحرٌ لا ساحلَ له.
وعمل الجوارح: هي الأعمال الظاهرة؛ كالصلاة, والزكاة, والحج , والصوم, والجهاد في سبيل الله ...
فالسلف الصالح يدخلون هذه كلها في الإيمان، ويقولون إن الإيمان لا يصح إلا بقول وعمل، وعلى هذا إجماعهم, كما حكاه الإمام الشافعي حيث قال رحمه الله :" وكان الإجماع من الصحابة، والتابعين من بعدهم, ومن أدركناهم يقولون :الإيمان : قول وعمل ونية ؛ لا يجزئ واحد من الثلاثة إلا بالآخر".
نقله عنه الإمام اللآلكائي في شرح أصول الاعتقاد( 5/886 ) وشيخ الإسلام ابن تيمية , كما في مجموع الفتاوى ( 7/209 ) ( 7/308 ) , وكلاهما عزاه إلى كتاب ( الأم ) للشافعي.

( تنبيه: هذا النص عن الشافعي لا يوجد في نسخة ( الأم ) المطبوعة, ففرح بهذا المرجئة المعاصرون ,و جعلوا يشككون في نسبة هذا القول إلى الشافعي !
و الجواب عن هذا أن يقال:
أولاً: هذا الإجماع حكاه غير الشافعي, وممن حكاه تلميذه المزني, كما في رسالته ( شرح السنة).
ثانياً : هل نسخة ( الأم ) التي ينقل عنها اللآلكائي وابن تيمية هي النسخة المطبوعة نفسها ؟ فإن أثبتم أنها هي - ودون ذلك خرط القتاد - جاز لكم التشكيك في نسبة هذا القول إلى الشافعي . أمَّا وقد عُلِمَ أن الكتب القديمة تتعدد رواتها, وتختلف نسخها؛ فيوجد في نسخة ما ليس في الأخرى, فليس يليق بعاقل منصف - حينئذٍ - أن يورد هذا التشكيك من أصله.
ثالثاً : اللآلكائي وابن تيمية كلاهما إمام ثبت حجة , فما ينقلانه عن الأئمة المتقدمين صحيح, وليس لأحد أن يُشكك في نقل أمثالهما من أئمة الدين حتى يقيم الدليل على صحة كلامه, وإلا كان راجماً بالغيب, متخرصاً على أهل العلم .
رابعاً : ليس عند من شكك في كلام الشافعي دليل علمي مقنع سوى أن هذا النص لا يوجد في نسخة ( الأم ) المطبوعة , فهل هذا يصلح أن يكون دليلا للطعن في نقل إمامين كبيرين كاللآلكائي وابن تيمية . وقد عزا الإمامان ؛ اللآلكائي , وابن تيمية - رحمهما الله تعالى - كلام الشافعي إلى كتاب ( الأم ) في باب : النية في الصلاة . فعزواه إلى الباب فضلاً عن الكتاب. ثم يأتي من يشكك في عزوهما ونقلهما من الكتب!
خامسا : أن الذي يشكك في هذا الإجماع هم المرجئة , وهؤلاء ينطلقون من هوى والعياذ بالله , فلا قيمة لكلامهم وتشكيكهم , وما يدرينا لعل الذى أسقط هذا الكلام من نسخة الشافعي التي أخذت عنها المطبوعة هم بعض إخوانهم من المرجئة القدامى , وكم لأهل الأهواء من أيادي عابثة في كتب اهل العلم )

