الإدارة
10th March 2008, 04:11 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم وبعد
فلقد فتن الناس في هذا العصر إلا من رحم الله بالطب الحديث الذى يعتمد الدواء الكيميائى في معظم الأمراض التى يعانى منها الناس ، وعلى النقيض نجد بعض الناس أعرض عنه إعراضا كليا والمسلك الصحيح هو التوسط فلا إفراط ولا تفريط ، ولاشك أن الطب المعاصر أثبت نجاحا وكان سببا في علاج كثير من الأمراض العصرية كما يقال وهذا من فضل الله على الناس ولكنه أعنى الطب الحديث لم يستوعب بل وقف مكتوف الأيدى عند كثير من الأمراض ومعظم المشتغلون بهذا الطب المعاصر للأسف لا يعترفون إلا بالأشياء المادية المحسوسة ولذلك تجدهم يتجاهلون ما ورد من أحاديث نبوية صحيحة ثابتة في السنة التى منها ما أخرجه الإمام البخاري رحمه الله في صحيحه حيث ساق بإسناده إلى :
سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ :
(الشِّفَاءُ فِي ثَلَاثَةٍ شَرْبَةِ عَسَلٍ وَشَرْطَةِ مِحْجَمٍ وَكَيَّةِ نَارٍ وَأَنْهَى أُمَّتِي عَنْ الْكَيِّ
رَفَعَ الْحَدِيثَ وَرَوَاهُ الْقُمِّيُّ عَنْ لَيْثٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْعَسَلِ وَالْحَجْمِ )
قال الألباني في " السلسلة الصحيحة " 3 / 145 :
أخرجه البخاري ( 1 / 112 و 113 ) و ابن ماجه ( 2 / 352 و 353 ) و أحمد ( 1 /
245 و 246 ) و الطبراني في " المعجم الكبير " ( 3 / 153 / 1 ) عن مروان بن شجاع
عن سالم الأفطس عن سعيد بن جبير عن ابن عباس مرفوعا . و للحديث شاهد بلفظ :
( إن كان في شيء من أدويتكم ) . و قد مر برقم ( 245 ) .
وأخرج البخاري في صحيحه أيضا حيث ساق بإسناده إلي :
قَتَادَةَ أَنَّ أَنَسًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حَدَّثَهُمْ
أَنَّ نَاسًا مِنْ عُكْلٍ وَعُرَيْنَةَ قَدِمُوا الْمَدِينَةَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَكَلَّمُوا بِالإسْلامِ فَقَالُوا يَا نَبِيَّ اللَّهِ إِنَّا كُنَّا أَهْلَ ضَرْعٍ وَلَمْ نَكُنْ أَهْلَ رِيفٍ وَاسْتَوْخَمُوا الْمَدِينَةَ فَأَمَرَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَوْدٍ وَرَاعٍ وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَخْرُجُوا فِيهِ فَيَشْرَبُوا مِنْ أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا
وقصة العرنين أخرجها الإمام مسلم أيضا فالحديث متفق عليه0
فمن تأمل في هذين الحديثنين وجد أن قواعد علم الطب العامة قد جمعت في الحديث الأول على سبيل العموم فأمراض الدم جعل لها الحجامة وأمراض الجهاز الهضمى فى العسل وأمراض الأعصاب والعظام الكى بالنار وقد تتناوب هذه الوسائل فى علاج بعض الأمراض وقد تشترك وهى ليست شاملة لكل الأمراض عند جميع الناس بل قد تكون هناك وسيلة تصلح لشخص دون آخر كل بحسبه وليس على سبيل الحصر بدليل ما ورد في الحديث الثانى حيث أرشدهم إلى ألبان الإبل وأبوالها ولم يرشدهم إلى العسل أو الحجامة أو الكى بالنار0
الحاصل أننى من الذين جربوا العلاج بالعسل وبالحجامة وبألبان الإبل ووجدت فيها خيرا كثيرا وأثرا ظاهرا بفضل الله ومع هذا أستعمل العلاج الكيمائى ولا أنكر أثره ولكن الذى أريده من خلال هذا البحث هو جمع أقوال أهل العلم في شرح هذين الحديثين ( حديث الشفاء في ثلاثة وحديث قصة وفد العرنيين )