وهذه نقول عن أئمة آخرين في بيان قول السلف, وأنهم موافقون للشافعي رحمهالله فيما قال :
قال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله : الإيمان لا يكون إلا بعمل . رواه عنه الإمام الخلال في ( السنة 3/566 )
و سُئل الإمام سهل بن عبد الله التُّسْتَري ( ت283هـ ) عن الإيمان ما هو ؟ فقال:
هو قول ونية وعمل وسنة؛ لأن الإيمان إذا كان قولاً بلا عمل فهو كفر، وإذا كان قولاً وعملاً بلا نية فهو نفاق، وإذا كان قولاً وعملاً ونية بلا سنة فهو بدعة. ( الإبانة للإمام ابن بطة 2/814)
قلت : وليس تعريف سهل بن عبد الله التُّسْتَري - رحمه الله - للإيمان يخالف التعريف المتواتر عن السلف: أن الإيمان قول وعمل. بل هو شرح له. يبين ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية فيقول:
قَوْلُ السَّلَفِ ( يعني أن الإيمان قول وعمل ): يَتَضَمَّنُ الْقَوْلَ وَالْعَمَلَ الْبَاطِنَ وَالظَّاهِرَ؛ لَكِنْ لَمَّا كَانَ بَعْضُ النَّاسِ قَدْ لَا يَفْهَمُ دُخُولَ النِّيَّةِ فِي ذَلِكَ؛ قَالَ بَعْضُهُمْ: وَنِيَّةٌ. ثُمَّ بَيَّنَ آخَرُونَ: أَنَّ مُطْلَقَ الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ وَالنِّيَّةِ لَا يَكُونُ مَقْبُولًا إلَّا بِمُوَافَقَةِ السُّنَّةِ . وَهَذَا حَقٌّ أَيْضًا فَإِنَّ أُولَئِكَ قَالُوا : قَوْلٌ وَعَمَلٌ لِيُبَيِّنُوا اشْتِمَالَهُ عَلَى الْجِنْسِ وَلَمْ يَكُنْ مَقْصُودُهُمْ ذِكْرَ صِفَاتِ الْأَقْوَالِ وَالْأَعْمَالِ ؛ وَكَذَلِكَ قَوْلُ مَنْ قَالَ : اعْتِقَادٌ بِالْقَلْبِ وَقَوْلٌ بِاللِّسَانِ وَعَمَلٌ بِالْجَوَارِحِ . جَعَلَ الْقَوْلَ وَالْعَمَلَ اسْمًا لِمَا يَظْهَرُ ؛ فَاحْتَاجَ أَنْ يَضُمَّ إلَى ذَلِكَ اعْتِقَادَ الْقَلْبِ وَلَا بُدَّ أَنْ يُدْخِلَ فِي قَوْلِهِ : اعْتِقَادَ الْقَلْبِ أَعْمَالَ الْقَلْبِ الْمُقَارِنَةِ لِتَصْدِيقِهِ مِثْلُ حَبِّ اللَّهِ وَخَشْيَةِ اللَّهِ ؛ وَالتَّوَكُّلِ عَلَى اللَّهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ . فَإِنَّ دُخُولَ أَعْمَالِ الْقَلْبِ فِي الْإِيمَانِ أَوْلَى مِنْ دُخُولِ أَعْمَالِ الْجَوَارِحِ باتفاق الطَّوَائِفِ كُلِّهَا. انتهى ( مجموع الفتاوى 7/506 ).
وقال الإمام الآجُرِّي - رحمه الله - في " الشريعة 1/274 ":
باب: القول بأن الإيمان تصديق بالقلب، وإقرار باللسان، وعمل بالجوارح لا يكون مؤمنا، إلا أن تجتمع فيه هذه الخصال الثلاث.
ثم قال رحمه الله: اعلموا رحمنا الله وإياكم أن الذي عليه علماء المسلمين أن الإيمان واجب على جميع الخلق، وهو تصديق بالقلب، وإقرار باللسان، وعمل بالجوارح.
ثم اعلموا أنه لا تجزئ المعرفة بالقلب والتصديق إلا أن يكون معه الإيمان باللسان نطقا، ولا تجزئ معرفة بالقلب، ونطق باللسان ، حتى يكون عمل بالجوارح ، فإذا كملت فيه هذه الثلاث الخصال : كان مؤمنا دل على ذلك القرآن، والسنة، وقول علماء المسلمين.
(وقال أيضاً 1/275):
الأعمال - رحمكم الله - بالجوارح: تصديق عن الإيمان بالقلب واللسان، فمن لم يصدق الإيمان بعمله وبجوارحه : مثل الطهارة، والصلاة والزكاة، والصيام والحج والجهاد، وأشباه لهذه ورضي من نفسه بالمعرفة والقول لم يكن مؤمنا، ولم ينفعه المعرفة والقول، وكان تركه للعمل تكذيبا منه لإيمانه، وكان العمل بما ذكرناه تصديقا منه لإيمانه، وبالله التوفيق . ا.هـ
(وقال رحمه الله 1/311):
بل نقول والحمد لله قولا يوافق الكتاب والسنة، وعلماء المسلمين الذين لا يستوحش مَن ذَكَرهم، وقد تقدم ذكرنا لهم : إن الإيمان معرفة بالقلب تصديقا يقينا ، وقول باللسان ، وعمل بالجوارح ، ولا يكون مؤمنا إلا بهذه الثلاثة، لا يجزئ بعضها عن بعض، والحمد لله على ذلك . ا.هـ
وقال الإمام أبو عبد الله بن بطة - رحمه الله - بعد أن ذكر الآيات الدالة على أن العمل من الإيمان - : فقد تلوت عليكم من كتاب الله عز وجل ما يدل العقلاء من المؤمنين أن الإيمان قول وعمل, وأن من صدَّق بالقول وترك العمل كان مكذِّباً وخارجاً من الإيمان وأن الله لا يقبل قولاً إلا بعمل ولا عملاً إلا بقول
ا.هـ ( الإبانة 2/795 )
وقال الإمام الزاهد القدوة شيخ قرطبة أبو عبد الله بن أبي زَمَنِين رحمه الله تعالى ( ت 399 هـ ) : والإيمان بالله هو باللسان والقلب, وتصديق ذلك العمل؛ فالقول والعمل قرينان, لا يقوم أحدهما إلا بصاحبه. ا.هـ ( أصول السنة ص207 مكتبة الغرباء الأثرية ).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:
حقيقة الدين هو الطاعة و الانقياد, و ذلك إنما يتم بالفعل لا بالقول فقط؛ فمن لم يفعل لله شيئا فما دان لله دينا, و من لا دين له فهو كافر. ا.هـ ( شرح العمدة - كتاب الصلاة ص86).
وقال أيضاً - رحمه الله - : وَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّ الدِّينَ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ قَوْلٍ وَعَمَلٍ, وَأَنَّهُ يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا بِاَللَّهِ وَرَسُولِهِ بِقَلْبِهِ أَوْ بِقَلْبِهِ وَلِسَانِهِ وَلَمْ يُؤَدِّ وَاجِبًا ظَاهِرًا وَلَا صَلَاةً وَلَا زَكَاةً وَلَا صِيَامًا وَلَا غَيْرَ ذَلِكَ مِنْ الْوَاجِبَاتِ, لَا لِأَجْلِ أَنَّ اللَّهَ أَوْجَبَهَا, مِثْلَ أَنْ يُؤَدِّيَ الْأَمَانَةَ أَوْ يُصَدِّقَ الْحَدِيثَ أَوْ يَعْدِلَ فِي قَسَمِهِ وَحُكْمِهِ مِنْ غَيْرِ إيمَانٍ بِاَللَّهِ وَرَسُولِهِ لَمْ يَخْرُجْ بِذَلِكَ مِنْ الْكُفْرِ؛ فَإِنَّ الْمُشْرِكِينَ وَأَهْلَ الْكِتَابِ يَرَوْنَ وُجُوبَ هَذِهِ الْأُمُورِ فَلَا يَكُونُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا بِاَللَّهِ وَرَسُولِهِ مَعَ عَدَمِ شَيْءٍ مِنْ الْوَاجِبَاتِ الَّتِي يَخْتَصُّ بِإِيجَابِهَا مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَمَنْ قَالَ : بِحُصُولِ الْإِيمَانِ الْوَاجِبِ بِدُونِ فِعْلِ شَيْءٍ مِنْ الْوَاجِبَاتِ - سَوَاءٌ جَعَلَ فِعْلَ تِلْكَ الْوَاجِبَاتِ لَازِمًا لَهُ أَوْ جُزْءًا مِنْهُ فَهَذَا نِزَاعٌ لَفْظِيٌّ - كَانَ مُخْطِئًا خَطَأً بَيِّنًا , وَهَذِهِ بِدْعَةُ الْإِرْجَاءِ الَّتِي أَعْظَمَ السَّلَفُ وَالْأَئِمَّةُ الْكَلَامَ فِي أَهْلِهَا وَقَالُوا فِيهَا مِنْ الْمَقَالَاتِ الْغَلِيظَةِ مَا هُوَ مَعْرُوفٌ , وَالصَّلَاةُ هِيَ أَعْظَمُهَا وَأَعَمُّهَا وَأَوَّلُهَا وَأَجَلُّهَا . انتهى ( مجموع الفتاوى 7/621).
وقال الإمام المجدد الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله:
لا خلاف بين الأمة أن التوحيد : لا بد أن يكون بالقلب الذي هو العلم , واللسان الذي هو القول , والعمل الذي هو تنفيذ الأوامر والنواهي ؛ فإن أخلَّ بشيء من هذا, لم يكن الرجل مسلماً ؛ فإن أقرَّ بالتوحيد , ولم يعمل به فهو : كافر, معاند, كفرعون وإبليس؛ وإن عَمِلَ بالتوحيد ظاهراً, وهو لا يعتقده باطناً, فهو: منافق خالصاً, أشر من الكافر. ا.هـ ( الدرر السَّنية 2/124 _125).
وقال أيضاً - رحمه الله - : اعلمْ رحِمَك الله : أنَّ دين الله يكون على القلب بالاعتقاد، وبالحبِّ والبُغض، ويكون على اللِّسان بالنُّطق وترك النُّطق بالكفر، ويكون على الجوارح بفعل أركان الإسلام، وترك الأفعال التي تكفِّر، فإذا اختلَّت واحدة من هذه الثلاث، كفر وارتدَّ. ا.هـ ( الدرر السَّنية 10/87).
و قال سماحة الشيخ الإمام عبد العزيز بن باز - رحمه الله تعالى -: الإيمان عندهم ( أي: السلف ) قول وعمل واعتقاد, لا يصح إلا بها مجتمعة. انتهى ( أقوال ذوي العرفان ص147 - تأليف عصام السناني - مراجعة الشيخ العلاَّمة صالح الفوزان ).
قلت: فهذه أقوال أئمة الدين, المحتج بكلامهم في هذا الباب, وثمة أقوال أخرى، أضعاف ما ذكرته لأئمة آخرين, تركتها خشية الطول, وفيما ذكرته مقنع لطالب الحق, وكفاية للمسترشد؛ أما المتعصب فلو أقمت له ألف دليل فلن يقبل إلا ما وافق هواه , فنعوذ بالله من الخذلان .

قول الخوارج والمعتزلة :
ذهبت الخوارج والمعتزلة إلى أن الإيمان قول وعمل, بيد أنهم يجعلون كلَّ فرد من أفراد العمل الواجب ركناً في الإيمان, فإذا ذهب بعض الإيمان - قولاً كان أو عملاً - ذهب الإيمان كله ؛ فليس الإيمان يزيد وينقص عندهم - كما يقوله السلف - بل نُقْصانه عندهم بطلانه, و بنوا عليه تكفير صاحب الكبيرة ( كما تقوله الخوارج في المشهور من مذهبهم ) أو إخراجه من دائرة الإيمان إلى منزلة بين الإيمان والكفر ( كما تقوله المعتزلة في المشهور من مذهبهم ) , ثم اتفقوا ( أي : الخوارج والمعتزلة ) على خلوده في النار يوم القيامة !
أما السلف فلم يجعلوا كل فرد من الأعمال الصالحة ركناً في الإيمان, فليس صاحب الكبيرة كافراً عندهم, بل هو مؤمن ناقص الإيمان, وهو يوم القيامة تحت المشيئة؛ إن شاء الله عذَّبه بذنوبه وإن شاء عفا عنه, ثم إن دخل النار فليس يخلد فيها خلود الكافرين, بل يخرج منها يوماً من الدهر؛ إذ لا يخلد في النار موحد .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله –:
وَهَؤُلَاءِ الْخَوَارِجُ لَهُمْ أَسْمَاءٌ يُقَالُ لَهُمْ : " الحرورية " لِأَنَّهُمْ خَرَجُوا بِمَكَانِ يُقَالُ لَهُ حَرُورَاءُ وَيُقَالُ لَهُمْ أَهْلُ النهروان: لِأَنَّ عَلِيًّا قَاتَلَهُمْ هُنَاكَ وَمِنْ أَصْنَافِهِمْ " الإباضية " أَتْبَاعُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إبَاضٍ و الأزارقة " أَتْبَاعُ نَافِعِ بْنِ الْأَزْرَقِ و " النَّجَدَاتُ " أَصْحَابُ نَجْدَةَ الحروري . وَهُمْ أَوَّلُ مَنْ كَفَّرَ أَهْلَ الْقِبْلَةِ بِالذُّنُوبِ بَلْ بِمَا يَرَوْنَهُ هُمْ مِنْ الذُّنُوبِ وَاسْتَحَلُّوا دِمَاءَ أَهْلِ الْقِبْلَةِ بِذَلِكَ فَكَانُوا كَمَا نَعَتَهُمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " يَقْتُلُونَ أَهْلَ الْإِسْلَامِ وَيَدَعُونَ أَهْلَ الْأَوْثَانِ " وَكَفَّرُوا عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَعُثْمَانَ بْنَ عفان وَمَنْ وَالَاهُمَا وَقَتَلُوا عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ مُسْتَحِلِّينَ لِقَتْلِهِ , قَتَلَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُلْجَمٍ المرادي مِنْهُمْ, وَكَانَ هُوَ وَغَيْرُهُ مِنْ الْخَوَارِجِ مُجْتَهِدِينَ فِي الْعِبَادَةِ لَكِنْ كَانُوا جُهَّالًا فَارَقُوا السُّنَّةَ وَالْجَمَاعَةَ؛ فَقَالَ هَؤُلَاءِ: مَا النَّاسُ إلَّا مُؤْمِنٌ أَوْ كَافِرٌ؛ وَالْمُؤْمِنُ مَنْ فَعَلَ جَمِيعَ الْوَاجِبَاتِ وَتَرَكَ جَمِيعَ الْمُحَرَّمَاتِ؛ فَمَنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَهُوَ كَافِرٌ؛ مُخَلَّدٌ فِي النَّارِ. ثُمَّ جَعَلُوا كُلَّ مَنْ خَالَفَ قَوْلَهُمْ كَذَلِكَ فَقَالُوا: إنَّ عُثْمَانَ وَعَلِيًّا وَنَحْوَهُمَا حَكَمُوا بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَظَلَمُوا فَصَارُوا كُفَّارًا.
وَ مَذْهَبُ هَؤُلَاءِ بَاطِلٌ بِدَلَائِلَ كَثِيرَةٍ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ.
( قال رحمه الله):
فَجَاءَتْ بَعْدَهُمْ " الْمُعْتَزِلَةُ " - الَّذِينَ اعْتَزَلُوا الْجَمَاعَةَ بَعْدَ مَوْتِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَهُمْ : عَمْرُو بْنُ عُبَيْد ، وَوَاصِلُ بْنُ عَطَاءٍ الْغَزَالُ وَأَتْبَاعُهُمَا - فَقَالُوا : أَهْلُ الْكَبَائِرِ مُخَلَّدُونَ فِي النَّارِ كَمَا قَالَتْ الْخَوَارِجُ وَلَا نُسَمِّيهِمْ لَا مُؤْمِنِينَ وَلَا كُفَّارًا ؛ بَلْ فُسَّاقٌ نُنْزِلُهُمْ مَنْزِلَةً بَيْنَ مَنْزِلَتَيْنِ. وَأَنْكَرُوا شَفَاعَةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِهِ وَأَنْ يَخْرُجَ مِنْ النَّارِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَهَا. قَالُوا : مَا النَّاسُ إلَّا رَجُلَانِ : سَعِيدٌ لَا يُعَذَّبُ أَوْ شَقِيٌّ لَا يُنَعَّمُ، وَالشَّقِيُّ نَوْعَانِ : كَافِرٌ وَفَاسِقٌ وَلَمْ يُوَافِقُوا الْخَوَارِجَ عَلَى تَسْمِيَتِهِمْ كُفَّارًا . وَهَؤُلَاءِ يُرَدُّ عَلَيْهِمْ بِمِثْلِ مَا رَدُّوا بِهِ عَلَى الْخَوَارِجِ . انتهى
( مجموع الفتاوى 7/481_484 ).
و قال الإمام ابن عبدالبر - رحمه الله –:
وأما المعتزلة فالإيمان عندهم: جماع الطاعات, ومن قصر منها عن شيء فهو فاسق ؛ لا مؤمن ولا كافر. وسواهم المتحققون بالاعتزال أصحاب المنزلة بين المنزلتين.
و منهم من قال في ذلك بقول الخوارج: المذنب كافر غير مؤمن. إلا أن الصفرية تجعله كالمشرك وتجعل دار المذنب المخالف لهم دار حرب. وأما الإباضية فتجعله كافر نعمة ولكنهم يخلدونه في النار إن لم يتب من الكبيرة ولا يستحلون ماله كما يستحله الصفرية . و لهم ظواهر آيات يبرهنون بها قد فسرتها السنة وقد مضى على ما فسرت السنة في ذلك علماء الأمة. ا.هـ ( التمهيد 9/251 ).
وقال الشيخ العلامة حافظ حكمي - رحمه الله - في الفرق بين قول السلف وبين قول المعتزلة : والفرق بين هذا ( قول المعتزلة ) وبين قول السلف الصالح : أن السلف الصالح لم يجعلوا كلَّ الأعمال شرطاً في الصحة, بل جعلوا كثيراً منها شرطاً في الكمال, كما قال عمر بن عبد العزيز فيها: من استكملها استكمل الإيمان, ومن لم يستكملها لم يستكمل الإيمان, والمعتزلة جعلوها كلها شرطاً في الصحة . انتهى ( معارج القبول 2/602 دار ابن القيم).
وقد آثرت أن أبين قول الخوارج في الإيمان لأني رأيت بعض أهل الإرجاء المعاصر يخلط بين قول الخوارج وبين قول السلف ! فيجعل قول السلف في الإيمان قولاً للخوارج الوعيدية, ويجعل قول المرجئة قولاً للسلف !
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :
كَثِيرٌ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ لَا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ مَذَاهِبِ السَّلَفِ وَأَقْوَالِ الْمُرْجِئَةِ وَالْجَهْمِيَّة؛ لِاخْتِلَاطِ هَذَا بِهَذَا فِي كَلَامِ كَثِيرٍ مِنْهُمْ مِمَّنْ هُوَ فِي بَاطِنِهِ يَرَى رَأْيَ الْجَهْمِيَّة وَالْمُرْجِئَةِ فِي الْإِيمَانِ وَهُوَ مُعَظِّمٌ لِلسَّلَفِ وَأَهْلِ الْحَدِيثِ فَيَظُنُّ أَنَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا أَوْ يَجْمَعُ بَيْنَ كَلَامِ أَمْثَالِهِ وَكَلَامِ السَّلَفِ . ا.هـ ( مجموع الفتاوى 7/364 ).