مع ذكر التجارب العملية في هذا الباب حتى نخرج بفوائد ربما غفل عنها كثير من الناس كذلك نبين المسلك الوسط بين استعمال هذه الوسائل التى وردت فى السنة وبين العلاج الكيميائى الذى نراه اليوم0
فهل من مشارك في اخراج هذا البحث بشرط الإختصار غير المخل حتى يكون في متناول الجميع وتعم به الفائدة مع ملاحظة أن المشاركة للجميع فمن وجد علما وضعه في مشاركة وننتقى منها وفى النهاية يخرج البحث مكتمل فى ملف يعرض على أهل العلم و المختصين وبعدها ينشر لينتفع به الناس والله المستعان
نبدأ بسم الله وهذا نقل من فتح الباري قال الحافظ :
(قَالَ الْخَطَّابِيُّ اِنْتَظَمَ هَذَا الْحَدِيث عَلَى جُمْلَة مَا يَتَدَاوَى بِهِ النَّاس ، وَذَلِكَ أَنَّ الْحَجْم يَسْتَفْرِغ الدَّم وَهُوَ أَعْظَم الأخْلاط ، وَالْحَجْم أَنْجَحهَا شِفَاء عِنْد هَيَجَان الدَّم ، وَأَمَّا الْعَسَل فَهُوَ مُسَهِّل لِلأخْلاطِ الْبَلْغَمِيَّة ، وَيَدْخُل فِي الْمَعْجُونَات لِيَحْفَظ عَلَى تِلْكَ الأدْوِيَة قُوَاهَا وَيُخْرِجهَا مِنْ الْبَدَن ، وَأَمَّا الْكَيّ فَإِنَّمَا يُسْتَعْمَل فِي الْخَلْط الْبَاغِي الَّذِي لا تَنْحَسِم مَادَّته إِلا بِهِ ، وَلِهَذَا وَصَفَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ نَهَى عَنْهُ ، وَإِنَّمَا كَرِهَهُ لِمَا فِيهِ مِنْ الألَم الشَّدِيد وَالْخَطَر الْعَظِيم ، وَلِهَذَا كَانَتْ الْعَرَب تَقُول فِي أَمْثَالهَا " آخِر الدَّوَاء الْكَيّ " ، وَقَدْ كَوَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَعْد بْن مُعَاذ وَغَيْره ، وَاكْتَوَى غَيْر وَاحِد مِنْ الصَّحَابَة . قُلْت : وَلَمْ يُرِدْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْحَصْر فِي الثَّلاثَة ، فَإِنَّ الشِّفَاء قَدْ يَكُون فِي غَيْرهَا ، وَإِنَّمَا نَبَّهَ بِهَا عَلَى أُصُول الْعِلاج ، وَذَلِكَ أَنَّ الأمْرَاض الإمْتِلائِيَّة تَكُون دَمَوِيَّة وَصَفْرَاوِيَّة وَبَلْغَمِيَّة وَسَوْدَاوِيَّة ، وَشِفَاء الدَّمَوِيَّة بِإِخْرَاجِ الدَّم ، وَإِنَّمَا خُصَّ الْحَجْم بِالذِّكْرِ لِكَثْرَةِ اِسْتِعْمَال الْعَرَب وَالْفَهْم لَهُ ، بِخِلافِ الْفَصْد فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ فِي مَعْنَى الْحَجْم لَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَعْهُودًا لَهَا غَالِبًا . عَلَى أَنَّ فِي التَّعْبِير بِقَوْلِهِ " شَرْطَة مِحْجَم " مَا قَدْ يَتَنَاوَل الْفَصْد ، وَأَيْضًا فَالْحَجْم فِي الْبِلاد الْحَارَّة أَنْجَح مِنْ الْفَصْد ، وَالْفَصْد فِي الْبِلاد الَّتِي لَيْسَتْ بِحَارَّةٍ أَنْجَحَ مِنْ الْحَجْم . وَأَمَّا الإمْتِلَاء الصَّفْرَاوِيّ وَمَا ذُكِرَ مَعَهُ فَدَوَاؤُهُ بِالْمُسَهِّلِ ، وَقَدْ نَبَّهَ عَلَيْهِ بِذِكْرِ الْعَسَل ، وَسَيَأْتِي تَوْجِيه ذَلِكَ فِي الْبَاب الَّذِي بَعْده . وَأَمَّا الْكَيّ فَإِنَّهُ يَقَع آخِرًا لإخْرَاجِ مَا يَتَعَسَّر إِخْرَاجه مِنْ الْفَضَلات ؛ وَإِنَّمَا نَهَى عَنْهُ مَعَ إثْبَاتِهِ الشِّفَاء فِيهِ إِمَّا لِكَوْنِهِمْ كَانُوا يَرَوْنَ أَنَّهُ يَحْسِم الْمَادَّة بِطَبْعِهِ فَكَرِهَهُ لِذَلِكَ ، وَلِذَلِكَ كَانُوا يُبَادِرُونَ إِلَيْهِ قَبْل حُصُول الدَّاء لِظَنِّهِمْ أَنَّهُ يَحْسِم الدَّاء فَتَعَجَّلَ الَّذِي يَكْتَوِي التَّعْذِيب بِالنَّارِ لِأَمْرٍ مَظْنُون ، وَقَدْ لا يَتَّفِق أَنْ يَقَع لَهُ ذَلِكَ الْمَرَض الَّذِي يَقْطَعهُ الْكَيّ . وَيُؤْخَذ مِنْ الْجَمْع بَيْن كَرَاهَته صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْكَيِّ وَبَيْن اِسْتِعْمَاله لَهُ أَنَّهُ لَا يُتْرَك مُطْلَقًا وَلا يُسْتَعْمَل مُطْلَقًا ، بَلْ يُسْتَعْمَل عِنْد تَعَيُّنه طَرِيقًا إِلَى الشِّفَاء مَعَ مُصَاحَبَة اِعْتِقَاد أَنَّ الشِّفَاء بِإِذْنِ اللَّه تَعَالَى ، وَعَلَى هَذَا التَّفْسِير يُحْمَل حَدِيث الْمُغِيرَة رَفَعَهُ " مَنْ اِكْتَوَى أَوْ اِسْتَرْقَى فَقَدْ بَرِئَ مِنْ التَّوَكُّل " أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ اِبْن حِبَّان وَالْحَاكِم . وَقَالَ الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد بْن أَبِي جَمْرَة : عُلِمَ مِنْ مَجْمُوع كَلامه فِي الْكَيّ أَنَّ فِيهِ نَفْعًا وَأَنَّ فِيهِ مَضَرَّة ، فَلَمَّا نَهَى عَنْهُ عُلِمَ أَنَّ جَانِب الْمَضَرَّة فِيهِ أَغْلَب ، وَقَرِيب مِنْهُ إِخْبَار اللَّه تَعَالَى أَنَّ فِي الْخَمْر مَنَافِع ثُمَّ حَرَّمَهَا لأنَّ الْمَضَارّ الَّتِي فِيهَا أَعْظَم مِنْ الْمَنَافِع . اِنْتَهَى مُلَخَّصًا . وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى كُلّ مِنْ هَذِهِ الْأُمُور الثَّلَاثَة فِي أَبْوَاب مُفْرَدَة لَهَا . وَقَدْ قِيلَ إِنَّ الْمُرَاد بِالشِّفَاءِ فِي هَذَا الْحَدِيث الشِّفَاء مِنْ أَحَد قِسْمَيْ الْمَرَض ، لأنَّ الْأَمْرَاض كُلّهَا إِمَّا مَادِّيَّة أَوْ غَيْرهَا ؛ وَالْمَادِّيَّة كَمَا تَقَدَّمَ حَارَّة وَبَارِدَة ، وَكُلّ مِنْهُمَا وَإِنْ اِنْقَسَمَ إِلَى رَطْبَة وَيَابِسَة وَمُرَكَّبَة فَالأصْل الْحَرَارَة وَالْبُرُودَة وَمَا عَدَاهُمَا يَنْفَعِل مِنْ إِحْدَاهُمَا ، فَنَبَّهَ بِالْخَبَرِ عَلَى أَصْل الْمُعَالَجَة بِضَرْبٍ مِنْ الْمِثَال ، فَالْحَارَّة تُعَالَج بِإِخْرَاجِ الدَّم لِمَا فِيهِ مِنْ اِسْتِفْرَاغ الْمَادَّة وَتَبْرِيد الْمِزَاج ، وَالْبَارِدَة بِتَنَاوُلِ الْعَسَل لِمَا فِيهِ مِنْ التَّسْخِين وَالإنْضَاج وَالتَّقْطِيع وَالتَّلْطِيف وَالْجَلاء وَالتَّلْيِين ، فَيَحْصُل بِذَلِكَ اِسْتِفْرَاغ الْمَادَّة بِرِفْقٍ ، وَأَمَّا الْكَيّ فَخَاصّ بِالْمَرَضِ الْمُزْمِن لِأَنَّهُ يَكُون عَنْ مَادَّة بَارِدَة فَقَدْ تُفْسِد مِزَاج الْعُضْو فَإِذَا كُوِيَ خَرَجَتْ مِنْهُ ، وَأَمَّا الْأَمْرَاض الَّتِي لَيْسَتْ بِمَادِّيَّةِ فَقَدْ أُشِيرَ إِلَى عِلَاجهَا بِحَدِيثِ " الْحُمَّى مِنْ فَيْح جَهَنَّم فَأَبْرِدُوهَا بِالْمَاءِ " وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ عِنْد شَرْحه إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى . وَأَمَّا قَوْله " وَمَا أُحِبّ أَنْ أَكْتَوِي " فَهُوَ مِنْ جِنْس تَرْكه أَكْل الضَّبّ مَعَ تَقْرِيره أَكْله عَلَى مَائِدَته وَاعْتِذَاره بِأَنَّهُ يَعَافهُ . )
وقال أيضا في موضع آخر من فتح الباري :
(قوْله : ( بَاب الدَّوَاء بِالْعَسَلِ ، وَقَوْل اللَّه تَعَالَى : فِيهِ شِفَاء لِلنَّاسِ )