قول المرجئة :
المرجئة فرق كثيرة ولهم أقوال عديدة في تعريف الإيمان أشهرها ثلاثة أقوال:
حصرها شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - في قوله : والمرجئة ثلاثة أصناف :
الذين يقولون: الإيمان مجرد ما في القلب. ثم من هؤلاء من يدخل فيه أعمال القلوب وهم أكثر فرق المرجئة كما قد ذكر أبو الحسن الأشعري أقوالهم في كتابه.
وذكر فرقا كثيرة يطول ذكرهم ، لكن ذكرنا جمل أقوالهم ، ومنهم من لا يدخلها في الإيمان كجهم ومن تبعه كالصالحي وهذا الذي نصره هو وأكثر أصحابه.
والقول الثاني: من يقول: هو مجرد قول اللسان, وهذا لا يعرف لأحد قبل الكرامية .
والثالث: تصديق القلب وقول اللسان, وهذا هو المشهور عن أهل الفقه والعبادة منهم 0 اهـ (مجموعة الفتاوى7\195).
إذن اتفقت المرجئة على اختلاف طوائفها على أن العمل الظاهر لا يدخل في مسمى الإيمان.
و عليه فإن إيمان الشخص يكون كاملا بدون عمل , وأن الناس في الإيمان سواء, وأن إيمان أفسق الناس كإيمان أبى بكر وعمر, بل كإيمان جبريل و ميكائيل , إذ الإيمان لا يزيد ولا ينقص, وانَّ من قال : أنا مؤمن إن شاء الله كفر لأنه شك في إيمانه, ومن شك في إيمانه فقد كفر. وثمة فروع كثيرة بنوها علي قولهم في (الإيمان ) ، من أبرزها أنهم لم يكفروا تارك العمل بالكلية خلافا لإجماع السلف، وعليه فإن الخلاف بينهم وبين السلف ليس لفظيا كما يقوله بعض الناس بل هو خلاف حقيقي، وقد غلط من نسب إلى شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أنه يقول: إن الخلاف بين السلف ومرجئة الفقهاء خلاف لفظي، هكذا بإطلاق، بل المعروف عنه رحمه الله أنه يقيد الخلاف بأكثره أو معظمه ونحو هذه العبارات التي يفهم منها أن الخلاف حقيقي في بعض جوانبه ، فلينتبه لهذه المسألة فقد تعجَّل فيها أقوام , فغلِطوا على شيخ الإسلام رحمه الله