كَأَنَّهُ أَشَارَ بِذِكْرِ الآيَة إِلَى أَنَّ الضَّمِير فِيهَا لِلْعَسَلِ وَهُوَ قَوْل الْجُمْهُور ، وَزَعَمَ بَعْض أَهْل التَّفْسِير أَنَّهُ لِلْقُرْآنِ . وَذَكَرَ اِبْن بَطَّال أَنَّ بَعْضهمْ قَالَ : إِنَّ قَوْله تَعَالَى ( فِيهِ شِفَاء لِلنَّاسِ ) أَيْ لِبَعْضِهِمْ ، وَحَمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ تَنَاوُل الْعَسَل قَدْ يَضُرّ بِبَعْضِ النَّاس كَمَنْ يَكُون حَارّ الْمِزَاج ، لَكِنْ لا يَحْتَاج إِلَى ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي حَمْله عَلَى الْعُمُوم مَا يَمْنَع أَنَّهُ قَدْ يَضُرّ الْأَبْدَان بِطَرِيقِ الْعَرْض . وَالْعَسَل يُذَكَّر وَيُؤَنَّث ، وَأَسْمَاؤُهُ تَزِيد عَلَى الْمِائَة ، وَفِيهِ مِنْ الْمَنَافِع مَا لَخَّصَهُ الْمُوَفَّق الْبَغْدَادِيّ وَغَيْره فَقَالُوا : يَجْلُو الْأَوْسَاخ الَّتِي فِي الْعُرُوق وَالأمْعَاء ، وَيَدْفَع الْفَضَلَات ، وَيَغْسِل خَمْل الْمَعِدَة ، وَيُسَخِّنهَا تَسْخِينًا مُعْتَدِلًا ، وَيَفْتَح أَفْوَاه الْعُرُوق وَيَشُدّ الْمَعِدَة وَالْكَبِد وَالْكُلَى وَالْمَثَانَة وَالْمَنَافِذ ، وَفِيهِ تَحْلِيل لِلرُّطُوبَاتِ أَكْلاً وَطِلاءً وَتَغْذِيَة ، وَفِيهِ حِفْظ الْمَعْجُونَات وَإِذْهَاب لِكَيْفِيَّةِ الأدْوِيَة الْمُسْتَكْرَهَة ، وَتَنْقِيَة الْكَبِد وَالصَّدْر ، وَإِدْرَار الْبَوْل وَالطَّمْث ، وَنَفْع لِلسُّعَالِ الْكَائِن مِنْ الْبَلْغَم ، وَنَفْع لِأَصْحَابِ الْبَلْغَم وَالْأَمْزِجَة الْبَارِدَة . وَإِذَا أُضِيفَ إِلَيْهِ الْخَلّ نَفَعَ أَصْحَاب الصَّفْرَاء . ثُمَّ هُوَ غِذَاء مِنْ الْأَغْذِيَة ، وَدَوَاء مِنْ الْأَدْوِيَة ، وَشَرَاب مِنْ الْأَشْرِبَة ، وَحَلْوَى مِنْ الْحَلاوَات ، وَطِلَاء مِنْ الْأَطْلِيَة ، وَمُفْرِح مِنْ الْمُفْرِحَات . وَمِنْ مَنَافِعه أَنَّهُ إِذَا شُرِبَ حَارًّا بِدُهْنِ الْوَرْد نَفَعَ مِنْ نَهْش الْحَيَوَان ، وَإِذَا شُرِبَ وَحْده بِمَاءٍ نَفَعَ مِنْ عَضَّة الْكَلْب الْكَلِب ، وَإِذَا جُعِلَ فِيهِ اللَّحْم الطَّرِيّ حَفِظَ طَرَاوَته ثَلاثَة أَشْهُر ، وَكَذَلِكَ الْخِيَار وَالْقَرْع وَالْبَاذِنْجَان وَاللَّيْمُون وَنَحْو ذَلِكَ مِنْ الْفَوَاكِه ، وَإِذَا لُطِّخَ بِهِ الْبَدَن لِلْقَمْلِ قَتَلَ الْقَمْل وَالصِّئْبَان ، وَطَوَّلَ الشَّعْر وَحَسَّنَهُ وَنَعَّمَهُ ، وَإِنْ اُكْتُحِلَ بِهِ جَلَا ظُلْمَة الْبَصَر ، وَإِنْ اُسْتُنَّ بِهِ صَقَلَ الْأَسْنَان وَحَفِظَ صِحَّتهَا . وَهُوَ عَجِيب فِي حِفْظ جُثَث الْمَوْتَى فَلا يَسْرُع إِلَيْهَا الْبِلَى ، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ مَأْمُون الْغَائِلَة قَلِيل الْمَضَرَّة ، وَلَمْ يَكُنْ يُعَوِّل قُدَمَاء الْأَطِبَّاء فِي الْأَدْوِيَة الْمُرَكَّبَة إِلَّا عَلَيْهِ ، وَلَا ذِكْر لِلسُّكَّرِ فِي أَكْثَر كُتُبهمْ أَصْلاً . وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو نُعَيْم فِي " الطِّبّ النَّبَوِيّ " بِسَنَدٍ ضَعِيف مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة رَفَعَهُ وَابْن مَاجَهْ بِسَنَدٍ ضَعِيف مِنْ حَدِيث جَابِر رَفَعَهُ " مَنْ لَعِقَ الْعَسَل ثَلَاث غَدَوَات فِي كُلّ شَهْر لَمْ يُصِبْهُ عَظِيم بَلاء " وَاَللَّه أَعْلَم 0)
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم وبعد
فلقد فتن الناس في هذا العصر إلا من رحم الله بالطب الحديث الذى يعتمد الدواء الكيميائى في معظم الأمراض التى يعانى منها الناس ، وعلى النقيض نجد بعض الناس أعرض عنه إعراضا كليا والمسلك الصحيح هو التوسط فلا إفراط ولا تفريط ، ولاشك أن الطب المعاصر أثبت نجاحا وكان سببا في علاج كثير من الأمراض العصرية كما يقال وهذا من فضل الله على الناس ولكنه أعنى الطب الحديث لم يستوعب بل وقف مكتوف الأيدى عند كثير من الأمراض ومعظم المشتغلون بهذا الطب المعاصر للأسف لا يعترفون إلا بالأشياء المادية المحسوسة ولذلك تجدهم يتجاهلون ما ورد من أحاديث نبوية صحيحة ثابتة في السنة التى منها ما أخرجه الإمام البخاري رحمه الله في صحيحه حيث ساق بإسناده إلى :
سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ :
(الشِّفَاءُ فِي ثَلَاثَةٍ شَرْبَةِ عَسَلٍ وَشَرْطَةِ مِحْجَمٍ وَكَيَّةِ نَارٍ وَأَنْهَى أُمَّتِي عَنْ الْكَيِّ
رَفَعَ الْحَدِيثَ وَرَوَاهُ الْقُمِّيُّ عَنْ لَيْثٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْعَسَلِ وَالْحَجْمِ )
قال الألباني في " السلسلة الصحيحة " 3 / 145 :
أخرجه البخاري ( 1 / 112 و 113 ) و ابن ماجه ( 2 / 352 و 353 ) و أحمد ( 1 /
245 و 246 ) و الطبراني في " المعجم الكبير " ( 3 / 153 / 1 ) عن مروان بن شجاع
عن سالم الأفطس عن سعيد بن جبير عن ابن عباس مرفوعا . و للحديث شاهد بلفظ :
( إن كان في شيء من أدويتكم ) . و قد مر برقم ( 245 ) .
وأخرج البخاري في صحيحه أيضا حيث ساق بإسناده إلي :
قَتَادَةَ أَنَّ أَنَسًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حَدَّثَهُمْ
أَنَّ نَاسًا مِنْ عُكْلٍ وَعُرَيْنَةَ قَدِمُوا الْمَدِينَةَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَكَلَّمُوا بِالإسْلامِ فَقَالُوا يَا نَبِيَّ اللَّهِ إِنَّا كُنَّا أَهْلَ ضَرْعٍ وَلَمْ نَكُنْ أَهْلَ رِيفٍ وَاسْتَوْخَمُوا الْمَدِينَةَ فَأَمَرَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَوْدٍ وَرَاعٍ وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَخْرُجُوا فِيهِ فَيَشْرَبُوا مِنْ أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا
وقصة العرنين أخرجها الإمام مسلم أيضا فالحديث متفق عليه0
فمن تأمل في هذين الحديثنين وجد أن قواعد علم الطب العامة قد جمعت في الحديث الأول على سبيل العموم فأمراض الدم جعل لها الحجامة وأمراض الجهاز الهضمى فى العسل وأمراض الأعصاب والعظام الكى بالنار وقد تتناوب هذه الوسائل فى علاج بعض الأمراض وقد تشترك وهى ليست شاملة لكل الأمراض عند جميع الناس بل قد تكون هناك وسيلة تصلح لشخص دون آخر كل بحسبه وليس على سبيل الحصر بدليل ما ورد في الحديث الثانى حيث أرشدهم إلى ألبان الإبل وأبوالها ولم يرشدهم إلى العسل أو الحجامة أو الكى بالنار0
الحاصل أننى من الذين جربوا العلاج بالعسل وبالحجامة وبألبان الإبل ووجدت فيها خيرا كثيرا وأثرا ظاهرا بفضل الله ومع هذا أستعمل العلاج الكيمائى ولا أنكر أثره ولكن الذى أريده من خلال هذا البحث هو جمع أقوال أهل العلم في شرح هذين الحديثين ( حديث الشفاء في ثلاثة وحديث قصة وفد العرنيين )