مرجئة الفقهاء :
المراد بمرجئة الفقهاء عند أئمة السنة هم أبو حنيفة وأصحابه, وقولهم في الإيمان معروف, حيث يقولون: إنه عقد بالجنان ونطق باللسان. فمن عقد بقلبه ونطق بلسانه فقد دخل في الإيمان بل هو كامل الإيمان كما تقدم.
وهناك فقهاء آخرون منتسبون إلى غير أبي حنيفة وقعوا في الإرجاء ككثير من الشافعية والمالكية بسبب اعتناقهم للعقيدة الأشعرية, والأشاعرة مرجئة, بل هم من غلاة المرجئة لكونهم يجعلون الإيمان هو التصديق, فوافقوا الجهم بن صفوان في قوله , وعليه فان مرجئة الفقهاء من الحنفية خير من مرجئة الفقهاء من الشافعية والمالكية ممن ينتسب إلي العقيدة الكُلاَّبية الأشعرية .
وبعض فقهاء الحنابلة المتأخرين تأثروا بالعقيدة الأشعرية فقالوا بقول الأشاعرة في الإيمان وغيره , والله المستعان.

قول المرجئة المعاصرة :
ذهبت المرجئة المعاصرة إلى قول ملفق من قول السلف وقول المرجئة القديمة فقالوا:
الإيمان قول وعمل, فوافقوا السلف في هذا القول مواقفة لفظية.
ثم إنهم صححوا الإيمان من غير عمل ! فخالفوا السلف في هذا, وقد تقدم إجماع السلف على أن الإيمان لا يصح بدون عمل.
أما موافقة المرجئة المعاصرة للمرجئة القديمة فهو في اتفاقهم أن الإيمان يصح من غير عمل, فيصبح الخلاف بين الطائفتين خلافاً لفظيا, إذ الجميع متفق على صحة الإيمان من غير عمل, بيد أن المرجئة القديمة تجعله إيمانا مطلقا ( كاملا ) والمرجئة المعاصرة تجعله : مطلق إيمان.
وسواء أكان إيمانا مطلقا على قول المرجئة القديمة أو مطلق إيمان عند المرجئة المعاصرة , فهو - عند الطائفتين - صحيح ومقبول عند الله وينجِّى من الخلود في النار.
أما السلف الصالح فهم على خلاف قول هاتين الطائفتين فلا نجاة عندهم يوم القيامة إلا بالعمل.

و عليه: فإن قول المرجئة المعاصرة إن الإيمان قول وعمل, هو موافقة لفظية للسلف وليست حقيقية لأنهم يصححون الإيمان من غير عمل, والسلف لا يصححونه, كما تقدم نقل إجماعهم على هذا. فمخالفة هؤلاء المرجئة المعاصرين للسلف في باب الإيمان هي مخالفة حقيقية .
ونخلص من هذا إلى أن الأقوال أربعة:
1- قول السلف: إن الإيمان قول وعمل, ولا يصح الإيمان إلا بهما.
2- قول الخوارج والمعتزلة: إن الإيمان قول وعمل, ولا يصح الإيمان إلا بكل فرد من أفراد العمل.
3- قول المرجئة: إن الإيمان قول، ويصح الإيمان به وحده و يكمل به.
4- قول المرجئة المعاصرة : إن الإيمان قول وعمل, ويصح الإيمان بالقول وحده ولا يكمل به.
و بهذا يتبين موافقة أصحاب القول الرابع ( المرجئة العصرية ) لقول المرجئة القديمة , وأنَّ مَن رَدَّ عليهم وحذَّر من أقوالهم لم يكن يتكلم جِزافاً أو من غير عِرْفة.
وهؤلاء المرجئة المعاصرون, كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في مرجئة الفقهاء: لهم حجج شرعية بسببها اشتبه الأمر عليهم . ( مجموع الفتاوى 7/194).
هذا؛ ومن أعظم هذه الحجج الشرعية - التي هي في حقيقتها شبهٌ - : حديث الشفاعة الذي ورد فيه أنه يخرج من النار أقوام لم يعملوا خيرا قط.
فاحتج هؤلاء المرجئة المعاصرون بهذه الكلمة و بنوا عليها أن الإيمان يصح من غير عمل وأن العمل الظاهر شرط كمال في الإيمان.
و هذا الحديث لو لم يتكلم عنه أئمة السنة لوجب رده إلى النصوص المحكمة التي تبين أنه لا نجاة إلا بعمل، بل يجب فهمه على ضوء الإجماع السلفي في أن الإيمان لا يصح من غير عمل.
فكيف وقد تكلم عنه الأئمة و وجهوه التوجيه الصحيح الذي يقطع علائق الإرجاء.
ومن هؤلاء الأئمة الذين أجابوا عن هذا الحديث الإمام ابن خزيمة إمام السنة والحديث في عصره حيث قال رحمه الله: وهذه اللفظة ( لم يعملوا خيرا قط ) من الجنس الذي يقول العرب ، ينفى الاسم عن الشيء لنقصه عن الكمال والتمام، فمعنى هذه اللفظة على هذا الأصل، لم يعملوا خيرا قط على التمام والكمال لا على ما أوجب عليه وأمر به، وقد بينت هذا المعني في مواضع من كتبي. اهـ كلامه رحمه الله ( التوحيد 2/732 ) وكأنه أراد رحمه الله أن يرد على المرجئة في عصره فهم الذين يحتجون بمثل هذه العمومات, يدل عليه تبويبه, حيث قال :
باب ذكر الدليل أن جميع الأخبار التي تقدم ذكري لها إلى هذا الموضع في شفاعة النبي في إخراج أهل التوحيد من النار إنما هي ألفاظ عامة مرادها خاص .