مع ذكر التجارب العملية في هذا الباب حتى نخرج بفوائد ربما غفل عنها كثير من الناس كذلك نبين المسلك الوسط بين استعمال هذه الوسائل التى وردت فى السنة وبين العلاج الكيميائى الذى نراه اليوم0
فهل من مشارك في اخراج هذا البحث بشرط الإختصار غير المخل حتى يكون في متناول الجميع وتعم به الفائدة مع ملاحظة أن المشاركة للجميع فمن وجد علما وضعه في مشاركة وننتقى منها وفى النهاية يخرج البحث مكتمل فى ملف يعرض على أهل العلم و المختصين وبعدها ينشر لينتفع به الناس والله المستعان
نبدأ بسم الله وهذا نقل من فتح الباري قال الحافظ :
(قَالَ الْخَطَّابِيُّ اِنْتَظَمَ هَذَا الْحَدِيث عَلَى جُمْلَة مَا يَتَدَاوَى بِهِ النَّاس ، وَذَلِكَ أَنَّ الْحَجْم يَسْتَفْرِغ الدَّم وَهُوَ أَعْظَم الأخْلاط ، وَالْحَجْم أَنْجَحهَا شِفَاء عِنْد هَيَجَان الدَّم ، وَأَمَّا الْعَسَل فَهُوَ مُسَهِّل لِلأخْلاطِ الْبَلْغَمِيَّة ، وَيَدْخُل فِي الْمَعْجُونَات لِيَحْفَظ عَلَى تِلْكَ الأدْوِيَة قُوَاهَا وَيُخْرِجهَا مِنْ الْبَدَن ، وَأَمَّا الْكَيّ فَإِنَّمَا يُسْتَعْمَل فِي الْخَلْط الْبَاغِي الَّذِي لا تَنْحَسِم مَادَّته إِلا بِهِ ، وَلِهَذَا وَصَفَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ نَهَى عَنْهُ ، وَإِنَّمَا كَرِهَهُ لِمَا فِيهِ مِنْ الألَم الشَّدِيد وَالْخَطَر الْعَظِيم ، وَلِهَذَا كَانَتْ الْعَرَب تَقُول فِي أَمْثَالهَا " آخِر الدَّوَاء الْكَيّ " ، وَقَدْ كَوَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَعْد بْن مُعَاذ وَغَيْره ، وَاكْتَوَى غَيْر وَاحِد مِنْ الصَّحَابَة . قُلْت : وَلَمْ يُرِدْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْحَصْر فِي الثَّلاثَة ، فَإِنَّ الشِّفَاء قَدْ يَكُون فِي غَيْرهَا ، وَإِنَّمَا نَبَّهَ بِهَا عَلَى أُصُول الْعِلاج ، وَذَلِكَ أَنَّ الأمْرَاض الإمْتِلائِيَّة تَكُون دَمَوِيَّة وَصَفْرَاوِيَّة وَبَلْغَمِيَّة وَسَوْدَاوِيَّة ، وَشِفَاء الدَّمَوِيَّة بِإِخْرَاجِ الدَّم ، وَإِنَّمَا خُصَّ الْحَجْم بِالذِّكْرِ لِكَثْرَةِ اِسْتِعْمَال الْعَرَب وَالْفَهْم لَهُ ، بِخِلافِ الْفَصْد فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ فِي مَعْنَى الْحَجْم لَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَعْهُودًا لَهَا غَالِبًا . عَلَى أَنَّ فِي التَّعْبِير بِقَوْلِهِ " شَرْطَة مِحْجَم " مَا قَدْ يَتَنَاوَل الْفَصْد ، وَأَيْضًا فَالْحَجْم فِي الْبِلاد الْحَارَّة أَنْجَح مِنْ الْفَصْد ، وَالْفَصْد فِي الْبِلاد الَّتِي لَيْسَتْ بِحَارَّةٍ أَنْجَحَ مِنْ الْحَجْم . وَأَمَّا الإمْتِلَاء الصَّفْرَاوِيّ وَمَا ذُكِرَ مَعَهُ فَدَوَاؤُهُ بِالْمُسَهِّلِ ، وَقَدْ نَبَّهَ عَلَيْهِ بِذِكْرِ الْعَسَل ، وَسَيَأْتِي تَوْجِيه ذَلِكَ فِي الْبَاب الَّذِي بَعْده . وَأَمَّا الْكَيّ فَإِنَّهُ يَقَع آخِرًا لإخْرَاجِ مَا يَتَعَسَّر إِخْرَاجه مِنْ الْفَضَلات ؛ وَإِنَّمَا نَهَى عَنْهُ مَعَ إثْبَاتِهِ الشِّفَاء فِيهِ إِمَّا لِكَوْنِهِمْ كَانُوا يَرَوْنَ أَنَّهُ يَحْسِم الْمَادَّة بِطَبْعِهِ فَكَرِهَهُ لِذَلِكَ ، وَلِذَلِكَ كَانُوا يُبَادِرُونَ إِلَيْهِ قَبْل حُصُول الدَّاء لِظَنِّهِمْ أَنَّهُ يَحْسِم الدَّاء فَتَعَجَّلَ الَّذِي يَكْتَوِي التَّعْذِيب بِالنَّارِ لِأَمْرٍ مَظْنُون ، وَقَدْ لا يَتَّفِق أَنْ يَقَع لَهُ ذَلِكَ الْمَرَض الَّذِي يَقْطَعهُ الْكَيّ . وَيُؤْخَذ مِنْ الْجَمْع بَيْن كَرَاهَته صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْكَيِّ وَبَيْن اِسْتِعْمَاله لَهُ أَنَّهُ لَا يُتْرَك مُطْلَقًا وَلا يُسْتَعْمَل مُطْلَقًا ، بَلْ يُسْتَعْمَل عِنْد تَعَيُّنه طَرِيقًا إِلَى الشِّفَاء مَعَ مُصَاحَبَة اِعْتِقَاد أَنَّ الشِّفَاء بِإِذْنِ اللَّه تَعَالَى ، وَعَلَى هَذَا التَّفْسِير يُحْمَل حَدِيث الْمُغِيرَة رَفَعَهُ " مَنْ اِكْتَوَى أَوْ اِسْتَرْقَى فَقَدْ بَرِئَ مِنْ التَّوَكُّل " أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ اِبْن حِبَّان وَالْحَاكِم . وَقَالَ الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد بْن أَبِي جَمْرَة : عُلِمَ مِنْ مَجْمُوع كَلامه فِي الْكَيّ أَنَّ فِيهِ نَفْعًا وَأَنَّ فِيهِ مَضَرَّة ، فَلَمَّا نَهَى عَنْهُ عُلِمَ أَنَّ جَانِب الْمَضَرَّة فِيهِ أَغْلَب ، وَقَرِيب مِنْهُ إِخْبَار اللَّه تَعَالَى أَنَّ فِي الْخَمْر مَنَافِع ثُمَّ حَرَّمَهَا لأنَّ الْمَضَارّ الَّتِي فِيهَا أَعْظَم مِنْ الْمَنَافِع . اِنْتَهَى مُلَخَّصًا . وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى كُلّ مِنْ هَذِهِ الْأُمُور الثَّلَاثَة فِي أَبْوَاب مُفْرَدَة لَهَا . وَقَدْ قِيلَ إِنَّ الْمُرَاد بِالشِّفَاءِ فِي هَذَا الْحَدِيث الشِّفَاء مِنْ أَحَد قِسْمَيْ الْمَرَض ، لأنَّ الْأَمْرَاض كُلّهَا إِمَّا مَادِّيَّة أَوْ غَيْرهَا ؛ وَالْمَادِّيَّة كَمَا تَقَدَّمَ حَارَّة وَبَارِدَة ، وَكُلّ مِنْهُمَا وَإِنْ اِنْقَسَمَ إِلَى رَطْبَة وَيَابِسَة وَمُرَكَّبَة فَالأصْل الْحَرَارَة وَالْبُرُودَة وَمَا عَدَاهُمَا يَنْفَعِل مِنْ إِحْدَاهُمَا ، فَنَبَّهَ بِالْخَبَرِ عَلَى أَصْل الْمُعَالَجَة بِضَرْبٍ مِنْ الْمِثَال ، فَالْحَارَّة تُعَالَج بِإِخْرَاجِ الدَّم لِمَا فِيهِ مِنْ اِسْتِفْرَاغ الْمَادَّة وَتَبْرِيد الْمِزَاج ، وَالْبَارِدَة بِتَنَاوُلِ الْعَسَل لِمَا فِيهِ مِنْ التَّسْخِين وَالإنْضَاج وَالتَّقْطِيع وَالتَّلْطِيف وَالْجَلاء وَالتَّلْيِين ، فَيَحْصُل بِذَلِكَ اِسْتِفْرَاغ الْمَادَّة بِرِفْقٍ ، وَأَمَّا الْكَيّ فَخَاصّ بِالْمَرَضِ الْمُزْمِن لِأَنَّهُ يَكُون عَنْ مَادَّة بَارِدَة فَقَدْ تُفْسِد مِزَاج الْعُضْو فَإِذَا كُوِيَ خَرَجَتْ مِنْهُ ، وَأَمَّا الْأَمْرَاض الَّتِي لَيْسَتْ بِمَادِّيَّةِ فَقَدْ أُشِيرَ إِلَى عِلَاجهَا بِحَدِيثِ " الْحُمَّى مِنْ فَيْح جَهَنَّم فَأَبْرِدُوهَا بِالْمَاءِ " وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ عِنْد شَرْحه إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى . وَأَمَّا قَوْله " وَمَا أُحِبّ أَنْ أَكْتَوِي " فَهُوَ مِنْ جِنْس تَرْكه أَكْل الضَّبّ مَعَ تَقْرِيره أَكْله عَلَى مَائِدَته وَاعْتِذَاره بِأَنَّهُ يَعَافهُ . )
وقال أيضا في موضع آخر من فتح الباري :
(قوْله : ( بَاب الدَّوَاء بِالْعَسَلِ ، وَقَوْل اللَّه تَعَالَى : فِيهِ شِفَاء لِلنَّاسِ )