قلت : فهذه النصوص الشرعية التي يتعلق بعمومها المخالفون لعقيدة السلف لم تَخْفَ على الأئمة بفضل الله وقد أجابوا عنها, فالعجبُ من المرجئة المعاصرين حين احتجوا بها على صحة الإيمان من غير عمل, وقد أجاب عنها العلماء - قديماً -وبينوا مآخذها وأنه لا حجة فيها لمن خالف قول السلف. والعجب من بعض هؤلاء المرجئة حيث يذكر الفهم الذي ذكره ابن خزيمة ثم يأتي بفهم المرجئة للحديث ويجعل ذلك قولين متقابلين لأهل العلم - زعم - فهل يستوي تخريج وفهم أئمة السنة مع آراء المبتدعة ؟
( وانظر مقالي : محاكمة المرجئة العصرية على ضوء القواعد السلفية . ففيه رد مؤصل على هذا الاستدلال البدعي )

ومن الشبه كذلك التي يثيرها هؤلاء المرجئة المعاصرون في تأييد قولهم : الخلافُ الحاصل بين العلماء في حكم تارك الصلاة تهاوناً وكسلا .
فيقول هؤلاء إنه على قول من يقول إن تارك الصلاة لا يكفر؛ تكون الأعمال كلها شرط كمال, وأن الإيمان يصح من غير عمل.
ومسألة الخلاف في ترك الصلاة هذه , كنت قد بينت في مقالتي ( كشف الخفاء ) أنها مسألة حادثة بعد القرون المفضَّلة , ليست من مسائل الخلاف عند الصحابة والتابعين , فلا حجة فيها للتشغيب على إجماعهم في باب الإيمان , فهم قد أجمعوا على أن الإيمان قول وعمل . وأجمعوا على أن تارك الصلاة كافر . فهذان إجماعان صحيحان ثابتان عن السلف من الصحابة والتابعين . فكما أنه لا يجوز نقض الإجماع الأول بخلاف متأخر , كذلك لا يجوز نقض الإجماع الثاني بخلاف متأخر.
وهذان الإجماعان متناسبان متلازمان , يُكَمِّلُ أحدُهما الآخر, فمن وافق الإجماع الثاني ( على كفر تارك الصلاة ) لزمه ولابد القول بالإجماع الأول ( الإيمان قول وعمل ) , ومن وافق الإجماع الأول لزمه القول بالإجماع الثاني وإلا دخل عليه الاضطراب في هذه المسألة . ولذلك كان أئمة السنة والحديث يذكرون مسألة ترك الصلاة في كتاب الإيمان للتلازم بينهما , كما بينته في مقالي ( كشف الخفاء )
والمقصود أنه ليس للمرجئة أن تشغِّب على مذهب السلف الصالح في باب الإيمان بمسألة ليست من مذهبهم وقولهم , فإنما يُلزم الشخص بمذهبه وقوله .
وهذا الصنيع من مرجئة العصر, يذكرني بصنيع الرافضة مع أهل السنة, حيث يذكرون أقوال الأشاعرة الباطلة ويلزمون بها أهل السنة , فكان شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله, يبين لهم في كتابه " منهاج السنة " أن هذه الأقوال ليست لأهل السنة فلا تلزمونا بها .
وكذا القول بأن تارك الصلاة تهاونا وكسلا لا يكفر, ليست من أقوال السلف الصالح , فلا تلزموا بها أتباعهم .
وإذا كان هناك أحد من العلماء يخالف هؤلاء المرجئة ويقرر أن الإيمان لا يصح من غير عمل ثم هو لا يكفر تارك الصلاة , فليلتمس له مخرجا من هذا التشغيب الإرجائي . ولا شك أن مخالفته للإجماع في باب الصلاة , يضعضع من موقفه وتقريره في باب الإيمان , كما كنت بينته في مقالي ( كشف الخفاء )
أما نحن فقد وافقنا السلف الصالح – بحمد الله – في إجماعهم في الإيمان , وفي إجماعهم في الصلاة , فأصبحت المسألة عندنا كفلق الصبح , ليس عندنا فيها غموض ولا اضطراب – بفضل الله – وهكذا الدين الصحيح لا يكون إلا كذلك .

والحمد لله رب العالمين , وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .



وكتبه / عبد الحميد بن خليوي الجهني
صباح الأحد 25رمضان 1428 هـ
ينبع - المملكة العربية السعودية – أدام الله عزَّها بالإسلام

( ثم أجريت عليه تعديلات وزيادات ليلة الجمعة 20رمضان 1435هـ )

http://www.abumalik.net/play.php?catsmktba=2944

أحمد بن إبراهيم بن علي
8th November 2008, 08:14 AM
جزاكم الله خيرا شيخنا الفاضل على هذا البيان الشافي الوافي

شاكر بن زكريا
8th November 2008, 09:02 AM
جزى الله شيخنا خيرا على ما بين ونصح وهذه والله عقيدة أهل الصدق والإيمان من سلفنا الصالح وإن حاربها من حاربها فالحق منصور وممتحن والله ناصر دينه وإن رغمت أنوف أهل البدع
ونسأل الله أن يبصر قلوب من لبس عليه في هذا الباب الخطير

أبو مالك أدم
9th November 2008, 12:50 AM
جزاك الله خيرًا يا شيخنا على هذا البحث القيم
والله هذه المسائل خطيرة جدًأ
بارك الله فيكم

أحمد بن إبراهيم بن علي
9th November 2008, 11:11 PM
استأذنت الشيخ أبا عاصم عبد الله الغامدي في نشر تعليقه على مقال الشيخ عبد الحميد بعد أن عرضه عليه أخونا أبو عبد الله الزاكوري فأذن بهذا جزاه الله خيرا و قد كان هذا تعليقه :


بارك الله في الكاتب والناقل وجزاكما الله خيرا

قد أفاد الشيخ عبد الحميد ولخص المسألة أحسن تلخيص وجاء فيها بأقوال السلف

وبين إجماعهم الصحيح في أن الإيمان لايصح إلا بثلاثة أمور لابد منها وهي :

القول والإعتقاد والعمل ودلل على هذا من كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه

وعلى آله وسلم وأقوال السلف ثم عرض لشبهات المرجئة القديمة والمعاصرة وفند

أقوالهم وشبههم ثم تكلم عن مرجئة جديدة خرجت في عصرنا تزعم أن قولها هو قول

أهل السنة فكر الشيخ على قولهم وأوضح أن قولهم إنما هو تلفيق بين حق وباطل

أرادت نصرة السنة فنصرت البدعة عياذا بالله فجزى الله خيرا الشيخ عبد الحميد عما

أفاد به في هذا الرسالة وبارك في جهوده لنصرة السنة والحمد لله رب العالمين .

بلقاسم
10th November 2008, 09:16 AM
((ولهذا كان أحمد بن حنبل يحمل على شبابة ولا يحدث عنه مع أنه من شيوخه ويقول تركته للإرجاء0( سير أعلام النبلاء 9/513 ))
فضيلة الشيخ جزاك الله خيرا لما قدمت لنا من مسائل الايمان وجعل ذالك في ميزان حسناتك .
الامام أحمد لم يحدث عن شبابة فلما يحمل عنه أصلا
وكما هو معلوم انه يجوز الرواية عن بعض أهل البدع
كالخوارج كما فعل ذالك الامام البخاري في صحيحه
فأرجوا تبيين متى يتم الرواية عن أهل البدع .
أسأل الله لكم التوفيق وأرجوا أن يكون سؤالي واضحا.

أبو عمر عادل
10th November 2008, 03:00 PM
ماشاء الله تبارك الله
زادكم الله علما وفقها في الدين ينتفع به عوام المسلمين أمثالي
ولكن مر وانقضي عام وشهر علي هذه المقالة الرائعة فلماذا تأخرت ؟ وقد قرأت نفس الكلام وبتفصيل أكبر وممتع فيما صدر حديثا من ردود علي مدرسة الإسكندرية وياسر برهامي في كتابي النصائح السلفية بارك الله في مؤلفه وأيضا كتاب القول السديد علي كتاب فضل الغني الحميد
جزاكم الله خيرا جميعا ومزيد من الجهود العلمية حتي تستقيم الأمور وتعود إلي نصابها الأول الأصيل

heeedi
11th November 2008, 03:05 PM
كيف نجمع بين قولنا ان الايمان قول و عمل و الحديث ان الله يخرج من النار من لم يعمل خيرا قط.
ارجو من الشيخ افادتنا

عبد الحميد بن خليوي الجهني
11th November 2008, 09:13 PM
كيف نجمع بين قولنا ان الايمان قول و عمل و الحديث ان الله يخرج من النار من لم يعمل خيرا قط.
ارجو من الشيخ افادتنا


الجواب من البحث نفسه :
ومن هؤلاء الأئمة الذين أجابوا عن هذا الحديث الإمام ابن خزيمة إمام السنة والحديث في عصره حيث قال رحمه الله: وهذه اللفظة ( لم يعملوا خيرا قط ) من الجنس الذي يقول العرب ، ينفى الاسم عن الشيء لنقصه عن الكمال والتمام ، فمعنى هذه اللفظة على هذا الأصل ، لم يعملوا خيرا قط على التمام والكمال لا على ما أوجب عليه وأمر به ، وقد بينت هذا المعني في مواضع من كتبي 0 اهـ

بلقاسم
12th November 2008, 08:51 AM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته اخي أبو عمر بارك الله فيك فانا ليس لي علم ولست أناقش غير اني أستفسر فارجوا أن ترسل لي الجواب أو الرابط جزاك الله خيرا.

عبد الحميد بن خليوي الجهني
12th November 2008, 11:22 AM
وردت علىَّ بعض الرسائل والاستفسارات من بعض إخواننا في الله , يطلبون البيان حول ما يُشيعه بعض الناس من أنك تقصد الشيخ فلاناً , أو فلاناً ... فأقول :
جوابي على هذا :
ولْيُعْلَم أن القصد من هذه الكتابة هو بيان قول سلفنا الصالح وتمييزه عن باقي الأقوال المخالفة , وهذا لا يتم إلا بذكر هذه الأقوال حتى يتصورها القارىء ويميِّز بينها وبين قول السلف , كما قيل :
وبضدها تتميَّز الأشياء .
ولولا هذا لم يكن بنا حاجة لذكر أقوال المخالفين من القدامى أو المعاصرين ، فليس المقصود إذن الرد على أحد بعينه , فما يعنيني الأشخاص بقدر ما تعنيني الأقوال والمعتقدات .
ومن ظن أن هذه الكتابة موجهة لشخص بعينه فقد ظن بكاتبها ظن السوء ؛ والله عزَّ وجلَّ يقول : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ } الحجرات ( 12 ) , وليس المقصود - أيضاً - إثارة الفتن والقلاقل والخوض بالباطل بين أهل السنة , فما كتبت هذا إلا نصيحةً لعامة المسلمين , وعملاً بالميثاق الذي أخذه الله تعالى على مَنْ حَمَلَ أمانة العلم : { لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ } آل عمران (187) .