كَأَنَّهُ أَشَارَ بِذِكْرِ الآيَة إِلَى أَنَّ الضَّمِير فِيهَا لِلْعَسَلِ وَهُوَ قَوْل الْجُمْهُور ، وَزَعَمَ بَعْض أَهْل التَّفْسِير أَنَّهُ لِلْقُرْآنِ . وَذَكَرَ اِبْن بَطَّال أَنَّ بَعْضهمْ قَالَ : إِنَّ قَوْله تَعَالَى ( فِيهِ شِفَاء لِلنَّاسِ ) أَيْ لِبَعْضِهِمْ ، وَحَمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ تَنَاوُل الْعَسَل قَدْ يَضُرّ بِبَعْضِ النَّاس كَمَنْ يَكُون حَارّ الْمِزَاج ، لَكِنْ لا يَحْتَاج إِلَى ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي حَمْله عَلَى الْعُمُوم مَا يَمْنَع أَنَّهُ قَدْ يَضُرّ الْأَبْدَان بِطَرِيقِ الْعَرْض . وَالْعَسَل يُذَكَّر وَيُؤَنَّث ، وَأَسْمَاؤُهُ تَزِيد عَلَى الْمِائَة ، وَفِيهِ مِنْ الْمَنَافِع مَا لَخَّصَهُ الْمُوَفَّق الْبَغْدَادِيّ وَغَيْره فَقَالُوا : يَجْلُو الْأَوْسَاخ الَّتِي فِي الْعُرُوق وَالأمْعَاء ، وَيَدْفَع الْفَضَلَات ، وَيَغْسِل خَمْل الْمَعِدَة ، وَيُسَخِّنهَا تَسْخِينًا مُعْتَدِلًا ، وَيَفْتَح أَفْوَاه الْعُرُوق وَيَشُدّ الْمَعِدَة وَالْكَبِد وَالْكُلَى وَالْمَثَانَة وَالْمَنَافِذ ، وَفِيهِ تَحْلِيل لِلرُّطُوبَاتِ أَكْلاً وَطِلاءً وَتَغْذِيَة ، وَفِيهِ حِفْظ الْمَعْجُونَات وَإِذْهَاب لِكَيْفِيَّةِ الأدْوِيَة الْمُسْتَكْرَهَة ، وَتَنْقِيَة الْكَبِد وَالصَّدْر ، وَإِدْرَار الْبَوْل وَالطَّمْث ، وَنَفْع لِلسُّعَالِ الْكَائِن مِنْ الْبَلْغَم ، وَنَفْع لِأَصْحَابِ الْبَلْغَم وَالْأَمْزِجَة الْبَارِدَة . وَإِذَا أُضِيفَ إِلَيْهِ الْخَلّ نَفَعَ أَصْحَاب الصَّفْرَاء . ثُمَّ هُوَ غِذَاء مِنْ الْأَغْذِيَة ، وَدَوَاء مِنْ الْأَدْوِيَة ، وَشَرَاب مِنْ الْأَشْرِبَة ، وَحَلْوَى مِنْ الْحَلاوَات ، وَطِلَاء مِنْ الْأَطْلِيَة ، وَمُفْرِح مِنْ الْمُفْرِحَات . وَمِنْ مَنَافِعه أَنَّهُ إِذَا شُرِبَ حَارًّا بِدُهْنِ الْوَرْد نَفَعَ مِنْ نَهْش الْحَيَوَان ، وَإِذَا شُرِبَ وَحْده بِمَاءٍ نَفَعَ مِنْ عَضَّة الْكَلْب الْكَلِب ، وَإِذَا جُعِلَ فِيهِ اللَّحْم الطَّرِيّ حَفِظَ طَرَاوَته ثَلاثَة أَشْهُر ، وَكَذَلِكَ الْخِيَار وَالْقَرْع وَالْبَاذِنْجَان وَاللَّيْمُون وَنَحْو ذَلِكَ مِنْ الْفَوَاكِه ، وَإِذَا لُطِّخَ بِهِ الْبَدَن لِلْقَمْلِ قَتَلَ الْقَمْل وَالصِّئْبَان ، وَطَوَّلَ الشَّعْر وَحَسَّنَهُ وَنَعَّمَهُ ، وَإِنْ اُكْتُحِلَ بِهِ جَلَا ظُلْمَة الْبَصَر ، وَإِنْ اُسْتُنَّ بِهِ صَقَلَ الْأَسْنَان وَحَفِظَ صِحَّتهَا . وَهُوَ عَجِيب فِي حِفْظ جُثَث الْمَوْتَى فَلا يَسْرُع إِلَيْهَا الْبِلَى ، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ مَأْمُون الْغَائِلَة قَلِيل الْمَضَرَّة ، وَلَمْ يَكُنْ يُعَوِّل قُدَمَاء الْأَطِبَّاء فِي الْأَدْوِيَة الْمُرَكَّبَة إِلَّا عَلَيْهِ ، وَلَا ذِكْر لِلسُّكَّرِ فِي أَكْثَر كُتُبهمْ أَصْلاً . وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو نُعَيْم فِي " الطِّبّ النَّبَوِيّ " بِسَنَدٍ ضَعِيف مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة رَفَعَهُ وَابْن مَاجَهْ بِسَنَدٍ ضَعِيف مِنْ حَدِيث جَابِر رَفَعَهُ " مَنْ لَعِقَ الْعَسَل ثَلَاث غَدَوَات فِي كُلّ شَهْر لَمْ يُصِبْهُ عَظِيم بَلاء " وَاَللَّه أَعْلَم 0)