فالكلام في الرسالة واضح , ولكن ماذا نفعل في أصحاب الأهواء والقلوب المريضة , الذين يحبون الاصطياد في الماء العكر !
وسبحان الله ! كاتب الرسالة نصّ على أنه لا يقصد أحداً بعينه . وهؤلاء يقولون : يقصد فلاناً , وفلاناً .
فهل شققتم عن قلبه فرأيتم أنه يقصد فلاناً وفلاناً ؟
وأقول لأولئك المشغبين : ليتكم تتأملون في الكلام حتى تنتفعوا به , بدلاً من هذا الإعراض والتعصب , فالمتعصب محروم من الهدى , والعياذ بالله ! خذوا العلم والفائدة , واتركوا التحليلات والتفسيرات والدخول في النيات جانباً , وهل تفرق السلفيون وتشتتوا إلا بهولاء المحلِّلين الذين يُفرقون بين المشايخ وطلبة العلم بهذه التحليلات والتخرصات !
ولا أجد كلمة أقولها في هذا المقام أنسب ولا أقرب من كلمة الإمام ابن قتيبة رحمه الله , حيث قال في كتابه " إصلاح غلط أبي عبيد 46_47 " :
وقد كنا زماناً نعتذر من الجهل , فقد صرنا الآن تحتاج إلى الاعتذار من العلم , وكنَّا نُؤملُ شكرَ الناس بالتنبيه والدلالة ؛ فصرنا نرضى بالسلامة , وليس هذا بعجيب مع انقلاب الأحوال , ولا يُنكر مع تغير الزمان , وفي الله خلفٌ وهو المستعان .
قلت : صدق ! رحمه الله !

أبو عمر عادل
13th November 2008, 04:23 PM
ومن هؤلاء الأئمة الذين أجابوا عن هذا الحديث الإمام ابن خزيمة إمام السنة والحديث في عصره حيث قال رحمه الله: وهذه اللفظة ( لم يعملوا خيرا قط ) من الجنس الذي يقول العرب ، ينفى الاسم عن الشيء لنقصه عن الكمال والتمام ، فمعنى هذه اللفظة على هذا الأصل ، لم يعملوا خيرا قط على التمام والكمال لا على ما أوجب عليه وأمر به ، وقد بينت هذا المعني في مواضع من كتبي 0 اهـ
شيخنا الفاضل أبو مالك
برجاء إرشادنا لهذه الكتب وحبذا لو نشرت علي موقعكم للإستفاة بارك الله فيكم

أبو عبدالله السرتاوي
14th November 2008, 06:26 AM
بارك الله فيكم ووفقكم الله لكل خير وفضيلة يا شيخ أبا مالك...

أبو عمر عادل
14th November 2008, 12:15 PM
ومن هؤلاء الأئمة الذين أجابوا عن هذا الحديث الإمام ابن خزيمة إمام السنة والحديث في عصره حيث قال رحمه الله: وهذه اللفظة ( لم يعملوا خيرا قط ) من الجنس الذي يقول العرب ، ينفى الاسم عن الشيء لنقصه عن الكمال والتمام ، فمعنى هذه اللفظة على هذا الأصل ، لم يعملوا خيرا قط على التمام والكمال لا على ما أوجب عليه وأمر به ، وقد بينت
هذا المعني في مواضع من كتبي 0 اهـ

شيخنا الفاضل أبومالك
هلا دللتنا علي هذه الكتب بارك الله فيكم وحبذا إن كانت موجودة علي موقعكم للإستفادة منها أنا وغيري زادكم الله علما نافعا وعملا صالحا متقبلا 0

الدرعي
14th November 2008, 06:39 PM
هلا دللتنا علي هذه الكتب بارك الله فيكم وحبذا إن كانت موجودة علي موقعكم للإستفادة منها أنا وغيري زادكم الله علما نافعا وعملا صالحا متقبلا

الكتب المقصودة ليست لشيخنا عبد الحميد - حفظه الله - و إنما هي للإمام ابن خزيمة - رحمه الله ، لأن الكلام كلامه لا كلام شيخنا .
فأمعن النظر في النقل : ومن هؤلاء الأئمة الذين أجابوا عن هذا الحديث الإمام ابن خزيمة إمام السنة والحديث في عصره حيث قال رحمه الله: وهذه اللفظة ( لم يعملوا خيرا قط ) من الجنس الذي يقول العرب ، ينفى الاسم عن الشيء لنقصه عن الكمال والتمام ، فمعنى هذه اللفظة على هذا الأصل ، لم يعملوا خيرا قط على التمام والكمال لا على ما أوجب عليه وأمر به ، وقد بينت هذا المعني في مواضع من كتبي . اهـ كلامه رحمه الله ( التوحيد 2/732 )

الامين
15th November 2008, 04:51 PM
جزاكم الله خير

الإدارة
18th July 2014, 06:41 PM
يرفع ..

الكنانى المصرى
18th July 2014, 11:28 PM
ونحن نسأل رأس مذهبهم وعلامة الزمان لأن الزهرانى و حامل الحقيبة رائد هربوا

يا شيخ

سؤال واضح وصريح

هل الذين كفروا تارك الصلاة وتارك أعمل الجوارح قد خالفوا حديث الشفاعة ( لم يعملوا خيرا قط ) اأ اجتهدوا وأخطئوا وهل يجب الرد عليهم لأنهم خالفوا النصوص الصريحة الصحيحة وكفروا بدون موجب ؟!!!

الحربي السلفي
22nd July 2014, 10:44 AM
( وعليه فإن قول المرجئة المعاصرة إن الإيمان قول وعمل, هو موافقة لفظية للسلف وليست حقيقية لأنهم يصححون الإيمان من غير عمل, والسلف لا يصححونه )

جزاكم الله خيرا وبارك فيكم ونفع بعلمكم